النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ = ٤٣- (النّكَاحُ الذَّي تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ ...- حديث رقم ٣٢٨٤ (حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) قال النوويّ: هو -بضمّ العين، وفتح السين، تصغير عَسَلَة-، وهي كناية عن الجماع، شبّه لذّته بلذّة العسل، وحلاوته، قالوا: وأنّث العسيلة؛ لأن في العسل نعتين: التذكير والتأنيث. وقيل: أنّثها على إرادة النطفة، وهذا ضعيف؛ لأن الإنزال لا يشترط انتهى (١). وقال الفيّوميّ: وهذه استعارة لطيفة، فإنه شبّه لذّة الجماع بحلاوة العسل، أو سمّى الجماعَ عسَلًا؛ لأن العرب تُسمّي كلَّ ما تستحليه عَسَلًا، وأشار بالتصغير إلى تقليل القدر الذي لا بُدّ منه في حصول الاكتفاء به، قال العلماء: وهو تغييب الحَشَفَة؛ لأنه مظِنّةُ اللّذّة. انتهى. وقال في ((الفتح)): كذا في الموضعين بالتصغير، واختلف في توجيهه، فقيل: هي تصغير العسل؛ لأن العسل مؤنّثٌ، جزم به القزاز، ثم قال: وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهريّ: يُذكّر، ويؤنّث. وقيل: لأن العرب إذا حقّرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم: دُريهمات، فجمعوا الدرهم جمعَ المؤنّث عند إرادة الحقير، وقالوا أيضًا في تصغير هند هُنيدة. وقيل: التأنيث باعتبار الوطأة إشارة إلى أنها تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول. وقيل: المراد قطعة من العسل، والتصغير للتقليل إشارة إلى أن القدر القليل كافٍ في تحصيل الحلّ. قال الأزهريّ: الصواب أن معنى الْعُسَيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأنّث تشبيهًا بقطعة من عسل. وقال الداوديّ: صُغّرت لشدّة شبهها بالعسل. وقال أبو عبيد: العسيلة لذّة الجماع، والعرب تُسمّي كلّ شيء تستلذّه عَسَلًا. وقال الجوهريّ: صُغّرت العسلة بالهاء؛ لأن الغالب في العسل التأنيث، قال: ويقال: إنما أنّث لأنه أريد به العسلة، وهي القطعة منه، كما يقال للقطعة من الذهب: ذَهَبَة انتهى. وقيل: معنى الْعُسَيلة النطفة. وهذا يوافق قول الحسن البصريّ القائل باشتراط حصول الإنزال في صحّة التحليل، وخالف بذلك جمهور العلماء، فإنهم جعلوا الشرط إدخال الحشفة في الفرج فقط، وهو الحقّ، فقد جاء تفسير العُسَلية بالجماع مرفوعًا، أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده»، ولفظه: حدثنا مروان، قال: أخبرنا أبو عبد الملك المكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي وَلّ قال: ((الْعُسَيلة هي الجماع)). ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير، أبي عبد الملك، وهو إسماعيل بن عبد الملك بن الصُّفير، قال ابن معين في رواية: ليس به بأس، وقال البخاريّ، وابن (١) (شرح مسلم) ٢٤٣/١٠-٢٤٤. ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ عديّ: يكتب حديثه، وتكلّم فيه غيرهم، وقال في ((التقريب)): صدوق، كثير الوهم. انتھی . وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٢٨٤/٤٣ و٣٤٠٨/٩ و٣٤٠٩ و٣٤١٠/١٠ و٣٤١٢/١٢ و ٣٤١٣ وفي ((الكبرى)) ٧٧/ ٥٥٣٤ و١٠/ ٥٦٠٠ و٥٦٠١ و ١١/ ٥٦٠٢ ٥٦٠٤/١٣ و ٥٦٠٥ و٥٦٠٦٥٦٠٧ . وأخرجه (خ) في ((الشهادات)) ٢٦٣٩ و ((الطلاق» ٥٢٦٠ و٥٢٦٥ و٥٣١٧ و((اللباس))٥٧٩٢ و٥٨٢٥ و((الأدب))٦٠٨٤ (م) في ((النكاح))١٤٣٣ (د) في ((الطلاق))٢٣٠٩ (ت) في ((النكاح))١١١٨ (ق) في ((النكاح)) ١٩٣٢ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٣٨ و٢٣٥٧٨ و٢٥٠٧٧ و٢٥٣٦٤ و٢٥٣٨٩ (الموطأ) في ((النكاح)»١١٢٧ (الدارمي) في ((الطلاق))٢٢٦٧ و٢٢٦٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما تحلّ به المطلّقة ثلاثًا من النكاح، وذلك أنه لا بدّ من جماع الزوج الثاني لها. (ومنها): أنه يدلّ على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محلّلًا ارتجاع الزوج للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشرًا ذكره، فلو كان أشلّ، أو كان هو عِنِينًا، أو طفلًا لم يكف على أصح قولي العلماء، وهو الأصحّ عند الشافعيّة أيضًا. قاله في ((الفتح)). (ومنها): أن الجمهور استدلّوا به على أن تغييب الحشفة في قبلها كافٍ في ذلك، من غير إنزال المنيّ. وشذّ الحسن البصريّ، فشرط الإنزال، وجعله حقيقة العسيلة. قال الجمهور: بدخول الذكر تحصل اللذّة، والعسيلة(١). (ومنها): ما قاله القرطبيّ: إنه يستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلّق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم، خلافًا لمن قال: لا بدّ من حصول جميعه، وفي قوله: ((حتى تذوقي عسيلته الخ)) إشعارٌ بإمكان ذلك، لكن قولها: «ليس معه إلا مثلُ هذه الهدبة)) ظاهرٌ في تعذّر الجماع المشترَط. فأجاب الكرمانيّ بأن مرادها بالهدبة التشبيه بها (١) (شرح مسلم للنوويّ)) ٢٤٤/١٠. ٤٣- (النّكَاحُ الّذِّي تِلُ بِهِ الْمُطَلَّقَّةُ ...- حديث رقم ٣٢٨٤ ٢٦٣ في الدقة والرقّة، لا في الرخاوة، وعدم الحركة. قال الحافظ: واستبعد ما قال، وسياق الخبر يُعطي بأنها شكت منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله مثلقول: ((حتى تذوقي))؛ لأنه علّقه على الإمكان، وهو جائز الوقوع، فكأنه قال: اصبري حتى يتأتّى منه ذلك، وإن تفارقا، فلا بدّ لها عند إرادة الرجوع إلى رفاعة من زوج آخر، يحصل لها منه ذلك. (ومنها): أنه استُدلّ بإطلاق وجود الذوق منهما على اشتراط علم الزوجين به، حتى لو وطئها نائمةً، أو مغمّى عليها لم يكف، ولو أنزل هو، وبالغ ابن المنذر، فنقله عن جميع الفقهاء. وتُعُقّب بأن فيه خلافًا. وقال القرطبيّ: فيه حجةٌ لأحد القولين في أنه لو وطئها نائمةً، أو مُغمّى عليها لم تحل لمطلّقها؛ لأنها لم تذق العسيلة؛ إذ لم تدركها (١). وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يُحلل، وخالفه أشهب. قاله في (الفتح))(٢). (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ في قوله: ((تريدين أن ترجعي إلى رفاعة)) دليلٌ على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضرّ العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحقّ صاحبه اللعن(٣). (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني، لكن شرط المالكيّة، ونُقل عن عثمان، وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعةٌ من الزوج الثاني، ولا إرادة تحليلها للأول. وقال الأكثر: إن شُرط ذلك في العقد فسد، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط وطء الزوج الثاني للمطلّقة ثلاثًا: ذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم إلى أن المطلّقة ثلاثًا لا تحلّ لمطلّقها حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها، ثم يفارقها، وتنقضي عدّتها، فأما مجرّد عقده عليها، فلا يُبيحها للأول. وخالف في ذلك سعيد بن المسيّب، فقال: إذا عقد الثاني عليها، ثم فارقها، حلّت للأوّل، ولا يُشترط وطء الثاني؛ لقول الله تعالى: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠]، والنكاح حقيقة في العقد على الصحيح. وأجاب الجمهور بأن هذا الحديث مخصّص لعموم الآية، ومبيّنٌ للمراد بها. قال النوويّ: قال العلماء: ولعلّ سعيدًا لم يبلغه هذا الحديث. قال القاضي عياض: لم يقل (١) ((المفهم)) ٤/ ٢٣٤. (٢) ((فتح) ٥٨٦/١٠ . (٣) راجع ((طرح التثريب)) ١٠٠/٧. ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ أحد بقول سعيد في هذا إلا طائفةٌ من الخوارج(١). وقال في ((الفتح)): قال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، وزاد الحسن البصريّ: حصول الإنزال. وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة. قاله ابن المنذر، وآخرون. وقال ابن بطال: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحدّ، ويحصّن الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويُفسد الحجّ والصوم. وهو في التشديد يقابل قول سعيد بن المسيّب في الرخصة. ويردّ قول الحسن أن الإنزال لو كان شرطًا لكان كافيًا، وليس كذلك؛ لأن كلّ منهما إذا كان بعيد العهد بالجماع مثلًا أنزل قبل تمام الإيلاج، وإذا أنزل كلّ منهما قبل تمام الإيلاج لم يذق عسيلة صاحبه، لا إن فُسْرت العسيلة بالإمناء، ولا بلذّة الجماع. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلّ للأوّل، إلا سعيد بن المسيّب، ثم ساق بسنده الصحيح عنه، قال: يقول الناس: لا تحلّ للأول حتى يُجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوّجها تزويجًا صحيحًا، لا يريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوّجها الأول. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور. وفيه تعقّب على من استعبد صحته عن سعيد. قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعلّه لم يبغله الحديث، فأخذ بظاهر القرآن. قال الحافظ: سياق كلامه يُشعر بذلك. وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك، وهو ما أخرجه النسائيّ -٣٤١٥/١٢ - من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، رفعه في الرجل تكون له المرأة، فيُطلّقها، ثم يتزوّجها آخر، فيُطلّقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى الأول، فقال: لا، حتى تذوق العسيلة)). وقد أخرجه النسائي أيضًا-٣٤١٦/١٢- من رواية سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، فقال: عن رزین ابن سليمان الأحمريّ، عن ابن عمر نحوه. قال النسائيّ: هذا أولى بالصواب. وإنما قال ذلك؛ لأن الثوريّ أتقن، وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصواب من وجهين: [أحدهما]: أن شيخ علقمة شيخهما هو رزين بن سليمان، كما قال الثوريّ، لا سالم ابن رزين، كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن علقمة كذلك، منهم: غيلان بن جامع، أحد الثقات. [ثانيهما]: أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، مرفوعًا ما نسبه إلى مقالة الناس الذين خالفهم. (١) (شرح مسلم للنوويّ)) ٢٤٤/١٠. ٢٦٥ === ٤٣- (النكاحُ الذِّي تِحَلَُ بِهِ الْمُطَلَّقَّةُ ...- حديث رقم ٣٢٨٤ ويؤخذ من كلام ابن المنذر أن نقل أبي جعفر النحاس في «معاني القرآن»، وتبعه عبد الوهاب المالكيّ في ((شرح الرسالة)) القول بذلك عن سعيد بن جبير وَهَمّ، وأعجب منه أن أبا حبان (١) جزم به عن السعيدين: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، ولا يُعرف له سندٌ عن سعيد بن جبير في شيء من المصنّفات، وكفى قول ابن المنذر حجةً في ذلك. وحكى ابن الجوزيّ عن داود أنه وافق سعيد بن المسيّب انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن جمهور العلماء على أن المطلّقة ثلاثًا لا تحلّ لزوجها الأول إلا بعد نکاح صحیح، ویُجامعها الزوج الثاني، وإن لم یُنزل، ثم يطلّقها، فتنقضي عدّتها، وهذا هو الحقّ الموافق لظاهر حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور في الباب، فما نُقل عن سعيد بن المسيّب من الاكتفاء بالعقد المجرّد عن الجماع، وكذا عن الحسن البصريّ من اشتراط الإنزال، فمما لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته ما صحّ عن رسول اللّه وَ له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اتفقوا على أنه إذا كان الجماع في نكاح فاسد لم يحلّل، وشذّ الحكم، فقال: يكفي، وأن من تزوّج أمة، ثم بتّ طلاقها، ثم ملكها لم يحلّ له أن يطأها حتى تتزوّج غيره. وقال ابن عبّاس، وبعض أصحابه، والحسن البصريّ: تحلّ له بملك الیمین. واختلفوا فيما إذا وطئها حائضًا، أو بعد أن طهرت قبل تطهّر، أو أحدهما صائم، أو محرم. وقال ابن حزم: أخذ الحنفيّة بالشرط الذي في هذا الحديث عن عائشة، وهو زائد على ظاهر القرآن، ولم يأخذوا بحديثها في اشتراط خمس رضعات؛ لأنه زائد على ما في القرآن، فليزمهم الأخذ به، أو ترك حديث الباب. وأجابوا بأن النكاح عندهم حقيقة في الوطء، فالحديث موافق لظاهر القرآن. ونقل ابن العربيّ عن بعضهم أنه ورد على حديث الباب ما ملخصّه أنه يلزم من القول به إما الزيادة بخبر الواحد على ما في القرآن، فيستلزم نسخ القرآن بالسنّة التي لم تتواتر، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين مع ما فيه من الإلباس. والجواب عن الأول أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم تكن إضافته نسخًا، ولا زيادة. وعن الثاني أن النكاح في الآية أضيف إليها، وهي لا تتولى العقد بمجرّدها، فتعيّن أن المراد به في حقّها الوطء، ومن شرطه اتفاقًا أن يكون وطأ مباحًا، فيحتاج إلى (١) هكذا نسخ ((الفتح)) ((أبا حبان» بالباء، فليحرر. (٢) ((فتح)) ٥٨٥/١٠-٥٨٦ . ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاح سبق العقد. ويمكن أن يقال: لما كان اللفظ محتملًا للمعنيين بيّنت السنّة أنه لا بدّ من حصولهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن المرأة لا حقّ لها في الجماع؛ لأن هذه المرأة شكت زوجها لا يطؤها، وأن ذكره لا ينتشر، وأنه ليس معه ما يغني عنها، ولم يفسخ النبيّ وَالر نكاحها بذلك، ومن ثمّ قال إبراهيم بن إسماعيل ابن عليّة، وداود بن عليّ: لا يفسخ بالْعُنّة، ولا يُضرب لِلْعِنِين أجل. وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرّة واحدةً لم يؤجّل أجل العنّين، وهو قول الأوزاعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق. وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلّة أُجّل سنة، وإن كان لغير علّة فلا تأجيل. وقال القاضي عياض: اتفق كافّة العلماء على أن للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبت لها الخيار إذا تزوّجت المجبوب، والممسوح، جاهلةً بهما، ويُضرَب للعنّين أجلٌ سنة؛ لاحتمال زوال ما به. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي نقله عياض رحمه الله تعالى عن كافّة العلماء من أن للمرأة حقًّا في الجماع هو الحقّ؛ لأن اللَّه تعالى أوجب على الزوج المعاشرة بالمعروف، وهو من المعروف، وقال تعالى: ﴿وََُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِّ﴾، وقد عُلِم الحقّ للرجل على امرأته أن يُجامعها، فكذلك لها ذلك. والله تعالى أعلم. قال في ((الفتح)): وأما استدلال داود ومن يقول بقوله بقصة امرأة رفاعة، فلا حجة فيها؛ لأن في بعض طرقه أن الزوج الثاني كان أيضًا طلّقها، كما وقع عند مسلم صريحًا من طريق القاسم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ((طلّقَ رجلٌ امرأته ثلاثًا، فتزوّجها رجلٌ آخر، فطلّقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوّجها، فسُئل النبيّ وَّر عن ذلك؟ فقال: لا ... )) الحديث. وأصله عند البخاريّ في أوائل ((الطلاق)). ووقع في حديث الزهريّ، عن عروة عند البخاريّ في ((اللباس)) في آخر الحديث بعد قوله: ((حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عُسيلتك))، قال: ففارقته بعد، زاد ابن جريج عن الزهريّ في هذا الحديث: ((أنها جاءت بعد ذلك إلى النبيّ وَّ، فقالت: إنه - يعني زوجها الثاني - مسّها، فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول)). وصرّح مقاتل بن حيّان في تفسيره، مرسلًا: ((قالت: يا رسول اللّه إنه كان مسّني، فقال: كذبت بقولك الأول، فلن أُصدّقك في الآخر، وأنها أتت أبا بكر، ثم عمر، فمنعاها)). ٢٦٧ ٤٣- (النّكَاحُ الذِّي تَحِلُ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ ...- حديث رقم ٣٢٨٤ وكذا وقعت هذه الزيادة الأخيرة في رواية ابن جريج المذكورة، أخرجها عبد الرزاق، عنه. ووقع عند مالك في ((الموطًا)) عن المسور بن رفاعة، عن الزَّبِير بن عبد الرحمن بن الزَّبير، زاد خارج ((الموطًا)) فيما رواه ابن وهب عنه، وتابعه إبراهيم بن طهمان، عن مالك عند الدارقطنيّ في ((الغرائب))، عن أبيه: ((أن رفاعة طلّق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثًا، فنكحها عبد الرحمن، فاعتُرِضَ عنها، فلم يستطع أن يمسّها، ففارقها، فأراد رفاعة أن يتزوّجها ... )) الحديث. ووقع عند أبي داود من طريق الأسود، عن عائشة: ((سئل رسول اللّه وَل عن رجل طلّق امرأته، فتزوّجت غيره، فدخل بها، وطلّقها قبل أن يواقعها، أتحلّ للأول؟ قال: لا ... )) الحديث. وأخرج الطبريّ، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ◌َّه نحوه. والطبري أيضًا، والبيهقيّ من حديث أنس ◌َظّم كذلك. وكذا وقع في رواية حماد بن سلمة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ((أن عمرو بن حزم طلّق الْغُميصاء، فنكحها رجلٌ، فطلّقها قبل أن يمسّها، فسألت النبيّ وَ ل 18؟، فقال: لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها، وتذوق عسيلته)). وأخرجه الطبرانيّ، ورواته ثقات. قال الحافظ: فإن كان حماد بن سلمة حفظه، فهو حديث آخر لعائشة في قصّة أخرى، غير قصّة امرأة رفاعة، وله شاهد من حديث عُبيد اللَّه - بالتصغير ابن عباس، عند النسائيّ، كما سيأتي في المسألة التالية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنه قد وقع لغير امرأة رفاعة قريبٌ مما وقع لها، فقد أخرج النسائيّ - ١٢/ ٣٤١٤ - من طريق سليمان بن يسار، عن عُبيدالله بن عباس -أي ابن عبد المطّلب -: ((أن الْغُميصاء، أو الرميصاء، أتت النبيّ وَله تشكو من زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء، فقال: إنها كاذبةٌ، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: ليس ذلك لها حتى تذوق عسيلته)). ورجاله ثقات، لكن اختلف فيه على سليمان بن يسار. قال الحافظ: ووقع عند شيخنا - يعني الحافظ العراقيّ- في ((شرح الترمذيّ)): ((عبد الله بن عباس))، مكبّرًا، وتعقّب على ابن عساكر، والْمِزْيّ أنهما لم يذكرا هذا الحديث في ((الأطراف)). ولا تعقّب عليهما، فإنهما ذكراه في مسند عبيدالله - بالتصغير- وهو الصواب. ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ وقد اختلف في سماعه من النبيّ وَّر، إلا أنه وُلد في عصره، فذُكر لذلك في الصحابة . واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم. أخرجه الطبرانيّ، وأبو مسلم الكجيّ، وأبو نُعيم في الصحابة من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن عمرو بن حزم طلّق الغميصاء، فتزوّجها رجلٌ قبل أن يمسّها، فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول ... الحديث. قال الحافظ: ولم أعرف اسم زوجها الثاني. ووقعت لامرأة ثالثة قصّة أخرى أيضًا مع رفاعة رجلٍ آخر غير الأول، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير أيضًا. أخرجه مقاتل بن حيّان في ((تفسيره))، ومن طريقه ابن شاهين في ((الصحابة))، ثم أبو موسى في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوًْا غَيْرَهُ﴾ قال: ((نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضريّة، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلّقها بائنًا، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، ثم طلّقها، فأتت النبيّ وَّه، فقالت: إنه طلّقني قبل أن يمسّني، أفأرجع إلى ابن عمّي، زوجي الأول؟ قال: لا)) الحديث. قال الحافظ: وهذا الحديث إن كان محفوظًا، فالواضح من سياقه أنها قصّة أخرى، وأنّ كلَّا من رفاعة القُرظيّ، ورفاعة النضريّ وقع له مع زوجة له طلاقٌ، فتزوّج كلَّا منهما عبد الرحمن بن الزَّبِير، فطلّقها قبل أن يمسّها، فالحكم في قصّتهما متّحدٌ مع تغاير الأشخاص. وبهذا يتبيّن خطأ من وحّد بينهما، ظنًّا منه أن رفاعة بن سَمَوْأَل هو رفاعة بن وهب، فقال: اختلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال، فذكر الاختلاف في النطق بتميمة، وضمّ إليها عائشة، والتحقيق ما تقدّم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: جزمه في تخطئة من وحّد بينهما فيه نظر لا يخفى، إذ هو محتمل، كما أبداه هو بعد ورقتين، حيث قال: ما نصه: وقد قدّمتُ أنه وقع لكل من رفاعة بن سموأل، ورفاعة بن وهب أنه طلّق امرأته، وأن كلَّ منهما تزوّجها عبد الرحمن بن الزبير، وأن كلَّا منهما شَكَتْ أنه ليس معه إلا مثلُ الهدبة، فلعلّ إحدى المرأتين شكته قبل أن يفارقها، والأخرى بعد أن يفارقها. ويحتمل أن تكون القصّة واحدةً، ووقع الوهم من بعض الرواة في التسمية، أو في النسبة، وتكون المرأة شَكّت مرّتين من قبل المفارقة، ومن بعدها. والله أعلم انتهى(١). (١) ((فتح)) ١٠/ ٥٨٣-٥٨٨ . ٤٤- (تَحَّرِيمُ الرَّبيبة التِّي فِي حَجْرِهِ) - حديث رقم ٣٢٨٥ ٢٦٩ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير عندي هو الأقرب. والله تعالى أعلم. ووقع أيضًا لأبي رُكانة قصّة أخرى، فقد أخرج أبو داود، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: طلّق عبد يزيد، أبو رُكانة أم ركانة، ونكح امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبيّ وَّر، فقالت: ما يُغني عنّي إلا كما تُغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرّق بيني وبينه، قال: فقال النبيّ وَليل لعبد يزيد: ((طلّقها، وراجع أمّ ركانة، ففعل)). وهو حديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). ٤٤- (تُحِيمُ الرَّبِيَةِ الَّتِي فِي حَجْرِهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى يرى تحريم الربيبة بشرط كونها في حجر الزوج، كما هو ظاهر الآية، وحديث الباب، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، وذهب الجمهور إلى التحريم مطلقًا، وهو الأولى، احتياطًا، وسنذكر تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٢٨٥- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَنْبَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ زَيْتَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، وَأُمُّهَا أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النِّّ ◌َِّ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، أَخَرَتَهَا أَنَّا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَّتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِ: ((أَوَ تُحِبِينَ ذَلِكِ؟))، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَّكَ بِمُخَلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ يُشَارِكُنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِيٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ أُخْتَكِ لَا تَحِلُّ لِي))، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَتَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ، أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: ((بِنْتُ أُمّ سَلَمَةَ؟))، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّا رَبِيبَتِي، فِي حَجْرِي، مَا حَلَّثْ لِيٍ، إِنَّا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيَِّةُ، فَلَّا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (عمران بن بكّار) بن راشد الكلاعيّ البَرّاد الحمصيّ المؤذِّن، ثقة [١١] ١٧/ ٢١٣٣ . ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ ٢- (أبو اليمان) الحم بن نافع الْبَهْرَانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢١٣٢/١٤. ٣- (شعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٨٥/٦٩. ٤- (زينب بنت أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ وَلآ، ماتت سنة (٧٣)، وحضر ابن عمر جنازتها قبل أن يحجّ، ويموت بمكّة، تقدّمت ترجمتها ١٨٢/١٢٣ . ٥- (أم حبيبة بنت أبي سفيان) رملة بنت صخر بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، ماتت سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: تسع وأربعين. وقيل: وخمسين، رضي اللَّه تعالى عنهما، وتقدّمت ترجمتها في ١٢٢/ ١٨٠، والباقيان تُرجما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رواته كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابيّة عن صحابيّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عنالزهريّ رحمه الله تعالى أنه (قال: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ) بن الزبير بن العوّام، أحد الفقهاء المشهورين بالمدينة (أَنَّ زَيْتَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَّةَ) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، أخي النبيّ وَّر من الرضاعة، كما صرّح به في هذا الحديث، وابن عمّته صفيّة بنت عبد المطلب، كان من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا، ومات في حياة النبيّ بَّر، مات في جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة، بعد أحد، فتزوّج النبيّ ◌َّهِ بعده زوجته أم سلمة رضي اللَّه تعالى عنهما (وَأُمُّهَا أُمُّ سَلَمَةَ) جملة من مبتدأ وخبر، معترضة، ذكرت لبيان أنها ربيبة النبيّ وَّر، واسمها هند بنت أبي أميّة المخزوميّة رضي اللَّه تعالى عنها (زَوْجُ النَّبِيِّ نََّ) برفع ((زوجٍ)) بدل من ((أم سلمة)). وقد تقدّم قصّة زواجها من النبيّ وَلَّ في - ٢٨/ ٣٢٥٥- (أُخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ) رملة بنت صخر رضي اللَّه تعالى عنهما (أَخْبَرَنَا أَنَّا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِخْ) بكسر الكاف، أمر من نكح، ينكح، من باب ضرب، فهمزته همزة وصل، وليست همزة قطع، فما وقع في بعض النسخ، من كتابتها بصورة همزة القطع، فغلط، فتنبّه: أي ٤٤- (تحریمُ الرّبية التِّي فِي حَجْرو) - حدیث رقم ٣٢٨٥ ٢٧١ تزوّج (أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ) وفي رواية يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عند مسلم، والنسائيّ(١) في هذا الحديث: ((انكح أختي عزّة بنت أبي سفيان))، ولابن ماجه من هذا الوجه: ((انكح أختي عزّة))، وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه في هذا الحديث عند الطبرانيّ أنها قالت: ((يا رسول اللَّه، هل لك في حَمْنَةً بنت أبي سفيان؟، قال: أصنع ماذا؟ قالت: تنكحها)). وعند أبي موسى في ((الذيل)): ((درّة بنت أبي سفيان)»، وهذا وقع في رواية الحميديّ في ((مسنده)) عن سفيان، عن هشام، وأخرجه أبو نُعيم، والبيهقيّ، من طريق الحميديّ، وقالا: قد أخرجه عنه، لكن حذف هذا الاسم، وكأنه عمدًا، وكذا وقع في الرواية زينب بنت أم سلمة، وحذفه البخاريّ أيضًا منها، ثم نبه على أن الصواب درّة، وجزم المنذريّ بأن اسمها حمنة، كما في الطبرانيّ. وقال عياض: لا نعلم لعزّة ذكرًا في بنات أبي سفيان إلا في رواية يزيد بن أبي حبيب. وقال أبو موسى: الأشهر فيها عزّةٍ (٢). (قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَوَتُحِبِينَ ذَلِكِ؟) هو استفهام تعجّب من كونها تطلُب أن يتزوّج غيرها مع ما طُبع عليه النساء من الغيرة (فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) أي لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضَرّة. وقال بعضهم: هو بوزن فاعل، من الإخلاء، متعذّيًا، ولا زمًا، من أخليت، بمعنى خَلَوتُ من الضرّة، أي لست بمتفرّغة، ولا خالية من ضرّة. وفي بعض الروايات بفتح اللام بلفظ المفعول، حكاها الكرمانيّ. وقال عياض: مُخلية: أي منفردة، يقال: أَخْلٍ أَمْرَكَ، وأَخْلِ بِهِ: أي انفرد به. وقال صاحب ((النهاية)): معناه: لم أجدك خاليًا من الزوجات، وليس هو من قولهم: امرأة مُخْلِيَةٌ: إذا خلت من الأزواج انتهى. (وَأَحَبُّ مَنْ يُشَارِكُنِي) ((أحبّ)) مرفوع بالابتداء، ومتَعلَّقُهُ محذوفٌ: أي إليّ. وفي الرواية التالية: ((من شَرِكّني)) بغير ألف (فِي خَيْرِ أَخْتِي) كذا للأكثر بتنكير ((خير))، أي في أيّ خير كان. وفي رواية عند البخاريّ عن هشام بن عروة، عن أبيه: ((في الخير)) بالتعريف. قيل: المراد صحبة رسول اللَّه ◌َله، المتضمنة لسعادة الدارين، الساترة لما لعلّه يَغْرِضُ من الغيرة التي جرت بها العادة بين الزوجات، لكن في رواية هشام المذكورة: ((وأحبّ من شَرِكني فيك أختي))، فعرف أن المراد بالخير ذاته وَّ. قاله في ((الفتح))(٣). (١) هكذا عزاه في ((الفتح)) إلى النسائيّ أيضًا، ولم أر عنده تسميتها بعزّة، فليُحرّر. والله تعالى أعلم. (٢) (فتح)) ١٧٨/١٠. (٣) (فتح)) ١٧٨/١٠. ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ (فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((إِنَّ أُخْتَكِ لَا تَحِلُّ لِي))، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ) وفي الرواية التالية: ((والله لقد تحدّثنا)). وفي رواية البخاريّ: ((فإنا نُحَدَّثُ)) بضم أوله، وفتح الحاء على البناء للمجهول. قال الحافظ: لم أقف على اسم من أخبر بذلك، ولعله كان من المنافقين، فإنه قد ظهر أن الخبر لا أصل له، وهذا مما يُستَدلُّ به على ضعف المراسيل. (أَنَّكَ تُرِيدُ، أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ) وفي الباب التالي: ((فإنه قد بلغني أنك تخطب ذرّة بنت أم سلمة)). وهو بضمّ المهملة، وتشديد الراء. وفي رواية حكاها عياضٌ، وخطّأها ((ذَرّة)) -بفتح المعجمة -. وعند أبي داود من طريق هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة ((درّة))، أو ((ذرّة)) على الشكّ، شكّ زهيرٌ راويه عن هشام. ووقع عند البيهقيّ من رواية الحميديّ، عن سفيان، عن هشام: ((بلغني أنك تخطب زينب بنت أبي سلمة)). وهو خطأ. ووقع عند أبي موسى في ((ذيل المعرفة)) حمنة بنت أبي سلمة، وهو خطأ. قاله في ((الفتح))(١). (فَقَالَ: ((بِنْتُ أَمِّ سَلَمَةَ؟) بتقدير همزة الاستفهام، وهو استفهام استثبات؛ لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، والمعنى: أنها إن كانت بنتَ أم سلمة من أمّ سلمة، فيكون تحريمها من وجهين، كما سيأتي بيانه، وإن كانت من غيرها فمن وجه واحد، وكأنّ أمّ حبيبة لم تطّلع على تحريم ذلك؛ إما لأن ذلك كان قبل نزول آية التحريم، وإما بعد ذلك، وظنّت أنه من خصائص النبيّ وَّر. كذا قال الكرمانيّ. قال الحافظ: والاحتمال الثاني هو المعتمد، والأول يدفعه سياق الحديث، وكأنّ أمّ حبيبة استدلّت على جواز الجمع بين الأختين بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى؛ لأن الربيبة حرمت على التأبيد، والأخت حرمت في صورة الجمع فقط، فأجابها وَ ل﴿ بأن ذلك لا يحلّ، وأن الذي بلغها من ذلك ليس بحقّ، وأنها تحرم عليه من جهتین . (فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّا رَبِيَبَتِي) أي بنت زوجتي، مشتقّةٌ من الربّ، وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمرها. وقيل: من التربية، وهو غلطً من جهة الاشتقاق (فِي حَجْرِي) راعَى فيه لفظ الآية، وإلا فلا مفهوم له، كذا عند الجمهور، وأنه خرج مخرج الغالب، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا. وفي رواية عراك، عن زينب بنت أم سلمة، عند الطبرانيّ: ((لو لم أنكح أمّ سلمة ما حلّت لي، إن أباها أخي من الرضاعة)). ووقع في (١) ((فتح)) ١٧٨/١٠-١٧٩. ٢٧٣ ٤٤ - (تَخَّرِيمُ الرَّبِيّةِ التِّي فِي حَجْره) - حديث رقم ٣٢٨٥ رواية ابن عيينة، عن هشام: ((والله لو لم تكن ربيبتي ما حلّت لي))، فذكر ابن حزم أن منهم من احتج به على أن لا فرق بين اشتراط كونها في الحجر أولا، وهو ضعيف؛ لأن القصّة واحدةٌ، والذين زادوا فيها لفظ: ((في حجري)» حفّاظ أثبات. (مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ) أي أرضعت أبا سلمة، وهو من تقديم المفعول على الفاعل (ثُوَيْبَةُ) بمثلثة، وموحّدة، مصغرًا- كانت مولاة لأبي لهب بن عبد المطّلب، عمّ النبيّ بِّهِ (فَلَا تَعْرِضْنَ) - بفتح أوله، وسكون العين، وكسر الراء، بعدها معجمة ساكنة، ثم نون- على الخطاب لجماعة النساء، وبكسر المعجمة، وتشديد النون، خطاب لأم حبيبة وحدها، والأول أوجه. وقال ابن التين: ضبط - بضمّ الضاد- في بعض الأمهات، ولا أعلم له وجهًا لأنه إن كان الخطاب لجماعة النساء، وهو الأبين، فهو بسكون الضاد؛ لأنه فعل مستقبل مبنيّ على أصله، ولو أدخلت عليه التأكيد، فشدّدت النون لكان تعرّضنانٌ؛ لأنه يجتمع ثلاث نونات، فيفرّق بينهنّ بالألف، وإن كان الخطاب لأم حبيبة خاصّة، فتكون الضاد، مكسورة، والنون مشدّدة. وقال القرطبيّ: جاء بلفظ الجمع، وإن كانت القصّة لاثنين، وهما أم حبيبة، وأم سلمة ردعًا، وزجرًا أن تعود واحدة منهما، أو من غيرهما إلى مثل ذلك، وهذا كما لو رأى رجلٌ امرأةً تكلّم رجلًا، فقال لها: أتكلّمين الرجال، فإنه مستعمل شائعٌ. (عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ) وكان لأم سلمة رضي الله تعالى عنها من البنات زينب راوية الخبر، ودُرّة التي قيل: إنها مخطوبة. وكان لأم حبيبة من البنات حبيبة، وقد روت عنها الحديث، ولها صحبة (وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) وكان لأم سلمة من الأخوات قُريبة زوج زمعة بن الأسود، وقُريبة الصغرى زوج عمر، ثم معاوية، وعزّة بنت أبي أَميّة زوج منبّه بن الحجاج. وكان لأم حبيبة من الأخوات هند زوج الحارث بن نوفل، وجُويرية زوج السائب بن أبي حُبيش، وأميمة زوج عروة بن مسعود. وكان لغيرهما من أمهات المؤمنين من الأخوات أم كلثوم، وأم حبيبة ابنتا زمعة أختا سودة. وأسماء أخت عائشة، وزينب بنت عمر أخت حفصة، وغيرهنّ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: «قال عروة: وتُوِيبة مولاةٌ لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبيّ وَله، فلما مات أبو لهب أَريه بعض أهله بشرّ حِيبة(١)، قال (١) بكسر الحاء: أي سوء حال. ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ له: ما ذا لقيتَ؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم (١)، غير أني سُقيت في هذه بعتاقتي ثُويبة)) انتھی . قال في ((الفتح)): وفي هذا الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة؛ لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآدَ مَنتُورًا﴾، وأجيب أوّلًا بأن الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّث به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا، فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجة فيه، ولعلّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتجّ به، وثانيًا على تقدير القبول، فيحتمل أن يكون ما يتعلّق بالنبيّ وَلّ مخصوصًا من ذلك، بدليل قصّة أبي طالب، كما نقدّم أنه خفّف عنه، فنُقل من الغمرات إلى الضحضاح. وقال البيهقيّ: ما ورد من بطلان الخير للكفار، فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار، ولا دخول الجنّة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات. وأما عياض، فقال: انعقد الإجماع على أن الكفّار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يُثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشدّ عذابًا من بعض. قال الحافظ: وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقيّ، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلّق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر، فما المانع من تخفيفه؟. وقال القرطبيّ: هذا التخفيف خاصّ بهذا، وبمن ورد النصّ فيه. وقال ابن المنيّر في ((الحاشية)): هنا قضيتان: إحداهما محال، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر. الثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضّلًا من اللّه تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرّر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضّل الله عليه بما شاء كما تفضّل على أبي طالب، والمتّبع في ذلك التوقيف نفيًا وإثباتًا . قال الحافظ: وتتمة هذا أن يقع التفضّل المذكور إكرامًا لمن وقع من الكافر البرّ له، ونحو ذلك(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذه القصّة منامية، والذي رآها لا يدرى، هل هو مسلم، أم لا؟، فلا داعي إلى التكلّف بالتأويلات التي ذكروها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) حذف مفعول، وهو مذكور في رواية عبدالرزاق، ولفظه: ((لم ألق بعدكم راحة)). وفي رواية الإسماعيليّ: ((لم ألق بعدكم رخاء». (٢) ((فتح)) ١٠/ ١٨١- ١٨٢. = ٢٧٥ ٤٤- (تَخَّرِيمُ الرَّبية التِّي فِي حَجْره) - حديث رقم ٣٢٨٥ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث زينب بنت أبي سلمة رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢٨٥/٤٤ و٣٢٨٦/٤٥ و٣٢٨٧ و٣٢٨٨/٤٦ - وفي («الكبرى»٤٢/ ٥٤١٥ و٥٤١٦ و٥٤١٧/٤٣ ٥٤١٨. وأخرجه (خ) في ((النكاح»١ ٥١٠ و٥٠٦ و٥٠٧ و((النفقات))٥٣٧٢ (م) في ((الرضاع»١٤٤٩ (د) في ((النكاح» ٢٠٥٦ (ق) في («النكاح»١٩٣٩ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥٩٥٤ و٢٦٨٦٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم الربيبة التي في حجر الرجل. (ومنها): تحريم الجمع بين الأمّ والبنت، وهذا هو الذي عقد له الباب التالي. (ومنها): تحريم الجمع بين الأختين، وسيأتي بعد باب، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): ثبوت الرضاع بالتحريم، وسيأتي له باب خاصّ به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الربيبة : ذهب الجمهور إلى تحريم الربيبة مطلقًا، سواء كانت في حجره، أم لا؟. وذهبت . طائفة إلى أنها إذا لم تكن في حجره يجوز أن يتزوّجها. وسبب ذلك اختلافهم في قوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ هل للغالب، أو يُعتبر فيه مفهوم المخالفة، فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني بعضهم، وقد صحّ ذلك عن عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهما، فقد صحّ عن عمر رَّ أنه أفتى من سأله إذا تزوّج بنت رجل كانت تحته جدّتها، ولم تكن البنت في حجره. أخرجه أبو عبيد. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وغيرهما من طريق إبراهيم بن عُبيد، عن مالك ابن أوس، قال: كانت عندي امرأة قد ولدت لي، فماتت، فوجدت عليها، فلقيت عليّ ابن أبي طالب، فقال لي: مالك؟، فأخبرته، فقال: ألها ابنة؟ -يعني من غيرك- قلت: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي في الطائف، قال: فانكحها، قلت: فأين قوله تعالى: ﴿وَرَبِِّبُّكُ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك. قال الحافظ: وقد دفع بعض المتأخرين هذا الأثر، وادعى نفي ثبوته بأن إبراهيم بن ٢٧٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ النكاح عُبيد لا يُعرف، وهو عجيب، فإن الأثر المذكور عند ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) من طريق إبراهيم بن عُبيد بن رفاعة، وإبراهيم ثقة، تابعيّ معروفٌ، وأبوه، وجدّه صحابيّان، والأثر صحيح عن عليّ تَتُه. قال الحافظ: بعد أثر عمر ◌َّه المتقدّم: وهذا وإن كان الجمهور على خلافه، فقد احتجْ أبو عبيد للجمهور بقوله وَله: ((فلا تَعْرِضنّ عليّ بناتكنّ))، قال: نعم، ولم يقيّد بالحجر. وهذا فيه نظرٌ؛ لأن المطلق محمول على المقيّد، ولو لا الإجماع الحادث في المسألة، وندرة المخالف، لكان الأخذ به أولى؛ لأن التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأمّ، فلا تحرم بوجود أحد الشرطين، واحتجّوا أيضًا بقوله وَليقول: ((لو لم تكن ربيبتي ما حلّت لي))، وهذا وقع في بعض طرق الحديث كما تقدّم، وفي أكثر طرقه: ((لو لم تكن ربيبتي في حجري))، فقيّد بالحجر كما قيّد به القرآن، فقوي اعتباره. والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((لو لا الإجماع الحادث)) فيه نظر لا يخفى، إذ دعوى الإجماع غير صحيحة، يَرُدُّها قوله: ((وندرة المخالف))، فإنه صريح في أنه لا إجماع في المسألة، فتنبّه، وإلى ما ثبت عن عمر، وعليّ رضي اللّه تعالى عنهما ذهب ابن حزم، وانتصر له، في كتابه ((المحلّی)) -٥٢٧/٩-٥٣٢، فليُراجَع. لكن الذي ذهب إليه الجمهور أولى، احتياطًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . ٤٥- (تَخْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُمُ وَالْبِنْتِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر هذه الترجمة يؤكّد ما قدّمته من أن المصنّف يؤيّد مذهب من يرى جواز نكاح بنت الزوجة التي ليست في حجره، وإلا فلا فائدة في هذه الترجمة؛ لأنه إذا لم يجز نكاح الربيبة مطلقًا، سواء كانت في حجره، أم لا، كما هو (١) ((فتح)) ١٩٨/١٠. ٤٥- (تَخْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأمُّ والبنتِ) - حديث رقم ٣٢٨٧ ٢٧٧= مذهب الجمهور علم تحريم الجمع بين الأم والبنت من باب أولى، وأما إذا قيل بجواز نكاح غير الربيبة التي في الحجر، فقد يخفى حكم الجمع بينهما، فبينه بهذه الترجمة، ووجه دلالة الحديث عليه، أنه إذا حرم الجمع بين الأختين؛ لأجل القطيعة، فلأن يحرم الجمع بين الأم والبنت من باب أولى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٨٦ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهِبٍ، قَالَ: أَخِبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُزْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَمَّ حَبِيبَةَ، زَوْجَ الشَّبِيِّ نَّهَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ بِنْتَ أَبِي - تَعْنِي أَخْتَهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَّهِ: (وَتُحِيْنَ ذَلِكِ؟))، قَالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَتْنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ))، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَّقَدْ تَحَدَّثْنَا، أَنَّكَ تَنْكِحُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: ((بِنْتُ أُمُّ سَلَمَةَ؟))، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فَوَاللَّهِ لَّوْ أَنَّا لَمْ تَكُنْ رَبِيَتِي فِي حَجْرِي، مَا حَلَّتْ، إِنَّا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي، وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَنِبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَّيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. وهو أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابد [١٠] ١٣٩٩/٢٠. وقوله: ((شركتني))، وفي نسخة: ((شركني))، وهو -بفتح الشين، وكسر الراء- من باب تعب، يقال: شَرِكْتُهُ في الأمر أَشْرَكه شَرِكًا، وشركةً، وزان کَلِمٍ، وکَلِمَة -بفتح الأول، وكسر الثاني -: إذا صرتُ له شَرِيكًا. قاله الفيوميّ. والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، والكلام على مسائله تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٨٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ: إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحْ دُرَّةَ، بِثَتْ أَبِي سَلَمّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَعَلَى أُمّ سَلَمَةَ؟ لَوْ أَنِّي لَمْ أَنْكِخْ أُمَّ سَلَمَةً، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((الليث)): هو ابن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ. والحديث متّفق عليه، سبق الكلام عليه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). ٢٧٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ ٤٦- (تُحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) ٣٢٨٨- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَنْتَبَ بِئْتٍ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ حَبِيبَةَ، أَنَّا قَالَتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَنَّ لَكَ فِي أُخْتِي؟ قَالَ: ((فَأَضْنَعُ مَاذَا؟))، قَالَتْ: تَزَوَّجْهَا، قَالَ: ((فَإِنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكِ؟))، قَالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَّ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ يَشْرَكُنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِيٍ، قَالَ: ((إِنَّا لَا تَحِلُّ لِي)، قَالَتْ: فَإِنَةُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِئْتَ أُمَّ سَلَّمَةَ، قَالَ: ((ِبِنْتُ أَبِي سَلَّمَةَ؟))، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((وَاللَّهِ لَوْ لَغْ تَكُنْ رَبِبَتِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَاتَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ. و((هشام)): هو ابن عروة. وقوله: ((فأصنع ما ذا؟)) قال في ((الفتح)): فيه شاهدٌ على جواز تقديم الفعل على ((ما)) الاستفهاميّة؛ خلافًا لمن أنكره من النحاة. والحديث متفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل باب، ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . ٤٧- (الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا) ٣٢٨٩- (أَخْبَرَنِ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هارون بن عبد الله) الحمال، أبو موسى البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٥/٥٠. ٢- (معن) بن عيسى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزاز، ثقة ثبت، من ٤٧- (الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا) - حديث رقم ٣٢٨٩ ٢٧٩= كبار [١٠] ٦٢/٥٠ . ٣- (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧ . ٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧ . ٥- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧ . ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة تضم أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) تَنْثمه . هكذا في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواية قبيصة ابن ذُؤيب، واختلف في رواية الشعبيّ، ففي رواية عنه، عن أبي هريرة، وفي رواية عنه، عن جابر، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى، والحديث صحيح من الطريقين. وقد أخرج البخاريّ روايته عن جابر، ثم قال: وقال داود، وابن عون، عن الشعبيّ، عن أبي هريرة. قال في ((الفتح)): أما رواية داود -وهو ابن أبي هند- فوصلها أبو داود، والترمذيّ، والدارميّ من طريقه، قال: ((حدثنا عامر -هو الشعبيّ- أنبأنا أبو هريرة، أن رسول اللّه وَلقوله نهى أن تُنكح المرأة على عمّتها، أو المرأة على خالتها، أو العمّة على بنت أخيها، أو الخالة على بنت أختها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى)). لفظ الدارميّ، والترمذيّ نحوه. ولفظ أبي داود: ((لا تُنكّح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها)). وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن داود بن أبي هند، فقال: ((عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة))، فكان لداود فيه شيخان، وهو محفوظً لابن سيرين عن أبي هريرة من غير هذا الوجه. وأما رواية ابن عون -وهو عبد الله- فوصلها النسائيّ في ((الكبرى)) ٢٩٤/٣ رقم - ٥٤٣١- من طريق خالد بن الحارث، عنه، بلفظ: ((لا تزوّج المرأة على عمّتها، ولا ٢٨٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاح على خالتها)». قال: ووقع لنا في ((فوائد أبي محمد بن أبي شريح)) من وجه آخر، عن ابن عون، بلفظ: ((نهى أن تُنكح المرأة على ابنة أخيها، أو ابنة أختها)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي عزاه إلى ((فوائد أبي محمد)) موجود عند النسائيّ بالسند السابق، ولعله لم يقع في نسخة الحافظ، ولفظه بعد ما تقدّم: ((قال: ولا تزوّج المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها)). فتنبّه. قال الحافظ: والذي يظهر أن الطريقين محفوظان. وقد رواه حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، أو أبي هريرة، لكن نقل البيهقيّ عن الشافعيّ أن هذا الحديث لم يروه من وجه يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة، وروي من وجوه لا يُثبتها أهل العلم بالحديث. قال البيهقيّ: هو كما قال، قد جاء من حديث عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وأبي سعيد، وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة. وأخرج البخاريّ رواية عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، وبيّن الاختلاف على الشعبيّ فيه، قال: والحفّاظ يرون رواية عاصم خطأ، والصواب رواية ابن عون، وداود بن أبي هند انتهى. قال الحافظ: وهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاريّ؛ لأن الشعبيّ أشهر بجابر منه بأبي هريرة. وللحديث طرق أخرى عن جابر بشرط الصحيح، أخرجها النسائيّ -٤٨/ ٣٢٣٠٠- من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن أبي هريرة، فلكلّ من الطريقين ما يعضده، وقول من نقل البيهقيّ عنهم تضعيف حديث جابر معارضٌ بتصحيح الترمذيّ، وابن حبّان، وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاريّ له موصولًا قوّةً. قال ابن عبد البرّ: بعض أهل الحديث يزعم أنه لم يرو هذا الحديث غير أبي هريرة - يعني من وجه يصحّ- وكأنه لم يُصحّح حديث الشعبيّ، عن جابر، وصحّحه عن أبي هريرة، والحديثان جميعًا صحيحان. وأما من نقل البيهقيّ أنهم رووه من الصحابة غير هذين، فقد ذكر مثل ذلك الترمذيّ بقوله: ((وفي الباب))، لكن لم يذكر ابن مسعود، ولا ابن عبّاس، ولا أنسًا، وزاد بدلهم أبا موسى، وأبا أمامة، وسمرة. قال الحافظ: ووقع لي أيضًا من حديث أبي الدرداء، ومن حديث عتّاب بن أَسِيد، ومن حديث سعد بن أبي وقّاص، ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود، فصار عدّة من رواه غير الأولين ثلاثة عشر نفسًا، وأحاديثهم موجودةٌ عند ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبي يعلى، والبزار، والطبرانيّ، وابن حبّان، وغيرهم،