النص المفهرس

صفحات 201-220

٣٠- (إِنكَاحُ الرَّجُلِ ابْتَهُ الكبيرة) - حديث رقم ٣٢٦٠
٢٠١
٣٢٥٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ: ((تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ، وَهِيَ بِنْتُ
تِسْع، وَمَاتَ عَنْهَا، وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ))).
قَال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن العلاء)): هو أبو كُريب أحد مشايخ
الستّة. و((أحمد بن حرب)): هو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٣٥/١٠٢. تفرّد به
المصنّف. و((إبراهيم)): هو ابن يزيد النخعيّ. و((الأسود)): هو ابن يزيد النخعيّ.
وقوله: ((بنت تسع)) تقدّم قريبًا أن المراد أنه بنى بها، لاأنه عقد عليها النكاح وهي
بنت تسع، فإنه إنما عقد عليها وهي بنت ستّ سنين، فتنبه. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٣٠- (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ أَبْتَتَهُ الْكَبِيرَةَ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى أراد بيان جواز
تزويج الرجل ابنته الكبيرة بغير إذنها، إذا علم أنها لا تكره ذلك، وكان الخاطب كفؤًا
لها، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
٣٢٦٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ
سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ، يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ، حَذَّثَنَا، قَالَ: يَعْنِي
تَأَيَّمَتْ حَقْصَةُ بِنْتُ عُمَّرَ، مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلآتِ،
فَتُوُنِّيَ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ، رَضِي اللَّه عَنْهِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةً
بِنْتَ عُمَّرَ، قَالَ: قُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْتُ (١) لَيَالِيَ،
ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ(٢) أَبَا بَكْرِ الصُّدِيقَ
رَضِي اللَّه عَنْهِ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَقْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ
(١) وفي نسخة: ((فلبث)).
(٢) وفي نسخة: ((فأتيت)).

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكاح
شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ،
فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ، حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ خَفْصَةَ، فَلَمْ
أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنّهُ لَمْ يَمْتَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا، فِيمَا
عَرَضْتَ عَلَيَّ، إِلَّا أَنِّي قَدْ كُنْتُ عَلِمْتُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَهَا، وَلَمْ أَكُنْ لِأَغْشِيَ سِرَّ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ قَِّلْتُهَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: («محمد بن عبد الله بن المبارك)): هو أبو جعفر
الْمُخَرُميّ البغداديّ الثقة الحافظ. و((يعقوب بن إبراهيم)): هو الزهريّ المدنيّ، نزيل
البغداد الثقة الفاضل. و((أبوه)): هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن المدنيّ،
نزيل بغداد الثقة الحجة. و((صالح)): هو ابن كيسان الثقة الثبت.
وقوله: ((وقد بدا لي)) أي ظهر لي عدم تزوّجي في هذه الأوقات، فاليوم بمعنى
الوقت .
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله قبل خمسة
أبواب -٣٢٤٩/٢٤ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)» .
٣١- (اسْتِذَانُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا)
زاد في ((الكبرى)): ((وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر ابن عباس فيه)).
٣٢٦١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ
جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، قَالَ: ((الْأَيْمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيَّهَا،
وَالْبِّكَّرُ تُسْتَأْذَنْ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْتَهَا صُمَائًا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ .
٢- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/٧.
٣- (عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشميّ

٣١- (اسْتِدَنُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا) - حديث رقم ٣٢٦١
٢٠٣
المدنيّ، ثقة [٤] ٥٤/ ٢٧٥٢.
٤- (نافع بن جبير بن مطعم) النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقة
فاضل [٣] ١٢٤/٩٦ .
٥- (ابن عباس) عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ، قَالَ: ((الْأَيْمُ) -بفتح
الهمزة، وتشديد التحتانية -: هو في الأصل من لا زوج لها، بكرًا كانت، أو ثيًّا،
والمراد به هنا: الثيّب، كما فسّرته الرواية الأخرى، ولمقابلته بالبكر، ولأنه الأكثر
استعمالاً .
قال أبو العباس القرطبيّ: اتفق أهل اللغة على أن الأيّم في الأصل هي المرأة التي لا
زوج لها، بكرًا كانت أو ثيًّا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]
تقول العرب تأيّمت المرأة: إذا أقامت لا تتزوّج، ويقال: أيّمُ بيّنة الأَيْمَة، وقد آمت
هي، وإِمْتُ أنا، قال الشاعر [من الطويل]:
لَقَدْ إِمْتُ حَتَّى لَامَنِي كُلُّ صَاحِبٍ رَجَاءً بِسَلْمَى أَنْ تَئِيمَ كَمَّا إِمْتُ
قال أبو عبيد: يقال: رجلٌ أَيّمٌ، وامرأةٌ أيّمٌ، وأكثر ما يكون في النساء، وهو
كالمستعار في الرجال. انتهى(١).
وقال القاضي عياضٌ: اختلف العلماء في المراد بالأيّم هنا، مع اتفاق أهل اللغة على
أنها تُطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكرًا كانت، أو ثيًّا. قاله
إبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وغيرهما. والأيْمَةُ العُزُوبة، ورجلٌ أيّمٌ، وامرأة
أيّمّ. وحكى أبو عبيد: أيّمةٌ أيضًا.
قال القاضي: ثم اختلف العلماء في المراد به هنا، فقال علماء الحجاز، والفقهاء
(١) ((المفهم)) ١١٤/٤.

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
كافّةً: المراد الثيّب، واستدلّوا بأنه جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى بالثيّب، وبأنها جعلت
في مقابلة البكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيب. وقال الكوفيون، وزفر: الأيّم هنا
كلّ امرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أوثيًا، كما هو مقتضاه في اللغة قالوا: فكلّ امرأة
بلغت فهي أحقّ بنفسها من وليّها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح. وبه قال
الشعبيّ، والزهريّ، قالوا: وليس الوليّ من أركان صحّة النكاح، بل من تمامه. وقال
الأوزاعيّ، وأبو يوسف، ومحمد: تتوقّف صحّة النكاح على إجازة الوليّ.
قال القاضي: واختلفوا أيضًا في قوله وَله: ((أحقّ من وليّها))، هل هي أحقّ بالإذن
فقط، أو بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور بالإذن فقط، وعند هؤلاء بهما
جميعًا(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحقّ ما قاله الجمهور من أن الوليّ شرط في صحّة
النكاح، وليس للمرأة إلا مجرّد الإذن، إما صريحًا، وهو للثيب، أو سكوتًا، وهو للبكر
الحديث الصحيح: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)). والله تعالى أعلم.
(أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيُّهَا) أي تنطق بنفسها، ولا ينطق الوليّ عنها.
وقال النوويّ: يحتمل من حيث المعنى أن المراد أحقّ من وليّها في كلّ شيءٍ، من
عقد، وغيره، كما قاله أبو حنيفة، وداود. ويحتمل أنها أحقّ بالرضا، أي لا تُزوّج حتى
تنطق بالإذن، بخلاف البكر، ولكن لَمّا صحّ قوله رَله: ((لا نكاح إلا بوليّ)) مع غيره من
الأحاديث الدالّة على اشتراط الوليّ تعيّن الاحتمال الثاني.
[واعلم]: أن لفظة ((أحقّ)) هنا للمشاركة، معناه أن لها في نفسها في النكاح حقًّا،
ولويّها حقًّا، وحقّها أوكد من حقّه، فإنه لو أراد تزويجها كفؤًا، وامتنعت لم تجبر، ولو
أرادت أن تتزوّج كفؤًا، فامتنع الولّ أَجبر، فإن أصرّ زوّجها القاضي، فدلّ على تأكید
حقها، ورجحانه انتهى(٢).
(وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يطلب إذنها في تزويجها. وفي
الروايات الآتية بلفظ: (تُستأمر)).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في حديث ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما: ((والبكر تُستأمر))، وفي حديث أبي هريرة تَزفيه: ((الأيّم تُستأمر، والبكر
تُستأذن))، وهو أتقن مساقًّا من حديث ابن عباس لأن ((تُستأمر)) معناه: يُستدعَى أمرها،
وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسمّى أمرًا، وهذا ممكن من الثيّب؛ لأنها لا
(١) راجع ((شرح مسلم للنوويّ)) ٢٠٨/٩.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢٠٨/٩.

٢٠٥
٣١- (اسْتِذَاَنُ البِكْرِ فِي نَفْسِهَا) - حديث رقم ٣٢٦١
يَلحقها من الخجل، والانقباض ما يَلحق البكر، فلا يُكتفى منها إلا بنطق يدلّ على
مرادها صريحًا. وأما ((تُستأذن)) فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها، وإذنها
بأيّ وجه كان، من سكوت، أو غيره، ولا تُكلّف النطقَ، ولذلك لما قال في حديث ابن
عباس ((لا تُنكح البكر حتى تُستأذن)) أشكل عليهم إذنها، فسألوا، فأجيبوا بقوله (وَإِذْنَّا
صُمّاتُها) بضم الصاد المهملة، ويقال: فيه الصّمت -بالفتح- والصّموت - بالضمّ -:
ومعناها السكوت، ولشيخنا عبد الباسط المناسيّ رحمه الله تعالى:
الصَّمْتُ وَالصُّمَاتُ والصُّمُوتُ مَصَادِرٌ يُغْنَى بِهَا السُّكُوتُ
قال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: والأصل وصُماتها كإذنها، فشُبَّهَ الصُّماتُ بالإذن
شرعًا، ثم جُعِل إذنًا مجازًا، ثم قُدّم مبالغةً، والمعنى: هو كاف في الإذن، وهذا مثل
قوله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمّه))، والأصل ذكاة أمّ الجنين ذكاته، وإنما قلنا: الأصل:
صماتها كإذنها؛ لأنه لا يُخبرُ عن شيءٍ إلا بما يصح أن يكون وصفًا له حقيقةً، أو
مجازًا، فيصحّ أن يقال: الفرس يطير، ولا يصحّ أن يقال: الحجر يطير؛ لأنه لا يوصف
بذلك، فصُماتها كإذنها صحيح، ولا يصحّ أن يكون ((إذنها)) مبتدءًا؛ لأن الإذن لا يصحّ
أن يوصف بالسكوت؛ لأنه يكون نفيّا له، فيبقى المعنى: إذنها مثل سكوتها، وقبل
الشرع كان سكوتها غير كاف، فكذلك إذنها، فينعكس المعنى انتهى(١).
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: يستحبّ إعلام البكر أن سكوتها إذنْ، لكن لو قالت
بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذنٌّ لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض
المالكيّة، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثًا إن رضيت فاسكتي، وإن كرهت
فانطلقي. وقال بعضهم: يُطالُ المقام عندها لئلا تخجل، فيمنعها ذلك من المسارعة.
واختلفوا فيما إذا لم تتكلّم، بل ظهرت منها قرينة السخط، أو الرضا بالتبسّم مثلاً، أو
البكاء، فعند المالكيّة إن نفرت، أو بكت، أو قامت، أو ظهر منها ما يدلّ على الكراهة
لم تُزوَّج. وعند الشافعيّة: لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إن قَرَنت مع البكاء الصياح
ونحوه، وفرّق بعضهم بين الدمع، فإن كان حارًّا دلّ على المنع، وإن كان باردًا دلّ على
الرضا. قاله في (الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) راجع ((المصباح المنير)) في مادة صمت.
(٢) ((فتح) ١٠/ ٢٤٢.

٢٠٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّکَاحِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفیمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٦١/٣١ و٣٢٦٢ و٣٢٦٣ و٣٢٦٤ و٣٢٦٥/٣٢- وفي
(«الكبرى»٥٣٧١/٢٨ و٥٣٧٢ و٥٣٧٢ و٥٣٧٣ و٥٣٧٤ . وأخرجه (م) في ((النكاح))
١٤٢١ (د) في ((النكاح))٢٠٩٨ و٢١٠٠ (ت) في ((النكاح))١١٠٨ (ق) في
((النكاح))١٨٧٠ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٨٩١ و٢١٦٤ و٢٣٦١ و٣٢١٢
و٣٣٣٣ و٣٤١١ و١١١٤ و٢١٨٨ و٢١٨٩ (الدارمي) في ((النكاح»٢١٨٨ و٢١٨٩
و٢١٩٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو وجوب استئذان البكر في
نفسها. (ومنها): أن الأيّم أحقّ بأمر النكاح من الوليّ، بمعنى أنه لا بدّ من إذنها
الصريح، أو ردها، لا بمعنى أنها تزوّج نفسها، كما يقول به داود الظاهريّ. (ومنها):
أن البكر لا يجب عليها التصريح بالقول، بل يكفي سكوتها. (ومنها): أنه يدلّ على أنَّ
السكوت على الشيء بعد العلم به يكون رضًا به، لكن بشرط أن لا يكون السكوت عن
خوف ونحوه. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن البكر التي أُمِر باستئذانها هي البالغة، إذ لا
معنى الاستئذان من لا تدري ما الإذن؟، ومن يستوي سكوتها وسخطها. (ومنها): أنه
يدلّ على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح، وإن أعلنت بالرضا جاز بطريق
أولى، وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يجوز أيضًا، وقوفًا عند ظاهر قوله: ((وإذنها
أن تسكت)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): نقل ابن عبد البرّ عن مالك أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها،
وتفويضها لا يكون رضًا منها، بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليّها. وخصّ بعض
الشافعيّة الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجدّ، دون غيرهما؛ لأنها
تستحيي منهما أكثر من غيرهما.
والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع
الأولياء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج الأب البكر البالغة بغير
إذنها: ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، ووافقهم أبو ثور: إلى شترط استئذانها،

٣١- (اسْتِئْدَآَنُ الِكْرِ فِي نَفْسِهَا) - حديث رقم ٣٢٦١
٢٠٧
فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح.
وذهب آخرون إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها، ولو كانت بالغة بغير استئذان، وهو
قول ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
ومن حجّتهم مفهوم حديث الباب؛ لأنه جعل الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها، فدلّ
على أن وليّ البكر أحقّ بها منها.
واحتجّ بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى،
مرفوعًا: ((تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها))، قال: فقيّد ذلك باليتيمة،
فيحمل المطلق عليه.
وفيه نظر -كما قال الحافظ- لحديث ابن عباس الآتي بلفظ: ((والبكر يستأمرها
أبوها)) فنصّ على ذكر الأب.
وأجاب الشافعيّ بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس. ويؤيده حديث ابن عمر،
رفعه: ((آمروا النساء في بناتهنّ))، أخرجه أبو داود. قال الشافعيّ: لا خلاف أنه ليس
للأمّ أمرٌ، لكنه على معنى استطابة النفس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الحديث ضعيفٌ، لا يصلح للاستدلال به.
والله تعالى أعلم.
وقال البيهقيّ: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعيّ:
زادها ابن عيينة في حديثه. وكان ابن عمر، والقاسم، وسالم يزوّجون الأبكار لا
يستأمرونهنّ. قال البيهقيّ: والمحفوظ في حديث ابن عباس: ((البكر تُستأمر))، ورواه
صالح بن كيسان بلفظ: ((واليتيمة تُستأمر))، وكذلك رواه أبو بردة، عن أبي موسى،
ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فدلّ على أن المراد بالبكر اليتيمة.
قال الحافظ: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائلٌ: بل المراد
باليتيمة البكر لم يُدفع، و((تُستأمر)) بضمّ أوله يدخل فيه الأب وغيره، فلا تعارض بين
الروايات.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: كلام الحافظ هذا حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن رواية ((يستأذنها أبوها)) صحيحة؛ لأنها زيادة ثقة حافظ، وهو سفيان بن
عيينة، وأيضًا إن رواية ((تُستأذن)) لا تنافيها، إذ الاستئذان يعمّ الأب، وغيره، وأما رواية
((اليتيمة)) فتردّ إلى معنى ((البكر)) جمعًا بين الروايات.
والحاصل أن ما ذهب إليه الأولون -وهو عدم جواز تزويج البكر البالغة بغير إذنها-
هو الأرجح، لظهور أدلّته. والله تعالى أعلم.

٢٠٨
شرح سنن النسائي - کِتابُ النكاح
وأما قول الحافظ: ويبقى النظر في أن الاستثمار، هل هو شرط في صحّة العقد، أو
مستحبّ على معنى استطابة النفس، كما قال الشافعيّ؟ كلٌّ من الأمرين محتمل انتهى.
ففيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الاحتمال الثاني -وهو الاستحباب- ضعيف؛ لمخالفته
لظواهر الأحادیث المذكورة؛ وأما حدیث أبو داود المذکور، فلا يصلح للاحتجاج به؛
لأنه ضعيفٌ، كما مرّ آنفًا، فالاحتمال الأول -وهو كون الاستثمار شرطًا في صحّة
العقد- أقوى، لظواهر الأحاديث.
وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى، فقال في ((الهدي)) -بعد ذكر
حديث الاستئذان: ما نصّه: وموجب هذا الحكم أنه لا تُجبر البكر البالغ على النكاح،
ولا تُزوّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في
إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين اللَّه به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق
لحكم رسول اللَّه وَلّ، وأمره، ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمّته.
أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث
مرسلةً بعلّة فيه، فإنه قد روي مسندًا، ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال
زيادة، ومن وصله مقدّمٌ على من أرسله، فظاهر، وهذا تصرّفهم في غالب الأحاديث،
فما بال هذا، خرج عن حکم أمثاله، وإن حکمنا بالإرسال، کقول کثیر من المحدّثین،
فهذا مرسلٌ قويّ، قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع -
كما سنذكره- فيتعيّن القول به.
وأما موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: ((والبكر تُستأذن))، وهذا أمرٌ مؤكّد؛ لأنه
بصيغة الخبر الدّالّ على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه، والأصل في أوامره وَلّ أن
تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه.
وأما موافقته لنهيه، فلقوله: ((لا تُنكح البكر حتى تُستأذن))، فأمر، ونهى، وحكم
بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق.
وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرّف أبوها في أقلّ
شيء من مالها إلا برضاها (١)، ولا يُجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف
يجوز أن يُرقّها، ويُخرج بُضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أکره الناس
(١) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في هذا الإطلاق نظر لا يخفى؛ لأن الأب يجوز له أن يأكل من
مال ولده إذا احتاج إليه بغير رضاه؛ للحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد، وأصحاب السنن،
من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعًا: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده
من كسبه)) ، والبنت يشملها الولد. فتنبه.

٢٠٩
٣١- (اسْتِذَاَنُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا) - حديث رقم ٣٢٦١
فيه، وهو من أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فيُنكحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يريده،
ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال النبيّ وَله: ((اتقوا اللَّه في النساء، فإنّنّ عوان
عندكم))(١). أي أسرى. ومعلومٌ أن إخراج مالها كلّه بغير رضاها أسهل عليها من
تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها، ولقد أبطل من قال: إنها إذا عيّنت كفؤًا تحبّه، وعيّن
أبوها كفؤًا، فالعبرة بتعيينه، ولو كان بغيضًا إليها، قَبِيح الخِلقة.
وأما موافقته لمصالح الأمّة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره
وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضدّ ذلك بمن تبغضه، وتنفر عنه،
فلو لم تأت السنّة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح، وقواعد الشريعة لا
تقتضي غيره. وبالله التوفيق.
[فإن قيل]: فقد حكم رسول اللّه وَله بالفرق بين البكر والثيب، وقال: ((لا تُنكح
الأيّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن))، وقال: ((الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها،
والبكر يَستأذنها أبوها»، فجعل الأيّم أحق بنفسها من وليّها، فعُلم أن ولي البكر أحقّ بها
من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيّم بذلك معنىّ.
وأيضًا فإنه فرّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيب النطق، وإذن البكر
الصَّمت، وهذا كلّه يدلّ على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حقّ لها مع أبيها.
[فالجواب]: أنه ليس في ذلك ما يدلّ على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها،
وعقلها، ورُشدها، وأن يزوّجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفؤًا، والأحاديث التي
احتججتم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قوله: ((الأيّم أحقّ
بنفسها من وليّها)». هذا إنما يدلّ بطريق المفهوم، ومنازعوكم يُنازعونكم في كونه حجّةً.
ولو سُلّم أنه حجّةٌ، فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح. وهذا أيضًا إنما يدلّ إذا
قلت: إن للمفهوم عمومًا، والصواب أنه لا عموم له، إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص
بالمذكور لا بدّ له من فائدةٍ، وهي نفي الحكم عما عداه، ومعلومٌ أن انقسام ما عداه إلى
ثابت الحکم ومنفیه فائدة، وأن إثبات حكم آخر للمسكوت فائدة، وإن لم یکن ضدّ حكم
المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف، وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصريح، بل قياس
الأولى، كما تقدّم، ويخالف النصوص المذكورة.
وتأمّل قوله بَّله: ((والبكر يستأذنها أبوها))، عقب قوله: ((الأيّم أحقّ بنفسها من
وليّها))، قطعًا لتوهّم هذا القول، وأن البكر تُزوّج بغير رضاها، ولا إذنها، فلا حقّ لها
(١) أخرجه الترمذيّ برقم ١١٦٣، وقال: حسن صحيح.

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ
في نفسها البتّة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى، دفعًا لهذا التوهّم. ومن المعلوم أنه
لا يلزم من كون الثيب أحقّ بنفسها من وليّها أن لا يكون للبكر حقّ في نفسها البتّة.
وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستّة أقوال:
(أحدها): أنه يُجبر بالبكارة، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد في رواية.
(الثاني): أن يُجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية. (الثالث):
أنه يُجبر بهما معًا، وهو الرواية الثالثة عن أحمد. (الرابع): أنه يجبر بأيهما وُجد، وهو
الرواية الرابعة عنه. (الخامس): أنه يجبر بالإيلاد، فتُجبر الثيّب البالغ، حكاه القاضي
إسماعيل عن الحسن البصريّ، قال: وهو خلاف الإجماع، قال: وله وجهٌ حسنٌ من
الفقه. قال ابن القيم: فياليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟. (السادس): أنه
يجبر من يكون في عياله. ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب انتهى كلام ابن
القيّم رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لا يخفى أن الأرجح القول بأن الإجبار بهما معًا؛ فلا
تُجبر البكر البالغة، ولا الثيّب الصغير؛ عملًا بمقتضى الحديث. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال في ((الفتح)): ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على أن
الصغيرة الثيب لا إجبار عليها؛ لعموم كونها أحقّ بنفسها من وليّها، وعلى أن من زالت
بكارتها بوطء، ولو كان زنًا لا إجبار عليها، لأب ولا غيره؛ لعموم قوله: ((الثيّب أحقّ
بنفسها)) .
وقال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه صاحباه، واحتُجّ له بأن علّة الاكتفاء بسكوت
البكر هو الحياء، وهو باق في هذه؛ لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء، لا
فیمن اتخذت الزنا ديدنّا وعادة.
وأجيب بأن الحديث نصّ على أن الحياء يتعلّق بالبكر، وقابلها بالثيّب، فدلّ على أن
حكمهما مختلفٌ، وهذه ثيّبٌ لغةً وشرعًا، بدليل أنه لو أوصى بعتق كلّ ثيّب في ملكه
دخلت إجماعًا، وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوعٌ؛ لأنها تستحيي من ذكر وقوع الفجور
منها، وأما ثبوت الحياء من أصل النكاح فليست فيه كالبكر التي لم تُجرّبه قط(٢) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لعموم
الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٩٥/٥-٩٩.
(٢) ((الفتح)) ١٠/ ٢٤٣.

٢١١
٣١- (اسْتِئِذَاَنُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا) - حديث رقم ٣٢٦٢
(المسألة السابعة): أن بعضهم استدلّ بقوله: ((أحقّ بنفسها)) على أن للثّب أن تتزوّج
بغير وليّ، ولكنها لا تزوّج نفسها، بل تجعل أمرها إلى رجل، فيزوجها. حكاه ابن حزم
عن داود، وتعقّبه بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعًا: ((أيما امرأة نكحت
بغير إذن وليّها فنكاحها باطل))، وهو حديث صحيح، كما تقدّم، وهو يبيّن أن معنى
قوله: ((أحقّ بنفسها من وليّها)) أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا يُجبرها، فإذا أرادت
أن تتزوّج لم يجز لها إلا بإذن وليّها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٢- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِ نَافِعِ بِسَنَةٍ، وَلَّهُ يَوْمَئِذٍ حَلْقَةٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنٍّ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((الْأَيُّمُ أَحَقُّ
بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيَّهَا، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنَهاَ صُمَّاتَها))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة.
و((أبو داود)): هو سليمان بن داود الطيالسيّ.
وقوله: ((قال: سمعته منه الخ)) القائل هو شعبة، وضمير النصب في ((سمعته))
للحديث، والمجرور في ((منه)) لمالك. يعني أنه سمع هذا الحديث من مالك بعد موت
شيخه نافع بسنة .
وأراد به نافعًا مولى ابن عمر، الذي توفّي سنة (١١٧) أو (١٢٠) وليس هو نافع بن
جبير المذكور في السند؛ لأنه مات سنة (٩٩) ومالك ابن ستّ، أو سبع سنين.
وقوله: ((وله يومئذ حلقة)) يعني أن مالكًا حينما سمع منه هذا الحديث كانت له حلقة
من العلم، والظاهر أنه أراد به أن مالكًا تصدّر للتحديث، وهو حدثٌ، قبل أن يتم عمره
عشرين سنة. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((واليتيمة تُستأمر)) قال السنديّ: يدلّ على جواز نكاح اليتيمة بالاستئذان قبل
البلوغ، ومن لا يُجوّز ذلك يَحمل اليتيمة على البالغة، وتسميتها يتيمةً باعتبار ما كان.
(١)
انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب حمل اليتيمة على البكر بدليل الرواية
الماضية، فالمراد باليتيمة هي البكر.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
٠٠
(١) (شرح السندي)) ٨٤/٦-٨٥.

٢١٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكَاحِ
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٣- (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ
رَبِيعَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِّ، قَالَ: ((الْأَيُّمُ
أَوْلَى بِأَمْرِهَا، وَالْيَتِيَمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنَّهَا ضَّمَاءًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا
غير مرّة. و((يعقوب)): هو ابن إبراهيم بن سعد، تقدّم في الباب الماضي. و((ابن
إسحاق)): هو محمد صاحب ((المغازي)).
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَيْسَ لِلْوَلِيُّ
مَعَ الثَّيْبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُشَّتَأْمَرُ، فَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
وقوله: ((ليس للوليّ مع الثيب أمر)) هو بمعنى قوله السابق: ((الأيّم أحقّ بنفسها من
وليّها))، وقد تقدّم أن الصحيح في معناه: أنها أحقّ منه في الإذن صريحًا، وفي اختيار
الزوج، ونحو ذلك، لا في عقد النكاح، فلا يجوز لها أن تعقد بنفسها دون إذن وليّها،
لصحّة حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها
باطل ... ))، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحديث أبي هريرة رَّه مرفوعًا:
((لا تزوّج المرأة المرأة، ولا تزوّج المرأة نفسها)). رواه ابن ماجه.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)» .

٣٢- (اسْتِثْمَارُ الأَبِ الْبِكْرَ فِي نَفْسِھا) - حديث رقم ٣٢٦٥
٢١٣ =
٣٢- (اسْتِثْمَارُ الأَب الْبِكْرَ فِي
نَفْسِھَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى أراد بهذه الترجمة
الردّ على من أعلّ زيادة لفظة ((أبوها))، كأبي داود، والبيهقيّ، فكأنه يقول: إنها زيادة ثقة
مقبولة، تفيد وجوب استثمار الأب بنته البكر، خلافًا لمن نفى ذلك، وهذا الذي أشار
إليه هو الحقّ، فيجب على الأب الاسئذان كغيره من الأولياء؛ لصحّة الحديث في
ذلك، وأما ما قيل: إنهم أجمعوا على أن الأب يزوّج ابنته الصغير إجبارًا، فذاك محمول
على الصغيرة التي لا تمييز لها.
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بقوله: [باب لا يُنكح الأبُ وغيره البكرَ،
ولا الثيب، إلا برضاهما]
فقال في ((الفتح)): في هذه الترجمة أربع صور: تزويج الأب البكر، وتزويج الأب
الثيّب، وتزويج غير الأب البكر، وتزويج غير الأب الثيّب. وإذا اعتُبرت الكبر والصغر
زادت الصور، فالثيّب البالغ لا يزوّجها الأب، ولا غيره إلا برضاها، اتفاقًا، إلا من
شذّ، كما تقدّم. والبكر الصغيرة يزوّجها أبوها اتفاقًا إلا من شذّ، كما تقدّم. والثّب غير
البالغ اختلف فيها، فقال مالكٌ، وأبو حنيفة: يزوّجها أبوها كما يزوّج البكر. وقال
الشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ: لا يزوّجها، إذا زالت البكارة بالوطء، لا بغيره،
والعلّة عندهم أن إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر. والبكر البالغ يزوّجها أبوها،
وكذا غيره من الأولياء، واختلف في استثمارها. والحديث دالّ على أنه لا إجبار للأب
عليها إذا امتنعت. وحكاه الترمذيّ عن أكثر أهل العلم. قال: وقد ألحق الشافعيّ الجدّ
بالأب. وقال أبو حنيفة، والأوزاعيّ في الثيب الصغيرة: يزوّجها كل وليّ، فإذا بلغت
ثبت لها الخيار. وقال أحمد: إذا بلغت تسعًا جاز للأولياء غير الأب إنكاحها، وكأنه
أقام المَظِنَّةَ مقام الْمَئِنّة. وعن مالك يلتحق بالأب في ذلك وصيّ الأب، دون بقيّة
الأولياء؛ لأنه أقامه مقامه.
قال: ثم إن الترجمة معقودةٌ لاشتراط رضا المزوَّجة بكرًا كانت، أو ثيًّا، صغيرةٌ
كانت، أو كبيرةً، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، ولكن تُستثنى الصغيرة من حيث
المعنى؛ لأنها لا عبارة لها انتهى(١).
(١) ((فتح)) ٢٤/١٠ -- ٢٤١.

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في
الترجمة المذكورة، والمصنف رحمه الله تعالى في هذه الترجمة، وكذا في بقيّة التراجم،
من إطلاق وجوب الاستئذان على الأب، وغيره، في البكر وغيرها هو الحقّ؛ لصحّة
الأحاديث في ذلك، كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٦٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((الثَّيْبُ أَحَقُّ
بِنَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَاَ أَبُوَهَا، وَإِذْتَهَا صُمَاتَّهَا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن منصور)): هو الجواز الثقة المكيّ، من
أفراد المصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: ((يستأمرها أبوها)): قال القرطبيّ: هذه الزيادة من رواية ابن أبي عمر - يعني
شيخ مسلم - قال أبو داود: ليست بمحفوظة. وعلى تقدير صحّة هذه الزيادة فمحملها
على الاستحباب، لا على الإيجاب، بدليل الإجماع المنعقد على أن للأب إنكاح ابنته
الصغيرة، وإجبارها عليه بغير إذنها، وكذلك السيّد في أمته. وقد أبدى بعض أصحابنا
الاستئذان الأب لابنته فائدةً، وهي تطييب قلبها، واستعلام حالها، فقد تكون موصوفةً
بما يَخفى على الأب مما يمنع النكاح، فإذا استأذنها أعلمته انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تقدّم أن هذه الزيادة محفوظة، فإن الذي زادها هو
الإمام المشهور بالحفظ والإتقان: سفيان بن عيينة، فزيادته مقبولة، ولا تنافي بينها وبين
الروايات السابقة: ((البكر تُستأمر))؛ لأن قوله: ((تُستأمر)) بالبناء للمفعول، أي يُطلب منها
الإذن، فيدخل في ذلك الأب.
وأما قوله: ((فمحمولٌ على الاستحباب)) ففيه نظرٌ، بل الصواب أن الأمر هنا
للوجوب، لا للاستحباب.
وأما دعواه الإجماع، فإن صخ، فيُحمل على الصغيرة التي لا تعقل ما هو النكاح؟،
وما هو الغرض منه؟، وهو محمل تزويج أبي بكر عائشة رضي اللّه تعالى عنهما، وأما
التي لها تمييز في شأن النكاح، وغيره من مصالحها، فلا بدّ من استئذانها، مطلقًا، سواء
كان الوليّ أبًا، أو غيره، فتبصّر، ولا تتحيّر.
والحديث صحيح، وقد سبق شرحه مستوفىّ، وكذا البحث عن مسائله في الباب
الماضي، فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
(١) ((المفهم)) ١١٨/٤.

٢١٥ =
٣٣- (اسْتِثْمَارُ الشَّيِّبِ فِي نَفْسِهَا) - حديث رقم ٣٢٦٦
٣٣- (اسْتِثْمَارُ الشَّيْبِ فِي نَفْسِهَا)
٣٢٦٦- (أَخْبَرَنَا يَخْتِى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى،
أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ، قَالَ: ((لَا تُنْكَحُ الثَّيْبُ حَتَّى
تُسْتَأْذَنَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ إِذْنَهَا؟ قَالَ: ((إِذْنَّا أَنْ
تَسْكُت))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (يحيى بن دُرُست) -بضمتين، وسكون المهملة - ابن زياد البصريّ، ثقة [١٠]
٢٤/٢٤٢٣/٢٣ .
٢- (أبو إسماعيل) إبراهيم بن عبد الملك الْقَتّاد البصريّ، صدوق في حفظه شيء
[٧] ٢٤/٢٣ .
٣- (یحیی) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل
[٥] ٢٤/٢٣ .
٤- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/١.
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وشيخ شيخه، فقد تفرّد به
هو، والترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من يحيى بن أبي كثير،
وهو وإن كان يماميّا، إلا أنه نزل المدينة عشر سنين، كما هو مذكور في ترجمته في
((التهذيبين)) وغيرهما، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه
أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأبو هريرة ◌َظمه من المكثرين السبعة
روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((لَا تُنْكَحُ الثَّيْبُ)
يحتمل أن يكون الفعل مجزومًا، مبنيًّا للمفعول، على أن ((لا)) ناهية، وتكسر الحاء
للالتقاء الساكنين، و((الثيب)) نائب الفاعل.

=
٢١٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح
ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعا مبنيًّا للمفعول، و((لا)) نافية، و((الثيّب)) نائب الفاعل،
وهذا الوجه أبلغ في المنع.
والمراد بـ ((الثيب)) المرأة التي فارقت زوجها بموت، أو طلاق.
(حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) بالبناء للمفعول، وكذا الفعلان بعده (وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ)
ووقع في الرواية الآتية في الباب التاليّ من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى: ((لا
تُنكَح الأيّم حتى تُستأمر، ، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذن))، وسيأتي الكلام عليه هناك،
إن شاء الله تعالى.
(قَالُوا) وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: ((قلنا))، وحديث عائشة صريحٌ في
أنها هي السائلة عن ذلك (يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ إِذْنَها؟) وفي حديث عائشة: «قلت: إن
البكر تستحيي)) (قَالَ: ((إِذْنَّا أَنْ تَسْكُتَ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٦٦/٣٣ و٣٢٦٨/٣٤ و٣٢٧١/٣٦ - وفي ((الكبرى)) و٥٣٧٧/٣٠
و٥٣٧٨/٣١ و٥٣٨١/٣٢. وأخرجه (خ) في ((النكاح)» ٥١٣٦ و((الحيل))٦٩٦٨
و٦٩٧٠ (م) في ((النكاح))١٤١٩ (د) في (النكاح)) ٢٠٩٢ و٢٠٩٣ (ت) في
((النكاح))١١٠٧ (ق) في ((النكاح))١٨٧١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ٧٣٥٦
و ٧٤٧٥ و٧٧٠١ و٩٣٢٢ و٢٧٢٧ (الدارمي) في ((النكاح)»٢١٨٦. والله تعالى أعلم.
وأما بقيّة المسائل فقد تقدّمت في الكلام على حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى
عنهما برقم -٣٢٦١/٣١ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٣٤- (إِذْنُ الْبِكْرِ)
٣٢٦٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،

٣٤- (إِذْنُ البِكْرِ) - حديث رقم ٣٢٦٧
=
٢١٧
قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ ذَكْوَانَ، أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيّ
﴿ِ، قَالَ: ((اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ»، قِيلَ: ((فَإِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي، وَتَسْكُتُ، قَالَ:
(هُوَ إِذْنَّا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن منصور) بن بهرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت
[١١] ٨٨/٧٢ .
٢ - (يحيى بن سعيد) بن فرّوخ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤.
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُریج المكيّ، ثقة فقیه فاضل، يدلّس
[٦] ٣٢/٢٨ .
٤- (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيدالله بن عبد الله بن أبي مُلَيكة المكيّ، يقال:
اسم أبي مليكة زُهير بن عبد الله، ثقة فقيه [٣] ١٣٢/١٠١.
٥- (ذكوان، أبو عمرو) مولى عائشة رضي اللّه تعالى عنها، مدنيّ ثقة [٣].
قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة.
وقال البخاريّ في ((صحيحه)): وكانت عائشة يؤمّها عبدها ذكوان في المصحف. وقال
ابن أبي مليكة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يُؤمّ عائشة، فإذا لم يحضر، ففتاها ذكوان.
وقال البخاريّ في ((تاريخه)) من طريق ابن أبي مليكة أنه أحسن على ذكوان الثناء. وقال
الواقديّ: كانت عائشة قد دبّرته، وله أحاديث قليلةٌ، ومات ليالي الحرّة. وقال الهيثم
ابن عديّ: أحسبه قُتل بالحرّة سنة (٦٣). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن
ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، وهما عائشة وذكوان، ومكيين، وهما
ابن أبي مليكة وابن جريج، وبصريّ، وهو يحيى، ومروزيّ، وهو إسحاق. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة،
روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: ((اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ) أي

٢١٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النِّكَاحِ
اطلبوا أمرهنّ (فِي) شأن (أَبْضَاعِهِنَّ) يحتمل أن يكون -بفتح الهمزة - جمع بُضع -بضمّ،
فسكون- بمعنى التزويج. ويحتمل أن يكون بكسر الهمزة، مصدر أبضع: إذا زوّج.
قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى: الْبُضْعُ جمعه أَبْضاعٌ، مثلُ قُفْل وأقفال، يُطلق على
الفرج، والجماع، ويُطلق على التزويج أيضًا، كالنكاح يُطلق على العقد، والجماع.
وقيل: البُضْع مصدر أيضًا، مثل السُّكْر، والْكُفْر، وأبضعتُ المرأةَ إبضاعًا: زوّجتها.
وتُزوّجُ النساءُ في أبضاعهنّ، يُروى بفتح الهمزة، وكسرها، وهما بمعنى، أي في
تزويجهنّ، فالمفتوح جمعٌ، والمكسور مصدرٌ، من أبضعتُ، ويقال: بَضَعَها يَبْضَعُها -
بفتحتين -: إذا جامعها، ومنه يقال: مَلَكَ بُضْعَها: أي جماعها، والبِضَاعِ: الجماعُ وزنًا
ومعنىَ، وهو اسم من باضَعَها مُبَاضَعَةً. انتهى كلام الفيّوميّ(١).
(قِيلَ) وفي رواية البخاريّ: أنها قالت: يا رسول اللّه، إن البكر تستحيي» (فَإِنَّ الْبِكْرَ
تَسْتَجِي، وَتَسْكُتُ، قَالَ: هُوَ) أي السكوت المفهوم من ((تسكت)) (إِذْنًا) وفي رواية
البخاريّ: ((رضاها صَمْتها)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٣٢٦٧/٣٤ - وفي («الكبرى» ٥٣٧٦/٣٠ . وأخرجه (خ) في
(النكاح)» ٥١٣٧ و(«الإكراه» ٥٩٤٦ و((الحيل)) ٦٩٧١ (م) في ((النكاح))١٤٢٠ (د) في
((النكاح)»٢٠٩٣ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٦٦ و٢٤٧٩٦.
وأما بقية المسائل المتعلّقة بالحديث، فقد تقدّمت قبل بابين في شرح حديث ابن
عباس رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ-
قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخِتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((لَا تُنْكَحُ الْأَيْمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا
تُنكّحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ إِذْنَهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ))).
(١) راجع ((المصباح المنير)) في مادة بضع.

٢١٩ =
٣٤- (إِذْنُ البِكْرِ) - حديث رقم ٣٢٦٨
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه مستوفىّ
قبل باب. و((هشام)): هو الدستوائيّ.
وقوله: ((الأيّم)) المراد هنا الثيّب التي فارقت زوجها بموت، أو طلاق، لمقابلتها
بالبكر، وهذا هو الأصل في ((الأيّم))، ومنه قولهم: ((الغَزْوُ مَأْيَمَةٌ)) أي يُقتل الرجالُ،
فتصير النساء أيامى. وقد تُطلق على كلّ من لا زوج لها صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكرًا
كانت، أو ثيًّا. وتقدم تمام البحث فيه.
وقوله: ((حتّى تستأمر)) بالبناء للمفعول، أصل الاستثمار طلب الأمر، فالمعنى لا
يُعقد عليها حتى يُطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله: ((تُستأمر)) أنه لا يَعقد عليها وليّها
إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الوليّ في حقّها، كما زعم
بعض أهل العلم، بل فيه إشعارٌ باشتراطه. أفاده في ((الفتح))(١).
وقوله: ((ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن)): قال في ((الفتح)): كذا وقع في هذه الرواية
التفرقة بين الثيّب والبكر، فعبّر للثيّب بالاستثمار، وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق
بينهما من جهة أن الاستثمار يدلّ على تأكيد المشاورة، وجعل الأمر إلى المستأمرة،
ولهذا يحتاج الوليّ إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرّحت بمنعه امتنع اتفاقًا، والبكر
بخلاف ذلك، والإذن دائرة بين القول والسكوت بخلاف الأمر، فإنه صريح في القول،
وإنما جعل السكوت إذنًا في حقّ البكر لأنها قد تستحيي أن تُفصح انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم للمصنّف في الباب الماضي من طريق أبي
إسماعيل القنّاد، عن يحيى بلفظ الاستئذان في الثيّب، والاستثمار في البكر، فعندي أن
هذا من تصرّفات الرواة، والظاهر أنه لا فرق بين العبارتين، كما يدلّ عليه تصرّف
المصنف رحمه الله تعالى في تراجمه، حيث عبّر في -٣١ - باستئذان البكر، وفي - ٣٢-
باستثمار الأب البكر، حسب اختلاف الروايات، فالذي يظهر أن الروايات بعضها
باللفظ، وبعضها بالمعنى، فلا تعارض بينها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)) .
(١) ((فتح)) ٢٤١/١٠.
(٢) ((فتح)) ٢٤٠/١٠-٢٤١.

٢٢٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاحِ
٣٥- (الثَّيْبُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا، وَهِيَ
كَارِهَةٌ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ذكر المصنّف رحمه الله تعالى الثيب في هذا الباب،
والبكر في الباب التالي، والظاهر أن حكمهما عنده سواء، وهو عدم صحة النكاح
عليهما بغير رضاهما، وهو الذي رجّحه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، حيث جمع
بينهما في ترجمة واحدة، فقال: [باب إذا زوّج الرجل ابنته، وهي كارهةٌ، فنكاحه
مردود] .
قال في ((الفتح)): هكذا أطلق، فشمل البكر والثيّب، لكن حديث الباب مصرَّحْ فيه
بالثيوبة، فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، كما سأبيّنه. ورَدُّ النكاح إذا كانت ثيبًا،
فَزُوّجت بغير رضاها إجماعٌ، إلا ما نُقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيّب، ولو
كرهت، كما تقدّم. وعن النخعيّ: إن كانت في عياله جاز، وإلا رُدَّ. واختلفوا إذا وقع
العقد بغير رضاها، فقالت الحنفيّة: إن أجازته جاز. وعن المالكيّة: إن أجازته عن قرب
جاز، وإلا فلا، وردّه الباقون مطلقًا. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٦٩- (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم ...
وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَمِّع ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةً
الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ خَتْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا، وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَثْ
رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة :
١- (هارون بن عبد اللَّه) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ الحافظ، ثقة [١٠]
٥٠/ ٦٢ .
٢- (محمد بن سلمة) المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/
٢٠ .
٣- (معن) بن عيسى القزاز، أبو يحيى المدنيّ، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت
(١) ((فتح)) ٢٤٤/١٠.