النص المفهرس

صفحات 181-200

٢٧- (کیفَ الاستخارة؟) - حدیث رقم ٣٢٥٤
١٨١
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٥٤/٢٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٨١/٩٥. وأخرجه (خ) في ((التهجّد)»
١١٦٢ و((الدعوات)) ٦٣٨٢ و((التوحيد))٧٣٩٠ (د) في ((الصلاة)) ١٥٣٨ (ت) في
(الصلاة)) ٤٨٠ (ق) في ((الصلاة))١٣٨٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))١٤٢٩٧.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان كيفية الاستخارة إذا أراد
الشخص أن يفعل شيئًا مّا. (ومنها): شفقة النبيّ وَّل على أمته، وتعليمهم جميع ما ينفعهم في
دينهم ودنياهم. ووقع في بعض طرقه عند الطبرانيّ في حديث ابن مسعود تعظمفيه أنه مَلآ كان
يدعو بهذا الدعاء إذا أراد أن يصنع أمرًا. (ومنها): أن العبد لا يكون قادرًا إلا مع الفعل ، لا
قبله، والله تعالى هو خالق العلم بالشيء للعبد ، وهمّه به، واقتداره عليه. (ومنها): أنه
يجب على العبد ردّ الأمور كلها إلى الله تعالى، والتبرّي من الحول والقوّة إليه، وأن يسأل
ربّه في الأمور كلّها؛ لأنه العالم بكلّ الأشياء، وبما يصلح لعبده منها، وهو القادر على تهيئة
ذلك، وتيسيره له. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن عطاء الربّ فضلٌ منه، وليس لأحد عليه
حقٌّ في نعمه، كما هو مذهب أهل السنّة. (ومنها): أن فيه دليلاً لأهل السنة أن الشرّ من
تقدير الله على العبد ؛ لأنه لو كان يقدِر علی اختراعه لقدر على صرفه، ولم يحتج إلى طلب
صرفه عنه. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضدّه؛ لأنه لو كان
كذلك لا كتفى بقوله: ((إن كنت تعلم أنه خير لي)) عن قوله: ((وإن كنت تعلم أنه شرّ لي
الخ))؛ لأنه إذا لم يكن خيرًا فهو شرّ. وتُعُقّب بأنه لاحتمال وجود الواسطة (١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه يؤخذ من قوله: ((من غير الفريضة)) أن الأمر بصلاة ركعتي
الاستخارة ليس على الوجوب. قال الحافظ العراقيّ رحمه اللّه تعالى في ((شرح
الترمذيّ)): ولم أر من قال بوجوب الاستخارة؛ لورود الأمر بها، ولتشبيهها بتعليم
السورة من القرآن، كما استُدلّ بمثل ذلك في وجوب التشهد في الصلاة؛ لورود الأمر به
(١) - ((فتح)) ١٢ / ٤٨١ ((كتاب الدعوات)).

١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
في قوله: ((فليقل))، ولتشبيهه بتعليم السورة من القرآن.
[فإن قيل]: الأمر تعلّق بالشرط، وهو قوله: ((إذا همّ أحدكم بالأمر)).
[قلنا]: وكذلك في التشهّد إنما يؤمر به من صلّى. ويمكن الفرق، وإن اشتركا فيما
ذُكر أن التشهد جزء من الصلاة، فيؤخذ الوجوب من قوله وَله: ((صلّوا كما رأيتوني
أصلّي)). ودلّ على عدم وجوب الاستخارة ما دلّ على عدم وجوب صلاة زائدة على
الخمس في حديث: ((هل عليّ غيرها؟، قال: لا إلا أن تطوع)) انتهى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا وإن صلح للاستدلال به على عدم وجوب
ركعتي الاستخارة، لكن لا يمنع من الاستدلال به على وجوب دعاء الاستخارة، فكأنهم
فهموا أن الأمر فيه للإرشاد، فعدلوا به عن سنن الوجوب، ولما كان مشتملاً على ذكر
اللَّه، والتفويض إليه كان مندوبًا. والله أعلم انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى أن يعلّل عدم وجوب الدعاء بكونه تابعًا
للصلاة، فلما لم تجب هي لم يجب هو أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف فيما ذا يفعل المستخير بعد الاستخارة:
قال ابن عبد السلام رحمه الله تعالى: يفعل ما اتفق، ويستدلّ له بقوله في بعض
طرق حديث ابن مسعود تَظّمه في آخره، ثم يَعزم، وأول الحديث: ((إذا أراد أحدكم
أمرًا فليقل)). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((الأذكار)): يفعل بعد الاستخارة ما
يَنشرح به صدره، ويستدلّ له بحديث أنس بنّه عند ابن السنّيّ: ((إذا هممت بأمر،
فاستخر ربّك سبعًا، ثم انظر إلى الذي يَسبق في قلبك، فإن الخير فيه)).
قال الحافظ: وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واهٍ جدًّا. والمعتمد أنه لا
يفعل ما ينشرح به صدره مما له فيه هوىّ قويّ قبل الاستخارة، وإلى ذلك الإشارة بقوله
في آخر الحديث أبي سعيد تَّه: ((ولا حول، ولا قوّة إلا بالله)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما قاله ابن عبد السلام رحمه الله تعالى
هو الأولى؛ لأن فائدة الاستخارة هو أن ييسّر الله تعالى لعبده المستخير ما هو الأصلح له،
فإذا اتفق له شيءٌ مّا، وتيسر له بعد أن استخار اللّه تعالى، وفوّض إليه أمره، وسأله أن يسّر
له، فذاك إشارة إلى استجابته سبحانه وتعالى له، فلا ينبغي له أن يتوقّف في تنفيذ ذلك؛ إذ
هو الأصلح له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - ((فتح)) ١٢ / ٤٨١. (كتاب الدعوات)).

٢٨- ( إِنگاحُ الابْنِ أُمَُّ ) - حديث رقم ٣٢٥٥
١٨٣
٢٨- ( إِنْكَاحُ الابْنِ أُمَّهُ )
٣٢٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدِثَنَا یَزِيدُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيٌّ، حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ بَنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، لَمَّا
انْقَضَتْ عِدَّثَهَا، بَعَثَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَزَوَّجْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِِّ، أَنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى، وَأَنِّي
امْرَأَةٌ مُضْبِيَةٌ، وَلَّيْسَ أَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:
(ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَقُلْ لَهَا: أَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى، فَسَأَدْعُو اللَّهَ لَكِ، فَيَذْهِبُ غَيْرَتَكِ،
وَأَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ، فَسَتُكْفَيْنَ صِبْيَاتَكِ، وَأَمَّا قَوْلُكِ: أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي
شَاهِدٌ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ، وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ))، فَقَالَتْ لِبْنِهَا: يَا عُمَرُ،
قُمْ، فَزَوْجْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ، فَزَوَّجَهُ. مُخْتَصَرٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عليّة البصريّ، نزيل
دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٤٨٩/٢٢ من أفراد المصنف.
٢- (يزيد) بن هارون السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/
٢٤٤ .
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت،
من كبار [٨] ٢٨٨/١٨١.
٤- (ثابت البنانيّ) ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٥٣/٤٥ .
٥- (ابن عمر بن أبي سلمة) قيل: اسمه محمد، مقبول [٦].
وفي ((تهذيب التهذيب)): ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، وعنه ثابت البنانيّ، كأن
اسمه محمد، فإن يعقوب بن محمد الزهريّ، روی عن عبد الرحمن بن محمد بن عمر
ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن جدّه أحاديث. انتهى. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦- (أبوه) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]
١/١ .
٧- (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومية،
أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنهما، تقدّمت في ١٨٣/١٢٣. والله تعالى أعلم.

١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاح
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات،
غير ابن عمر بن أبي سلمة، فمجهول. (ومنها): أنه ما بين بصريين، وواسطيّ ومدنيين.
(ومنها): أن فيه أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة، أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (لَمَّا انْقَضَتْ
عِدَّثَها) أي بعد وفاة زوجها أبي سلمة تنظمثه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزوميّ،
أخي النبيّ وَّه من الرضاعة، وابن عمّته برّة بنت عبد المطلب، كان من السابقين، شهد
بدرًا، ومات في جمادى الآخرة سنة أربع، بعد أحد رَميه (بَعَثَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق
رضي الله تعالى عنه (يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ) من باب نصر، أي يطلب نكاحها (فَلَمْ تَزَوَّجْهُ) بفتح
التاء، هو على حذف إحدى التاءين، وأصله ((تتزوّجه)) (فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهْ عُمَّرَ
ابْنَ الْخَطَّابِ) رضي اللّه تعالى عنه (يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ) وَِّ (فَقَالَتْ) أم سلمة رضي الله تعالى
عنها (أَخْبِزَ) فعل أمر من الإخبار (رَسُولَ اللَّهِ وَ، أَنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى) -بفتح الغين
المعجمة، وسكون التحتانيّة، بوزن فَعْلَى، مقصورًا- من الْغَيْرَة، وفي نسخة: ((غيراء))
بالمدّ، وهو خطأ.
و((الغيرة)): كراهة الشخص اشتراك غيره فيما هو حقّه. أفاده الكفَويّ(١) تعني أنها
ذات غيرة شديدة، لا تتمكّن معها من الاجتماع مع سائر أزواجه وَّر (وَأَنِي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ)
بضم الميم، بصيغة اسم الفاعل، من أصبت المرأةُ إذا صارت ذات صبيان، يشغلونها
عن أداء حقوق النبي وَّر؛ لأنهم يحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم
(وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِیَائِ شَاهِدٌ) یحتمل أن یکون ((شاهد) منصوبًا خبر («ليس))، وكُتب بلا
ألف، على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون، وهو عادة قدماء
المحدّثين، فإنهم يرسمون المنصوب المنوّن بصورتي المرفوع والمجرور.
ويحتمل أن يكون مرفوعًا، خبرًا لـ ((أحد))، وعملت)) ليس)) في ضمير شأن، والجملة
خبر ((ليس))، وهي المفسّرة لضمير الشأن. وأرادت أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها بهذا
أن النكاح يحتاج إلى مشورة الأولياء، ورضاهم، فكيف يتمّ بدون حضورهم.
والحاصل أن أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها ذكرت مما يمنع من أن يتزوجها النبي
﴿* ثلاثة أشياء: ((أحدها)): كونها غيرى. ((الثاني)): كونها ذات صبيان. ((الثالث)): غياب
(١) راجع ((الكلّات)) لأبي البقاء الكفويّ ص٦٧١ .

١٨٥
٢٨- ( إِنْكَحُ الابْنِ أُمَّهُ ) - حديث رقم ٣٢٥٥
أوليائها عنها. فردّعليها النبيّ وَلتر، بما يأتي.
وفي رواية لأحمد: فقالت: يا رسول اللّه، إن فيّ ثلاث خصال: أنا امرأة كبيرة،
فقال رسول اللّه وَ لجر: ((أنا أكبر منك))، قالت: وأنا امرأة غيور، قال: ((أدعو الله عز
وجل، فيذهب غيرتك))، قالت: يا رسول الله، وإني امرأة مُصبية، قال: ((هم إلى الله،
وإلى رسوله ... )) الحديث.
(فَأَتَى) عمر رَِّ (رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) أي ما ذكرته من الموانع لنكاحه
لها (فَقَالَ) وَلِّ لعمر رَتْه مبيّنًا أن ما ذكرته ليس مانعًا من النكاح؛ إذ يمكن معالجته،
وحلّه على ما يأتي (ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَقُلْ لَهَا: أَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى، فَسَأَدْعُو اللَّهَ لَكِ،
فَيُذْهِبُ) من الإذهاب رباعيًّا (غَيْرَتَك) بالنصب على المفعوليّة (وَأَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ
مُصْبِيَةٌ، فَسَتُكْفَيْنَ صِبْيَانَكِ) بالبناء للمفعول، من الكفاية، و((صبيانك)) بالنصب مفعول
ثان لـ ((تكفين))، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِّكْفِكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية. يعني سيكفيكِ اللّه تعالى
مؤونة صبيانك، وليس إليكِ نفقتهم. وفي رواية لأحمد: ((هم إلى الله، ورسوله)). وفي
رواية: ((وأما ما ذكرت من العيال، فإنما عيالك عيالي)).
(وَأَمَّا قَوْلُكِ: أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدّر، وخبرها جملة
((ليس))، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةٌ مِنْ بَعْدِ ((أَنْ))
وَإِنْ تُخُفَّفْ (أَنَّ)) فَاسْمُهَا اسْتَكْنُ
وَلَمْ يَكُنْ تَضْرِيفُهُ مُمْتَنِعًا
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعًا
تَنْفِيسِ اوْ (لو)) وَقَلِيلٌ ذِكْرُ (لَو))
فَالأَحْسَنُ الْفَضْلُ بِ ((قَدْ) أَوْ نَفِيٍ أوْ
أي أنّه (لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ) تقدم توجيهه نصبًا ورفعًا (فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ
أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ، وَلَا غَائِبٌ) ههنا بالرفع على الوصفيّة لِ(أَحَدٍ))، لا غير، وخبر ((ليس))
قوله (يَكْرَهُ) بفتح الياء، من الكراهة ثلاثيًّا (ذَلِكَ) أي نكاحي لك؛ لأن كلّ أحد يحبّ،
بل يُحَاوِلُ بكلّ ما يستطيع أن يكون رسول اللّه بِّهِ صهرًا له (فَقَالَتْ) أم سلمة عند ما
ذُكر لها رفع الموانع التي أوردتها؛ اعتذارًا لعدم قبولها الخطبة (لانتِهَا: يَا عُمَرُ، قُمْ،
فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَوَّجَهُ) وهذا محلّ الترجمة، حيث زوّج عمر أمه، أم سلمة رضي
اللّه تعالى عنها من رسول اللَّه وَله، ففيه إنكاح الابن أمه؛ لكن الحديث لا يصح، فلا
يكون حجة للمسألة، وأيضًا فإنه كان صغيرًا، كما سنبينه، فلا يصلح وليًّا للإنكاح.
وقوله (مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف، أي هذا السياق مختصر من سياق مطوّل، مشتمل
على قصّة لأم سلمة رضي الله تعالى عنها، وقد ساقه الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى في
((مسنده)) بطوله، ولفظه:

١٨٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ
-حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، قال: حدثني ابن عمر ابن
أبي سلمة بمنى، عن أبيه، أن أم سلمة، قالت: قال أبو سلمة: قال رسول اللّه وَليته:
((إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، عندك احتسبتُ مصيبتي،
وأجرني فيها، وأبدلني ما هو خير منها)»، فلما احتُضِر أبو سلمة، قال: اللّهم اخلفني في
أهلي بخير، فلما قُبِض، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهم عندك أحتسب مصيبتي،
فأجرني فيها، قالت: وأردت أن أقول: وأبدلني خيرا منه، فقلت: ومن خير من أبي
سلمة؟، فما زلت حتى قلتها، فلما انقضت عدتها، خطبها أبو بكر، فردته، ثم خطبها
عمر، فردته، فبعث إليها رسول اللَّه وَّله، فقالت: مرحبا برسول اللَّه وَل وبرسوله،
أخبر رسول اللّه وَلجر أني امرأة غيرى، وأني مُضْبِية، وأنه ليس أحد من أوليائي شاهدا،
فبعث إليها رسول اللَّه وَلتر: ((أما قولك: إني مصبية، فإن اللَّه سيكفيك صبيانك، وأما
قولك: إني غيرى، فسأدعو الله أن يذهب غيرتك، وأما الأولياء، فليس أحد منهم
شاهد، ولا غائب، إلا سيرضاني))، قلت: يا عمر قم، فزوج رسول اللَّه وَلتر، فقال
رسول اللّه وَ له: ((أما إني لا أنقصك شيئا، مما أعطيت أختك فلانة، رَحَيَينٍ، وجَرَّتَین،
ووسادة من أدم، حشوها ليف))، قال: وكان رسول اللّه وَل يأتيها، فإذا جاء أخذت
زينبَ، فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان رسول اللّه ◌َ ل﴿ حَيِيًّا كريما، يستحيي،
فرجع، ففعل ذلك مرارا، فَفَطِنَ عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم، وجاء
عمار، وكان أخاها لأمها، فدخل عليها، فانتشطها من حجرها، وقال: دعي هذه
المقبوحة المشقوحة، التي آذيتِ بها رسول اللَّه وَ له، قال: وجاء رسول اللّه وَلَّت،
فدخل، فجعل يقلب بصره في البيت، ويقول: ((أين زناب؟، ما فعلت زناب؟))،
قالت: جاء عمار، فذهب بها، قال فبنى بأهله، ثم قال: ((إن شئت أن أسبع لك،
سبعت للنساء)).
حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة.
وقال سليمان بن المغيرة: ابن عمر بن أبي سلمة، مرسل. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة رضي اللَّه تعالى عنها هذا ضعيف؛ لجهالة ابن عمر بن أبي سلمة،
فقد تفرد بالرواية عنه ثابت البنانيّ، فهو مجهول عین، فلا تصحّ روايته.
وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا -٢٨/ ٣٢٥٥ - وفي ((الكبرى))

٢٨- ( إِنكَاحُ الابْنِ أُمَّهُ ) - حديث رقم ٣٢٥٥
١٨٧ ==
٥٣٩٦/٣٥. وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦١٥٧ و٢٦١٨١ و٢٦١٨٢ .
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رجح الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى أنّ الذي أمرته أم سلمة رضي الله
تعالى عنها بتزويجها من رسول اللّه وَلقر هو سلمة بن أبي سلمة: ونصّه بعد أن حكى
القصّة: وقالت لعمر آخرَ ما قالت له: قم، فزوّج النبيّ وَله تعني قد رضيت، وأذنت.
فتوهم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة، وقد كان إذ ذاك صغيرًا، لا يلي
مثله العقد. وقد جمعت في ذلك جزءًا مفردًا بيّنتُ فيه الصواب في ذلك -ولله الحمد
والمنّة- وأن الذي ولي عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة، وهو أكبر ولدها، وساغ
هذا؛ لأن أباه ابن عمّها، فللابن ولاية أمّه إذا كان سببًا لها من غير جهة البنوّة بالإجماع،
وكذا إذا كان معتقًّا، أو حاكمًا، فأما محض البنّة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعيّ
وحده، وخالفه الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد رحمهم الله تعالى انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم یتبین لي وجه ترجیح ابن كثير رحمه الله تعالى
كون الذي تولّى الإنكاح هو سلمة ولدها، وليس هو عمر بن أبي سلمة ولدها الآخر،
فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الوليّ في النكاح:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في اشتراط الوليّ في صحّة النكاح،
فقال مالك، والشافعيّ: يُشترط، ولا يصحّ نكاح إلا بوليّ. وقال أبو حنيفة: لا يشترط
في الثيّب، ولا في البكر البالغة، بل لها أن تزوّج نفسها بغير إذن وليّها. وقال أبو ثور:
يجوز أن تزوّج نفسها بإذن وليّها، ولا يجوز بغير إذنه. وقال داود: يشترط الوليّ في
تزويج البكر دون الثيب.
واحتجّ مالكٌ، والشافعيّ بالحديث المشهور: ((لا نكاح إلا بوليّ)). وهذا يقتضي نفي
الصحّة. واحتجّ داود بأن الحديث المذكور في مسلم(٢) صريح في الفرق بين البكر
والثيّب، وأن الثيّب أحقّ بنفسها، والبكر تُستأذن.
قال النوويّ: وأجاب أصحابنا عنه بأنها أحقٌ، أي شريكة في الحقّ، بمعنى أنها لا
تُجبر، وهي أيضًا أحقّ في تعيين الزوج.
واحتجّ أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره، فإنها تستقلّ فيه بلا وليّ، وحَمَلَ
(١) راجع ((البداية والنهاية)) ٤/ ٩٢. ((في جملة من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة)).
(٢) يعني حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، مرفوعًا: ((الأيّم أحق بنفسها من وليّها، والبكر
تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها)) .

=
١٨٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاح
الأحاديث الواردة في اشتراط الوليّ على الأمة والصغيرة، وخصّ عمومها بهذا القياس،
وتخصيص العموم بالقياس جائزٌ عند كثيرين من أهل الأصول.
واحتجّ أبو ثور بالحديث المشهور: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها
باطل))، ولأن الوليّ إنما يُراد ليختار كفؤًا لدفع العار، وذلك يحصل بإذنه.
قال العلماء: ناقض داود مذهبه في اشتراط الوليّ في البكر دون الثيب؛ لأنه إحداث
قول في مسألة مختلف فيها، ولم يُسبق إليه، ومذهبه أنه لا يجوز إحداث مثل هذا.
والله أعلم. انتهى كلام النوويّ(١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾
الآية [البقرة: ٢٢١]: في هذه الآية دليلٌ بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بوليّ: قال محمد
ابن عليّ بن الحسين: النكاح بوليّ في كتاب اللَّه، ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
قال ابن المنذر: ثبت عن رسول اللّه وَ لإل قال: ((لا نكاح إلا بوليّ)).
وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير وليّ، فقال كثير من أهل العلم: لا نكاح إلا
بوليّ، روي هذا عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن
عبّاس، وأبي هريرة ، وبه قال سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، وعمر بن
عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وابن
المبارك، والشافعيّ، وعُبيدالله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد. قال
القرطبيّ: وهو قول مالك، وأبي ثور، والطبريّ.
قال أبو عمر: حجة من قال: لا نكاح إلا بوليّ أن رسول اللَّه وَ ل قد ثبت عنه أنه
قال: ((لا نكاح إلا بوليّ))، رَوَى هذا الحديثَ شعبة، والثوريّ، عن أبي إسحاق، عن
أبي بردة، عن النبيّ وَلّ مرسلًا، فمن يقبل المرسل يلزمه قبوله، وأما من لا يقبل
المراسيل، فيلزمه أيضًا؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ، والثقة، وممن وصله
إسرائيل، وأبو عوانة، كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن
النبيّ وَّهَ. وإسرائيل، ومن تابعه حُفّاظٌ، والحافظ تُقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضِدها
أصولٌ؛ قال الله عز وجل: ﴿فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنَ﴾. وهذه الآية نزلت
في معقل بن يسار إذا عَضَلَ أخته عن مراجعة زوجها. قاله البخاريّ. ولولا أن له حقًّا
في الإنكاح ما نُهي عن العضل.
ومما يدلّ على هذا أيضًا من الكتاب قوله: ﴿فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ﴾، وقوله:
(١) (شرح مسلم)) ٢٠٩/٩.

١٨٩ ==
٢٨- ( إِنْكَاحُ الابْنِ أُمَُّ ) - حديث رقم ٣٢٥٥
﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾، فلم يُخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء
لذكرهنّ. وقال تعالى: حكايةً عن شُعيب في قصّة موسى عليهما السلام: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ
أُنْكِحَكَ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية.
فقد تعاضد الكتاب والسنّةُ على أن لا نكاح إلا بوليّ. قال الطبريّ: في حديث
حفصة حين تأيمت، وعقد عمر عليها النكاح، ولم تعقده هي إبطالُ قولِ من قال: إن
للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها، وعقد النكاح، دون وليّھا، ولو کان ذلك لها
لم يكن رسول اللّه وَ له ليدع خِطْبة حفصة لنفسها، إذا كانت أولى بنفسها من أبيها،
وخطبها إلى من لا يملك أمرها، ولا العقد عليها، وفيه بيان قوله وَلقر: ((الأيّم أحقّ
بنفسها من وليّها)) أن معنى ذلك أنها أحقّ بنفسها في أنه لا يَعقِد عليها إلا برضاها، لا أنها
أحقّ بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليّها.
وروى الدارقطنيّ عن أبي هريرة رضيثه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((لا تزوّج المرأة
المرأةَ، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها)). قال: حديث
صحيح(١). وروى أبو داود من حديث سفيان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة
رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول اللّه وَله: ((أيما امرأة نَكَحت بغير إذن وليّها
فنكاحها باطل - ثلاث مرّات-، فإن دخل بها فالمهر بما أصاب منها، فإن تشاجروا
فالسلطان وليّ من لا ولي له)). وهذا حديث صحيح(٢).
ولا اعتبار بقول ابن عُليّة، عن ابن جُريج، أنه قال: سألت عنه الزهريّ، فلم يَعرفه، .
ولم يقل هذا أحدٌ عن ابن جريج غير ابن عليّة. وقد رواه جماعةٌ عن الزهريّ لم يذكروا
ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهريّ لم يكن في ذلك حجّةٌ؛ لأنه قد نقله عنه ثقاتٌ، منهم
سليمان بن موسى، وهو ثقةٌ إمامٌ، وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهريّ لم يضرّه ذلك؛
لأن النسيان لا يُعصَم منه ابن آدم، قال وَلِّ: (نَسي آدم، فنسيت ذرّيته))(٣)، وكان ◌َّل
ينسى، فمن سواه أحرى أن ينسى، ومن حفظ حجة على من نسي، فإذا رَوَى الخبر
ثقة، فلا يضرّه نسيان من نسيه، هذا لو صح ما حَكّى ابن عليّة، عن ابن جريج،
(١) هو صحيح، كما قال، لكن الجملة الأخيرة موقوفة على أبي هريرة تعني، كما رواه الدار قطنيّ
بسند على شرط الشيخين، فقال: قال أبو هريرة: ((كنا نعدّ التي تُنكح نفسها هي الزانية)) . انظر ما
كتبه الشيخ الألباني في ((إرواء الغليل)) ٢٤٨/٦-٢٤٩.
(٢) هو صحيح كما قال، وقد أجاد البحث فيه الشيخ الألباني حفظه الله في ((إرواء الغليل))، فراجعه
٢٤٣/٦-٢٤٧ .
(٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في ((الجامع)) في ((كتاب التفسير)).

١٩٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
فكيف، وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته، ولم يعرّجوا عليها.
وإذا ثبت هذا الخبر، فقد صرّح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بوليّ، فلا معنى لما
خالفهما .
وقد كان الزهريّ، والشعبيّ، يقولان: إذا زَوّجت المرأة نفسها کفؤًا بشاهدین،
فذلك نكاح جائز، وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوّجت المرأة نفسها كفؤًا بشاهدين
فذلك نكاح جائز، وهو قول زُفر. وإن زوّجت نفسها غير كفءٍ فالنكاح جائز،
وللأولياء أن يفرّقوا بينهما.
قال ابن المنذر: وأما قول النعمان، فمخالف للسنّة، خارج عن قول أكثر أهل
العلم، وبالخبر عن رسول اللَّه وَل﴿ نقول.
وقال أبو يوسف: لا يجوز النكاح إلا بوليّ، فإن سلّم الوليّ جاز، وإن أبى أن
يسلّم، والزوج كفءٌ أجازه القاضي، وإنما يتمّ النكاح في قوله حين يجيزه القاضي،
وهو قول محمد بن الحسن، وقد كان محمد بن الحسن يقول: يأمر القاضي الوليّ
بإجازته، فإن لم يفعل استأنف عقدًا، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها
وليّها، فعقدت النكاح بنفسها جاز. وقال الأوزاعيّ: إذا ولّت أمرها رجلًا، فزوّجها
كفؤًا، فالنكاح جائز، وليس للوليّ أن يفرّق بينهما، إلا أن تكون عربيّة تزوّجت مولى،
وهذا نحو مذهب مالك.
وحمل القائلون بمذهب الزهريّ، وأبي حنيفة، والشعبيّ قوله وَالر: ((لا نكاح إلا
بوليّ)) على الكمال، لا على الوجوب، كما قال ◌َالر: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في
المسجد))(١).
واستدلّوا على هذا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾، وقوله تعالى:
﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَانَيْتُم بِلْغَرُوفِّ﴾. انتهى المقصود من كلام
. (٢)
القرطبيّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي هو القول باشتراط الوليّ في
النكاح، وهو الذي عليه الجمهور؛ لصحة الأحاديث المذكورة بذلك، وأما حملها على
معنى الكمال، وتأويلها بذلك، فغير صحيح، يردّه قوله وَالقهر: «فنكاحها باطلٌ))، فتبصّر
بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) حديث ضعيف، رواه الدار قطنيّ من حديث جابر وغيره.
(٢) راجع ((تفسير القرطبيّ) ٧٢/٣-٧٥. ((تفسير سورة البقرة)).

٢٨- ( إِنگاحُ الابْنِ أُمُّهُ ) - حديث رقم ٣٢٥٥
١٩١ ==
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في ترتيب الأولياء:
ذهب مالك إلى أن أولهم البنون، وإن سفلوا، ثم الآباء، ثم الإخوة للأب والأمّ، ثم
للأب، ثم بنو الإخوة للأب والأمّ، ثم بنو الإخوة للأب، ثم الأجداد للأب، وإن
علوا، ثم العمومة على ترتيب الإخوة، ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة، وإن سفلوا،
ثم المولى، ثم السلطان، أو قاضيه، والوصيّ مقدّم في إنكاح الأيتام على الأولياء، وهو
خلیفة الأب ووکیله، فأشبه حاله حاله لو كان حيًّا.
وقال الشافعيّ: لا ولاية لأحد مع الأب، فإن مات فالجدّ، ثم أب أب الجدّ؛ لأنهم
كلهم آباء، والولاية بعد الجدّ للإخوة، ثم الأقرب. وقال المزنيّ: قال في الجديد: من
انفرد بأمّ كان أولى بالنكاح، كالميراث، وقال في القديم: هما سواء. وروى المدنيون
عن مالك مثل قول الشافعيّ، وأن الأب أولى من الابن، وهو أحد قولي أبي حنيفة.
وقال أحمد: أحقهم بالمرأة أن يزوّجها أبوها، ثم الابن، ثم الأخ، ثم ابنه، ثم
العمّ .
٨٠٠
وقال إسحاق: الابن أولى من الأب، كما قال مالك. واختاره ابن المنذر؛ لحديث
أم سلمة المذكور في الباب؛ لكن قد عرفت أنه ضعيف، فلا يصحّ الاحتجاج به(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الشافعيّ رحمه اللّه تعالى
أرجح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الإشهاد على النكاح:
قال ابن رشد رحمه الله تعالى: اتفق أبو حنيفة، والشافعيّ، ومالك على أن الشهادة
من شرط النكاح، واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول، أو شرط صحة
يؤمر به عند العقد، واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السرّ، واختلفوا إذا أشهد شاهدين،
ووصيا بالكتمان، هل هو سرّ، أو ليس بسرّ؟ فقال مالكٌ: هو سرّ، ويُفسخ، وقال أبو
حنيفة، والشافعيّ: ليس بسرّ. وسبب اختلافهم، هل الشهادة في ذلك حكم شرعيّ، أم
إنما المقصود منها سدّ ذريعة الاختلاف، أو الإنكار؟ فمن قال: حكم شرعيّ، قال:
هي شرط من شروط الصحة، ومن قال: توثّقٌ قال: من شروط التمام.
والأصل في هذا ما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ((لا نكاح إلا
بشاهدي عدل، ووليّ مرشد)»، ولا مخالف له من الصحابة، وكثيرٌ من الناس رأى هذا
داخلًا في باب الإجماع، وهو ضعيف. وهذا الحديث قد روي مرفوعًا ذكره الدار قطنيّ،
(١) راجع ((تفسير القرطبيّ)) ٧٧/٣ -٧٨.
/

١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
وذكر أن في سنده مجاهيل.
وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين؛ لأن المقصود عنده بالشهادة هو
الإعلان فقط. والشافعيّ يرى أن الشهادة تتضمّن المعنيين: أعني الإعلان، والقبول،
ولذلك اشترط فيها العدالة. وأما مالك فليس تتضمّن عنده الإعلان إذا وُصّيَ الشاهدان
بالكتمان .
وسبب اختلافهم هل ما تقع فيه الشهادة ينطلق عليه اسم السرّ، أم لا؟.
والأصل في اشتراط الإعلان قول النبيّ وَّه: ((أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه
بالدفوف)». أخرجه أبو داود (١). وقال عمر فيه: هذا نكاح السرّ، ولو تقدّمت فيه
لرجمت.
وقال أبو ثور، وجماعة: ليس الشهود من شرط النكاح، لا شرط صحّة، ولا شرط
تمام. وفعل ذلك الحسن بن عليّ، روي عنه تزوّج بغير شهادة، ثم أعلن بالنكاح.
انتھی(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الأرجح كون المعتبر في النكاح هو
الإعلان، سواء كان بإشهاد شاهدين، أو بإعلانه بغير ذلك؛ لأنه لا تثبت أحاديث
وجوب الإشهاد في النكاح، وإنما يثبت أحاديث إعلان النكاح، كحديث: ((أعلنوا
النكاح))، وهو حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وابن حبّان في «صحيحه)) من حديث
عبد الله بن الزبير. وحديث: ((فصل ما بين الحلال والحرام الدفّ، والصوت في
النكاح))، حديث حسنٌ أخرجه المصنّف برقم -٧٢/ ٣٣٧٠، والترمذيّ، وابن ماجه.
والحاصل أن الواجب هو إعلان النكاح، سواء كان بالإشهاد، أو بغير ذلك. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)) .
(١) هذا خطأ، والصواب أخرجه الترمذيّ رقم ١٠٨٩ . وقال: حديث غريب، وعيسى بن ميمون
الأنصاريّ يضعّف في الحديث.
(٢) ((بداية المجتهد)) ١٧/٢ -١٨.

٢٩ - (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْتَهُ الصَّغِيرَة) - حديث رقم ٣٢٥٦
١٩٣ =
٢٩- (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْتَتَهُ الصَّغِيرَةَ)
زاد في ((الكبرى)): ((وذكرُ اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عائشة أم المؤمنين في ذلك)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذا الباب بيان
جواز نكاح الصغيرة البكر، وإن لم تكن صالحة للوطء، والرد على من منع ذلك،
وادعى أن ذلك من خصوصيات النبيّ وَلّر.
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بنحو ترجمته، حيث قال: ((باب إنكاح
الرجل ولده الصغار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾، فجعل عدّتها ثلاثة أشهر قبل
البلوغ، ثم أورد حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور في الباب.
قال في ((الفتح)): قوله: ((لقول الله تعالى: ﴿وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ الخ، أي فدلّ على أن
نكاحها قبل البلوغ جائزٌ، وهو استنباط حسنٌ، لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالولد،
ولا بالبكر. ويمكن أن يقال: الأصل في الأبضاع التحريم إلا ما دلّ عليه الدليل، وقد
ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها، وهي دون البلوغ، فبقي ما عداه على
الأصل، ولهذا السرّ أورد حديث عائشة. قال المهلّب: أجمعوا على أنه يجوز للأب
تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها. إلا أن الطحاويّ حكى عن ابن
شُبْرُمة منعه فيمن لا توطأ. وحكى ابن حزم عن ابن شُبرمة مطلقًا أن الأب لا يُزوّج ابنته
البكر الصغيرة حتى تبلغ، وتأذن، وزعم أن تزويج النبيّ وَّل عائشة، وهي بنت ستْ
سنين كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن، والنخعيّ للأب إجبار بنته كبيرة كانت،
أو صغيرةً، بكرًا كانت، أو ثيًّا انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب(١).
٣٢٥٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ تَزَوَجَهَا، وَهِيَ بِنْتُ سِتٌّ، وَبَنَى بِهَا،
وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢ .
٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ٣٠/٢٦.
٣- (هشام بن عروة) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلس [٥]٤٩/ ٦١.
(١) ((فتح)) ٢٣٨/١٠-٢٣٩.
-

١٩٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
٤- (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٤/٤٠.
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وأبي معاوية،
فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ، وفيه عروة أحد
الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ تَزَوَّجَهَا) أي عقد عليها، وكان
ذلك بمكة قبل الهجرة (وَهِيَ بِنْتُ سِتُ) أي بنت ست سنين (وَبَنَى بِهَا) أي دخل بها،
وكان ذلك بالمدينة في شوّال من السنة الأولى من الهجرة. وقيل: من السنة الثانية.
[فائدة]: قال الفيوميّ: وبنى على أهله: دخل بها، وأصله أن الرجل كان إذا تزوّج
بنَی للعِرْسِ خِباءً جديداً، وعمّره بما يحتاج إليه، أو بُنِيَ له؛ تکریمًا، ثم كثُر، حتى كُنِي
به عن الجماع. وقال ابن دُريد: بَنَّى عليها، وبَنَى بها، والأول أفصح، هكذا نقله
جماعةٌ. ولفظ (التهذيب)): والعامّة تقول: بَنَى بأهله، وليس من كلام العرب. قال ابن
السّكّيت: بَنَى على أهله: إذا زُفْت إليه انتهى(١).
وعبارة ابن منظور: والباني: العروس الذي يبني على أهله، قال الشاعر [شطر بيت
من الوافر]:
يَلُوحُ كَأَنَّهُ مِصْبَاحُ بَانِي
وبَنَى فلان على أهله بِناءً، ولا يُقال بأهله. هذا قول أهل اللغة. وحكى ابن جنّ:
بنى بأهله، وابتنى بها، عدّاهما جميعًا بالباء. ثم ذكر نحو ما تقدّم عن ((تهذيب
الأزهريّ)). قال: وقد ورد بنى بأهله في شعر جِرْدَانِ الْعَوْدِ، قال [من الطويل]:
بَنَيْتُ بِهَا قَبْلَ الْمِحَاقِ بِلَيْلَةٍ فَكَانَ مِحَاقًا كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ
قال ابن الأثير: وقد جاء بَنَى بأهله في غير موضع من الحديث، وغير الحديث
(٢)
انتھی(٢).
(١) راجع ((المصباح المنير)) في مادة بنى.
(٢) راجع ((لسان العرب)) في مادة بنى.

١٩٥=
٢٩- (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْتَهُ الصَّغِيرَة) - حديث رقم ٣٢٥٦
وقال في ((الفتح)) بعد ما ذكر قول من قال: لا يقال: بنى بأهله: ما نصّه: ولا معنى
لهذا التغليط؛ لكثرة استعمال الفصحاء له، وحسبك بقول عائشة: ((بنى بي))، وبقول
عروة في آخر الحديث: ((وبنى بها)). انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فثبت بما ذُكر أن ((بنى بها)) لغة عربيّة، فصيحة؛
لورودها في الشعر العربيّ، وفي كلام الفصحاء، كعائشة، وعروة، وغيرهم، وأثبتها
من اللغويين ابن دُريد، وابن جنّي، فلا يصحّ دعوى أنها لغة عاميّة، فتبصّر، ولا تتحيّر.
والله تعالى أعلم.
(وَهِيَ بِنْتُ تِسْع) وفي رواية البخاريّ من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه،
قال: ((تُوفّيت خديجة قبل مخرج النبيّ وَّر إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين، أو
قريبًا من ذلك، ونكح عائشة، وهي بنت ستّ سنين، ثم بنى بها، وهي بنت تسع
سنین)) .
فقال في ((الفتح)): فيه إشكال؛ لأن ظاهره يقتضي أنه لم يبن بها إلا بعد قدومه
المدينة بسنتين، ونحو ذلك؛ لأن قوله: ((فلبث سنتين، أو نحو ذلك))، أي بعد موت
خديجة. وقوله: ((ونكح عائشة))، أي عقد عليها لقوله بعد ذلك: ((وبنى بها، وهي بنت
تسع))، فيخرج من ذلك أنه بنى بعد قدومه بسنتين، وليس كذلك؛ لأنه وقع عند
المصنّف -البخاريّ- في ((النكاح)) من رواية الثوريّ، عن هشام بن عروة في هذا
الحديث ((ومكثت عنده تسعًا))، وسيأتي ما قيل: من إدراج النكاح في هذه الطريق، وهو
في الجملة صحيح، فإن عند مسلم من حديث الزهريّ، عن عروة، عن عائشة في هذا
الحديث: وزُفّت إليه، وهي بنت تسع، ولُغْبَتها معها، ومات عنها، وهي بنت ثمان
عشرة)). وله من طريق الأسود، عن عائشة نحوه. ومن طريق عبد الله بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة: ((تزوّجني رسول اللَّه وَّلي في شوال، وبنى بي في شوّال))، فعلى هذا
فقوله: ((فلبث سنتين، أو قريبًا من ذلك))، أي لم يدخل على أحد من النساء، ثم دخل
على سودة بنت زمعة قبل أن يُهاجر، ثم بنى بعائشة بعد أن هاجر، فكأن ذكر سودة سقط
على بعض رواته .
وقد روى أحمد، والطبرانيّ بإسناد حسن، عن عائشة، قالت: ((لما تُوفّيت خديجة
قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: يا رسول اللَّه ألا تَزَوّج؟ قال: نعم، فما
عندكِ؟ قالت: بكر وثيّب، البكر بنت أحبّ خلق اللَّه إليك عائشة، والثيب سودة بنت
(١) راجع ((الفتح)) ٦٢٨/٧. في ((مناقب الأنصار)).

١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّاح
زمعة. قال: فاذهبي، فاذكريهما عليّ، فدخلت على أبي بكر، فقال: إنما هي بنت
أخيه، قال: قولي له: أنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي، فجاءه، فأنكحه، ثم
دخلت على سودة، فقالت لها: أخبري أبي، فذكرت له، فزوّجه))(١). وذكر ابن إسحاق
(١) وهذا الحديث ساقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده)) مطوّلاً، ولفظه:
٢٥٢٤١- حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة، ویحیی،
قالا: لما هَلَكت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم، امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول
الله، ألا تزوج؟، قال: ((من))، قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: ((فمن البكر؟))،
قالت: ابنة أحب خلق الله عز وجل إليك، عائشة بنت أبي بكر، قال: ((ومن الثيب؟))، قالت:
سودة ابنة زمعة، قد آمنت بك، واتبعتك على ما تقول، قال: ((فاذهبي، فاذكريهما علي)»،
فدخلت بيت أبي بكر، فقالت: يا أم رُومان، ماذا أدخل اللَّه عز وجل عليكم من الخير والبركة؟،
قالت: وما ذاك؟، قالت: أرسلني رسول اللَّه ◌َ﴿ أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر،
حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل اللَّه عليكم من الخير والبركة؟، قال:
وما ذاك؟، قالت: أرسلني رسول اللَّه وَله، أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له، إنما هي
ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول اللّه وَ ه، فذكرت له ذلك، قال: ((ارجعي إليه، فقولي له: أنا
أخوك، وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي)) ، فرجعت، فذكرت ذلك له، قال انتظري،
وخرج، قالت أم رومان: إن مُطعِم بن عدي، قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد موعدا قط،
فأخلفه، لأبي بكر، فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي، وعنده امرأته، أم الفتى، فقالت: يا ابن
أبي قحافة، لعلك مُصْبٍ صاحبنا مدخله في دينك الذي أنت عليه، إن تزوج إليك، قال أبو بكر
للمطعم بن عدي: أقولّ هذه تقول، قال إنها تقول ذلك، فخرج من عنده، وقد أذهب الله عز
وجل ما كان في نفسه من عدته التي وعده، فرجع، فقال لخولة: ادعي لي رسول اللَّه وَلتر،
فدعته، فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين، ثم خرجت، فدخلت على سودة بنت
زمعة، فقالت: ماذا أدخل الله عز وجل عليك من الخير والبركة؟، قالت: ما ذاك؟ قالت:
أرسلني رسول اللَّه ◌َ لتر، أخطبك عليه، قالت: وددت، ادخلي إلى أبي، فاذكري ذاك له، وكان
شيخا كبيرا، قد أدركه السن، قد تخلف عن الحج، فدخلت عليه، فحيته بتحية الجاهلية، فقال:
من هذه؟ فقالت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله،
أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك، قال: ادعها لي،
فدعيتها، قال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قد أرسلٍ يخطبك،
وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم، قال: ادعيه لي، فجاء رسول اللَّه وَالتّل إليه،
فزوجها إياه، فجاءها أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يَحثِي في رأسِه التراب، فقال بعد أن
أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب، أن تزوج رسول اللّه ◌َ لير سودة بنت زمعة،
قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح، قالت: فجاء رسول
اللَّه ◌َ لَّ، فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي، وإني لفي أرجوحة
بين عذقين، ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جميمة، ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء
من ماء، ثم أقبلت تقودني، حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج، حتى سكن من نفسي، ثم
دخلت بي، فإذا رسول اللّه وَ لهو جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار،
فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلكِ، فبارك اللَّه لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب
الرجال والنساء، فخرجوا، وبنى بي رسول اللّه وَ له في بيتنا، ما نُحرتْ علي جزور، ولا ذُبحت=

١٩٧
٢٩ - (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْتَهُ الصَّغِيرة) - حديث رقم ٣٢٥٦
وغيره أنه دخل على سودة بمكة.
وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر عن عائشة قالت: ((لما هاجر رسول اللَّه ◌َلته،
وأبو بكر خَلَّفَنا بمكة، فلما استقرّ بالمدينة، بعث زيد بن حارثة، وأبا رافع، وبعث أبو
بكر عبد الله بن أُرَيقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان، وأم
أبي بكر، وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا، وخرج زيد، وأبو رافع بفاطمة، وأم كلثوم،
وسودة بنت زمعة، وأخذ زيد امرأته أم أيمن، وولديها أيمن، وأسامة، واصطحبنا، حتى
قدمنا المدينة، فنزلت في عيال أبي بكر، ونزل آل النبيّ وَّ عنده، وهو يومئذ يبني
المسجد وبيوته، فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له
أبوبكر: ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ فبنى بي ... )) الحديث.
قال الماورديّ: الفقهاء يقولون: تزوّج عائشة قبل سودة، والمحدّثون يقولون: تزوّج
سودة قبل عائشة، وقد يُجمع بينهما بأنه عقد على عائشة، ولم يدخل بها، ودخل بسودة.
قال الحافظ: والرواية التي ذكرتها عن الطبرانيّ ترفع الإشكال، وتوجّه الجمع
المذكور. والله أعلم.
وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى، عن هشام، عن أبيه
((أنه كتب إلى الوليد: إنك سألتني متى توفّيت خديجة؟ وإنها توفّيت قبل مخرج النبيّ وَلاقه
من مكّة بثلاث سنين، أو قريب من ذلك، نكح النبيّ وَّرِ عائشة بعد مُتَوَنَّى خديجة،
وعائشةُ بنت ستّ سنين، ثم إن النبيّ وَّل بنى بها بعد ما قدم المدينة، وهي بنت تسع
سنين)). وهذا السياق لا إشكال فيه، ويرتفع به ما تقدّم من الإشكال أيضًا. والله أعلم.
وإذا ثبت أنه بنى بها في شوّال من السنة الأولى من الهجرة قوِيَ قولُ من قال: إنه
دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر. وقد وهّاه النوويّ في ((تهذيبه))، وليس بواهٍ إذا عددناه
من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة الثانية يُخالف ما ثبت أنه دخل بها
بعد خديجة بثلاث سنين. وقال الدمياطي في ((السيرة)) له: ماتت خديجة في رمضان،
وعقد على سودة في شوّال، ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرر بما سبق أنه وَل تزوج عائشة قبل سودة،
ودخل بسودة قبل عائشة تها، وهذا هو الجمع السديد. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
= علي شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة، كان يرسل بها إلى رسول اللّه وَلَه، إذا دار إلى
نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين. انتهى ((المسند)) ٢١٠/٦-٢١١ . وهذا إسناد صحيح، إلا أنه
مرسل.
(١) ((فتح)) ٦٢٩/٧ - ٦٣٠. ((كتاب مناقب الأنصار)».

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٢٥٦/٢٩ و٣٢٥٧ و٣٢٥٨ و٣٢٥٩ و٣٣٧٨/٧٧ و٣٣٧٩/٧٨
و ٣٣٨٠- وفي «الكبرى» ٢٧ /٥٣٦٥ و٥٣٦٦ و ٥٣٦٧ و ٥٣٦٨ و٥٣٦٩ و٨٩/ ٥٥٦٩
و٥٥٧٠ و٥٥٧١ و٩٠/ ٥٥٧٢. وأخرجه (خ) في ((النكاح)) ٥١٣٣ و٥١٣٤ و٥١٥٨
(م) في ((النكاح)) ١٤٢٢ (د) في ((النكاح)) ٢١٢١ و((الأدب)) ٤٩٣٣ و٤٣٥ (ق) في
((النكاح)) ١٨٧٦ (أحمد) في ((باقي الأنصار))٢٥٢٤١ و٢٥٨٦٥ (الدارمي) في
((النكاح))٢٢٦١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز إنكاح الأب بنته
الصغيرة، وهو مجمع عليه إلا ما حكي عن ابن شُبرمة كما تقدّم.
(ومنها): جواز نكاح المرأة، وإن لم تكن صالحة للوطء. (ومنها): أن الوليّ
الخاصّ يقدّم على الوليّ العامّ، حيث زوّج أبو بكر بنته عائشة للنبيّ بَّر، وقد اختلف
فيه عند المالكية، كما أشار إليه في ((الفتح))(١) .
(ومنها): أن النهي عن إنكاح البكر حتى تُستأذن مخصوص بالبالغة حتى يُتصوّر منها
الإذن، وأما الصغيرة فلا حاجة إلى استئذانها، إذ لا معنى لذلك، حيث إنها لا تدري ما
هو النكاح.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا صريحٌ في جواز تزويج الأب الصغيرةَ بغير إذنها؛
لأنه لا إذن لها، والجدّ كالأب عندنا. قال: وأجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته
الصغيرة لهذا الحديث.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الإجماع فيه نظر، فقد تقدم خلاف ابن شبرمة
فیه، فتنبه. والله أعلم.
قال: وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك، والشافعيّ، وسائر فقهاء
الحجاز. وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت، أما غير الأب، والجدّ من الأولياء،
فلا يجوز أن يزوّجها عند الشافعيّ، والثوريّ، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وأبي
(١) (فتح)) ٢٣٩/١٠.

٢٩- (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْتَهُ الصَّغِيرة) - حديث رقم ٣٢٥٧
١٩٩ =
ثور، وأبي عبيد، والجمهور، قالوا: فإن زوّجها لم يصحّ. وقال الأوزاعيّ، وأبو
حنيفة، وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء، ويصح، ولها الخيار إذا بلغت، إلا
أبا يوسف، فقال: لا خيار لها.
واتفق الجمهور على أن الوصيّ الأجنبيّ لا يزوّجها. وجوّز شُرِيحٌ، وعروة، وحمّادٌ
له تزويجها قبل البلوغ. وحكاه الخطّابي عن مالك أيضًا.
قال: (واعلم): أن الشافعيّ، وأصحابه قالوا: يُستحبّ أن لا يزوّج الأب والجدّ حتى
تبلغ، ويستأذنها لئلا يوقعها في أسر الزوج، وهي كارهةٌ. وهذا الذي قالوه: لا يخالف
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها؛ لأن مرادهم أنه لا يزوّجها قبل البلوغ إذا لم تكن
مصلحة ظاهرة يخاف فوتها بالتأخير، کحديث عائشة، فيستحب تحصیل ذلك الزوج؛
لأن الأب مأمور بمصلحة ولده، فلا يفوتها.
قال: وأما وقت زفاف الصغيرة المزوّجة، والدخول بها، فإن اتّفق الزوج والوليّ
على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عُمل به، وإن اختلفا، فقال أحمد، وأبو عُبيد: تُجبر
على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها. وقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة: حدّ ذلك
أن تُطيق الجماع، ويختلف ذلك باختلافهنّ، ولا يُضبط بسنّ، وهذا هو الصحيح،
وليس حديث عائشة تحديدًا، ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع، ولا الإذن فيه
لمن لم تُطقه، وقد بلغت تسعًا. قال الداوديّ: وكانت عائشة قد شبّت شبابًا حسنًا رضي
الله تعالى عنها انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١). وهو تحقيق نفيس جدًّا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٥٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِسَبْعٍ سِنِينَ،
وَدَخَلَ عَلَيَّ لِتِسْعِ سِنِينَ))).
قال الجامع عَفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن النضر بن مساور)) المروزيّ، صدوق
[١٠] ٧٠ /٢٣٤٧ .
و((جعفر بن سليمان)) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق زاهد، يتشيّع [٨] ١٤/
١٤ . والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: ((لسبع سنين)) هكذا في هذه الرواية، وكذا هو عند مسلم من طريق معمر،
عن الزهريّ، عن هشام، وكذا في رواية حماد بن سلمة عند أحمد رحمه الله تعالى في
(«مسنده))، ولفظه:
(١) ((شرح مسلم) ٢١٠/٩.

٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
حدثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: ((تزوجني رسول اللَّه ◌َّهِ، مُتَوَقَّى خديجة، قبل مخرجه إلى المدينة،
بسنتين أو ثلاث، وأنا بنت سبع سنين، فلما قدمنا المدينة، جاءتني نسوة، وأنا ألعب في
أُرْجُوحة، وأنا مُجَمَّمَةٌ(١)، فذهبن بي، فهَيَّأْنَنِي، وصنعني، ثم أتين بي رسول اللَّه ◌َلِّ،
فَبَنَّى بي، وأنا بنت تسع سنين))(٢).
وفي «مسند أبي داود الطيالسيّ)) -ص٢٠٥ - شك حماد في ست، أو سبع، ولفظه:
((تزوّجني رسول اللَّه وَله، وأنا بنت ستّ، أو سبع بمكة ... )).
والجمع بين الروايتين، كما قال النوويّ أن يقال: أنه كان لها ستّ وكسرٌ، ففي رواية
اقتصرت على السنين، وفي رواية عدّت السنة التي دخلت فيها. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٥٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي
عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: (تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِهِ لِتِسْعِ سِنِينَ، وَصَحِبْتُهُ تِسْعًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عَبْثر)) - بفتح أوله، وسكون الموحدة، وفتح المثلّثة-
ابن القاسم الزُّبيديّ -بالضمّ- أبو زبيد -مصغرًا- الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤.
و((مطرّف)) - بصيغة اسم الفاعل- ابن طَرِيف الكوفيّ، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/
٣٢٧ .
و((أبو إسحاق)): هو عمرو بن عبد الله السبيعيّ الثقة الثبت الكوفيّ. و((أبو عبيدة)):
هو عامر بن عبد الله بن مسعود الهذليّ الكوفيّ، ثقة من كبار [٣] ٦٢٢/٥٥.
وقوله: ((لتسع سنين)) هكذا هو في هذه الرواية، وكذا في رواية الأسود التي بعدها،
وهي مخالفة لرواية عروة، فإن فيه: ((تزوّجني لستّ سنين))، كما تقدّم.
ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل ((قولها: تزوّجني)) على معنى ((بَنَى بي))، فلا
تخالف بين الروايتين. والله تعالى أعلم.
والحديث في سنده أبو إسحاق السبيعيّ، وهو مدلّس، وقد عنعنه، لکن یشهد له ما
قبله، وما بعده، فيصّح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) ((المُجَمَّم)) كمالمَعَظّم، بصيغة اسم المفعول: ذوالْجُمّة، و((الْجُمّة)) بالضمّ: مُجتَمع شعر الرأس.
أفاده في ((القاموس)).
(٢) ((مسند أحمد)» ٦/ ٢٨٠.