النص المفهرس
صفحات 361-380
٥٦- (حَقَّ الرَّضَاعِ، وَحُزْمَتُهُ) - حديث رقم ٣٣٣٠ ٣٦١ = وهب، عن عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج بن الحجاج الأسلميّ، عن أبيه، عن النبيّ ڭى . قال: وأخبرنيه ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن حجاج بن حجاج الأسلميّ، عن أبيه، أنه قال: يارسول اللَّه، ما يُذهب عني مذمة الرضاع، فقال رسول اللَّه وَله: ((الغرّة، العبد، والأمة)). وكذلك رواه أبو معاوية، وعبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة، إلا أنهما قالا: ((العبد، أو الأمة)). وقيل: عنه، عن حجاج بن أبي الحجّاج، عن أبيه. والصواب الحجاج بن الحجاج، عن أبيه. قاله البخاريّ انتهى (١). (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُذْهِبُ عَنِي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟) أي أيّ شيءٍ يُذهب عني الحقّ الذي تعلّق بي للمرضعة؟؛ لأجل إحسانها لي بالرضاع، فإني إن لم أكافئها على ذلك صرتُ مذمومًا عند الناس بسبب عدم المكافأة. وقال في ((النهاية)): ((الْمَذَمَّة)) بالفتح مَفْعَلة من الذّمَ، وبالكسر من الذُمَّة، والذِمَام. وقيل: هي بالكسر والفتح: الحقُّ، والحرمة التي يُذْمَ مُضَيِّعُها. والمراد بمذمّة الرضاع: الحقّ اللازم بسبب الرضاع، فكأنه سأل ما يُسقط عنّي حقّ المرضعة حتى أكون قد أديته كاملًا؟، وكانوا يستحبّون أن يُعطوا للمرضعة عند فِصَال الصبيّ شيئًا سوى أجرتها (٢) انتھی(٢). (قَالَ) وَّهِ (غُرَّةُ) فاعل لمحذوف، دلّ عليه السؤال، ، أي يُذهب عنك المذمّة غرّة. ويحتمل أن يكون خبرًا لمبتدإٍ محذوف، أي الْمُذهِب عنك ذلك غُرّة. و((الغُرّة)) بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء: أصل الغرّة: البياض الذي يكون في وجه الفرس، والمراد به هنا العبد نفسه، أو الأمة نفسها. قال ابن منظور: الغرّة: العبد، أو الأمة، كأنه عُبّر عن الجسم كلّه بالغرّة، وقال الراجز: كُلُّ قَتِيلِ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهِ حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلَ آلُ مُرَّة يقول: كلهم ليسوا بكفء لكليب، إنما هم بمنزلة العبيد والإماء، إن قتلتُهُم، حتى أَقتُل آل مرّة، فإنهم الأكفاء حينئذ. قال: وقال أبو سعيد: الغرّةُ عند العرب أنفَسُ شيء يُمْلَكُ، وأفضلُهُ، والفرسُ غُرّةُ مال الرجل، والعبدُ غرّةُ ماله، والبعير النجيب غُرّةُ ماله، (١) ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ٧/ ٤٦٤. (٢) ((النهاية)) ١٦٩/٢. ٣٦٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ والأمةُ الفارهةُ من غرّة المال. قال: وأصل الغرّة البياض الذي يكون في وجه الفرس، وكأنه عُبّر عن الجسم كلّه بالغرّة انتهى(١). وقال في ((الفتح)): والغرّة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدميّ في الحديث المتقدّم في الوضوء: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا)). وتطلق الغرّة على الشيء النفيس، آدميًّا كان، أو غيره، ذكرًا كان، أو أنثى. وقيل: أُطلق على الآدميّ غرّةٌ لأنه أشرف الحيوان، فإن محلّ الغرّة الوجه، والوجهُ أشرف الأعضاء (٢) انتھی(٢). والمعنى: أنه وَّ قال له: إنها قد قامت بخدمتك، وأنت طفلٌ، فكافئها بخادم يقوم بمهنتها، وقضاء حاجتها؛ أداءً لحقّها؛ إذ الجزاء من جنس العمل. وقوله (عَبْد، أَوْ أَمَة) يحتمل أن يكون بالرفع بدلا من ((غرّة»، أو عطف بيان. ويحتمل أن يكون بالإضافة، ويكون من إضافة العامّ إلى الخاصّ، كشجر أراك، وعلم الفقه، و((أو)) يحتمل أن تكون للتنويع، أو للشّكّ من الراوي، والأول أظهر. وقال في ((الفتح)): عند شرح دية الجنين: ما نصّه: وقال الإسماعيليّ: ((فقضى رسول اللَّه وَليل فيها بغرّة عبد، أو أمة)): قرأ العامة بالإضافة، وغيرهم بالتنوين. وحكى القاضي عياض الخلاف، وقال: التنوين أوجه؛ لأنه بيان للغرّة ما هي؟، وتوجيه الآخر أن الشيء قد يُضاف إلى نفسه، لكنّه نادر. وقال الباجيّ: يحتمل أن تكون ((أو)) شكًا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل أن تكون للتنويع، وهو الأظهر. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حجاج بن مالك هذا حسنٌ، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. [فإن قلت]: كيف يكون حسنًا، وفي إسناده حجاج بن حجاج، قال عنه في ((التقريب)): مقبول، أي يحتاج إلى متابع؟. [قلت]: حجّاج بن حجاج وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ عنه في ((الميزان)) -١/ ٤٦١: صدوق. وروى عنه عروة بن الزبير، وعبد الله الزبير على خلاف فيه، فمن كان (١) ((لسان العرب)) في مادة غرر ١٨/٥-١٩. (٢) ((فتح)) ٢٤٤/١٤ (كتاب الديات)). (٣) ((فتح)) ٢٤٤/١٤ (كتاب الديات)). ٥٧- (الشهادةُ فِي الرَّضَاع) - حدیث رقم ٣٣٣١ ٣٦٣ هكذا لا ينقص حديثه عن درجة الحسن، فالحقّ أن حديثه حسنٌ. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٣٠/٥٦- وفي («الكبرى» ٥٤٨٢/٥٢ و٥٤٨٣ . وأخرجه (د)ف ٢٠٦٤ (ت) في ((الرضاع)) ١١٥٣ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥٣٠٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حقّ الرضاع، وحرمته. (ومنها): أن أم الرضاعة تستحقّ البرّ والإحسان إليها من الرضيع، وأن ذلك يَسقُط ببذله الغرّة المذكورة. (ومنها): ما كان عليه الصحابة من الحرص على تعلّم أحكام الدين. (ومنها): عناية الشارع بمراعاة حقوق أصحاب الإحسان، فينبغي مكافأتهم، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: ((من استعاذكم بالله، فأعيذوه، ومن سألكم باللّه، فأعطوه، ومن دعاكم، فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا، فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد کافأتموه)). رواه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حبّان، والحاكم، ووافقه الذهبيّ. (ومنها): أن مكافأة المرضعة لا يكون بشيء قليل، وإنما بشيء حسن جميل؛ لأن غزّة الشيء خياره، وأفضله، فكما أن إحسانها أتمّ، كذلك تكون مكافأتها أتمّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)). ٥٧- (الشَّهَادَةُ فِي الرَّضَاعِ) ٣٣٣١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَّرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ، وَلَكِنِّي لِحَدِيثٍ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةَ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَِّيِّ وَِّ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ قُلَانٍ، فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَعْرَضَ عَنْي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلٍ وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّا كَاذِبَةٌ، قَالَ: ((وَكَيْفَ بِهَا، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، دَعْهَا عَنْكَ))). ٣٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣. ٢- (إسماعيل) بن إبراهيم ابنُ عليّة البصريّ، ثقة حافظ [٨] ١٩/١٨. ٣- (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٨/٤٢ . ٤- (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جُذْعان المكّيّ، ثقة فقيه [٣] ١٣٢/١٠١. ٥- (عبيد بن أبي مريم) المكيّ، مقبول [٣]. روى عن عقبة بن الحارث. وعنه ابن أبي مليكة. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن المدينيّ: لا نعرفه. أخرج ه البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف حديث الباب فقط . ٦- (عقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل بن عبدمناف النوفليّ المكيّ صحابيّ، من مسلمة الفتح، بقي إلى ما بعد الخمسين من الهجرة، تقدم في - ١٠٤/ ١٣٦٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، أو من خماسيّاته بالنسبة لسماع ابن أبي مليكة عن عقبة نفسه. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ونصفه الثاني بالمكيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن أبي مريم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةً) هو عبد الله بن عبيدالله بن أبي مليكة، نُسب إلى جدّه، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) المكيّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ انْحَارِثِ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ) أي ابن أبي مليكة (وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ) أي ابن الحارث الصحابيّ المذكور (وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ) يعني أنه وإن سمعه من عقبة نفسه، لكنه أتقن لحديث عبيد ابن أبي مريم، فلذا ساقه من طريقه، وهذا فيه أن اعتماده على عقبة، لا عبيد؛ لأنه مجهول، لكن لما صحّ لديه أصل الحديث بسماعه من عقبة، لكنه لم يستوعب ما سمعه منه، وإنما أتقن رواية عبيد ساقه بواسطته، من باب التقوية، والمتابعة، لا من باب ٣٦٥ == ٥٧- (الشَّهَادَةُ فِي الرَّضَاع) - حديث رقم ٣٣٣١ الرواية استقلالًا . قال الحافظ رحمه الله تعالى: وعبيد بن أبي مريم مكيّ، ما له في ((الصحيح)) سوى هذا الحديث، ولا أعرف من حاله شيئًا، إلا أن ابن حبّان ذكره في ثقات التابعين، وأن العمدة فيه على سماع ابن أبي مليكة له من عقبة بن الحارث نفسه انتهى(١). وفي رواية أبي داود من طريق حماد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، قال: وحدّثنيه صاحب لي، عنه، وأنا لحديث صاحبي أحفظ، ولم يسمّه. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في ((الشهادات)) من طريق ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة، قال: حدّثني عقبة بن الحارث، أو سمعته منه ... الحديث. فقال في ((الفتح)): وفيه إشارة إلى التفرقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع، أو بين القصد إلى التحديث وعدمه، فيقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ، أو قصد الشيخ تحديثه بذلك: ((حدّثني)) بالإفراد، وفيما عدا ذلك ((حدّثنا)) بالجمع، أو ((سمعت فلانًا يقول)). ووقع عند الدار قطنيّ من هذا الوجه: ((حدّثني عقبة بن الحارث))، ثم قال: ((لم يُحدّثني، ولكن سمعته يحدّث))، وهذا يعيّن أحد الاحتمالين، وقد اعتمد النسائيّ فيما يرويه عن الحارث بن مسكين، فيقول: ((الحارث بن مسكين قراءةٌ عليه، وأنا أسمع))، ولا يقول: حدّثني، ولا أخبرني؛ لأنه لم يقصده بالتحديث، وإنما كان يسمعه من غير أن يشعر به انتهى ما في ((الفتح))(٢). (قَالَ) عقبة (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) وفي رواية البخاريّ في ((كتاب العلم)) من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة: ((أنه تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة ... )). قال في ((الفتح)): اسمها غَنيّة -بفتح المعجمة، وکسر النون، بعدها یاء تحتانيّةٌ، مشدّدةٌ، وكنيتها أم يحيى. قال: وَهِمَ الكرمانيّ، فقال: لا يعرف اسمها. و((أبو إهاب)) -بكسر الهمزة -: لا أعرف اسمه، وهو مذكورٌ في الصحابة. و((عزیز)) -بفتح العين المهملة، وكسر الزاي، آخره زايٌ أيضًا- ومن قاله بضم أوله فقد حرّف. انتهى كلام الحافظ . (فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ) قال الحافظ: لم أقف على اسمها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) زاد الدار قطنيّ: ((فدخلت علينا امرأةٌ سوداء، فسألت، فأبطأنا عليها، فقالت: تصدّقوا عليّ، فوالله لقد أرضعتكما جميعًا)). زاد البخاريّ في ((العلم)): ((فقال لها عقبة: ما أرضعتني، ولا أخبرتني)) -أي بذلك قبل التزوّج -. زاد في ((الشهادة)) في [باب إذا شهد (١) ((فتح) ١٩٠/١٠-١٩١. ((كتاب النكاح)). (٢) ((فتح)) ٦٠٠/٥-٦٠١ ((كتاب الشهادات)). ٣٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ بشيء، فقال آخر: ما علمت ذلك]، وفي ((العلم)): فركب إلى رسول اللَّه وَل بالمدينة، فسأله)) (فَتَيْتُ النَّبِيِّ نَّهِ) وقد سبق أنه ركب من مكة إلى المدينة (فَأَخْبَرْتُهُ) أي بما حدث من تلك القضيّة، كما بيّنه بقوله (فَقُلْتُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ) تقدّم أن اسمها غنيّة بنت أبي إهاب بن عزيز (فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) أراد بذلك التعريض بكونها كاذبة في دعواها ذلك، كما سيصرّح به قريبًا (فَأَعْرَضَ) أي حوّل النبيّ وَ لَّ وجهه (عَنِّي) زاد في رواية البخاريّ في ((البيوع)): ((وتبسّم النبيّ وَّ)). وإنما أعرض عنه النبيّ وَّر؛ كراهيةً لسؤاله؛ إذ حقّه حينما وقعت له الشبهة أن يبتعد عنها، ويفارقها، ولا يستمرّ على نكاحها؛ إذ لا يليق بالعاقل في مثل هذا إلا الإعراض عن الشبهة، والتنزه عنها، لا السؤال ليتوسّل به إلى إبقائها عنده (فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّا كَاذِبَةٌ) أي في دعواها ذلك (قَالَ) ◌ِّرِ (وَكَيْفَ بِهَا) أي كيف يُظنّ بها الكذب، أو يُجزم به (وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا) أي وهو أمر ممكن، ولا يُعلم ذلك عادةً إلا من قِبَلها، فكيف تُكذّب فيه؟ (دَغْهَا) أي المرأة التي تزوّجتها؛ لوقوع الشبهة في كونها أختًا لك من الرضاعة، وقد أخذ بظاهره الإمام أحمد، وطائفة، وحمله الجمهور على أنه أرشده إلى الأحوط والأولى، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في ((المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله (عَنْكَ) متعلّق بـ (دع)) على تضمينه معنى أَبْعِذْ، أي أبعدها عنك بالطلاق. وزاد الدارقطنيّ في آخره: ((لا خير لك فيها))، وفي رواية للبخاريّ: ((فنهاه عنها))، وزاد في رواية له: ((ففارقها، ونكحت زوجًا غيره)). قال الحافظ: اسم هذا الزوج ظُريب -بضم المعجمة المشالة، وفتح الراء، وآخره موحّدة، مصغّرًا. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عقبة بن الحارث رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٣١/٥٧- وفي («الكبرى» ٥٤٨٤/٥٣. وأخرجه (خ) في ((العلم))٨٨ و((البيوع)) ٢٠٥٢ و((الشهادات))٢٦٤٠ و٢٦٥٩ و((النكاح))٥١٠٥ (د) في ((الأقضية))٣٦٠٣ (ت) ((الرضاع))١١٥١ (أحمد) ((مسند المدنيين)) ١٥٧١٥ و((مسند الكوفيين)) ١٨٩٣٠ (الدارمي) ((النكاح»٢٢٥٥ . والله تعالى أعلم. (١) ((فتح)) ٢٤٩/١. ٣٦٧ = ٥٧- (الشَّهَادَةُ فِي الرَّضَاع) - حديث رقم ٣٣٣١ (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعيّة الشهادة على الرضاع. (ومنها): قبول شهادة المرأة في الرضاع، كما هو ظاهر ترجمة المصنّف، وسيأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف في ذلك، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): قبول شهادة الإماء والعبيد، وفيه خلاف أيضًا، وسيأتي في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. (ومنها): جواز إعراض المفتي لينبّه المستفتي على أن الحكم فيما سأله الكفّ عنه. (ومنها): جواز تكرار السؤال لمن لم يفهم المراد، والسؤال عن السبب المقتضي لرفع النكاح. (ومنها): مشروعية الاستبراء عن الشبهات. (ومنها): الإنكار على من يتعاطى الشبهات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت الرضاع بشهادة المرضعة وحدها: ذهبت طائفة إلى ثبوت الرضاع بشهادتها، وبه قال أحمد، قال عليّ بن سعيد: سمعت أحمد يُسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، قال: تجوز على حديث عقبة ابن الحارث، وهو قول الأوزاعيّ، ونُقل عن عثمان، وابن عباس، والزهريّ، والحسن، وإسحاق، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن ابن شهاب، قال: فرّق عثمان بين ناس، تناكحوا بقول امرأة سوداء: إنها أرضعتهم، قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم، واختاره أبو عبيد، إلا أنه قال: إن شهدت المرضعة وحدها وجب على الزوج مفارقة المرأة، ولا يجب عليه الحكم بذلك، وإن شهدت معها أخری وجب الحكم به. واحتجّ أيضًا بأنه وَالتي لم يُلزم عقبة بفراق امرأته، بل قال له: ((دعها عنك))، وفي رواية ابن جريج: ((كيف، وقد زعمت))، فأشار إلى أن ذلك على التنزيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة؛ لأنها شهادة على فعل نفسها. وقد أخرج أبو عبيد من طريق(١) عمر، والمغيرة بن شعبة، وعليّ بن أبي طالب، وابن عباس أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، فقال عمر: فرّق بينهما إن جاءت بيّنة، وإلا فخلّ بين الرجل وامرأته، إلا أن يتنزّها، ولو فُتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تُفرَق بين الزوجين إلا فَعَلت. وقال الشعبيّ: تُقبل مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تتعرّض نسوة لطلب أجرة. وقيل: لا تُقبل مطلقًا. وقيل: تقبل في ثبوت المحرميّة، دون ثبوت الأجرة لها على ذلك. وقال مالك: تقبل مع أخرى. وعن أبي حنيفة: لا (١) هكذا نسخ ((الفتح))، والظاهر أن الصواب ((من طرق، عن عمر الخ))، أو نحو هذا، فليحرّر. ٣٦٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاح تقبل في الرضاع شهادة النساء المتمخّضات، وعكسه الإصطخريّ من الشافعيّة. وأجاب من لم يقبل شهادة المرضعة وحدها بحمل النهي في قوله: ((فنهاه عنها)) على التنزيه، وبحمل الأمر في قوله: ((دعها عنك)) على الإرشاد(١). وقال العلامة الشوكانيّ رحمه اللَّه تعالى بعد أن ذكر الخلاف المذكور، وحملهم الخبر على الاستحباب: ما نصّه: ولا يخفى أن النهي حقيقة في التحريم، كما تقرّر في الأصول، فلا يُخرَج عن معناه الحقيقيّ إلا لقرينة صارفة، والاستدلال على عدم قبول المرأة المرضعة بقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشِْدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] لا يُفيد شيئًا؛ لأن الواجب بناء العامّ على الخاصّ، ولا شكّ أن الحديث أخصّ مطلقًا. وأما ما أجاب به عن الحديث صاحب ((ضوء النهار)) من أنه مخالف للأصول، فيجاب عنه بالاستفسار عن الأصول، فإن أراد الأدلّة القاضية باعتبار شهادة عدلين، أو رجل وامرأتين، فلا مخالفة؛ لأن هذا خاصّ، وهي عامّةٌ، وإن أراد غيرها، فما هو؟. وأما ما رواه أبو عبيد عن عليّ، وابن عباس، والمغيرة أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، فقد تقرّر أن أقوال بعض الصحابة ليست بحجة على فرض عدم معارضتها لما ثبت عنه وَلتر، فكيف إذا عارضت ما هو كذلك؟. وأما ما قيل من أن أمره وَلتر من باب الاحتياط، فلا يخفى مخالفته لما هو الظاهر، ولا سيّما بعد أن قرّر (٢) السؤال أربع مرّات، كما في بعض الروايات، والنبيّ ◌َّ يقول له في جميعها: ((كيف؟ وقد قيل))، وفي بعضها: ((دعها عنك)) كما في حديث الباب، وفي بعضها: ((لا خير لك فيها))، مع أنه لم يثبت في رواية أنه وَلير أمره بالطلاق، ولو کان ذلك من باب الاحتياط لأمره به. فالحقّ وجوب العمل بقول المرأة المرضعة، حرّةً كانت، أو أمةً، حصل الظنّ بقولها، أو لم يحصل؛ لما ثبت في رواية أن السائل قال: ((وأظنّها كاذبة))، فيكون هذا الحديث الصحيح هادمًا لتلك القواعد المبنيّة على غير أساس، أعني قولهم: إنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد، ومخصّصًا لعمومات الأدلّة، كما خصصها دليل كفاية العدالة في عورات النساء عند أكثر المخالفين انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى(٣). (١) راجع ((الفتح)) ٦٠٠/٥. ((كتاب الشهادات)). (٢) هكذا نسخة ((النيل)) والظاهر أن الصواب: ((بعد أن كرّر)) بالكاف. فليُتأمل. (٣) ((نيل الأوطار) ٣٣٨/٦. ٣٦٩ ٥٧- (الشَّهَادَةُ فِي الرَّضَاع) - حديث رقم ٣٣٣١ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ رحمه الله تعالى تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. وحاصله ترجيح القول بقبول شهادة المرضعة؛ عملًا بظاهر حديث الباب، وهو ظاهر مذهب المصنّف، والبخاريّ رحمهما الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في شهادة الإماء والعبيد: قال الإمام البخاريّ رحمه اللَّه تعالى: [باب شهادة الإماء والعبيد] وقال أنسٌ: شهادة العبد جائزة، إذا كان عدلًا، وأجازه شُريح، وزرارة بن أوفَى. وقال ابن سيرين: شهادته جائزة إلا العبد لسيّده. وأجازه الحسن، وإبراهيم التيميّ في الشيء التافه. وقال شُريخ: كلّكم بنو عبيد وإماء. ثم أورد حديث عقبة بن الحارث تنظيم هذا مستدلًا لجواز قبول شهادتهم. وقال في ((الفتح)): وقد ذهب الجمهور إلى أنها لا تُقبل مطلقًا. وقالت طائفةٌ: تقبل مطلقًا. قال: ووجه الدلالة من حديث عقبة أنه وَّله أمر عقبة بفراق امرأته بقول الأمة المذكورة، فلولم تكن شهادتها مقبولةً ما عَمِل بها. واحتجّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ قالوا: فإن كان الذي في الرّقّ رضًا، فهو داخلٌ في ذلك. وأجيب عن الآية بأنه تعالى قال في آخرها: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ والإباء إنما يتأتّى من الأحرار؛ لاشتغال الرقيق بحقّ السيّد. وفي الاستدلال بهذا القدر نظر. وأجاب الإسماعيليّ عن حديث الباب، فقال: قد جاء في بعض طرقه: ((فجاءت مولاة لأهل مكة)) قال: وهذا اللفظ يُطلق على الحرّة التي عليها الولاء، فلا دلالة فيه على أنها كانت رقيقة. وتُعُقّب بأن رواية حديث الباب فيه التصريح بأنها أمةٌ، فتعيّن أنها ليست بحرّة. وقد قال ابن دقيق العيد: إن أخذنا بظاهر حديث الباب، فلا بدّ من القول بشهادة الأمة. وقد سبق إلى الجزم بأنها كانت أمةً أحمد بن حنبل، رواه عنه جماعة، كأبي طالب، ومُهَنَّا، وحرب، وغيرهم انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب القائلين بقبول شهادة العبيد والإماء، كما أيّده الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى هو الحقّ؛ لظهور أدلّته، والقائلون بخلافه لم يأتوا (١) ((فتح) ٥٩٨/٥-٥٩٩. ((كتاب الشهادات)). ٣٧٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح بدليل مقنع، يعتمد عليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَّور بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . ٥٨- (نِكَاحُ مَا نَكَحَ الآبَاءُ) ٣٣٣٢ - (أَخْبَرَنَا أَخْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابْنُ صَالِحٍ، عَنِ السُّدِّيْ، عَنْ عَدِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْرَاءِ، قَالَ: لَقِيتُ خَالِي، وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنْ أَضْرِبَ عُثْقَهُ، أَوْ أَقْتُلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١١] ٢٥٢/١٦٠. ٢- (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، وهو لقب، واسمه عمرو بن حمّاد الكوفيّ، ثقة ثبت [٩]١١/ ٥١٦ . ٣- (الحسن بن صالح) هو الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ، وهو حيّان بن شُفَيَ -مصغّرا- الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد رمي بالتشيّع [٧] ٢٥٢/١٦٠. ٤- (السُّدّيّ) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد الكوفيّ، صدوق ◌ِهِم، ورمي بالتشيّع [٤] ١٣٥٩/١٠٠. ٥- (عديّ بن ثابت) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رمي بالتشيّع [٤] ٦٠٥/٤٩. ٦- (البراء) بن عازب بن الحارث بن عديّ، أبو عمارة الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢هـ) تقدّم ١٠٥/٨٦. ٧- (خاله) هانىء بن نِیار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دُهمان بن غَنْم بن ذئبان بن هميم بن كاهل بن ذُهل بن بَلِيّ البلويّ، حليف الأنصار، مشهور بكنيته. وقيل: مالك ابن هُبيرة، والأول أصحّ، وهو خال البراء بن عازب، وقيل: عمّه، شَهِدَ بدرًا، وما بعدها. روى عن النبيّ وَّهر. وعنه البراء بن عازب، وجابر، وابن أخيه سعيد بن عُمير ٥٨- (نِكَاحُ مَا نَكَحَ الآباءُ) - حديث رقم ٣٣٣٢ ٣٧١ ابن عُقبة بن نيار، وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، وبُشَير بن يسار، وغيرهم(١). وذكر في ((الإصابة)): وقيل: اسمه الحارث بن عمرو، كذا ذكره المِزْيّ عن ابن معين، وخطّأه ابن عبد الهادي، فقال: إنما قال ابن معين في ابن أبي موسى. قال: وكأن سبب قول من سمّاه الحارث بن عمرو قول البراء: لقيت خالي الحارث بن عمرو. ولكن يحتمل أن يكون له خالٌ آخر، وهو الأشبه. قال أبو عمر: مات في أول خلافة معاوية بعد أن شهد مع عليّ ◌َّ حروبه كلها، ثم قيل: إنه مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: خمس وأربعين(٢). وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، وفي ((كتاب الضحايا)) ٤٣٩٧ حديث الأضحية بالجذعة، وفي ((كتاب الأشربة)) ٥٦٧٧ حديث: ((اشربوا في الظروف، ولا تسكروا)). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا خمسة أحاديث. راجع ((تحفة الأشراف)) ٩/ ٦٥-٦٨. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَقِيتُ خَالِي) وفي رواية الترمذيّ من طريق أشعث، عن عديّ بن ثابت: ((مرّ بي خالي، أبو بردة بن نيار)) (وَمَعَهُ الرَّايَةُ) وفي رواية الترمذي المذكورة: ((ومعه لواء)). قال الفيّوميّ: والراية عَلَم الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب آثرت تركه تخفيفًا. ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لم يُسمع الهمز. والجمع رايات. وقال في موضع آخر: ولواء الجيش علمه، وهو دون الراية، والجمع ألوية. انتھی. والمقصود من تلك الراية أن تكون دالّة على إِمْرَتِه، وكونه مبعوثا من جهة النبيّ وَّلـ في ذلك الأمر. (فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِّهِ، إِلَى رَجُلِ تَزَوِّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ) أي على قواعد الجاهليّة، فإنهم کانوا یتزوجون بأزواج آبائهم، ویعدّون ذلك من باب الإرث، ولذلك ذكر اللَّه تعالى النهي من ذلك بخصوصه، حيث قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ (١) تهذيب التهذيب)) ٤٨٥/٤. (٢) ((الإصابة)) ٣٤/١١. ٣٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ ءَابَآؤُكُم﴾ الآية، مبالغة في الزجر عن ذلك، فهذا الرجل سلك مسلكهم في عدّ ذلك حلالًا، فصار مرتدًّا، فقتل لذلك. وهكذا أول الحديث من لا يقول بظاهره، والظاهر أن الأخذ بظاهر الحديث، وإن لم يستحلّ هو الحقّ، كما هو مذهب أحمد، وإسحاق ابن راهويه، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: هذه الرواية صريحةٌ في كون ذلك الرجل تزوّج امرأة أبيه عقدًا، فتأويل بعضهم بحمله على الوطء بلا عقد باطل. قال الخطابيّ رحمه الله تعالى بعد ذكره هذا القول: وهذا تأويلٌ فاسد، قال: ومن ادعى أن هذا النكاح شبهةٌ، فأسقط من أجلها الحدّ، فقد أبعد؛ لأن الشبهة إنما تكون في أمر يشبه الحلال من بعض الوجوه، وذوات المحرم لا تحلّ بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، وإنما هو زنا محضّ، وإن لُقْب بالنكاح، كمن استأجر أمةً، فزنى بها، فهو زنا، وإن لُقْب باسم الإجارة، ولم يكن مسقطًا عنه الحدّ، وإن كانت المنافع قد تستباح بالإجارات. وزعم بعضهم أن النبيّ وَلّ إنما أمر بقتله لاستحلاله نكاح امرأة أبيه، وكان ذلك مذهب أهل الجاهلية، كان الرجل منهم يرى أنه أولى بامرأة أبيه من الأجنبيّ، فيرثها كما يرث ماله، وفاعل هذا على الاستباحة له مرتدّ عن الدين، فكان هذا جزاؤه القتل لرذته. قال الخطابيّ: وهذا تأويلٌ فاسد، ولو جاز أن يُتأول ذلك في قتله لجاز أن يُتأوّل مثله في رجم من رجمه النبيّ وَّطهر من الزناة، فيقال: إنما قتله بالرجم لاستحلاله الزنا، وقد كان أهل الجاهليّة يستحلّون الزنا، فلا يجب على من زنى الرجم حتى يعتقد هذا الرأي، وهذا ما لا خفاء بفساده، وإنما أمر ◌َّله بقتله لزنائه، ولتخطّيه الحرمة في أمه (١). وقد أوجب بعض الأئمة تغليظ الدية على من قتل ذات محرم، وكذلك أو جبوا على من قتل في الحرم، فألزموه دية وثلثًا، وهو قول عثمان بن عفّان تَمّ ، وروي عن عليّ ابن أبي طالب تنائي : أنه أَتِيَ بشارب في رمضان، فضربه حدّ السكر، وزاده عشرين))، لارتكابه ما حرّم الله عليه في ذلك الشهر انتهى(٢). (مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد موته (أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، أَوْ أَقْتُلَهُ) ((أو)) للشكّ من الراوي. وفي رواية الترمذيّ: ((بعثني أن آتيه برأسه)). وزاد في الرواية التالية: ((وآخذ ماله)). وفيه أخذ مال من فعل ذلك بعد قتله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) كذا في الأصل، ولعلها: ((في امرأة أبيه التي هي مثل أمه)). (٢) ((معالم السنن)) ٦/ ٢٦٧-٢٦٩. ٥٨- (نگاحُ مَا نگحَ الآباءُ) - حديث رقم ٣٣٣٢ ٣٧٣ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بردة بن نيار رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. [تنبيه]: قد أعلّ بعض العلماء هذا الحديث بالاضطراب، فقال المنذريّ رحمه الله تعالى: وقد اختلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فروي عن البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنهما، قال: ((بينما أطوف على إبل لي ضلّت ... )) الحديث. وروي عنه، عن عمه ... وروي عنه، قال: ((مرّ خالي أبو بردة بن نيار، ومعه لواء ... )) وروي عنه، عن خاله، وسماه هشيم في حديثه الحارث بن عمرو ... وروي عنه، قال: ((مرّ بنا ناسٌ ينطلقون ... )) وروي عنه: ((إني لأطوف على إبل ضلّت لي في تلك الأحياء في عهد النبيّ وَّر، إذ جاءهم رهط معهم لواء ... )). انتهى. وأجيب بأن هذا الاضطراب غير موجب للضعف؛ قال ابن القيم رحمه اللّه تعالى بعد ذكر كلام المنذريّ: وهذا كلّه يدلّ على أن الحديث محفوظ، ولا يوجب هذا تركه بوجه، فإن البراء بن عازب حدّث به عن أبي بردة بن نيار، واسمه الحارث بن عمرو، وأبو بردة كنيته، وهو عمه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط، فاقتصر على ذكر الرهط مرّةً، وعيّن من بينهم أبا بردة بن نيار باسمه مرّة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخؤولة أخرى، فأيّ علّة في هذا توجب ترك الحديث؟. انتهى(١). وقال الشيخ الألبانيّ بعد أن ذكر الاختلافات، وذكر رواية زيد بن أبي أنيسة الآتية في الحديث التالي: ما نصّه: فقد زاد زيد بين عديّ والبراء يزيدَ بن البراء، وزيد ثقة من رجال الشيخين، وزيادة الثقة مقبولة، وسائر رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين أيضًا، غير يزيد بن البراء، وهو صدوق، ولعلّ عديّ بن ثابت تلقّاه عنه، عن البراء في مبدإ الأمر، ثم لقي البراء، فسمعه منه، فحدّث به تارة هكذا، وتارة هكذا، وكلّ حدّث عنه بما سمع منه، وكلّ ثقة من زيد بن أبي أنيسة الذي أثبت فيه يزيد بن البراء، والسّدّيّ، واسمه إسماعيل الذي لم يذكر يزيد فيه، مع متابعة الربيع بن الرُّكين له على ضعفه. وبهذا يزول الاضطراب الذي أَعَلَّ الحديث به ابنُ التركمانيّ؛ لأنه أمكن التوفيق بين الوجوه المضطربة منه الثابتة عن رواتها . وأما الوجوه الأخرى التي أشار إليها الترمذيّ (٢)، فهي غير ثابتة؛ لأن مدار أكثرها (١) (تهذيب السنن)) ٢٦٦/٦ . من هامش مختصر المنذريّ. (٢) قال الترمذي رحمه الله تعالى عقب إخراج الحديث: حدیث غریب، وقد روی محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عديّ بن ثابت، عن عبدالله بن يزيد، عن البراء. وقد روي هذا الحديث = ٣٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَّاحِ على أشعث(١)، وهو ضعيف، كما عرفت، وأحدها من طريق ابن إسحاق، وهو مدلّسٌ، ولو صرّح بالتحديث فليس بحجة عند المخالفة. ويؤيّد صحّة الحديث أن له طريقًا أخرى، وشاهدًا. أما الطريق فيرويه أبو الجهم، عن البراء بن عازب، قال: ((بينما أنا أطوف على إبل لي قد ضلّت، إذ أقبل ركبٌ، أو فوارس، معهم لواء، فجعل الأعراب يُطيفون بي لمنزلتي من النبيّ وَّهِ، إذ أتوا قُبَّةً، فاستخرجوا منها رجلًا، فضربوا عنقه، فسألت عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه)). أخرجه أبو داود (٤٤٥٦)، والنسائيّ في ((الكبرى)) (٥٤٩٠) والطحاويّ ٨٥/٢، والدار قطنيّ ٣٧١ والحاكم، وعنهما البيهقيّ، وعن غيرهما ٢٠٨/٨ وأحمد ٢٩٥/٤ من طريق مطّف بن طَرِيف الحارثيّ، ثنا أبو الجهم عنه. قال: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير أبي الجهم، واسمه سليمان بن جهم بن أبي الجهم الأنصاريّ، مولى البراء، وهو ثقة. وأما الشاهد، فيرويه معاوية بن قُرّة المزنيّ، عن أبيه، قال: بعثني رسول اللّه وَل إلى رجل تزوّج امرأة أبيه أن أضرب عنقه، وأَصفّي ماله)). أخرجه ابن ماجه (٢٦٠٨): حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن أخي الحسين الجعفيّ، ثنا يوسف بن منازل التميميّ، ثنا عبد الله بن إدريس، عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قُرّة به. قال البوصيريّ في ((الزوائد)): هذا إسناد صحيح. رواه النسائيّ في ((كتاب الرجم)) عن العباس بن محمد، عن يوسف بن منازل به. ورواه الدارقطنيّ في ((سننه)) من طريق معاوية بن قُرّة أيضًا، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق محمد بن إسحاق الصنعانيّ، عن يوسف بن منازل، فذكره، ورواه البيهقيّ في ((الكبرى)) عن الحاكم بالإسناد والمتن. ورواه البيهقيّ (٢٠٨/٨) من طريق أخرى غير الحاكم، والطحاويّ (٨٦/٢) عن يوسف به انتهى(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن حديث الباب صحيح، والاضطراب الذي ذُكر غير موجب لضعفه؛ لأن الاضطراب لا يؤثّر مع إمكان الجمع، وقد تحقّق -بحمد اللَّه- كما عرفت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. = عن أشعث، عن عديّ، عن يزيد بن البراء، عن أبيه. وروي عن أشعث، عن عديّ، عن يزيد ابن البراء، عن خاله، عن النبيّ وَّر. انتهى. (١) هو ابن سوّار. (٢) ((إرواء الغليل)) ١٨/٨-٢٢. ٥٨- (نگاحُ ما نگج الآباءُ) - حديث رقم ٣٣٣٢ ٣٧٥ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٣٢/٥٨ و٣٣٣٣ - وفي «الكبرى»٥٤٨٨/٥٥ و٥٤٨٩ و٥٤٩٠ . وأخرجه (د)ففي ((الحدود)) ٤٤٥٦ و٤٤٥٧ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٦٢ (ق) في ((الحدود))٢٦٠٧ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨١٣٤ و١٨١٤٦ (الدارمي) في ((النكاح)» ٢٢٣٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم نكاح ما نكح الآباء، وهو قتله، وأخذ ماله، لحديث الباب؛ لكن لا بدّ من حمله على أن ذلك الرجل الذي أمر ◌َآلي بقتله كان عالمًا بالتحريم. (ومنها): تحريم نكاح ما نكح الآباء، كما هو نصّ كتاب الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٢]. (ومنها): حرص الشريعة المطهرة على المحافظة على حقوق الآباء، وتحريم هتك حرمتهم، وذلك حيث حرّمت نكاح ما نكح الآباء؛ احترامًا لهم، ولا تُنتهك حرماتهم، وهذا من معالي محاسن الشريعة. (ومنها): أن فيه دليلًا على أن للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيًّا من قطعيّات الشريعة، كهذه المسألة، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا نَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ مَابَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَآءِ﴾ الآية [النساء: ٢٢]، لكن ينبغي تقييده بما ذكرناه في الفائدة الأولى. (ومنها): أن فيه متمسّكًا لقول مالك رحمه الله تعالى: إنه يجوز التعزير بالقتل. (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول بالعقوبة بأخذ المال، وقد تقدّم الخلاف في التعزير به في ((كتاب الزكاة))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من تزوج امرأة أبيه: ذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه إلى أنه يقتل، ويؤخذ ماله على ظاهر الحديث. وقال الحسن البصريّ: عليه الحدّ، وهو قول مالك، والشافعيّ. وقال سفيان: يُدرأ عنه الحدّ، إذا كان التزويج بشهود. وقال أبو حنيفة: يُعزّر، ولا يُحدّ. وقال صاحباه: أما نحن فنرى عليه الحدّ، إذا فعل ذلك متعمّدًا. أفاده الخطّابيّ(١). وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في ((زاد المعاد)): وقد نصّ أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوّج امرأة أبيه، أو بذات محرم، فقال: يُقتل، ويُدخل ماله في بيت المال. وهذا القول هو الصحيح، وهو مقتضى حكم رسول اللَّه وَله. وقال (١) ((معالم السنن) ٢٦٩/٦. ٣٧٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة: حدّه حدّ الزاني، ثم قال أبو حنيفة: إن وطئها بعقد عُزّر، ولا حدّ عليه. وحكم رسول اللَّه بِّه، وقضاؤه أحقّ، وأولى. انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى هو الحقّ الذي لا مرية فيه؛ لصحّة حديث الباب، كما أيده ابن القيّم رحمه اللّه تعالى. وحاصله أن من نكح امرأة أبيه، عالمًا بالتحريم يقتل، ويؤخذ ماله؛ قضاءً رسول الله وَل﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٣٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَدِيٌّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: أَصَبْتُ عَمِّي، وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيَدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَّى رَجُلٍ، نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآَخُذَ مَالَهُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن منصور)): هو أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١] ١٤٧/١٠٨. و((عبد الله بن جعفر)): هو أبو عبد الرحمن القرشيّ مولاهم الرّقّيّ، ثقة تغيّر بآخره، ولم يفحش اختلاطه [١٠]١٧٧/ ٢٨٠. و((عبيدالله بن عمرو)): هو أبو وهب الأسديّ الرقّيّ، ثقة فقيه، ربما وهم [٨] ٢٨٠/١٧٧. و((زيد)): هو ابن أبي أُنيسة زيد الجزريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة له أفراد [٦] ٣٠٦/١٩١. و((يزيد بن البراء)) بن عازب الأنصاريّ الحارثيّ الكوفيّ، أمير عُمَان، صدوق [٣]. روى عن أبيه. وعنه عديّ بن ثابت، وأبو جَنّاب الكلبيّ، وسيف أبو عائذ السعديّ، وقال: كان أميرًا علينا بعمان، وكان كخير الأمراء. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، له عند المصنّف حديث الباب فقط، وعند أبي داود له حديث الباب، وآخر في الخطبة على القوس يوم العيد. وقوله: ((أصبت عمّي)) تقدّم أنه لا منافاة بين قوله: ((عمّي))، وقوله: ((خالي))؛ لإمكان أن يكون له عمّا، وخالًا من جهتين. والحديث صحيح، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . (١) ((زاد المعاد)) ١٥/٥-١٦. ٣٧٧ ٥٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ الله عز وجل :... - حديث رقم ٣٣٣٤ ٥٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل : ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾) ٣٣٣٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِع، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سُّعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ بِّهِ، بَعَثَ جَيْشًا إِلَىَ أَوْطَاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ، وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَاتِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْمُعْصَنَكُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، أَنْ هَذَا لَكُمْ حَلَالٌ، إِذَا انْقَضَتْ عِذَّتُنَّ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ . ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥. ٣- (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس، واختلط بآخره [٦] ٣٨/٣٤ . ٤- (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠. ٥- (أبو الخليل) صالح بن أبي مريم الضبعيّ البصريّ، ثقة [٦] ٣٣٠٨/٥١ . ٦- (أبو علقمة الهاشميّ) الفارسيّ المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار، قاضي إفريقية ثقة، من كبار [٣] ٩٦ /١٣٥٤ . ٧- (أبو سعيد الخدريّ) سعيد بن مالك بن سنان رضي اللَّه تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي الخليل، وأبو علقمة مصريّ، وأبو سعيد مدنيّ. (ومنها): أن رواية قتادة، عن أبي الخليل من رواية الأكابر عن الأصاغر. (ومنها): أن فيه أبا سعيد رَظّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. ٣٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ التّكَاحِ شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَه بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ) وفي رواية مسلم: ((أن رسول اللَّه وَله يوم حنين، بعث جيشًا إلى أوطاس ... )). قال النوويّ: ((أوطاس)): موضع عند الطائف، يُصرَف، ولا يُصرف انتهى(١). وقال الفيّوميّ: ((أوطاس)) من النوادر التي جاءت بلفظ الجمع للواحد، وهو واد في ديار هَوَازن، جَنُوبيّ مكة، بنحو ثلاث مراحل، وكانت وقعتها بعد فتح مكة بنحو شهر انتھی(٢). (فَلَقُوا) بضم القاف، وأصله لَقِيُوا بكسرها، من باب تَعِبَ، فلما استُثقلت الضمة على الياء نُقلت إلى القاف بعد سلب كسرتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين (عَدُوًّا) وهم هوازن. وفيٍ نسخة: ((فلقوا العدو(( (فَقَاتَلُوهُمْ، وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ) أي غلبوهم، وانتصروا عليهم (فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، ) - بفتح السين المهملة، جمع سَبيّة، مثل عَطيّة وعَطَايا، وهي فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي مسِبِيّة (لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي الْمُشْرِكِينَ) أي الذين قاتلوهم، وانتصروا عليهم (فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ تَحرَّجُوا) أي تجنّبوا الحرَج، وهو الإثم، قال الفيّوميّ: حَرِج صدرُهُ حَرَجًا، من باب تَعِبَ: ضاق، وحَرِجَ الرجلُ: أثِمَ، وصدرٌ حَرِجْ ضَيِّقٌ، ورجلٌ حَرِجْ آثمٌ، وتحرّج الإنسان تحرُّجًا، هذا مما ورد لفظه مُخالفًا لمعناه، والمراد فعل فعلًا جانب به الْحَرَجَ، كما يقال: تحنّث إذا فعل ما يخرُج به عن الحنث، قال ابن الأعرابيّ للعرب أفعالٌ تخالف معانيها ألفاظَها، قالوا: تحرّج، وتحنّث، وتأثّم، وتهجّد: إذا ترك الْهُجُود، ومن هذا الباب ما ورَدَ بلفظ الدعاء، ولا يُراد به الدعاء، بل الحثّ، والتحريض، كقوله: (تَرِبت يداك))، و((عَقْرَى حَلْقَى))، وما أشبه ذلك انتهى (٣). (مِنْ غَشْيَانِنَّ) متعلّقٌ بـ ((تحرّجوا)) يعني أنهم خافوا الوقوع في الحرج، وهو الإثم بسبب غشيانهنّ، أي وطئهنّ، من أجل أنهنّ ذوات أزواج، والمزوّجة لا تحلّ لغير زوجها. زاد في رواية مسلم: ((من أجل أزواجهنّ من المشركين)). قال القرطبيّ: أي ظنّوا أن نكاح أزواجهنّ لم تنقطع عصمته. انتهى(٤). (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْمُخْصَنَاتُ) بالرفع عطف على المحرّمات السابقة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَنَّهَتُّكُمْ﴾ الآية أي حرّمت عليكم نكاح المحصنات، أي (١) (شرح مسلم) ١٠/ ٢٧٧. (٢) ((المصباح المنير)) في مادة وطس. (٣) ((المصباح المنير)) في مادة حرج. (٤) ((المفهم)) ٤/ ١٩٣. ٥٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ عز وجل :... - حديث رقم ٣٣٣٤ ٣٧٩ ذوات الأزواج، فإنهنّ حرام على غير أزواجهنّ، إلا ما ملكتم بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح أزواجهنّ الكفّار، وتحلّ لكم، إذا انقضى استبراؤها. قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): والتحصّن التمنّع، ومنه الحصن؛ لأنه يُمتنع فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾، أي لتمنعكم، ومنه الحصان للفرس -بكسر الحاء- لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، والْحَصَان -بفتح الحاء - المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك، وحَصُنت المرأةُ تَحَصُنُ، فهي حَصَانٌ، مثلُ جبُنت فهي جَبَان، وقال حسّان في عائشة رضي اللَّه تعالى عنهما [من الطويل]: حَصَانْ رَزَازَنْ مَا تُزَنُّ بِريبةٍ وَتُصْبِحُ غَزْقَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ والمصدر الْحَصَانة -بفتح الحاء- والحصن كالعلم. انتهى(١). وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى في «تفسيره)): قرأ الجمهور هذه اللفظة، سواء كانت معرّفةً بـ ((أل))، أم نكرةً بفتح الصاد، والكسائيّ بكسرها في جميع القرآن، إلا قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ فإنه وافق الجمهور، فأما الفتح، ففيه وجهان: أشهرهما أنه أُسند الإحصان إلى غيرهنّ، وهو إما الأزواج، أو الألياء، فإن الزوج يُحصن امرأته، أي يُعفّها، والوليّ يُحصنها بالتزويج، واللّه يُحصنها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور، يعني أنه اسم فاعل، وإنما شذّ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ: أحصَنَ، فهو مُحصَن، وألفج، فهو مُلْفَج(٢)، وأسهَبَ، فهو مُسْهَب. وأما الكسر، فإنه أسند الإحصان إليهنّ؛ لأنهنّ يُحصِنّ أنفسهنّ بعفافهنّ، أو يُحصِنّ فروجهنّ بالحفظ، أو يُحصِنّ أزواجهنّ. وقد ورد الإحصان في القرآن لأربعة معان: الأول: التزوج، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿قُحْصِنِينَ غَيّرَ مُسَفِحِينٌ﴾. الثاني: الحرّيّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. الثالث: الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ قيل في تفسيره: أسلمن. الرابع: العفّة، كما في قوله تعالى: ﴿محصنات، غير مسافحات﴾. انتھی(٣). ﴿﴿مِنَ النِّسَآءِ﴾) في محلّ نصب على الحال (﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾) قال السيمن (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٢٠/٥. (٢) يقال: ألفج، فهو ملفّجْ بفتح اللام: إذا أفلَسَ. ((ق)). (٣) ((الدر المصون في علم الكتاب المكنون)) ٣٤٤/٢. بزيادة من حاشية الجمل ٣٧١/١. ٣٨٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ ٦ الحلبيّ رحمه الله تعالى: إن أريد بالإحصان هنا التزوّج كان المعنى: وحُرّمت عليكم المحصنات، أي المزوّجات، إلا النوع الذي ملكته أيمانكم، إما بالسبي، أو بملكِ، من شراء، وهبة، وإرث، وهو قول بعض أهل العلم، ويدلّ على الأول قول الفرزدق [من الطويل]: وَذَاتِ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقٍ يعني أن مجرّد سبائها أحلّها بعد الاستبراء. وإن أريد به الإسلام، أو العفّةُ فالمعنى: أن المسلمات، أو العفيفات حرامٌ كلّهنّ، يعني فلا يُزنَى بهنّ، إلا ما مُلك منهنّ بتزويج، أو ملك يمين، فيكون المراد بـ ((ما ملكت أيمانكم)) التسلّط عليهنّ، وهو قدر مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكون الاستثناء متصلًا. وإن أريد به الحرائر، فالمراد إلا ما مُلِكَتْ بملك يمين، وعلى هذا فالاستثناء منقطع. انتهى(١). (أَيْ هَذَا) النوع من النساء، وهو المستثنى المذكور (لَكُمْ حَلَالٌ) أي أحلّ لكم وطؤهنّ (إِذَا انْقَضَتْ) وفي نسخة: ((مضت)) (عِدَّثُنَّ) يعني بعدتهنّ استبراءهنّ من ماء الزوج الكافر، وهو بوضع الحمل إذا كانت حاملاً، وبحيضة، إذا كانت حائلًا، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. أفاده النوويّ(٢). وقال السنديّ: أي هذا لكم حلالٌ، أي هذا النوع، وهو ما ملكه اليمين بالسبي، لا بالشراء، كما هو المورد، والأصل، وإن كان عموم اللفظ، لا خصوص السبب، لكن قد يُخصّ بالسبب، إذا كان هناك مانع من العموم، كما هنا انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٣٤/٥٩ - وفي ((الكبرى))٥٤٩١/٥٦ و٥٤٩٢ و((التفسير)) ١١٠٩٦ (١) ((الدر المصون في علم الكتاب المكنون)) ٣٤٤/٢-٣٤٥ . (٢) (شرح مسلم)) ٢٧٨/١٠. (٣) (شرح السنديّ)) ١١٠/٦-١١١.