النص المفهرس
صفحات 301-320
٥٠- (تَحْرِيمُ بِنْتِ الأَخَ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - حديث رقم ٣٣٠٥ ٣٠١ = (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّا لَا تَحِلُّ لِي) أي لا يحلّ لي نكاحها (إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) جملة ((إنّ)) تعليليّةٌ؛ إنما لم تحلّ لي؛ لأنها ابنة أخي من الرضاعة، وهو حمزة ابن عبد المطّب تَظث، فقد أرضعتهما ثُويبة مولاة أبي لهب، عمّه ◌َّر، كما أرضعت أبا سلمة ◌َّه. قال مصعب الزبيريّ: كانت ثُويبة أرضعت النبيّ وَ له بعد ما أرضعت حمزة، ثم أرضعت أبا سلمة. انتهى. [تنبيه]: ذكر ابن منده ثويبة في ((الصحابة))، وقال: اختلف في إسلامها. وقال أبو نُعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غيره. والذي في السير أن النبيّ بَّار كان يُكرمها، وكانت تدخل عليه بعد ما تزوّج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت، ومات ابنها مسروح انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفیمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٣٠٥/٥٠- وفي («الكبرى»٥٤٤٦/٤٧. وأخرجه (م) في ((الرضاع)) ١٤٤٦ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٦٢١ و٩٣٣ و١١٠٢ و١١٧٣ و١٣٦١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم بنت الأخ من الرضاعة. (ومنها): أن فيه ثبوت الرضاع بالاستفاضة، فإنها كانت في الجاهليّة، وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له. (ومنها): أيضًا يستفاد ثبوت النسب، فإنه إذا ثبت الرضاع، فإن من لازمه أن يثبت النسب، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى لذلك بابًا، فقال: [باب الشهادة على الأنساب، والرضاع، والمستفيض، والموت القدیم] . قال في ((الفتح)): هذه الترجمة معقودة لشهادة الاستفاضة، وذكر منها النسب، والرضاعة، والقديم، فأما النسب، فيستفاد من أحاديث الرضاعة، فإنه من لازمه، وقد نُقِل فيه الإجماع، وأما الرضاعة، فيستفاد ثبوتها بالاستفاضة من أحاديث الباب، فإنها (١) (فتح)) ١٠/ ١٨١. ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ كانت في الجاهليّة، وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له. وأما الموت القديم، فيستفاد منه حكمه بالإلحاق. قاله ابن المنير. واحترز بالقديم عن الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحدّه بعض المالكية بخمسين سنة، وقيل: بأربعين انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٠٦- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ بِنْتُ حَمْزَةَ، فَقَالَ: (إِنَّا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ))، قَالَ شُغْبَةُ: هَذَا سَمِعَهُ قَتَادَةُ، مِنْ جَابِرِ بْنِ زَئِدٍ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إبراهيم بن محمد)) بن عبد الله بن عبيدالله بن معمّر التيميّ المعمريّ، أبو إسحاق البصريّ، قاضيها، ثقة [١١] ٥٥٠/٢٨ . و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((جابر بن زيد)): هو أبو الشعثاء الأزديّ، ثم الْجَوْفيّ البصريّ الثقة الفقيه [٣] ٢٣٦/١٣٦. ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: ((ذُكر لرسول اللّه وَ ليز الخ)) بالبناء للمفعول، وقد تقدم أن الذي ذكر له ذلك هو عليّ رَّه . وقوله: (قال شعبة الخ)» إنما صرّح شعبة بذلك؛ لأن قتادة مشهور بالتدليس، فيُخشى أن يكون دلّسه، فأزال ذلك بأنه سمعه من جابر. والحديث متّفق عليه، وأخرجه المصنّف هنا -/ ٣٣٠٧ و٣٣٠٨- وفي («الكبرى»٥٤٤٥/٤٧ و٥٤٤٧ . وسبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٠٧- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَه أُرِيدَ عَلَى بِنْتِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: ((إِنََّا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَّاعَةِ، وَإِنَةً يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عبد الله بن الصَّاح بن عبد اللّه)): هو الهاشميّ العطّار البصريّ، ثقة، من كبار [١٠] ١٧٣٩/٤٩. و(محمد بن سواء)) - بتخفيف الواو، والمدّ -: هو أبو الخطّاب السدوسيّ العنبريّ البصريّ المكفوف، صدوق رمي بالقدر [٩] ١٩٩٣/٧٨. و((سعيد)): هو ابن ابن أبي عروبة. (١) ((فتح)) ٥٨١/٥. (كتاب الشهادات)). ٥١- (القَدْرُ الَّذِّي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - حديث رقم ٣٣٠٨ ٣٠٣ وقوله: ((أريد على بنت حمزة)) أي أرادوه لأجل أن يتزوّجها، وقد سبق أن الذي أراده على ذلك، وطلب منه ذلك هو عليّ بن أبي طالب تَظّم. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). ٥١- (الْقَدْرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((یحرم)) بضم أوله، وفتح ثانیه، وتشديد الراء المكسورة من التحريم، مبنيًّا للفاعل، والمعنى بيان عدد الرضاعة الذي يثبت به التحريم للرضاعة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٠٨- (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَالْحَارِثُ ابْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِيمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْحَارِثُ: ((فِيمَا أَنْزِّلَ مِنَ الْقُرْآنِ، عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ))، فَتُوُفِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٢/٥٠. ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩. [تنبيه]: قوله: ((والحارثُ بنُ مسكين)) بالرفع عطف على ((هارون)»، فهو شيخ ثان للمصنف. والله تعالى أعلم. ٣- (معن) بن عيسى القزاز المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٦٢/٥٠. ٤ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠]٢٠/١٩. ٥- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧ . ٦- (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣ . ٣٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النكاح ٧- (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنيّة، ثقة [٣]٢٠٣/١٣٤. ٨- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحیح، غیر شیخه الحارث فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير هارون، فبغداديّ، والحارث وابن القاسم، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْحَارِثُ: ((فِيمَا أَنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، عَشْرُ رَضَعَات) مبتدأ خبره جملة ((يُحرّمن)). وقوله (مَعْلُومَاتٍ) احترز به عما يُتوهّم، أو يُشكّ في وصوله إلى الجوف من الرضعات، وفيه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرّم (يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ) أي التحريم المتعلّق بالرضاع كان شرطه أن يكون الرضيع رضع من المرأة عشر رضعات معلومات، ثم نسخ ذلك بأنه إذا رضع منها خمس رضعات معلومات ثبت التحريم بينهما (فَتُؤُنِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي مات وَلهر، والحال أن ((خمس رضعات معلومات)) يُحرّمن من جملة ما يُقرأ من القرآن. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وقولها: ((فتوفي رسول اللّه وَله، وهنّ فيما يُقرأ)) بضمّ الياء من يُقرأ، ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخّر إنزاله جدًّا حتّى إنه وَّ توفّي، وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنًا متلوًّا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى. والنسخ ثلاثة أنواع: [أحدها]: ما نُسخ حكمه، وتلاوته، کعشر رضعات. [والثاني]: ما نُسخت تلاوته، دون حكمه، كخمس رضعات، وكـ ((الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما)). [والثالث]: ما نُسخ حكمه، وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِم﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] والله أعلم انتهى (١). (١) (شرح مسلم) ٢٧١/١٠ - ٢٧٢. ٥١- (القدرُ اللَّي پُحرِّمُ مِنَ الرَّضاعةِ) - حدیث رقم ٣٣٠٨ ٣٠٥ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن كُلَّ من العشر، والخمس منسوخٌ، لكن الأول نسخ تلاوةً وحكمًا، بخلاف الثاني، فإنه نسخ تلاوةً فقط، دون حكم، فیجب العمل به، فلا يُحرّم من الرضاع أقلّ من خمس رضعات، وهذا هو الراجح. وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٠٨/٥١- وفي («الكبرى»٥٤٤٩/٤٨ . وأخرجه (م) في (الرضاع)) ١٤٥٢ (د) في ((النكاح)) ٢٠٦٢ (ق) في ((النكاح)) ١٩٤٢ (الموطأ) في ((الرضاع)» ١٢٩٣ (الدارمي) في ((النكاح))٢٢٥٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان القدر الذي يحرّم من الرضاعة، وهو خمس رضعات معلومات، وفيه اختلاف بين العلماء، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): أن فيه جواز النسخ، وأنه ثلاثة أقسام: ما نُسخ تلاوة وحكمًا. وما نُسخ حكمًا فقط. وما نُسخ تلاوةً فقط، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مقدار ما يُحرّم من الرضاعة: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى: اختلف السلف والخلف في مقدار ما يحرّم من الرضاع: فقال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والطبريّ: قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم، ولو مضّةً واحدةً، إذا وصلت إلى حلقه، وجوفه. وهو قول عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، وعروة، وطاوس، وعطاء، ومكحول، والزهريّ، وقتادة، والحكم، وحمّاد. وقال الليث بن سعد: أجمع المسلمون في أن قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم في المهد ما أفطر الصائم. قال أبو عمر: لم يقف الليث على خلاف في ذلك. وعند مالك في هذا الباب: عن إبراهيم بن عقبة؛ أنه سأل سعيد بن المسيب، عن : ٣٠٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ الرضاعة؟ فقال سعيد: كلّ ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدةً، فهو يحرّم، وما كان بعد الحولين، فإنما هو طعام يأكله. قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة بن الزبير؟ فقال: مثل ما قال سعيد بن المسيّب. وعن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: لا رضاعة إلا ما كان في المهد، وإلا ما أنبت اللحم والدم. وعن ابن شهاب أنه كان يقول: الرضاعة قليلها وكثيرها تُحرّم، والرضاعة من قبل الرجال تُحرّم. قال أبو عمر: الحجّة في هذا ظاهر قول اللَّه عز وجل: ﴿وَأُمَهَتُكُمُ أَِّىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يخصّ قليل الرضاعة من كثيرها. وقد روى ابن جريج، عن عمر بن دينار، عن ابن عمر أنه قيل له: قضی ابن الزبير بألا تُحرّم المصّة، ولا المصّتان. فقال: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، حرّم الأختّ من الرضاعة. وقالت طائفة منهم: عبد الله بن الزبير، وأمّ الفضل، وعائشة على اختلاف عنها: لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الإملاجة، ولا الإملاجتان. وبه قال سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيّب. وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد. ورووا في ذلك حديثًا عن النبيّ وَّر أنه قال: ((لا تحرّم الإملاجة، ولا الإملاجتان))(١)، ومنهم من يرويه: ((الرضعة، والرضعتان)). قالوا: فما زاد على ذلك حرَّم، وذهبوا إلى أن الثلاث رضعات، فما فوقها تُحرّم، ولا تحرّم ما دونها . وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحرّم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات. واحتجّ بقوله وَله: ((لا تحزّم الرضاعة، ولا الرضعتان، ولا المصّتة، ولا المصّتان)). ومما رواه أبو بكر، قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي الزبير، قال: سألت ابن الزبير، عن الرضاع؟ فقال: لا تُحرّم الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الثلاث، قال أصحابه: وابن الزبير، رَوَى هذا الحديثَ، وفَهِمَ منه أنه لا تُحرّم الثلاث أيضًا، وأفتى به. وذكروا عن ابن مسعود، وأبي موسى، وسليمان بن يسار، وغيرهم أنهم قالوا: إنما يُحرّم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم، وأنشز العظم، وفتق الأمعاء. وعن أبي هريرة (١) راه مسلم رقم ١٤٥١، وسيأتي للمصنف ٣٣٠٩. ٥١- (القُدْرُ الذِّي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - حديث رقم ٣٣٠٨ ٣٠٧ رَّهِ: ((لا يُحرّم من الرضاعة إلا ما فتَقَ الأمعاء)). واحتجّ الشافعيّ بحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور في الباب: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نُسخن ... )) الحديث. فكان في هذا الحديث بيان ما يُحرّم من الرضعات، وكان مفسِّرًا لقوله: ((لا تحرّم الرضعة، والرضعتان))، فدلّ على أن قوله: ((لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان)) خرج على جواب سائل سأله عن الرضعة، والرضعتين، هل تُحرّمان؟ فقال: لا، لأن من سنته وشريعته أنه لا يُحرّم إلا خمس رضعات، وأنها نَسَخت العشر الرضعات، كما لو سأل سائلٌ: هل يُقطع السارق في درهم، أو درهمین؟، كان الجواب لا يقطع في درهم، ولا درهمين؛ لأنه قد بيّن رسول اللَّه ◌َلاير أنه لا يقطع إلا في ربع دينار، فكذلك بيانه في الخمس الرضعات. [فإن قيل]: لو كانت ناسخةً للعشر رضعات عند عائشة كما روت عنها عمرة، ما كانت عائشة لتأمر أختها أم كلثوم أن تُرضع سالم بن عبد الله عشر رضعات؛ ليدخل عليها، فتستعمل المنسوخ، وتدع الناسخ. وكذلك حفصة أمرت أختها فاطمة بمثل ذلك في عاصم. [والجواب]: أن أصحاب عائشة الذين هم أعلم بها من نافع، وهم: عروة، والقاسم، وعمرة رووا عنها خمس رضعات، ولم يَرو أحدٌ منهم عشر رضعات. وقد روي عنها سبع رضعات، وقد روي عنها عشر رضعات، والصحيح عنها خمس رضعات، ومن روى أكثر من خمس رضعات، فقد وَهِم؛ لأنه قد صحّ عنها أن الخمس الرضعات المعلومات نسخن العشر المعلومات، فمحالٌ أن تقول بالمنسوخ. وهذا لا يصحّ عنها عند ذي فهم. وفي حديثها المسند أن رسول اللَّه وَ ال أمر سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة أن تُرضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة. فكيف يَقبَل أحدٌ عنها أنها أفتت بعد موت النبيّ وَِّ بعشر رضعات؟ هذا لا يقبله من أنصف نفسه، ووفق لرشده، ولو صحّ عنها حديث نافع، عن سالم في العشر كان غيره معارضًا له بالخمس. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى(١). وقال العلامة ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: قال أصحاب الخمس: الحجة لنا حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وقد أخبرت هي أن رسول اللَّه ◌َ ل توفّي، والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبيّ وَّ لسهلة بنت سهيل: ((أرضعي سالمًا خمس (١) ((الاستذكار)) ٢٥٩/١٨-٢٦٧. ٣٠٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ التّكَاحِ رضعات، تحرمي عليه))، قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي، ونساء النبيّ وَله، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحدٌ أمرت إحدى بنات إخوتها، أو أخواتها، فأرضعته خمس رضعات. قالوا: ونفي التحريم بالرضعة، والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسائل، وبعضها تأسيسُ حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئًا من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيّدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان، لا نسخ، ولا تخصيص. وأما من علّق التحريم بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأما صاحب الثلاث، فإنه وإن لم يُخالفها، فهو مخالف لأحاديث الخمس. قال من لم يُقيّده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة رضي اللّه تعالى عنها نقل الأخبار، فيحتجَّ به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يَثبُت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآنًا، فلا يكون قرآنًا، وإذا لم يكن قرآنًا، ولا خبرًا امتنع إثبات الحكم به. قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحادًا في فصلين: [أحدهما]: كونه من القرآن. [والثاني]: وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسّه على المحدث، وقراءته على الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظنّ، وقد احتجّ كلّ واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتجَ به الشافعيّ، وأحمد في هذا الموضع. واحتجّ به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفّارة بقراءة ابن مسعود: ((فصيام ثلاثة أيّام متابعات)). واحتجّ به مالك، والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأمّ أنه السدس بقراءة أُبَيّ: ((وإن كان رجلٌ يُورث كلالة، أو امرأة، وله أخ، أو أخت من أمّ، فلكلّ واحد منهما السدس))، فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها. قالوا: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآنًا، أو خبرًا، قلنا: بل قرآنًا صريحًا، قولكم: فكان يجب نقله متواترًا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه، أو بقي، أما الأول، فممنوع، والثاني مسلّم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نُسخ لفظه، وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما)) مما اكتُفِى بنقله آحادًا، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه. ٥١- (القُدْرُ الذِّي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - حديث رقم ٣٣٠٨ ٣٠٩ - وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان: [أحدهما]: أن التحريم لا يثبت بأقلّ من سبع، كما سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع، دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرّةُ الواحدة تحرّم، وهذا المذهب لا دليل عليه. [الثاني]: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة، وعائشة رضي اللّه تعالى عنهما. وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبيّ بَّرَ، وغيرهنّ قال طاوس: كان لأزواج النبيّ وَّ رضعات محرّمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم تُرك ذلك بعد . وقد تبيّن الصحيح من هذه الأقوال. وبالله التوفيق انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى(١). وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: أجاب القائلون بتحريم قليل الرضاع وكثيره عن الأحاديث التي استدلّ بها القائلون بخمس رضعات بأجوبة: [منها]: أنها متضمّنة لكون الخمس الرضعات قرآنًا، والقرآن شرطه التواتر، ولم يتواتر محلّ النزاع. وأجيب بأن كون التواتر شرطًا ممنوعٌ، والسند ما أسلفنا عن أئمّة القراءات، كالجزريّ وغيره في ((باب الحجّة في الصلاة بقراءة ابن مسعود، وأَبِيّ)» من أبواب الصلاة، فإنه نقل هو وجماعة من أئمة القراءات الإجماع على ما يُخالف هذه الدعوى، ولم يُعارضه نقله ما يصلح لمعارضته، كما بيّا ذلك هناك. وأيضًا اشتراط التواتر فيما نُسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوعٌ. وأيضًا انتفاء قرآنيته لا يستلزم انتفاء حجيّته على فرض شرطيّة التواتر؛ لأن الحجّة ثبتت بالظنّ، ويجب عنده العمل، وقد عَمِلَ الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة، منها: قراءة ابن مسعود ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))، وقراءة أَبيّ: ((وله أخٌ أو أختٌ من أمّ))، ووقع الإجماع على ذلك، ولا مستند له غيرها. وأجابوا أيضًا بأن ذلك لو كان قرآنًا لحُفِظ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوعٌ، بل قد حفظه الله برواية عائشة له. وأيضًا المعتبر حفظ الحكم، ولو سُلْم انتفاء قرآنيّته على جميع التقادير لكان سنة؛ لكون الصحابيّ راويًا له عنه وَ الر؛ لوصفه له بالقرآنية، وهو يستلزم صدوره (١) ((زاد المعاد)) ٥٧٢/٥-٥٧٤ . ٣١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّاح عن لسانه، وذلك كاف في الحجيّة؛ لما تقرّر في الأصول من أن المرويّ آحادًا إذا انتفى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب العمل به، كما سلف. واحتجّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهَتُكُمُ أَّتِيَّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وإطلاق الرضاع يُشعر بأنه يقع بالقليل والكثير، ومثلُ ذلك حديثُ: ((يحرم من الرضاع ما يحرُم من النسب)). ويُجاب بأنه مطلقٌ مقيّد بما سلف. واحتجّوا بما ثبت في ((الصحيحين)) عن عقبة بن الحارث تَظّه أنه تزوّج أم يحيى بنت أبي إهاب الآتي للنسائيّ في -٣٣٣١/٥٧-، فإن النبيّ وَّه لم يستفصله عن الكيفيّة، ولاسأل عن العدد حين أمره بفراقها. ويُجاب أيضًا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال، فيتعيّن الأخذ بها، على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه الر للقدر الذي يثبت به التحریم. [فإن قلت]: حديث: ((لا يُحرّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء)) يدلّ على عدم اعتبار الخمس؛ لأن الفتق یحصل بدونها. [قلت]: أجيب عن ذلك بأن الحديث منقطع؛ لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا. فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس. وأما حديث: ((لا تُحُرّم الرضعة والرضعتان))، ونحوه من الأحاديث، فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم، فيتعارض المفهومان، ويُرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه بلفظ: ((لا يُحرّم إلا عشر رضعات، أو خمس))، وهذا مفهوم حصر، وهو أولى من مفهوم العدد. وأيضًا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشريّ إلى أن الإخبار بالجملة الفعليّة المضارعيّة يفيد الحصر، والإخبار عن الخمس الرضعات بلفظ يُحرّمن كذلك، ولو سلم استواء المفهومين، وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجّه تساقهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس، لا على ما دونها، إلا أن يدلّ عليه دليلٌ، ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله: ((لا تحرّم الرضعة والرضعتان))، والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بدّ من تقييد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة؛ لحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها الآتي آخر الباب: ((فإن الرضاعة من المجاعة)). وأما حديث ابن مسعود تَظّ عند أبي داود، مرفوعًا: ((لا رضاع إلا ما أنشز العظم، ٥١- (القَدْرُ الذِّي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - حديث رقم ٣٣٠٩ ٣١١ = وأنبت اللحم)). فيجاب بأن الإنبات والإنشاز إن كانا يحصلان بدون الخمس، ففي حدیث الخمس زيادة يجب قبولها، والعمل بها، وإن کانا لا يحصلان إلا بزيادة عليها، فيكون حديث الخمس مقيّدًا بهذا الحديث، لولا أنه من طريق أبي موسى الهلاليّ، عن أبيه، عن ابن مسعود. وقد قال أبو حاتم: إن أبا موسى، وأباه مجهولان. وقد أخرجه البيهقيّ من حديث أبي حَصِين، عن أبي عطيّة، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فذكره بمعناه، وهذا يدلّ على فرض أنه يفيد ارتفاع الجهالة عن أبي موسى، لا يفيد ارتفاعها عن أبيه، فلا ينتهض الحديث لتقييد أحاديث الخمس بإنشاز العظم، وإنبات اللحم. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى ببعض تصرّف(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس، ومنهم الشافعيّ رحمه الله تعالى هو الأرجح، لوضوح أدلّته، وانظر ما كتبه ابن حزم رحمه الله تعالى في ((الْمُحلّى)) منتصرًا لهذا المذهب، فقد حقّق الموضوع تحقيقًا جيّدًا. (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٠٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ، عَنْ صَالِحٍ، أَبِي الْخَلِيلِ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَوْفَلِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ، أَنَّ نَبِيّ اللّهِ وَه سُئِلَ عَنِ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: ((لَا تُحرَّمُ الْإِمْلَاجَةُ، وَلَاَ الْإِمْلَاجَتَانِ)). وَقَّالَ قَتَادَةُ: ((الْمَصَّةُ، وَالْمَصَّتَانِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (عبد الله بن الصبّاح بن عبد اللَّه) الهاشميّ العطّار البصريّ، ثقة، من كبار [١٠] ١٧٣٩/٤٩ . ٢- (محمد بن سواء) -بتخفيف الواو، والمدّ- أبو الخطّاب السدوسيّ العنبريّ البصريّ المكفوف، صدوق رمي بالقدر [٩] ١٩٩٣/٧٨. ٣- (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، من أثبت الناس في قتادة، لكنه يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٨/٣٤. ٤- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤ . (١) (نيل الأوطار)) ٣٣٠/٦-٣٣٢. طبعة دار الكتب العلمية. (٢) ((المحلّى)) ١٦/١٠. ٣١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكاح ٥- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٨/٤٢ . [تنبيه]: قوله: ((وأيوب)) بالجرّ عطفًا على ((قتادة))، فسعيد يروي هذا الحديث عن كلّ من قتادة، وأيوب، وكلاهما يرويانه عن صالح أبي الخليل. والله تعالى أعلم. ٦- (صالحٌ) بن أبي مريم الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الخليل البصريّ، ثقة [٦]. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وأغرب ابن عبد البرّ، فقال في ((التمهيد)): لا يُحتجّ به. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٣٣٠٩ و٣٣٣٤ و ٤٤٥٨ و ٤٤٦٥ و٤٥٦٥. ٧- (عبد الله بن الحارث بن نوفل) أبو محمد الهاشميّ المدنيّ، أمير البصرة، له رؤية، ولأبيه، وجدّه صحبة [٢] ٤١ /٢٢١١. ٨- (أمّ الفضل) لبابة بنت الحارث بن حَزْن الهلاليّة، زوج العباس بن عبد المطلب، وأخت ميمونة زوج النبيّ وَّر، ماتت في خلافة عثمان رَظاليه، تقدّمت ترجمتها في ٦٤/ ٩٨٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابية، فإنها مدنيّة. (ومنها): أن رواية قتادة، وأيوب عن صالح أبي الخليل من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنهما تابعيّان، بخلافه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) لبابة بنت الحارث رضي اللّه تعالى عنها (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ◌ِِّ، سُئِلَ عَنِ الرَّضَاعِ؟) أي عن مقدار الرضاع الذي يتعلّق به التحريم (فَقَالَ: ((لَا تُحُرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ) بكسر الهمزة المرّة، من أملجته أمه: إذا أرضعته، أي لا تحرّم الرضعة الواحدة (وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ) أي الرضعتان (وَقَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة في روايته (الْمَصَّةُ) بفتح الميم، وتشديد الصاد المهملة: المرّة من مَصّ يَمَصّ، يقال: مَصِصْتُه بالكسر أَمَصُّهُ، من باب تَعِبَ، ومَصَضْتُهُ أمُصُّهُ، من باب قتل: شربتُهُ شُربًا رَفِيقًا، كامتصصته. أفاده في ((القاموس)). أي لا تُحرّم الرضعة الواحدة (وَالْمَصَّتَانِ) أي الرضعتان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٣١٣ ٥١- (القَدْرُ الذِّي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - حديث رقم ٣٣١١ مسائل تتعلّق بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث أمّ الفضل رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٠٩/٥١ - وفي ((الكبرى))٥٤٥٤/٤٨ . وأخرجه (م) في (الرضاع»١٤٥١ (ق) في ((النكاح)) ١٩٤٠ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٣٣٢ و٢٦٣٣٩ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢٢٥٢. والله تعالى أعلم. وتمام البحث فيما يتعلّق بمذاهب العلماء تقدم في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣١٠- (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ: ((لَا تُحرِّمُ الْمَصَّةُ، وَّالْمَصَّتَانِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((شُعيب بن يوسف)): أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [١٠] ٤٩/٤٢ من أفراد المصنف. و(يحيى)): هو القطّان. و((هشام)): هو ابن عروة. والحديث صحيح، انفرد به المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٣١٠/٥١ - وفي ((الكبرى))٥٤٥٦/٤٨، وتقدّم شرحه، والبحث عما يتعلّق به من المسائل قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣١١- (أَخْبَرَنَا زِيَادُبْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَئَةَ، عَنْ أَیُوبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا تُحُرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((زياد بن أيوب)): هو أبو هاشم الطوسيّ الأصل، يُلقّب دلّويه، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و((أيوب)): هو ابن أبي تميمة كيسان السختيانيّ. و((ابن أبي مليكة)): هو عبد الله ابن عبيدالله المكيّ. والحديث أخرجه مسلم في ((الرضاع)) ١٤٥٠، وأخرجه المصنّف هنا -٣٣١١/٥١، و٣٣١٢- وفي ((الكبرى))٥٤٥١/٤٨ و٥٤٦٢. و(د) في ((النكاح)» ٢٠٦٣ (ت) في ((الرضاع))١١٥٠ و(ق) في (النكاح)) ١٩٤١ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٠٦ و٢٤١٢٣ و٢٥٢٨٤ و٢٥٥٦٨ (الدارمي) في ((النكاح»٢٢٥١. وشرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به سبقت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. . ٣١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ ٣٣١٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَنع- قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَتَبْنَا إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، نَسْأَلُهُ عَنِ الرَّضَاعِ؟ فَكَتَبَ أَنَّ شُرَيْحًا، حَدَّثَنَا أَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، كَانَا يَقُولَانِ: يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ، أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ، حَدَّثَنَا أَنَّ عَائِشَةً حَدَّثَتْهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَه كَانَ يَقُولُ: (لَا تُحُرِّمُ الْخَطْفَةُ، وَالْخَطْفَتَانِ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١- (محمد بن عبد الله بن بَزِيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي - البصريّ، ثقة [١٠] ٥٨٨/٤٣ . ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥. ٣- (سعيد) بن أبي عروبة المترجم قبل حديث. ٤- (قتادة) بن دعامة المترجم قبل حديث أيضًا. ٥- (إبراهيم بن يزيد النخعيّ) أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل کثرًا [٥] ٢٩/ ٣٣ . ٦- (شريح) بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر الكنديّ، النخعيّ القاضي، أبو أميّة الكوفيّ، ويقال: شُريح بن شُرَحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، ثقة [٢] . وقيل: له صحبة. قال ابن معين: كان في زمن النبيّ وَّار، ولم يسمع منه، استقضاه عمر على الكوفة، وأقرّه عليّ، وأقام على القضاء بها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة. قال عليّ بن عبد الله ابن معاوية بن ميسرة: حدثني أبي، عن أبيه معاوية، عن أبيه مَيْسرة، عن أبيه شُريح قال: وَليت القضاء لعمر، وعثمان، وعليّ، فمن بعدهم إلى أن استعفيتُ من الحجّاج، قال: وكان له مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة، ثم مات. وقال ابن المدينيّ: ولي شُريح البصرة سبع سنين زمن زياد، وولي الكوفة ثلاثًا وخمسين سنة. قال عليّ: ويقال: تعلّم العلم من معاذ. وقال حنبل بن إسحاق، عن ابن معين: شُريح ابن هانىء، وشريح بن أرطاة، وشريح القاضي أقدم منهما، وهو ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وقال أبو حَصِين: كان شاعرًا قائفًا. وكذا قال ابن سيرين، وزاد: وكان تاجرًا، وكان كَوْسجًا. وقال أبو إسحاق السبيعيّ، عن هُبيرة بن يَرِيم: إن عليًّا جمع الناس بالرَّخْبَة، فقال: إني مفارقكم، فجعلوا يسألونه حتى نَفِد ما عندهم، ولم يبق إلا شريخ، فجثا على ركبتيه، وجعل يسأله، فقال له عليّ: اذهب فأنت أقضى العرب. وقال عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء: أتانا زياد بشُريح، فقضى فينا سنةً، لم يقض فينا ٣١٥ ٥١- (القَدْرُ الذِّي يُحَرَّعُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - حديث رقم ٣٣١٢ مثله قبله، ولا بعده. قال أبو نعيم: مات سنة (٧٨) زمن مصعب بن الزبير، وهو ابن مائة وثمان سنين بعد ما عُزل عن القضاء بسنتين. وفيها أرّخه غير واحد. وقال خليفة، وغيره: سنة (٨٠) وقال المدائنيّ: سنة (٨٢). وقيل: سنة (٩٧). وقيل: سنة (٩٩). أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٣٣١٢/٥١ و٣٧٥٦/٤ و٣٩٣٦/٤٦ ٥٤٠٠/١١. ٧- (أبو الشعثاء المحاربيّ) سُليم بن الأسود بن حنظلة الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٩٠/ ١١٢ . ٨- (عليّ) بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه ٧٤/ ٩١ . ٩- (ابن مسعود) عبد الله رضي الله تعالى عنه ٣٩/٣٥. ١٠- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى قتادة، والباقون كوفيون، سوى عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أبي الخطّاب البصريّ، أنه (قَالَ: كَتَبْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، نَسْأَلُهُ عَنِ الرَّضَاعِ؟) أي عن المقدار الذي يحرّم منه (فَكَتَبَ أَنَّ شُرَيْحًا) القاضي (حَدَّثَنَا أَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (كَانَا يَقُولَانِ: يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ) أي عملًا بإطلاق الآية: ﴿وَأَقَهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَّةِ﴾، وحديث: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) (وَكَانَ فِي كِتَابِهِ) أي في كتاب إبراهيم الذي أرسله إلى قتادة، ومن معه (أَنَّ أَبَا الشَّغْفَاءِ) سُلَيم بن الأسود (الْمُحَارِبِيَّ) بضم الميم: نسبة إلى قبيلة، وهم عدة قبائل وبطون، ذكر بعضهم ابن الأثير في ((اللباب)) ٣/ ١٧٠- ١٧١ (حَدَّثَنَا أَنَّ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (حَدَّثَتْهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ◌ِ، كَانَ يَقُولُ: ((لَا تُحُرِّمُ الْخَطْفَةُ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة -: أي الرضاعة القليلة يأخذها الصبيّ من الثدي بسرعة (وَالْخَطْفَتَانِ) أي المرّتان من الرضاعة القليلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٣١٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٣٣١٢/٥١- وفي ((الكبرى)) ٤٨/ ٥٤٦٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣٣١٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنٍ أَبِي الشَّغْنَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: ((انْظُزْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ؟))، وَمَرَّةً أُخْرَى: ((انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، مِنَ الرَّضَاعَةِ؟، فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هناد بن السريّ) المذكور في الباب الماضي. ٢- (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٩٦/٧٩. ٣- (أشعث بن أبي الشعثاء) المحاربيّ الكوفيّ ثقة [٦] ١١٢/٩٠. ٤- (أبوه) أبو الشعثاء سليم بن الأسود المذكور في السند السابق. ٥- (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه مخضرم [٢] ٩٠ / ١١٢ . ٦- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّة، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع رحمه اللّه تعالى، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي اللّه تعالى عنها (دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وأظنّه ابنًا لأبي القُعيس، وغلِط من قال: هو عبد الله بن يزيد، رضيع عائشة؛ لأن عبد الله هذا تابعيّ باتفاق الأئمّة، وكأن أمّه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبيّ وَّ، ٠ ٣١٧ ٥١- (القَدْرُ الذِّي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاعةِ) - حديث رقم ٣٣١٣ فولدته، فلهذا قيل له: رضيع عائشة انتهى (١) (فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن الأشعث: ((فكأنه تغيّر وجهه، كأنه كره ذلك)). وفي رواية له من طريق عن الأشعث: ((فقال: ((عائشة من هذا؟)) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ) بَرِ ((انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ؟))) ((ما)) استفهاميّة، والمعنى: تأمّلن ما وقع من ذلك، هل هو رضاعٌ صحيح بشرطه، من وقوعه في زمن الرضاعة، ومقدار الارتضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. قال المهلّب: معناه: انظرن ما سبب هذه الأخوّة، فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسدّ الرضاعة المجاعة. وقال أبو عُبيد: معناه أن الذي جاع كان طعامه الذي يُشبعه اللبن من الرضاع، لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع. (وَمَرَّةٌ أُخْرَى) أي قال مرّة أخرى (انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَاتُكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ؟) بـ ((مَنْ)) بدل ((ما))، وهي أوجه، وهي استفهاميّة أيضًا (فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((فإنما الرضاعة (مِنَ الْمَجَاعَةِ) فيه تعليل الباعث على إمعان النظر والفكر؛ لأن الرضاعة تُثبتُ النسبَ، وتجعل الرضيع مَخْرَمًا. والمعنى: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، وتحِلُّ بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلًا، يسدّ اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفة، يكفيها اللبن، وينبتُ بذلك لحمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرةٌ إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة، كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾، ومن شواهده حديث ابن مسعود: ((لا رضاع إلا ما شدّ العظم، وأنبت اللحم)). أخرجه أبو داود، مرفوعًا، وموقوفًا، وحديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء)). أخرجه الترمذي، وصححه(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣١٣/٥١ - وفي («الكبرى»٥٤٦٤/٤٩ . وأخرجه (خ) في (١) ((فتح)) ١٠ / ١٨٤. (٢) ((فتح)) ١٨٤/١٠-١٨٥. ٣١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكاح ((الشهادات)»٢٦٤٧ و(النكاح))٥١٠٢ (م) في ((الرضاع))١٤٥٥ (د) في ((النكاح))٢٠٥٨ (ق) في ((النكاح))١٩٤٥ (الدارمي) ٢٢٥٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان مقدار الرضاعة التي يثبت بها التحريم، وذلك خمس رضعات، ووجه الاستدلال بهذا الحديث على ذلك، أنه يدل على أن الرضعة الواحدة، لا تحرّم؛ لأنها لا تُغني من الجوع، فإذا لا بدّ من تقدير ما يُحرّم منها، فيكون أولى ما يؤخذ به ما قدّرته الشريعة، وهو خمس رضعات. (ومنها): جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاعة معه عليها، وأنه يصير أخًا لها، وقبول قولها فيمن اعترفت به. (ومنها): سؤال الرجل زوجته عن سبب إدخال الرجال بيته، والاحتياط في ذلك، والنظر فيه. (ومنها): أنه استدلّ به على أن التعذية بلبن المرضعة يُحَرِّم، سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان، حتى الوُجور، والسُّعوط، والثّد، والطّبْخ، وغير ذلك، إذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذُكر، فيوافق الخبر والمعنى، وبهذا قال الجمهور، لكن استثنى الحنفيّة الحُقْنة. وخالف في ذلك الليث، وأهل الظاهر، فقالوا: إن الرضاعة المحرمة إنما تكون بالْتِقَام الثدي، ومصّ اللبن منه. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الرضاعة إنما تُعتبر في حال الصغر؛ لأنها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن بخلاف حال الكبر، وضابط ذلك تمام الحولين، وعليه يدلّ حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، رفعه: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)). أخرجه الدرقطنيّ، وقال: لم يُسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. وأخرجه ابن عديّ، وقال: غير الهيثم يوقفه على ابن عباس، وهو المحفوظ. وحديث أمّ سلمة رضي اللَّه تعالى عنها: ((لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام)). صححه الترمذيّ، وابن حبّان. وقال القرطبيّ: في قوله: ((فإنما الرضاعة من المجاعة)) تثبيت قاعدة كلّة صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستغني به الرضيع عن الطعام باللبن، ويعتضد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِّ الرَّضَاعَةُ﴾، فإنه يدل على أن هذه المدّة أقصى مدّة الرضاع المحتاج إليه عادةً المعتبر شرعًا، فما زاد عليه لا يُحتاج إليه عادةً، فلا يُعتبر شرعًا، إذ لا حكم للنادر، وفي اعتبار إرضاع الكبير انتهاك حرمة المرأة بارتضاع الأجنبيّ منها؛ لاطلاعه على عورتها، ولو بالتقامه ثديها. ٥٢- (لَبَنُ الفخل) - حديث رقم ٣٣١٤ ٣١٩ === يعني على الغالب، وأيضًا على مذهب من يشترط التقام الثدي. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها - كما سيأتي - أنها لا تفرّق في حكم الرضاع بين حال الصغر والكبر، وقد استُشكل ذلك مع كون هذا الحديث من روايتها، واحتجت هي بقصّة سالم مولى أبي حُذيفة، فلعلّها فهمت من قوله: ((إنما الرضاعة من المجاعة)) اعتبار مقدار ما يسدّ الجوعة من لبن المرضعة لمن يرتضع منها، وذلك أعمّ من أن يكون المرتضع صغيرًا أو كبيرًا، فلا يكون الحديث نصًّا في منع اعتبار رضاع الكبير، وحديث ابن عبّاس مع تقدير ثبوته ليس نصًّا في ذلك، ولا حديث أم سلمة؛ لجواز أن يكون المراد أن الرضاع بعد الفطام ممنوع، ثم لو وقع رتب عليه حكم التحريم، فما ثبت في الأحاديث المذكورة ما يدفع هذا الاحتمال، فلهذا عملت عائشة بذلك(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)». ٥٢- (لَبَنُ الْفَخْلِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْفَخْلُ)) بفتح الفاء، وسكون المهملة: الذكر من الحيوان، جمعه فُحُول، وفُحُولةٌ -بالضمّ فيهما- وفِحالٌ -بالكسر-، والمراد به هنا الرجل الذي نزل بسببه لبن المرأة، فنسبة اللبن إليه مجازيّةٌ؛ للسبيّة. قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى عند قوله: ((ولبن الفحل محرَّمٌ)): معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ثاب من وطء رجل، حُرِّمَ الطفلُ على الرجل، وأقاربه، كما يُحرَّم ولده من النسب؛ لأن اللبن من الرجل، كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولدًا للرجل، والرجل أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة، أو من غيرها، وإخوة الرجل، وأخواته أعمام الطفل وعمّاته، وآباؤه، وأمهاته أجداده، وجداته . قال أحمد: لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان، فترضع هذه صبيّة، وهذه صبيًّا، لا يزوّج هذا من هذا. وسُئل ابن عبّاس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما جارية، (١) راجع ((الفتح)) ١٠/ ١٨٥- ١٨٦. ٣٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ والأخرى غُلامًا، فقال: لا، اللقاح واحدٌ. قال الترمذيّ: هذا تفسير لبن الفحل. انتھی(١). وقال في ((الفتح)): قال القاضي عبد الوهاب: يُتصوّر تجريد لبن الفحل برجل له امرأتان ترضع إحداهما صبيًّا، والأخرى صبيّةً، فالجمهور قالوا: يَحرُم على الصبيّ تزويج الصبيّة، وقال من خالفهم: يجوز. انتهى(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله الجمهور هو الحقّ، وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. ٣٣١٤ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ رَجُلًا،َ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَرَاهُ فُلَانًا))، لِعَمْ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ فُلَانْ حَيَّا، لِعَمِّهَا مِنَ الرِّضَاعَةِ، دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحُرْمُ مَا يُحَرَّمُ مِنَ الْوِلَادَةِ)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تُرجموا في الباب الماضي، وكذا مضى هناك لطائف الإسناد. و ((معن)): هو ابن عيسى القزاز المدنيّ. و((مالك)): هو إمام دار الهجرة. و((عبد الله ابن أبي بكر»: هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣ (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّها سَمِعَتْ رَجُلًا) لم يسمَ (يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي اللّه تعالى عنها، قال في ((الفتح)): فيه التفات، وكان السياق يقتضي أن تقول: قلت انتهى (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (أُرَاهُ) بضم الهمزة: أي أظنّه (فُلاَنَا، لِعَمْ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ) اللام هنا بمعنى ((عن))، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾. وبه يقول ابن الحاجب. وقال ابن مالك، وغيره: هي لام (١) راجع ((المغني)) ٩/ ٥٢٠-٥٢١. (٢) (فتح)) ١٨٩/١٠.