النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ ٢٥- (بَأَبُ عَرْض الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٥١ (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة عرض المرأة نفسها على من ترضاه من أهل الصلاح. (ومنها): أن مثل هذا ليس بقلّة حياء شرعًا، وإن كان في عادة الناس يستحيى منه؛ لأن ذلك يعود على المرأة بالنفع الدنيويّ والأخرويّ. (ومنها): الحرص، وشدّة الرغبة في نيل شرف الدنيا والآخرة، وأن ذلك مما يستحسنه الشرع الشريف، والعقل، لا ما يزعم بعض الناس، ويتخيله بأن ذلك مما يُخلّ بالمروءة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل. ٣٢٥١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتْ، عَنْ أَنَس: ((أَنَّ امْرَأَةَ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَضَحِكَتِ ابْنَةُ أَنَسٍ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ أَقَلَّ حَيَاءَهَا؟، فَقَالَ أَنَسْ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَِّّ ◌ََِّ))). رجال هذا الإسناد کلهم رجال الصحيح، والسند من الرباعيات، كسابقه، وهو (١٦٢) من رباعيات الكتاب، والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله. وقولها: «ما كان أقلَّ حياءها؟)) ((أقلّ)) فعل ماض متعدّ، قال في ((القاموس)): أقلّه: جعله قليلاً، كقلّله، و((ما)) تعجّبيّةٌ مبتدأ، و((كان)) زائدةٌ، والضمير الفاعل يعود ((ما))، و((حياءها)) بالنصب مفعول به (أقلّ))، والجملة خبر المبتدإ. والمعنى: أيُّ شيء جعل حياءها قليلاً، ومقصودها التعجّب من قلّة حيائها، حيث عرضت نفسها على النبيّ وَّ؛ لأن العادة أن المرأة تستحيي من أن تعرِضَ نفسها للرجال. وفي رواية البخاريّ: ((فقالت: بنت أنس: ما أقلّ حياءها، واسوأتاه، قال: هي خير منك، رغِبت في النبيّ وَّر، فعرضت نفسها عليه)). وقولها: ((واسوأتاه)) أصل السَّوْأَة - بفتح السين المهملة، وسكون الواو، بعدها همزة- الفَعْلة القبيحة، وتُطلق على الفرج، والمراد هنا الأول، والألف للندبة، والهاء للسكت. قاله في ((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ ٢٦- (صَلَاةُ الْمَرْأَةِ إِذَا خُطِبَتْ، وَاسْتِخَارَتَّهَا رَبَّا) قوله: ((خُطبت)) بالبناء للمفعول. ٣٢٥٢ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْتَبَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه لِزَيْدٍ: (اذْكُرْهَا عَلَيَّ))،َ قَالَ زَيْدٌ: فَّانْطَلَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا زَيْتَبُ، أَبْشِرِي، أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا، حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَدَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، لقبه الشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠]٥٥/٤٥ . ٢- (عبد الله) بن المبارك بن واضح الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت فاضل حجة [٨]٣٦/٣٢ . ٣- (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧]٦١٦/٥٣، والباقيان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن المبارك، فمروزيان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَنَبَ) أي من طلاق زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما، وهي زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمَر بن صَبْرة بن مرّة بن كَبير بن غَثْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة الأسديّة، أم المؤمنين. وأمّها أميمة بنت عبد المطّلب عمة رسول اللّه وَلِ﴾(٢). زوجها رسول اللَّه ولي زيد بن حارثة رضي (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((ثنا)). (٢) - ((تهذيب الكمال)١٨٤/٣٥. ٢٦ - (صَلَةُ الْمَرْأَةَ إِذاَ خُطِبَتْ، ... - حديث رقم ٣٢٥٢ ١٦٣ الله تعالى عنهما، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهمًا، وخمارًا، وملحفةً، ودرعًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيّان، فمكثت عنده قريبًا من سنة، أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول اللَّه وَله، فجعل رسول اللّه وَاله يقول له: ﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧](١). [فائدة]: ذكر المفسّرون أقوالاً في المراد بقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية، والأصحّ أنه إخبار اللَّه تعالى نبيّه وَّل أنها ستصير زوجته. أخرج ابن أبي حاتم، من طريق السدّيّ، قال: ((بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت حجش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطّلب، عمة رسول اللَّه وَ لّ، وكان رسول اللَّه و لو أراد أن أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول اللَّهُ وَ﴿، فزوّجها إياه، ثم أعلم اللَّه عز وجل نبيّه وَل بعدُ أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول اللَّه وَله أن يُمسك عليه زوجه، وأن يتّقي اللَّه، وكان يخشى الناس أن يَعيبوا عليه، ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيدًا)). وعنده من طريق عليّ بن زيد بن جُدعان، عن عليّ بن الحسين بن عليّ، قال: أعلم اللَّه نبيّه وَالتّ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال اللّه: قد أخبرتك أني مزوّجكها، وتُخُفي في نفسك ما الله مبدیه. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وقد أطنب الترمذيّ الحكيم في تحسين هذه الرواية، وقال: إنها من جواهر العلم المكنون. وكأنه لم يقف على نفسير السدّيّ الذي أوردته، وهو أوضح سياقًا، وأصحّ إسنادًا إليه؛ لضعف عليّ بن زيد بن جدعان. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول اللَّه إن زينب اشتدّ عليّ لسانها، وأنا أريد أن أُطلقها، فقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: والنبيّ ◌َله يحبّ أن يُطلّقها، ويَخشى قالةً الناس. ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبريّ، ونقلها كثير من المفسّرين، لا ينبغي التشاغل بها(٢)، والذي أوردته منها هو المعتمد. (١) - راجع ((تفسير ابن كثير)٤٩٩/٣. )) تفسير سورة الأحزاب)). (٢) - وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): ذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير ههنا آثارًا عن بعض السلف أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحّتها، فلا نوردها انتهى. ١٦٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاح والحاصل أن الذي كان يُخفيه النبيّ وَ لّ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوّج امرأة ابنه، وأراد اللَّه إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوّج امرأة الذي يُدعَى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلّق الخشية. والله تعالى أعلم. وأخرج الترمذيّ، من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عائشة وتلتها ، قالت: «لو كان رسول اللَّه ◌َله، كاتما شيئا من الوحي، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يعني بالعتق، فأعتقته ﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإن رسول اللَّه ◌َليه لما تزوجها، قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِنُّ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وكان رسول اللَّه وَلّر تبناه، وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا، يقال له: زيد بن محمد، فأنزل اللَّه ﴿ اَدْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَفْسَطُ عِنْدَ الَّهُّ فَإن لَمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِى آلِينِ وَمَوَلِيكُمْ﴾ فلان مولی فلان، وفلان أخو فلان، ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٥] يعني أعدل. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب(١)، قد روي عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لو كان النبي ◌َّر، كاتما شيئا من الوحي، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ هذا الحرف، لم يرو بطوله. وقال ابن العربيّ: إنما قال رَّ لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ اختبارًا لما عنده من الرغبة فيها، أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النفرة التي نشأت من تعاظمها عليه، وبذاءة لسانها أذن له في طلاقها، وليس في مخالفة متعلّق الأمر لمتعلّق العلم ما يمنع من الأمر به. والله أعلم (٢). (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لِزَيْدٍ: ((اذْكُرْهَا عَلَيَّ))) يقال: ذكر المرأة: إذا خطبها. وقيل: تعرّض لخطبتها(٣). أي اخطبها لأجلي من نفسها، والتمس نكاحها لي. وإنما أرسل النبيّ وَّ زيدا؛ لئلا يظنّ أحدٌ أن ذلك وقع قهرًا بغير رضاه، وفيه أيضًا اختبار ما كان (١) - حديث ضعيف لأن في سنده داود بن الزبرقان متروك. (٢) - راجع ((الفتح)) ٩/ ٤٧٩ - ٤٨٠. (٣) - ذكر هذا المعنى ابن الأثير في ((النهاية))، وذكره أيضًا في ((لسان العرب)»، قال: وفي حديث عليّ رَائي: ((أن عليًّا يذكُرُ فاطمة)) أي يخطبها. وقيل: يتعرّض لخطبتها. انتهى. ١٦٥ ٢٦- (صَلَةُ الْمَرْأَةِ إِذاَ خُطِبَتْ، ... - حديث رقم ٣٢٥٢ عنده منها، هل بقي منه شيء، أو لا؟. والله تعالى أعلم(١). (قَالَ زَيْدٌ) رَّهِ (فَانْطَلَقْتُ) وفي رواية مسلم: ((فانطلق زيد، حتى أتاها، وهي تُحُمّر عَجِينها، قال: فلما رأيتها عظُمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول اللَّه وال﴿ل ذكرها، فولّيت ظهري، ونكصت على عَقِيي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول اللَّه ◌َل# يذكرك ... )) الحديث. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى هذا الكلام أنه لما خطبها النبيّ وَِّ، وعَلِمَ زيد أنها صالحة لأن تكون من أزواج النبيّ بيّلتر، ومن أمهات المؤمنين، حصل لها في نفسه صورة أخرى، وإجلالٌ زائدٌ على ماكان لها عنده في حال كونها زوجته، وتوليته إياها ظهره مبالغةٌ في التحرّز من رؤيتها، وصيانةٌ لقلبه من التعلّق بها، على أن الحجاب إذ ذاك لم يكن مشروعًا بعِدُ، على ما يدل عليه بقيّة الخبر انتهى(٢). (فَقُلْتُ: يَا زَيْتَبُ، أَبْشِرِي) بقطع الهمزة، وكسر الشين العجمة، من أبشر رباعيًّا، يقال: أَبْشَرَ الرجلُ إبشارًا: إذا فَرِحَ، قال الشاعر [من الخفيف]: ثُمَّ أَبْشَرْتُ إِذْ رَأَيْتُ سَوَامَا وَبُيُوتًا مَبْثُوثَةً وَ جِلَالَا أو بوصل الهمزة، وضمّ الشين المعجمة، وفتحها، من بَشَرْتُ بكذا، من باب نصر، وفَرِح: إذا فرحتَ به، ففيه ثلاث لغات، ويتعدّى أيضًا، فيقال: بَشَرتُهُ، من باب نصر، وبشّرته بالتضعيف، وأبشرته بالهمزة: إذا أفرحته. وإنما سميت البشارة به؛ لأن بَشَرَة الإنسان تنبسط عند السرور. أفاده في ((لسان العرب)). (أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يَذْكُرُكِ) أي يخطبك، وهذه الجملة علة لأمرها بالبشرى، أي افِرَحي لأنه ◌َّ خطبك (فَقَالَتْ) زينب رضي اللَّه تعالى عنها (مَا أَنَا بِصَائِعَةٍ شَيْئًا، حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَبِّي) أي أستخيره، وأنظر أمره على لسان رسول اللّه وَّرِ، فلماَ وَكَلَت أمرها إلى الله تعالى، وصحّ تفويضها إليه، تولّى اللَّه تعالى إنكاحها منه وَ لازل، ولم يُحوجها إلى من يتولّى عقد نكاحها، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكُهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، ولما أعلمه الله تعالى بذلك دخل عليها بغير وليّ، وتجديد عقد، ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطًا في حقنا، ومشروعًا لنا، وهذا من خصائصه وَّل اللاتي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين. قاله القرطبيّ(٣) (فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا) بفتح الجيم، وكسرها: أي موضع صلاتها من بيتها لتصلّي (١) - (راجع الفتح)) ٩/ ٤٨٠. ((تفسير سورة الأحزاب)). (٢) - ((المفهم)، ٤ / ١٤٦ . (٣) - ((المفهم))٤/ ١٤٧. ١٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ صلاة الاستخارة؛ لأنه # كان علمها ذلك، كما سيأتي في الباب التالي حديث جابر رَّم، كان رسول اللَّه وَاله يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن ... )) الحديث. قال النوويّ: ولعلّ استخارتها؛ لخوفها من التقصير في حقّه وَ﴾ (١). (وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) يعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّحْتَكَهَا﴾ الآية [سورة الأحزاب: ٣٧] (وَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ، فَدَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرٍ) أي بغير إذن منها؛ لأن الله تعالى زوجه إياها بهذه الآية الكريمة. زاد في رواية مسلم، من طريق بهز بن أسد، عن سليمان بن المغيرة، ما: لفظه: قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول اللّه وَالتير، أطعمنا الخبز واللحم، حین امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت، بعد الطعام، فخرج رسول اللَّه وَلتر، واتبعته، فجعل يتبع حُجَرَ نسائه، يسلم عليهن، ويَقُلْنَ: يا رسول اللَّه، كيف وجدت أهلك؟، قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا، أو أخبرني؟، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى السِّتْرَ بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: وَوُعِظ القومُ بما وُعِظُوا به. زاد ابن رافع في حديثه: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَخِىءٌ مِنَ الْحَقِّ﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢٥٢/٢٦- وفي ((الكبرى)) في ٥٣٩٩/٣٧ و((التفسير)) ١١٤١٠ و١١٤١١. وأخرجه (م) في ((النكاح»١٤٢٨ (أحمد) في (باقي مسند المكثرين)»١٢٦١١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة صلاة المرأة إذا خُطبت، مستخيرةً ربها، ودعاؤها عند الخطبة قبل الإجابة. (ومنها): استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير، أم لا. (ومنها): أن من (١) - ((شرح مسلم٩ ٢٢٩/٩ - ٢٣٠. ١٦٧ = ٢٦- (صَلَةُ الْمَرْأَةَ إِذاَ خُطِبَتْ، ... - حديث رقم ٣٢٥٣ وكل أمره إلى اللَّه تعالى يسّر اللَّه له ما هو الأحظّ له، والأنفع دنيا وأخرى. (ومنها): أنه لا بأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة له من كان زوجها سابقًا، إذا علم أنه لا يكره ذلك، كما كان حال زيد نَّ مع رسول اللّه وَله. (ومنها): فضل زينب رضي الله تعالى عنها، حيث زوّجها الله سبحانه وتعالى من رسوله وَلير، ولذلك كانت تفتخر على بقية أزواج النبيّ وَّر، فقد أخرج البخاريّ عن أنس رَّم، قال: إن زينب بنت جحش رضي اللّه تعالى عنها كانت تفتخر على أزواج النبيّ وَّه فتقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات)). وأخرج ابن جرير في ((تفسيره)) من طريق المغيرة، عن الشعبيّ، قال: كانت زينب رضي اللّه تعالى عنها، تقول: للنبيّ ◌َّ: إني لأُدلي عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تُدلي بهنّ: إن جدّي وجدّك واحد، وإني أَنكحنيك الله عز وجل من السماء، وإن السفير جبريلنَّالَّلهُ. انتهى (١). وهذا مرسل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٥٣- (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَخْتَى الصُّوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى ابْنُ طَهْمَانَ، أَبُو بَكْرِ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: كَانَتْ زَيْتَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَِّيِّ نَّهِ، تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْكَحَنِي مِنَ السَّمَاءِ، وَفِيهَا نَزَلَتْ آَيَّةُ الْحِجَابِ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مناسبة حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا لهذا الباب من حيث إن فيه إشارةً إلى أن سبب الفخر الذي نالته زينب رضي اللَّه تعالى عنها إنما حصل لها بسبب صلاتها، واستخارتها ربها، فلما التجأت إليه سبحانه وتعالى، تولّى أمرها بنفسه، فزوّجها من رسوله وَلته، وأنزل في شأنها قرآنًا يُتلى، فيستحبّ للنساء أن يقتدين بها حتى يحصل لهنّ ما حصل من البركة. والله تعالى أعلم. ورجال هذا إسناده: أربعة: ١- (أحمد بن يحيى) بن زكريا الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد، وهو ثقة [١١]١٢٧٤/٣٨ . ٢- (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الكوفيّ، الثقة الثبت [٩]٥١٦/١١. ٣- (عيسى بن طهمان) بن رامة الْجُشميّ -بضمّ الجيم، وفتح المعجمة- أبو بكر البصريّ، نزيل الكوفة، صدوق، أفرط ابن حبّان، والذنب فيما استنكره من حديثه لغيره [٥]. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة. وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن (١) - راجع تفسير ابن جرير ١٤/٢٢. ١٦٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ حنبل: ليس به بأس. وكذا قال ابن معين، والنسائيّ. وقال المفضّل الغلابيّ، عن ابن معين: بصريّ، صار إلى الكوفة ثقة، لقيه أبو النضر البغداديّ. وقال أبو حاتم: لا بأس به، يُشبه حديثه حديث أهل الصدق، ما بحديثه بأس. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال أبو داود: لا بأس به، أحاديثه مستقيمة. وقال مرّةً: ثقة. وقال الحاكم، عن الدار قطنيّ: ثقة. وقال ابن معين في رواية جعفر الطيالسيّ عنه: لا بأس به. وقال الحاكم: صدوق. وقال ابن حبّان: يتفرّد بالمناكير عن أنس، كأنه كان يدلّس عن أبان ابن عيّاش، ويزيد الرقاشيّ عنه، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال العقيليّ: لا يتابع على حديثه، ولعلّه أتي من خالد بن عبد الرحمن؛ لأن أبا نعيم، وخلّادًا -يعني ابن یحیی- قد حدثا عنه أحاديث مقاربة. ثم ساق له من رواية خالد عنه، عن أنس حدیثین: أحدهما: ((من وسّع لنا في مسجدنا هذا بنى الله له بيتا في الجثّة)). والثاني: أنه نَّ قال لعثمان: «أُزوجك خیرًا من بنت عمر، ویتزوّج بنت عمر خیرٌ منك)). وأورد له ابن حبّان عن أنس حديث: ((ارحموا ثلاثةً: عزيز قوم ذَلَّ ... )) الحديث. وقال الذهبيّ: مات قبل الستّين ومائة. روى له البخاريّ، والترمذيّ، في ((الشمائل))، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. والصحابيّ تقدم في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٦٣) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه ما بين كوفيين، وبصريين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عيسى بن طهمان رحمه اللَّه تعالى، أنه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: كَانَتْ زَيْتَبُ بِنْتُ جَخْشٍ) رضي اللَّه تعالى عنها (تَفْخَرُ) -بفتح الخاء المعجمة- يقال: فَخَرتُ به فَخْرًا، من باب نفع، وافتخرتُ مثله، والاسم الْفَخَار - بالفتح-، وهو المباهاةُ بالمكارم، والمناقب، من حَسَبٍ، ونَسَبٍ، وغير ذلك، إما في المتكلّم، أو في آبائه. قاله الفيّوميّ (عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ نَّه تَّقُولُ) هذا بيان لكيفية فخرها، والأمر الذي افتخرت به (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْكَحَنِي) أي زوّجني من النبيّ ◌َِّل (مِنَ السَّمَاءِ) أي أنزل ذلك منه. وفي لفظ للبخاريّ: ((إن اللّه أنكحني في السماء))، وزاد الإسماعيليّ من طريق الفريابيّ، وأبي قُتيبة، عن عيسى: ((أنتنّ أنكحكنّ آبَاؤكنّ)). ٢٦- (صَلَةُ الْمَرْأَةِ إِذاَ خُطِبَتْ، ... - حديث رقم ٣٢٥٣ ١٦٩ قال في ((الفتح)): وهذا الإطلاق محمول على البعض، وإلا فالمحقّق أن التي زوّجها أبوها منهنّ عائشة، وحفصة، فقط، وفي سودة، وزينب بنت خُزيمة، وجويرية احتمال، وأما أمّ سلمة، وأم حبيبة، وصفيّة، وميمونة، فلم يُزوّجْ واحدةً منهنّ أبوها. انتھی . وفي رواية له من طريق ثابت، عن أنس رَزّ: ((فكانت زينب تفخر على أزواج النبيّ وَّل، تقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات)). ووقع عند ابن سعد من وجه آخر، عن أنس بلفظ: ((قالت زينب يا رسول الله، إني لستُ كأحد من نسائك، ليست منهنّ امرأة إلا زوّجها أبوها، أو أخوها، أو أهلها غيري)). وسنده ضعيف. ومن وجه آخر موصول عن أم سلمة: ((قالت زينب ما أنا كأحد من نساء النبيّ وَّه إنّهنّ زُوَّجْنَ بالمهور، زوّجهنّ الأولياء، وأنا زوّجني اللَّه رسوله وَّل﴿، وأنزل الله في الكتاب)). وفي مرسل الشعبيّ: ((قالت زينب: يا رسول الله، أنا أعظم نسائك عليك حقًّا، أنا خيرهنّ مُنكحًا، وأكرمهنّ سَفِيرًا، وأقربهنّ رحمًا، فزوّجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك، وليس لك من نسائك قريبة غيري)). أخرجه الطبرانيّ، وأبو القاسم الطحاويّ في ((كتاب الحجّة والتبيان)) له. قاله في ((الفتح))(١). [تنبيه]: قال الكرمانيّ: قوله: ((في السماء)» ظاهره غير مراد، إذ اللَّه منزّة عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلوّ أشرف من غيرها أضافها إليه؛ إشارةً إلى علوّ الذات والصفات انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى: الحقّ أن هذا، وأمثاله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾، وكحديث ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة ... )) الحديث، يُحمل على ظاهره، مع اعتقاد التنزيه للّه تعالى عن مشابهة خلقه في صفاته، وقوله: إذ الله منزه عن الحلول في المكان صحيح، لكن لا يلزم من إثبات هذه الصفات له الحلول في المكان؛ وإنما يأتي هذا التخيّل من قياس الغائب بالشاهد، فالله سبحانه وتعالى له صفاته اللائقة به، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم. (وَفِيهَا) أي في شأن زواج زينب رضي اللَّه تعالى عنها (نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ) أي قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، ففي رواية البخاريّ من رواية (١) - ((فتح١٥٤/ ٣٧١ ((كتاب التوحيد)). ١٧٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكاح أَبِي قلابة، قال: أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، آية الحجاب، لَمّا أُهديت زينب بنت جحش، وَّها، إلى رسول اللّه وَلغيره، كانت معه في البيت، صنع طعاما، ودعا القوم، فقعدوا يتحدثون، فجعل النبي وَّ يخرج، ثم يرجع، وهم قعود يتحدثون، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ﴾، فضرب الحجاب، وقام القوم. وفي رواية له من عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس تَظمي، قال: بُنِيَ على النبي ◌ِّ، بزينب بنت جحش، بخبز ولحم، فَأَرْسِلتُ على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم، فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه، قال: ((ارفعوا طعامكم))، وبقي ثلاثة رهط، يتحدثون في البيت، فخرج النبي وَلهر، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: ((السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله))، فقالت: وعليك السلام ورحمة اللَّه، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك، فتَقَرَّى حُجَر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ◌ََّ، فإذا ثلاثة من رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي وَ* شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري آخبرته، أو أُخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتىٍ إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة، وأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب. [تنبيه]: وقع في رواية مجاهد، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها لنزول آية الحجاب سبب آخر، أخرجه المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) رقم - ١١٤١٩- ولفظه: ((قالت: كنت آكل مع النبيّ وَّ حَيسًا في قَعْبٍ، فمر عمر تَظَلُه ، فدعاه، فأكل، فأصابت أصبعه أصبعي، فقال: حَسّ -أو أوّه- لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عين، فنزل الحجاب)). ويمكن الجمع -كما قال الحافظ- بأن ذلك وقع قبل قصّة زينب، فلقربه منها أُطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدّد الأسباب. وقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: دخل رجلٌ على النبيّ وَلّ، فأطال الجلوس، فخرج النبيّ وَّر ثلاث مرّات؛ ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر رَّ ، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلّك آذيت النبيّ وَ﴿، فقال النبيّ ◌َّ: ((لقد قمتُ ثلاثًا؛ لكي يتبعني، فلم يفعل))، فقال له عمر تزا﴾: يا رسول اللّه، لو اتخذت حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، ٢٧- (کیف الاستخارة؟) - حديث رقم ٣٢٥٤ = ١٧١ فنزلت آية الحجاب. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢٥٣/٢٦ - وفي («الكبرى»٥٤٠٠/٣٧ و٥٤٠١ . وأخرجه (خ) في ((التوحيد)» ٧٤٢٠ و٧٤٢١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)»١٢٩٤٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): فضل النبيّ وَله، وما خصّه اللَّه تعالى به من المزايا الرفعية، ومنها أنه زوّجه زينب رضي اللَّه تعالى عنها في السماء، وليس هناك صداق، ولا ما يُتطلّب في عقد النكاح. (ومنها): بيان منقبة زينب رضي اللّه تعالى عنها، كما بيّنت هي ذلك حيث قالت: ((إن الله عز وجل أنكحني من السماء)). (ومنها): بيان سبب نزول آية الحجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٢٧- (كَيْفَ الاسْتِخَارَةُ؟) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الاستخارة)): استفعالٌ من الخير، أو من الْخِيرة - بكسر أوّله، وفتح ثانيه، بوزن الْعِنْبَة - اسم من قولك خار اللَّه له، واستخار اللَّه: طلّب منه الخِيّرَة، وخار اللَّه له: أعطاه ما هو خيرٌ له، والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٥٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْمَوَالِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِهِ يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ، فِي الْأُمُورِ كُلُّهَا، كَمَا (١) - ((فتح)٤٨٨/٩ ((كتاب التفسير)). ١٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: ((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ، مِنْ غَيْرِ الْقَرِيضَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَعِينُكَ بِقُذْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنَ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، وَلَا أَقْدِرُ، وَتَغْلَمُ، وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِيٍ، وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي)) - أَوْ قَالَّ -: ((فِي عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدِرَهُ لِي، وَيَسْرَهُ لِيٍ، ثُمَّ بَارِكُ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَّا الْأَمْرَ، شَرِّ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي)) -أَوْ قَالَ- ((فِيِ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ، حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِيَ بِهِ))، - قَالَ -: ((وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١. ٢- (ابن أبي الموال) -بفتح الميم، وتخفيف الواو، بصيغة جمع مولى- وهو عبد الرحمن بن أبي الموال واسمه زيد، ويقال: زيد جدّ عبد الرحمن، وأبوه لا يعرف اسمه، أبو محمد، مولى آل عليّ، صدوق ربما أخطأ [٧]. قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال الترمذيّ، والنسائيّ: ثقة. وكذا قال الدُّوريّ، عن ابن معين، والآجرّيّ، عن أبي داود. وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): يُخطىء. وقال أبو طالب، عن أحمد: كان يروي حديثًا منكرًا عن ابن المنكدر، عن جابر في الاستخارة، ليس أحدٌ يرويه غيره. قال: وأهل المدينة يقولون، إذا كان حديث غلط: ابن المنكدر، عن جابر. وأهل البصرة يقولون: ثابتٌ، عن أنس، يحملون عليهما. وقال ابن عديّ: ولعبد الرحمن غير ما ذكرت، وهو مستقيم الحديث، والذي أُنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غيرُ واحد من الصحابة، كما رواه ابن أبي الموال انتهى. وقد جاء من رواية أيوب، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهم، وليس في حديث منهم ذكر الصلاة إلا في حديث أبي أيوب، ولم يُقيّده بركعتين، ولا بقوله: ((من غير الفريضة)). وذكر في ((الفتح)): ما حاصله: عبد الرحمن من ثقات المدنيين، وكان يُنسب إلى ولاء آل عليّ بن أبي طالب، وخرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن في زمن المنصور، فلما قُتل محمد حُبس عبد الرحمن المذكور بعد أن ضُرب. وقد وثّقه ابن معين، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم. وذكره ابن عديّ في ((الكامل)) في الضعفاء، وأسند عن أحمد بن حنبل أنه قال: كان محبوسًا في المطبق حين هُزِمَ هؤلاء - يعني بني ١٧٣ ٢٧ - (کیفَ الاستخارة؟) - حديث رقم ٣٢٥٤ حسن- قال: وروى عن محمد بن المنكدر، عن جابر حديث الاستخارة، وليس أحدٌ يرويه غيره، وهو منكر، وأهل المدينة إذا كان الحديث غلطًا يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، كما أن أهل البصرة يقولون: ثابتٌ عن أنس، يحملون عليهما. وقد استشكل الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) هذا الكلامَ، وقال: ما عرفتُ المراد به، فإن ابن المنكدر، وثابتًا ثقتان، متّفقٌ عليهما. قال الحافظ: يظهر لي أن مرادهم التهكّم، والنكتة في اختصاص الترجمة للشهرة والكثرة. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي فسّر به الحافظ كلام الإمام أحمد غير واضح، وأحسن تفسير لكلامه، وأوضحه ما ذكره الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذيّ)»، ونصّه: ومراد أحمد بهذا كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيّىء الحفظ والمجهولين منهم، فإنه كثرت الرواية عن ثابت من هذا الضرب، فوقعت المنكرات في حديثه، وإنما أَتِيَ من جهة من روى عنه من هؤلاء. ذكره هذا المعنى ابن عديّ وغيره. ولما اشتهر رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت، عن أنس صار كلّ ضعيف، وسيء الحفظ إذا روى حديثًا عن ابن المنكدر يجعله عن جابر، عن النبيّ وَّرَ، وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس، عن النبيّ وَّر. هذا معنى كلام الإمام أحمد، والله أعلم. انتهى(١). ونظمت ذلك في ((ألفيّة العلل)) بقولي: غَلَطُهُمْ يُغْزَى لَدَى الرِّوَايَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ ذَوُو الْمَدِيئَةِ لِجَابِرٍ كَذَاكَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ لِوَلَدٍ الْمُنْكَدِرِ الرَّاوِيَةِ فَلْتَعْلَمَنْ بِالضَّابِطِ الْمُؤَسَّسِ يَعْزُونَهُ لِثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ فِي الْبَلْدَتَيْنِ عَنْ كِلَيْهِمَا جَرَى تَفْسِيرُهُ کَوْنُ الطَّرِيقِ اشْتَهَرَا يَغْزُونَهُ بِحُمْقِهِمْ لِجَابِرٍ فَمَا رَوَوْا لِوَلَدِ الْمُنْكَدِرِ لأَنَسِ عَزَوْهُ فَاقْهَمْ يَا فُلُ كَذَاكَ مَا عَنْ ثَابِتٍ قَدْ نَقَلُوا قال: ثم ساق ابن عديّ لعبد الرحمن أحاديث، وقال: هو مستقيم الحديث، والذي (١) - (شرح علل الترمذيّ)) ٦٩٣/٢ - ٦٩٤ بتحقيق الدكتور همام عبدالرحيم سعيد. ١٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ أُنكر عليه حديث الاستخارة. وقد رواه غير واحد من الصحابة كما رواه ابن أبي الموال. قال الحافظ: يريد أنّ للحديث شواهدَ، وهو كما قال، مع مشاححة في إطلاقه. قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموال، وهو مدنيّ ثقة، روى عنه غيرُ واحد، وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي أيّوب. قال الحافظ: وجاء أيضًا عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر. فحديث ابن مسعود أخرجه الطبرانيّ، وصححه الحاكم، وحديث أبي أيوب أخرجه الطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وحديث أبي سعيد، وأبي هريرة أخرجهما ابن حبّان في («صحيحه))، وحديث ابن عمر، وابن عبّاس حديث واحدٌ، أخرجه الطبرانيّ من طريق إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن عطاء، عنهما، وليس في شيء منها ذكر الصلاة، سوى حديث جابر، إلا أن لفظ أبي أيوب: ((اكتم الخطبة، وتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلّ ما كتب الله لك ... )) الحديث، فالتقييد بركعتين خاصّ بحديث جابر. وجاء ذكر الاستخارة في حديث سعد رفعه: ((من سعادة ابن آدم استخارته اللَّه)). أخرجه أحمد، وسنده حسن، وأصله عند الترمذيّ، لكن بذكر الرضا والسخط، لا بذكر الاستخارة. ومن حديث أبي بكر الصّدّيق ◌َّهِ: ((أن النبيّ ◌َّ كان إذا أراد أمرًا قال: اللَّهمّ خِزْ لي، واختر لي)). أخرجه الترمذيّ، وسنده ضعيف. وفي حديث أنس ◌َظه ، رفعه: ((ما خاب من استخار ... )) الحديث، أخرجه الطبرانيّ في ((الصغير)) بسند واهٍ جدًّا. انتھی(١). وقال قتيبة: مات سنة (١٧٣). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣- (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير- بالتصغير- التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣]١٣٨/١٠٣. ٤- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَّمَيّ الصحابي ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (١) - ((فتح)) ١٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨ ((كتاب الدعوات)). ١٧٥ === ٢٧- (کیفَ الاستخارة؟) - حدیث رقم ٣٢٥٤ (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٦٥) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، ثم مصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُتْكَدِرِ) وقع في رواية للبخاريّ في ((التوحيد)) من طريق معن بن عيسى، عن عبد الرحمن: ((سمعت محمد بن المنكدر يُحدّث عبد الله بن الحسن - أي الحسن بن عليّ بن أبي طالب- يقول: أخبرني جابر السَّلَميّ))، وهو - بفتح السين المهملة، واللام- نسبة إلى بني سَلِمَة - بكسر اللام - بطنٌ من الأنصار. وعند الإسماعيليّ من طريق بشر بن عُمير: ((حدّثني عبد الرحمن سمعت ابن المنكدر حدثني جابر)) . (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ) وفي رواية البخاريّ، من طريق معن المذكورة: ((يُعلّم أصحابه))، وكذا في طريق بشر بن عُمير)) (فِي الْأُمُورِ كُلُّهَا) قال ابن أبي جمرة: هو عامّ أُريد به الخصوص، فإن الواجب، والمستحبّ لا يُستخار في فعلهما، والحرام، والمكروه، لا يُستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح، وفي المستحبّ إذا تعارض منه أمران ، أيهما يبدأبه، ويقتصر عليه. قال الحافظ: وتدخل الاستخارة فيما عدا ذلك في الواجب، والمستحبّ المخيّر، وفيما كان زمنه موسّعًا، ويَتناول العمومُ العظيمَ من الأمور، والحقير، فربّ حقير يترتّب عليه الأمر العظيم(١). (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي يعتني بشأن الاستخارة؛ لعظم نفعها، وعمومه، كما يعتني بالسورة. وقال في ((الفتح)): قيل: وجه التشبيه عموم الحاجة في الأمور كلّها إلى الاستخارة، كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة. ويحتمل أن يكون المراد ما وقع في حديث ابن مسعود تَّه في التشهد: ((علّمني رسول اللّه وَلّ التشهد كفّي بين كفّيه)). أخرجه البخاريّ. في ((الاستئذان)). وفي رواية الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود وَزّ: ((أخذتُ التشهد من في رسول اللَّه وَّل كلمةً كلمةً)). أخرجها الطحاويّ. وفي رواية سلمان نحوه، وقال: ((حرفًا حرفًا)). أخرجه الطبرانيّ. وقال ابن أبي جمرة: التشبيه في تحفّظ حروفه، وترتّب كلماته، ومنع الزيادة والنقص (١) - ((فتح) ١٢ /٤٧٨. ١٧٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح منه، والدرس له، والمحافظة عليه. ويحتمل أن يكون من جهة الاهتمام به، والتحقيق لبركته، والاحترام له. ويحتمل أن يكون من جهة كون كلّ منهما عُلم بالوحي. قاله في ((الفتح)). (يَقُولُ) زاد عند أبي داود: ((لنا»، والجملة بيان لقوله: ((يعلّمنا الاستخارة)» (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ) قال ابن أبي جمرة ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهمّة، ثمّ اللَّمَّة، ثمّ الْخَطْرَةِ،، ثمّ النّيّة، ثمّ الإرادة، ثمّ العزيمة. فالثلاثة الأُوَلُ لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاثة الأخر، فقوله: ((إذا هم)) يُشير إلى أوّل ما يَرِدُ على القلب، يستخير، فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكّن الأمر عنده، وقَوِيت فيه عزيمته وإرادته، فإنه يَصير إليه له ميلٌ، وحُبّ، فيُخشى أن يَخفى عنه وجه الأرشديّة؛ لغلبة میله إليه. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالهمّ العزيمة؛ لأن الخاطر لا يثبت، فلا يستمرّ إلا على ما يقصد التصميم على فعله، وإلا لو استخار في كلّ خاطر لاستخار فيما لا يُعبأ به، فتضيع عليه أوقاته. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأول بعيدٌ جدًّا عن معنى الحديث، فلا ينبغي الالتفات إليه، بل الاحتمال الثاني هو المتعيّن، ويؤيّده ما وقع في حديث ابن مسعود رَظّ: ((إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل)). والله تعالى أعلم. (فَلْيَزْكَع) الأمر فيه للندب، كما سيأتي تحقيقه في ((المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى (رَكْعَتَيْنِ) هذا يقيّد مطلق حديث أبي أيّوب حيث قال: ((صلّ ما كتب اللَّه لك)). قال في ((الفتح): ويمكن الجمع بأن المراد أنه لا يقتصر على ركعة واحدة؛ للتنصيص على الركعتين، ويكون ذكرهما على سبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، فلو صلّى أكثر من ركعتين أجزأه. والظاهر أنه يشترط إذا أراد أن أن يزيد على الركعتين أن يُسلّم من كلّ ركعتين ليحصل مسمّى ركعتين، ولا يُجزىء لو وصل أربعًا بتسليمة، وكلام النوويّ يُشعر بالإجزاء انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: (ویمکن الجمع الخ)) فیه نظر لا يخفى، بل الظاهر تقييد المطلق في حديث أبي أيوب بهذا الحديث، وأما دلالته على جواز أكثر من رکعتین فبعيدة، فتنبه. والحاصل أن السنّة أن يقتصر على الركعتين، كما هو المنصوص عليه في حديث الباب. والله تعالى أعلم. ١٧٧ ٢٧ - (كَيفَ الاسْتِخَارة؟) - حديث رقم ٣٢٥٤ (مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلاً. ويحتمل أن يريد بالفريضة عينها وما يتعلّق بها، فيُحترز عن الراتبة، كركعتي الفجر مثلاً. وقال النوويّ في ((الأذكار)): لو دعا بدعاء الاستخارة عقب صلاة الظهر مثلاً، أو غيرها من النوافل الراتبة، والمطلقة، سواء اقتصر على ركعتين، أو أكثر أجزأ. قال الحافظ: كذا أطلق، وفيه نظر. ويظهر أن يقال: إن نوى تلك الصلاة بعينها، وصلاة الاستخارة معًا أجزأ، بخلاف ما إذا لم ينو، ويفارق صلاة تحيّة المسجد؛ لأن المراد بها شَغْلُ البقعة بالدعاء(١)، والمراد بصلاة الاستخارة أن يقع الدعاء عقبها، أو فيها، ويبعد الإجزاء لمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة؛ لأن ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الأمر. وأفاد النوويّ أنه يقرأ في الركعتين الكافرون والإخلاص. قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)»: لم أقف على دليل ذلك، ولعله ألحقها بركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب، قال: ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الإخلاص والتوحيد، والمستخير محتاج لذلك. قال: والمناسب أن يقرأ فيهما مثل قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارٌ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . وقال الحافظ: والأكمل أن يقرأ في كلّ منهما السورة، والآية الأوليين في الأولى، والأخريين في الثانية انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قالوه يحتاج إلى دليل، فإن ثبت قلنا به، وإلا فالأمر واسع، لا تقييد فيه بشيء مما ذُكر. فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ يَقُولُ) هذا ظاهر في كون الدعاء بعد تمام الصلاة. قال في ((الفتح)): ثم هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء. ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء، فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود، أو التشهّد. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأولى عندي أن يكون الدعاء بعد التسليم من الصلاة؛ لأن ((ثم)) ظاهرة في الترتيب والمهلة، فيكون معنى المهلة هنا أن يؤخر الدعاء عن الصلاة. والله تعالى أعلم. [فائدة]: قال ابن أبي جمرة رحمه اللّه تعالى: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء (١) - هكذا نسخة ((الفتح))، والظاهر أن الصواب: ((شغل البقعة بالصلاة)). والله تعالى أعلم. ١٧٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجح من الصلاة؛ لما فيها من تعظيم اللَّه، والثناء عليه، والافتقار إليه مآلاً وحالاً انتهى(١). (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ) الباء للتعليل، أي لأنك أعلم، وكذا قوله: ((بقدرتك)). ويحتمل أن تكون للاستعانة، كقوله: ﴿بِسْمِ اَللَّهِ مَجْرِبِهَا﴾. ويحتمل أن تكون للاستعطاف، كقوله: ﴿قَالَ رَبٍ بِمَّا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ الآية (وَأَسْتَعِينُكَ بِقُدْرَتِكَ) أي أطلب منك العون على ذلك، إن كان خيرًا. وفي نسخة، وهو الذي عند البخاريّ: ((وأستقدرك بقدرتك)). أي أطلب منك أن تجعل لي على ذلك قدرةً. ويحتمل أن يكون المعنى: أطلُبُ منك أن تقدّره لي، والمراد بالتقدير التيسير. (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيم) أي أسألك ذلك لأجل فضلك العظيم، لا لاستحقاقي ذلك، ولا لوجوبه عليك، فَمفعول ((أسأل)) محذوف، و((من)) تعليليّةٌ. ويحتمل أن تكون ((من)) زائدة، و((فضلك)) مفعول به، أي أسألك فضلك العظيم في هذه الحاجة، وغيرها . (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ) بضمّ الدال، وكسرها، من بابي قتل، وضرب. ويقال: قَدَرَ اللَّه تعالى ذلك عليه يَقْدُرُه -بالضمْ- ويَقْدِرُهُ -بالكسر - قَدْرًا -بفتح، فسكون-، وقَدَرًا - بالتحريك-، وقدّر عليه -بالتشديد- تقديرًا، كلّ ذلك بمعنى (٢) واستَقْدَرَ اللَّهَ خيرًا: سأله أن يُقَدِّرَ له به، قال الشاعر [من البسيط]: فَاسْتَقْدِرِ اللَّهَ خَيْرًا وَارْضَيَنَّ بِهِ فَبَيْئَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ أفاده في ((القاموس)) و ((شرحه)). (وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ، وَلَا أَعْلَمُ) فيه إشارة إلى أن العلم والقدرة لله وحده، وليس للعبد من ذلك إلا ما قدر الله له، وكأنه قال: أنت يا ربّ تقدر قبل أن تخلُق فيّ القدرةَ، وعند ما تخلقها فيّ، وبعد ما تخلقها (وَأَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق معن، عن ابن أبي الموال: ((اللَّهمّ فإن كنت تعلم هذا الأمرَ))، وزاد أبو داود في رواية عبد الرحمن بن مقاتل، عن عبد الرحمن بن أبي الموال: ((الذي يريد)»، وزاد في رواية معن: ((ثمّ يسمّيه بعينه))، وقد ذكر ذلك في آخر الحديث في الباب. قال في ((الفتح)): وظاهر سياقه أن ينطق به. ويحتمل أن يكتفي باستحضاره بقلبه عند (١) - ((راجع («الفتح» ١٢ /٤٨٠. (٢) - أي حكم، وقضى، ويسّر. ٢٧- (كَيفَ الاسْتِخَارة؟) - حديث رقم ٣٢٥٤ ١٧٩ = الدعاء، وعلى الثاني تكون الجملة حاليّةً، والتقدير: فليدع مسمّيًا حاجته. وقوله: ((إن كنت)) استشكل الكرمانيّ الإتيان بصيغة الشكّ هنا، ولا يجوز الشكّ في كون اللَّه عالمًا. وأجاب بأن الشكّ في أن العلم متعلّقٌّ بالخير، أو الشرّ، لا في أصل العلم انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأولى مما قاله الكرمانيّ أن تكون ((إن)) هنا للتأكيد، لا للشكّ، كما يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فلا تفعل كذا، فإنه لا يشكّ في كونه ابنه، وإنما مراده التأكيد في الانتهاء عن ذلك الفعل؛ لأن كونه ابنه يوجب عليه طاعة أمره، كما أن كونه أباه يوجب أن يكون أعلم بمصالح ولده، فاستحقّ بذلك عدم مخالفته له. وقد قال جمهور النحاة في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُم مُؤْمِنِينَ﴾ : إنه شرط جيء به للتهييج والإلهاب. قاله ابن هشام في ((مغنيه))(٢). فيكون المراد هنا توكيده طلبه من اللَّه تعالى أن يُيَسِّر ما أراده، حيث إنه سبحانه وتعالى أعلم بمصالح عبده، والعبد لا علم له بشيء منها. ويحتمل أن تكون ((إن)) بمعنى ((قد))، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، أي قد نفعت، قاله ابن الأعرابيّ، وقال أبو العبّاس: العرب تقول: إن قام زيد بمعنى قد قام زيد. وقال الكسائيّ: وسمعتهم يقولونه، فظننته شرطًا، فسألتهم، فقالوا: زيد قد قام نريد، ولا نريد ما قام زيد. وروى المنذريّ عن ابن اليزيديّ، عن أبي زيد أنه تجيء ((إن)) في موضع ((لقد))، مثل قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾ المعنى لقد كان، من غير شكّ من القوم، ومثله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، و﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]. ذكره في ((التاج))(٣). فيكون المعنى هنا: اللَّهم قد كنت تعلم الخ، فلكونك عالمًا بأصلح الأمر لي أسألك أن تيسره لي. والله تعالى أعلم. (خَيْرٌ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي) زاد في رواية أبي داود: ((ومعادي))، وهو يؤيّد أن المراد بالمعاش الحياة. ويحتمل أن يريد بالمعاش ما يُعاش فيه، ولذلك وقع في حديث ابن مسعود في بعض طرقه عند الطبرانيّ في ((الأوسط)) ((في ديني، ودنياي))، وفي حديث أبي أيوب عند الطبرانيّ ((في دنياي، وآخرتي))، زاد ابن حبّان في روايته (١) - ((فتح) ١٢ / ٤٨٠. ((كتاب الدعوات)). (٢) - راجع ((مغني اللبيب٢٦/١٨ تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد. (٣) - (تاج العروس في شرح القاموس)) ١٢٩/٩ .. = ١٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ ((وديني))، وفي حديث أبي سعيد ((في ديني، ومعيشتي)). (وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ -: ((فِي عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ) هو شكّ من الراوي، ولم تختلف الطرق في ذلك، واقتصر في حديث أبي أيوب على ((عاقبة أمري))، وكذا في حديث ابن مسعود، وهو يؤيّد أحد الاحتمالين في أن العاجل والآجل مذكوران بدل الألفاظ الثلاثة، أو بدل الأخيرين فقط، وعلى هذا فقول الكرمانيّ: لا يكون الداعي جازمًا بما قال رسول اللَّه ◌َ له، إلا إن دعا ثلاث مرّات يقول مرّةً ((في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري)»، ومرّةً ((في عاجل أمري وآجله))، ومرّةً ((في ديني، وعاجل أمري وآجله)). قال الحافظ: ولم يقع ذلك أي الشكّ في حديث أبي أيوب، ولا أبي هريرة أصلاً. (فَاقْدِرْهُ لِي) قال أبو الحسن القابسيّ: أهل بلدنا يكسرون الدال، وأهل المشرق يضمّونها. انتهى. ومعناه: اجعله مقدورًا لي، أو قدّره من التقدير. وقال الشيخ شهاب الدين القرافيّ في ((كتاب أنوار البروق)): يتعيّن أن يُراد بالتقدير هنا التيسير، فمعناه فيسّره(١) (وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ، شَرٌّ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي) قال السنديّ: ينبغي أن يجعل الواو هنا بمعنى ((أو))، بخلاف قوله: خير في كذا وكذا، فإن هناك على بابها؛ لأن المطلوب حين تيسّره أن يكون خيرًا من جميع الوجوه، وأما حين الصرف، فيكفي أن يكون شرًّا من بعض الوجوه انتهى(٢) (وَعَاقِيَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ- «فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاضرِفُهُ عَنِي، وَاضرِقْنِي عَنْهُ) أي حتى لا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه متعلّقًا به. (وَاقْدُزْ لِي) بسكون الياء، وفتحها؛ لأن ياء المتكلّم يجوز بناؤها على السكون، وهو الأصل، وعلى الفتح تخفيفًا (الْخَيْرَ، حَيْثُ كَانَ) وفي حديث أبي سعيد بعد قوله: ((واقدر لي الخير أينما كان))، ((ولا حول ولا قوّة إلا بالله)). (ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ))) وفي رواية: ((ثم رضّني به)) بتشديد الضاد المعجمة، أي اجعلني راضيًا به. وفي بعض طرق حديث ابن مسعود عند الطبرانيّ في ((الأوسط)): ((ورضّني بقضائك)). وفي حديث أبي أيوب: ((ورضّني بقدرك)). والسرّ فيه أن لا يبقى قلبه متعلّقًّا به، فلا يطمئن خاطره، والرضا سكون النفس إلى القضاء (قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أي ينطق بلسانه معيّنًا حاجته التي يستخير فيها عند قوله: ((أن هذا الأمر الخ))، كما سبق بيانه، وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد استحضاره بقلبه عند الدعاء، والأول أولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) - راجه ((زهر الربى» ٨١/٦. (٢) - ((شرح السندي٤ّ ٦/ ٨١.