النص المفهرس

صفحات 121-140

١٧ - (إِيَاحَةُ النَّظَرِ قَبَلَ التَّزويج) - حديث رقم ٣٢٣٥
١٢١=
وقال الغزاليّ في ((الإحياء)»: اختلف في المراد بقوله: ((شيئًا»، فقيل: عَمَشٌ. وقيل:
صغرٌ. قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في ((مستخرجه))، فهو المعتمد
انتھی(١).
وزاد مسلم من رواية يحيى بن معين، عن مروان بن معاوية: قال: قد نظرتُ إليها،
قال: ((على كم تزوّجتها؟))، قال: على أربع أواقٍ، فقال النبيّ وَلّ: ((على أربع أواق؟،
كأنما تَنْحتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل، ما عندنا ما نُعطيك، ولكن عسى أن نبعثك
في بعثٍ، تُصيب منه))، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم.
وقوله: ((من عُرض الخ)) العرض -بضم المهملة، فسكون الراء -: هو الجانب
والناحية. و(تنحتون)) -بكسر الحاء المهملة -: أي تقطعون.
ومعنى هذا الكلام: كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج(٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا الإنكار منه والقر على هذا الرجل المتزوّج على
أربعة أواق ليس إنكارًا لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه ◌َ لقر قد أصدق نساءه
خمسمائة درهم، وأربعةُ أواق مائة وستّون درهمًا، وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل،
فإنه كان فقيرًا في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقّة تَعَرَّضَ للسؤال بسببها، ولذلك
قال له: ((ما عندنا ما نعطيك))، ثم إن النبيّ وَلقول بكرم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبر
منكسر قلبه بقوله: ((ولكن عسى أن نبعثك في بعث، فتُصيب منه)). يعني سريّةً في
الغزو، فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبيّ وَّر انتهى (٣).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٧ /٣٢٣٥، و٣٢٤٧/٢٣ و٣٢٤٨- وفى («الكبرى»٥٣٤٥/١٧ و١٨/
٥٣٤٧ و٥٣٤٨. وأخرجه (م) في ((النكاح)) ١٤٢٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)»
٧٧٨٣ و٧٩١٩ . والله تعالى أعلم.
(١) - ((فتح) ١٠/ ٢٢٧.
(٢) - ((شرح النوويّ على مسلم ٩/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٣) - ((المفهم٩ ١٢٦/٤ - ١٢٧ .

=
١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاح
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو إباحة نظر الخاطب مخطوبته
قبل أن يتزوّجها؛ وذلك ليكون داعيًا لنكاحها، أو دافعًا لتركها، كما بينه وَّ في
الحديث التالي بقوله: ((فإنه أجدر أن يُؤْدَم بينكما)). (ومنها): أن هذا مما يُستثى من
تحريم نظر وجه الأجنبيّة للضرورة. (ومنها): أن فيه فضلَ الشريعة السمحة، وإحكام
توجيهاتها، حيث تراعي مصالح العباد التي تنتظم بها معاشهم، ومعادهم، من غير
حصول ندم، وتحسّر على الفائت، فإن الذي يتسارع إلى نكاح امرأة من غير نظر إليها،
وتروّ في شأنها كثيرًا ما يقع في عكس مراده، إذا لم تعجبه المرأة، ولم تنبسط نفسه
إليها، فيؤدي ذلك إلى فراقها، وإلحاق الضرر بها بقطع أطماعها، فتلافيًا لمثل هذه
الأخطار شرع الشارع الحكيم النظر إلى المخطوبة قبل النكاح، وإن كانت أجنبيّة دفعًا
لأشدّ المفسدتين بأخفّهما. فما أجمل هذا التشريع، وما أحكمه؟. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم النظر إلى المرأة قبل النكاح:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: ذهب مالك، وأبو حنيفة، وسائر الكوفيين،
والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، إلى استحباب التظر إلى من يريد تزويجها.
وحكى القاضي عياض عن قوم كراهته، وهذا خطأ، مخالفٌ لصريح هذا الحديث،
ومخالفٌ لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع، والشراء، والشهادة،
ونحوها .
قال: ثمّ إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها، وكفّيها فقط؛ لأنهما ليسا بعورة، ولأنه
يُستدلّ بالوجه على الجمال، أو ضدّه، وبالكفّين على خُصُومة البدن، أو عدمها. قال:
هذا مذهبنا، ومذهب الأكثرين. وقال الأوزاعيّ: ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داود:
ينظر إلى جميع بدنها. وهذا خطأ ظاهرٌ، منابذ لأصول السنّة، والإجماع.
قال: ثم مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور أنه لا يُشترط في جواز النظر
رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدّم إعلام. لكن قال مالك: أكره نظره في
غفلتها، مخافة وقوع نظره على عورة. وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا
بإذنها. وهذا ضعيفٌ؛ لأن النبيّ وَ ﴿ قد أذن في ذلك مطلقًا، ولم يشترط استئذانها؛
ولأنها تستحيي غالبًا من الإذن، ولأن في ذلك تغريرًا، فربما رآها، فلم تُعجبه،
فيتركها، فتنكسر، وتتأذى. ولهذا قال أصحابنا: يستحبّ أن يكون نظره إليها قبل
الخِطبة، حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء، بخلاف ما إذا تركها بعد الخِطبة. انتهى

١٧ - (إِيَاحَةُ النَّظَرِ قَبَلَ التَّزويج) - حديث رقم ٣٢٣٥
-١٢٣
كلام النوويّ.
قال الجامع عفا للّه تعالى عنه: الحقّ أن النظر جائز، مطلقًا، فتقييد النظر بالوجه
والكفّين مخالفٌ لظاهر الحديث، وبهذا يقول داود، وابن حزم، وهو رواية عن أحمد
أيضًا، قال ابن القيّم في (تهذيب السنن)) وقال: داود: ينظر إلى سائر جسدها، وعن
أحمد ثلاث روايات: إحدهنّ ينظر إلى وجهها ويديها. والثانية: ينظر ما يظهر غالبًا،
كالرقبة، والساقين، ونحوهما. والثالثة: ينظر إليها كلها عورة، وغيرها، فإنه نصّ عن
أحمد على أنه يجوز أن ينظر إليها متجرّدة. انتهى(١).
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)): قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس
أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد، وجسم، ونحو ذلك. قال أبو بكر -
يعني المروزيّ -: لا بأس أن ينظر إليها عند الخِطبة حاسّرةً.
قال: ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالبًا أن النبيّ وَّ لَمّا أذن في النظر إليها من غير
علمها، عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادةً؛ إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع
مشاركة غيره له في الظهور؛ ولأنه يظهر غالبًا، فأبيح النظر إليه كالوجه؛ ولأنها امرأة
أبيح النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم انتهى (٢).
وقال أبو محمد بن حزم رحمه اللَّه تعالى في ((المحلّى)): ومن أراد أن يتزوّج امرأةً
حرّةً، أو أمة فله أن ينظر منها متغفّلاً لها، وغير متغفّلِ إلى ما بطن منها، وظهر. قال:
وقد اختلف الناس في ذلك، فصح عن ابن عمر إباحة النظر إلى ساقها، وبطنها،
وظهرها، ويضع يده على عجزها، وصدرها، ونحو ذلك عن عليّ، ولم يصحّ عنه،
وصحّ عن أبي موسى الأشعريّ إباحة النظر إلى ما فوق السرّة، ودون الركبة انتهى (١).
والحاصل أن الصواب إطلاق الجواز، فقد أخرج أحمد في ((مسنده)) ما هو صريح
في إطلاق الجواز، وإن كانت غافلة، فقال رحمه الله تعالى:
حدثنا أبو كامل، حدثنا زهير، حدثنا عبد الله بن عيسى، حدثني موسى بن عبد الله
ابن يزيد، عن أبي حميد، أو أبي حميدة -قال: وقد رأى رسول اللَّه وَلّ- قال: قال
رسول اللَّه ◌َ له: ((إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما
ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تَعلَم)).
وهذا إسناد صحيح، والشكّ في الصحابيّ لا يضرّ، فقد صرّح بجواز رؤيتها، وإن
(١) - (تهذب السنن)٢٦/٢٥/٣.
(٢) - ((المغني)) ٤٩٠/٩ - ٤٩١.
(٣) - ((المحلّى)) ٣٠/١٠- ٣١.

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
كانت غافلة.
وأيضًا فالنبيّ بَّر حينما قال للصحابي: ((انظر إليها)) ما حدّد له موضعًا للنظر، بل
أطلق، وقد تأيد هذا بعمل راويه الصحابيّ تَظّه، فقد صحّ أن جابرًا رَّه تخبّأ
لمخطوبته حتى ينظر إليها غافلة، فنظر إليها، فأعجبته، فنكحها.
ويُروى أيضًا عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ تَظّ ، وفي سنده حجاج بن أرطاة،
وهو ضعيف، ورواه ابن حبّان في ((صحيحه))، وفيه ضعف أيضًا، غير أن للحديث طرقًا
يتقوّى بمجموعها(١).
وقد صحّ فعله عن عمر رَوّ ، فقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن
أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ ابن الحنفيّة، أن عمر
رَّهِ خطب إلى عليّ ابنته أمّ كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل له: إنه ردك، فعاوده،
فقال له عليّ: أبعثُ بها إليك، فإن رضيتَ، فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن
ساقها، فقالت: مَة، لولا أنك أمير المؤمنين لصككتُ عينيك))(٢).
فقد كشف عمر بن الخطاب ◌َظّثه عن ساق مخطوبته، ولذا قال الحافظ في
((التلخيص)): وهذا يُشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه والكفّين.
وقال بعض المحقّقين: وتأيّد ذلك بعمل الصحابة *، ومنهم محمد بن مسلمة،
وجابر بن عبد الله، فإن كلَّا منهما قد تخبّأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها،
أفيظنّ بهما عاقلٌ أنهما تخبّاً للنظر إلى الوجه والكفّين فقط، ومثل عمر بن الخطّاب الذي
كشف عن ساقي أم كلثوم بنت عليّ رَّه .
فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة، أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر إلى أكثر من
الوجه والكفّين، ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر من الأقوال في هذه المسألة،
وأدلّتها أن إطلاق جواز النظر إلى المخطوبة، سواء كان كفيها، ووجهها، أو غيرهما من
بدنها، وسواء كان بإذنها، أو لا، هو الحقّ الموافق لظواهر أحاديث الباب، وعمل
هؤلاء الصحابة ، فقد فعله عمر، وجابر، ومحمد بن مسلمة، وصحّ القول به عن
ابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، كما تقدّم في كلام ابن حزم. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال: أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر إليها
(١) - راجع ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ ١/ ١٥٢ - ١٥٩. رقم ٨٧ و٩٨ و٩٩ .
(٢) - راجع ((الإصابة)) ١٣/ ٢٨٠ .

١٢٥
١٧ - (إباحة النظر قبل التّزویج) - حديث رقم ٣٢٣٥
استُحبّ له أن يبعث امرأةً يَثِق بها تنظر إليها، وتخبره، ويكون ذلك قبل الخطبة؛ لما
ذكرناه انتهی کلام النووي رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد ما قالوه: ما أخرجه أحمد، والطبرانيّ،
والحاكم، والبيهقيّ من حديث أنس رَّه: أنه نَّ بعث أمّ سُليم إلى امرأة، فقال:
((انظري إلى عرقوبها، وشُمّي عوارضها))، ولفظ الطبرانيّ: ((وشُمِّي معاطفها)).
واستنكره أحمد، والمشهور فيه طريق عُمارة، عن ثابت، عنه. ورواه أبو داود في
(المراسيل)) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن ثابت. ووصله الحاكم من هذا
الوجه بذكر أنس فيه، وتعقّبه البيهقيّ بأن ذكر أنس فيه وَهَم. قال: ورواه أبو النعمان،
عن حماد مرسلاً، قال: ورواه محمد بن كثير الصنعانيّ، عن حماد موصولاً. قاله
الحافظ في ((التلخيص))(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يتبيّن مما ذُكر أن الأرجح في الحديث الإرسال.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(فائدة): روى عبد الرزاق في ((الأمالي))-١/٤٦/٢- بسند صحيح، عن ابن
طاوس، قال: أردت أن أتزوّج امرأةٌ، فقال لي أبي: اذهب، فانظر إليها، فذهبت،
فغلست رأسي، وترجّلت، ولبست من صالح ثيابي، فلما رآني في تلك الهيئة قال: لا
(٣)
تذهب انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن منع طاوس لابنه أن يذهب متزيّنًا خشية أن
تغترّ المرأة بذلك، فتقع في الندم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة آخرى]: كتب الشيخ الألبانيّ حفظه تعالى كلامًا نفيسًا مهمًّا، قال في
((السلسلة الصحيحة)) -١٥٨/١ - بعد تخريجه أحاديث الباب: ما نصّه:
هذ: ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها -على الخلاف
السابق- فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخّرة عن العمل بها، فإنهم لا
يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم -ولو في حدود القول الضيق- تورّعًا منهم -
زعموا-، ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إلى الشارع سافرةً
بغير حجاب شرعيّ، ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها، وبين أهلها بثياب الشرع.
وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم، تقليدًا منهم
(١) - ((شرح مسلم)٩٩/ ٢١٤.
(٢) - ((التلخيص الحبير٣٠٧/٣١.
(٣) - راجع ((السلسلة الصحيحة)) للألبانيّ ١/ ١٥٤ تحت ٩٨ .

١٢٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكَاحِ
لأسيادهم الأوربيين، فيسمحون للمصوّر أن يصوّرهنّ، وهنّ سافرات سُفورًا غير
مشروع، والمصوّر رجل أجنبيّ عنهنّ، وقد یکون كافرًا، ثم يقدمون صورهنّ إلى بعض
الشّان بزعم أنهم يريدون خطبتهنّ، ثم ينتهي الأمر على غير خِطبة، وتظلّ صور بناتهم
معهم، ليتغزّلوا بها، ولِيُطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها، ألا فتعسًا للآباء الذين لا
يَغارون. وإنا للَّه، وإنا إليه راجعون انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٣٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ(٢)، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ،
قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ بَلهِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ: ((أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟))، قُلْتُ:
لَا، قَالَ: ((فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَةُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمة)-بكسر الراء، وسكون الزاي- بن غزوان-
بفتح المعجمة، وسكون الزاي- أبو عمرو المروزيّ ثقة [١٠]٦٠٢/٤٧ .
٢- (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، القاضي، ثقة
فقيه تغير حفظه قليلاً في الآخر [٨]١٠٥/٨٦.
٣- (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤]٢٣٩/١٤٨.
٤- (بكر بن عبد الله المزنيّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقة ثبت جليل [٣]١٠٧/٨٧.
٥- (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور، أسلم تظلثيه
قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح، تقدمت
ترجمته ١٧/١٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ وشيخ شيخه
فكوفيٍّ. والله تعالى أعلم.
(١) - زاد في ((الكبرى)): ما نصّه: ((المروزيّ، وأبو رزمة اسمه غزوان)) انتهى. و((رزمة)) - بكسر
الراء، وسكون الزاي، و((غزوان)) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي - .
(٢) - زاد في ((الكبرى)): ((يعني ابن سليمان الأحول)).

١٧ - (إِيَاحَةُ النَّظَرِ قَبَلَ التِّزْوِيج) - حديث رقم ٣٢٣٦
١٢٧ ===
شرح الحديث
(عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدٍ) أي
في وقت (رَسُولِ اللّهِ لِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟))، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَانْظُرْ
إِلَيْهَا، فَإِنْهُ أَجْدَرُ) أفعل تفضيل، من جدُر، من باب كرُم، يقال: هو جديرٌ بكذا،
ولكذا: أي خَليقٌ له، والجمع جَديرون، وجُدَراءُ، والأنثى جديرة. أفاده في ((اللسان))
(أَنْ يُؤْدَّمَ بَيْتَكُمَا) بالبناء للمفعول، من أَدَمَ يَأْدِمُ أَذْمًا، بلا مدّ، من باب ضرب، أو من
آدم بالمدّ يُؤْدِمُ إيدامًا، أي يوفّقَ، ويؤلّف بينكما. قال ابن الأثير: أي تكون بينكما
المحبّة والاتفاق، يقال: أَدَم اللَّه بينهما يَأْدِم أَذْمًا بالسكون -من باب ضرب -: أي
ألّف، ووفّق، وكذلك آدم يُؤْدِم بالمدّ، فَعَلَ، وأَفْعَلَ انتهى(١).
وقال في ((اللسان)): ((الأُذْمُ)): الأُلفة، والاتفاقُ، وأَدَم اللَّهُ بينهم يَأْدِمُ أَدْمًا، ويقال:
آدم بينهما يُؤْدِمُ إِيدامًا أيضًا، فَعَلَ، وأَفْعَلَ بمعنَى، وأنشد:
--
وَالْبِيضُ لَا يُؤْدِمْنَ إِلَّا مُؤْدَمًا
أي لا يُخْبِيْنَ إلا مُحبّبًا موضعًا لذلك. قال: وقال الكسائيّ في معنى الحديث: ((يُؤْدَمُ
بينكما)) يعني أن تكون بينهما المحبّة والاتفاق. قال أبو عبيد: لا أرى الأصل فيه إلا من
أذم الطعام لأن صلاحه وطيبه إنما يكون بالإدام، ولذلك يقال: طعامٌ مأدُومٌ انتهى.
وأخرج حديث المغيرة هذا الإمام أحمد في ((مسنده))، والبيهقيّ في ((سننه))، مطوّلاً،
ولفظ أحمد-٢٤٤/٤ و٢٤٥ :
حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله المزني،
عن المغيرة بن شعبة، قال: ((أتيت النبي وَله، فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: ((اذهب،
فانظر إليها، فإنه أجدر أن يُؤْدَمَ بينكما))، قال: فأتيت امرأة من الأنصار، فخطبتها إلى
أبويها، وأخبرتهما بقول رسول اللّه وَل﴿ه، فكأنهما كرها ذلك، قال: فسَمِعَتِ ذلك
المرأة، وهي في خِذْرِها، فقالت: إن كان رسول اللّه وَل يأمرك أن تنظر، فانظر، وإلا،
فإني أنشدك، كأنها أعظمت ذلك عليه، قال: فنظرت إليها، فتزوجتها، فذكر من
موافقتها .
وفي رواية البيهقيّ -٨٤/٧- ٨٥ -: ((فقلت: إن رسول اللَّه ولي أمرني أن أنظر إليها،
قال: ((فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر، فقالت: أَحرّج عليك إن كان
رسول اللَّه وَ له أمرك أن تنظر إليّ، لَمّا نظرتَ، وإن كان رسول اللَّه وَلَ لم يأمرك أن
(١) - ((النهاية)) ١/ ٣٢.

١٢٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاح
تنظر إليّ فلا تنظر، قال: فنظرت إليها، ثم تزوّجتها، قال: فما وقعت عندي امرأة
بمنزلتها، ولقد تزوّجتُ سبعين -أو بضعًا وسبعين امرأة انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٣٦/١٧ - وفي ((الكبرى))٥٣٤٦/١٧. وأخرجه (ت) في ((النكاح))
١٠٨٧ (ق) في ((النكاح)) ١٨٦٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٧٦٧١ و١٧٦٨٨
(الدارميّ) في ((النكاح)) ٢١٧٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٨ - (التَّزْوِيجُ فِي شَؤَالٍ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((شَوَّال)) بفتح الشين المعجمة، وتشديد الواو. قال
الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: و((شوّالٌ)) شهر عيد الفطر، وجمعه شوّالات، وشواويلٌ، وقد
تدخله الألف واللام. قال ابن فارس: وزعم ناسٌ أن الشّوّال سُمي بذلك لأنه وافق وقتًا
تَشُول فیه الإبلُ. انتھی.
وقال ابن منظور رحمه اللَّه تعالى: وشَوّالٌ من أسماء الشهور، معروفٌ، اسم الشهر
الذي يلي شهر رمضان، وهو أول أشهر الحجّ، قيل: سُمّي بتشويل لبن الإبل، وهو
تَولّيهِ، وإدباره، وكذلك حال الإبل في اشتداد الحرّ، وانقطاع الرّطْب. وقال الفرّاء:
سُمّي بذلك لِشَوَلَان الناقة فيه بذنَبِها، والجمع شَوَاويل على القياس، وشَوَاوِل على
طرح الزائد، وشوَالات. وكانت العرب تَطَيِّرُ من عقد النكاح فيه، وتقول: إن المنكوحة
تمتنع من ناكحها كما تمتنع طَرُوقة الجَمّل إذا لَقِحَت، وشالت بذّنَبِها، فأبطل النبيّ وَّ
طِيَرَتَّهم انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٣٧ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(١) - ((لسان العرب)) في مادة شال.

١٨ - (التَّزْوِيجُ فِي شَوَالٍ) - حديث رقم ٣٢٣٧
١٢٩ ==
إِسْمَاعيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((تَزَوَّجَنِي
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِي شَؤَالٍ، وَأَدْخِلْتُ عَلَيْهِ فِي شَؤَّالٍ - وَكَانَتْ عَائِشَةُ، تُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ
نِسَاءَهَا فِي شَؤَّالٍ - فَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَتْ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠]١٥/١٥.
٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩]٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧]٣٧/٣٣.
٤- (و((إسماعيل بن أميّة) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، ثقة
ثبت [٦]١٦/ ٢٤٦٨.
٥- (عبد الله بن عروة) بن الزبير بن العوام، أبي بكر الأسديّ، ثقة ثبت فاضلٌ [٣].
قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: ثقة أحد الأثبات. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وقال أحمد بن صالح المصريّ: ليس بينه وبين أبيه في السنّ إلا خمس
عشرة سنة. وقال الزبير بن بكّار: كان له عقلٌ، وحزمٌ، ولسان، وفضلٌ، وشرفٌ،
وكان يُشبه عبد الله بن الزبير في لسانه، بلغ خمسًا، أو ستًّا وتسعين سنة. وقال مصعبٌ
الزبيريّ: كان عبد الله بن الزبير يقول لعروة: ولدتَ لي، يريد أن عبد الله بن عروة
يشبهه، وزوّجه ابنته أم حكيم بعد أن خطبها معاوية على ابنه يزيد. وقال يوسف بن
يعقوب الماجشون: كنت مع أبي في حاجة، فلما انصرفنا قال لي: هل لك في هذا
الشیخ، فإنه من بقايا قریش، وأنت واجدٌ عنده ما شئت من حديث، ونُبل رأي، یرید
عبد الله بن عروة. بقي إلى أواخر دولة بني أميّة، وكان مولده سنة (٤٥). روى له
الجماعة، سوى أبي داود، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، أورده
في موضعين: هنا ٣٢٣٧/١٨ وفي ٣٣٧٧/٧٧ .
٦- (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقة
ثبت [٣]٤٤/٤٠.
٧- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عروة. (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى
عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.

١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكاح
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: ((تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ بَه فِي شَؤَالٍ،
وَأُدْخِلْتُ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِ فِي شَؤَالٍ) ولمسلم: ((وبنى بي في شوّال)).
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها
ذلك لتردّ به قول من كان يَكره عقدَ النكاح في شهر شوّال، ويتشاءم به من جهة أنّ
شوّالاً من الشَّوْل، وهو الرفع، ومنه شالت الناقة بذنبها، وقد جعلوه كنايةً عن الهلاك؛
إذا قالوا: شالت نعامتهم: أي هلكوا، فشوّالٌ معناه كثير الشول، فإنه للمبالغة، فكأنهم
كانوا يتوهّمون أن كلّ من تزوّج في شوّال منهنّ شال الشنآن بيها وبين الزوج، أو شالت
نفرته، فلم تحصل لها حظوةٌ عنده، ولذلك قالت عائشة رادةً لذلك الوهم: ((فأيّ نسائه
كان أحظى عنده منّي)). أي لم يضرّني ذلك، ولا نقص من حظوتي انتهى(١) (وَكَانَتْ
عَائِشَةُ) رضي اللَّه تعالى عنها (يُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا) أي نساء قومها على أزواجهنّ (فِي
شَؤَالٍ) تبرّكًا بما حصل لها فيه من الخير برسول الله وَله، ومن الحظوة عنه، ولمخالفة
ما يقوله الجهال من ذلك.
قال القرطبيّ: ومن هذا النوع كراهة الجهّال عندنا اليومَ عقد النكاح في شهر
المحرّم، بل ينبغي أن يُتيمّن بالعقد والدخول فيه؛ تمسّكًا بما عظّم الله سبحانه وتعالى،
ورسوله وله من حرمته، ورَذعًا للجهّال عن جهالاتهم انتهى.
[تنبيه]: جملة: ((وكانت عائشة تُحبّ أن تُدخل نساءها في شوّال)) ليست في
((الكبرى))، وهي في رواية المصنّف معترضة بين قولها: ((وأدخلت عليه في شوّال))،
وقولها: «فأيّ نسائه الخ)).
وقد ساقه على الوجه مسلم في ((صحيحه))، من طريق وكيع، عن سفيان، عن
إسماعيل بن أمية، ولفظه: ((تزوّجني رسول اللَّه وَ ليل في شوّال، وبنى بي في شوّال،
فأيُّ نساء النبيّ وَلو كان أحظى عنده منّي، قال: وكانت عائشة تستحبّ أن تُدخل نساءها
في شوّال)).
(فَأَيُّ نِسَائِهِ) ◌ََّ، وهو اسم استفهام إنكاريّ، مبتدأ، خبره قوله(كَانَتْ أَخْطَى) أفعل
تفضيل من الحظوة. يقال: حَظِيَ عند الناس يَخْطَى، من باب تَعِبَ حِظَةً، وزان عِدَةٍ،
وحظوةٌ بضمّ الحاء، وكسرها: إذا أحبّوه، ورفعوا منزلته، فهو حَظِيٍّ، على فَعِيلٍ،
والمرأة حَظِيّةٌ، إذا كانت عند زوجها كذلك. قاله الفيّوميّ (عِنْدَهُ) ◌َِّ (مِنِّي) الظرف،
(١) - ((المفهم، ٤ / ١٢٣ - ١٢٤.

١٣١ =
١٨- (التَّزْوِيجُ فِي شَؤَّالِ) - حديث رقم ٣٢٣٧
والجارّ والمجرور متعلّقان بـ((أحظى)).
والمعنى: لا أحد أكثر حظوة عند النبيّ وَّله منّي، مع أنه ◌َليل تزوجني في شوّال،
وبنى بي فيه، فبطل بذلك ما كان يزعمه الجاهليّة من التشاؤم بهذا الشهر. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٣٧/١٨ و٣٣٧٧/٧٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٣٥٣/٢٠ و٩٩/ ٥٥٧٢.
وأخرجه (م) في ((النكاح))١٤٢٣ (ت) في ((النكاح))١٠٩٣ (ق) في ((النكاح)) ١٩٩٠
(أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))٢٣٧٥١ و٢٥١٨٨ (الدارميّ) في ((النكاح»٢٢١١.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب التزويج في شهر
شوّال، قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه استحباب التزويج، والتزوّج، والدخول في
شوّال. وقد نصّ أصحابنا على استحبابه، واستدلّوا بهذا الحديث انتهى. (ومنها):
حرص النبيّ وَّله على محو آثار الشرك، والاعتقادات الجاهليّة، حيث تزوّج عائشة في
شوّال، وبنى بها فيه؛ لذلك، وكذلك كانت هي تحرص على إدخال نسائها فيه.
(ومنها): أنه ينبغي لأهل العلم، ودعاة الخير الاجتهاد في إزالة ما كان عليه عادة الناس،
من التشاؤم في بعض الشهور، أو الأيام، أو الأشخاص، فإن ذلك من آثار الشرك، وما
أكثره اليوم في شتى بقاع الأرض، بشتّى أنواع الخرافات، فلا حول ولا قوّة إلا بالله.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
١٩- (الْخِطْبَةُ فِي النّكَاحِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية خِطْبَةِ النساء لأجل نكاحهنّ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الْخِطْبة)) هنا-بكسر الخاء المعجمة، وسكون الطاء
المهملة- قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: خاطبه مخاطبةً، وخِطابًا، وهو الكلام بين متكلّم
وسامع، ومنه اشتقاق الخطبة - بضمّ الخاء، وكسرها باختلاف معنيين، فيقال في الموعظة:
خَطَبَ القومَ، وعليهم، من باب قَتَلَ، خُطْبةً - بالضمّ - وهي فُعْلَةٌ بمعنى مَفْعُولةٍ، نحوُ نُسْخةٍ
بمعنى منسوخةٍ، وغُرْفَةٍ من ماءٍ بمعنى مغروفة، وجمعها خُطَبٌ، مثلُ غرفة وغُرَفٍ، فهو
خَطِيبٌ، والجمع الخُطَباءُ، وهو خَطِيبُ القوم، إذا كان هو المتكلّمَ عنهم.
وخَطَبَ المرأةً إلى القوم: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الْخِطْبَةُ -
بالكسر- فهو خاطبٌ، وخَطّابٌ مبالغةٌ، وبه سُمّي، واختطبه القومُ: دعوه إلى تزويج
صاحبتهم انتهى.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى بالحديث على الترجمة واضحٌ؛ فقد خطب جماعة
من الصحابة ، فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها، وخطبها النبيّ وَّر لأسامة بن
زيد رَّيه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٣٨- (أَخْبَرَنِي(١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ
عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمَّعَلِّمُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَّرَاحِيلَ الشَّغْيِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، وَكَانَتْ مِنَ
الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، قَالَتْ: خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فِي نَفَرِ مِنْ أَضْحَابٍ مُحَمَّدٍ
وَلَّهُ، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّرَه عَلَى مَوْلَاهُ أَسَامَةً بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ كُنْتُ حُدَّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَهِ، قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ))، فَلَمَّا كَلَّمَنِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدِكَ،
فَأَنْكِخْنِي مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ: (انْطَلِقِي إِلَى أُمّ شَرِيكٍ))، وَأُمُّ شَرِيكِ امْرَأَةٌ غَنِيَةٌ، مِنَ الْأَنْصَارِ،
عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضَّيفَانُ، فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ، قَالَ: ((لَا
تَفْعَلِي، فَإِنَّ أُمَّ شَرِيكِ، كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ
الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ، وَلَكِنِ انْتَقِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ، عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ أُمّ مَكْثُوم))، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ، فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ. مُخْتَصَرٌ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف
(١) - وفي بعض النسخ: ((أخبرنا)).

١٣٣
١٩- (الخِطبةُ فِي النكاح) - حديث رقم ٣٢٣٨
رحمه الله تعالى في - ٣٢٢٣/٨ - باب «تزوّج المولى العربيّة)»، وتقدّم شرحه، وبيان
مسائله هناك، فراجعه تستفد.
و((عبد الرحمن بن محمد بن سلّام)): هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرَسُوسيّ، لا
بأس به[١١]١١٤١/١٧٢. و((عبد الصمد بن عبد الوارث)): هو التَّنُّوريّ، أبو سهل
البصريّ، صدوق [٩]١٧٤/١٢٢. و((أبوه)): هو عبد الوارث بن سعيد، أبو عُبيدة
التَُّّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨]٦/٦. و((حُسينٌ المعلّم)): هو ابن ذكوان المكتب
الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٦]١٧٤/١٢٢. و((عبد الله بن بُريدة)): هو الأسلميّ،
أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣]٣٩٣/٢٥. و((عامر الشعبيّ)): هو ابن شراحيل،
أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مشهور فقيه فاضل [٣]٦٦ /٨٢.
وقوله: ((فأنكني من شئت)) هو من الإنكاح رباعيًّا، أي زوجني أيَّ شخص، كان،
أسامة، أو غيره.
وقوله: ((فقال: انطلقي الخ)) بالفاء في معظم النسخ، وفي بعضها بدونها، قال
السنديّ: وهو الظاهر فإن هذا رجوع إلى أول القصّة، وإلى ما جرى قبل الْخِطْبة، حال
العدّة، فالفاء لا تناسبه، والمراد قال قبل ذلك حال بقاء العدّة انتهى(١).
وقوله: ((غَنتَةٌ)) - بفتح العين المعجمة، وكسر النون- من الغِنَى، وهو كثرة المال،
وهو صفة لـ((امرأة)). وذكر السنديّ أنه ((امرأة عتيّة))، قال: ضُبط بالإضافة، وعتيّة بعين
مهملة مضمومة، ومثناة فوقيّة مفتوحة، وياء مشدّدة، والأقرب إلى الأذهان أن يكون
بالتوصيف، وغنيّة بالغين المعجمة، والنون انتھی.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ذكره لم أجده في النسخ التي بين يديّ من
((المجتبى))، ولا من ((الكبرى))، ولا يظهر له معنى على الوجه الذي ذكره من الضبط،
فليُحرّر.
وقوله: ((كثيرة الضيفان)) بكسر الضاد جمع ضيف.
وقوله: ((مختصر)) خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طويل
لفاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها، وقد تقدّم بطوله في شرح الحديث رقم -٨/
٣٢٢٣- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - ((شرح السنديّ)» ٦/ ٧١.

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
٢٠- (الَّهْيُ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى
خِطْبَةٍ أَخِيهِ)
٣٢٣٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ،
قَالَ: ((لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الثبت الحجة [٧]٣٥/٣١.
٣- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]١٢/١٢.
٤- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو أعلى الأسانيد له، وهو
(١٦١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن
فيه مصريين، ومدنيين. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ)
بالرفع على أن ((لا)) نافية، وبالجزم على أنها ناهية، والأول أبلغ في المنع (عَلَى خِطْبَةٍ
بَعْضٍ) وفي رواية ابن جريج الآتية: ((لا يخطب الرجل على خطبة الرجل)). وظاهره أنه
لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة الفاسق، ولا الكافر، نحو أن يخطب ذمّةً، فلا
يجوز لمن يجوز نكاحها أن يخطبها. لكن هذا الإطلاق مقيّد بقوله في حديث أبي هريرة
رَّه: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه))، لأنه لا أخوّة بين المسلم والكافر. وبقوله
في حديث عقبة رَّه: ((المؤمن أخو المؤمن ... )) الحديث، فإنه يخرج بذلك
الفاسق. وإلى المنع من الخطبة على خطبة الكافر والفاسق ذهب الجمهور، قالوا:
والتعبير بالأخ خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وذهب الأوزاعيّ، وجماعة من
الشافعيّة إلى أنها تجوز الخطبة على خطبة الكافر. وهو الراجح، كما سيأتي في المسألة

١٣٥ ==
٢٠- (النَّهْيُ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٣٩
السادسة، إن شاء الله تعالى(١).
وزاد في الرواية الآتية من طريق ابن جريج، عن نافع: ((حتى يترك الخاطب قبله، أو
يأذن له الخاطب)). أي حتى يأذن الأول للثاني. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٣٩/٢٠ و٣٢٤٤/٢١ وفي)) البيوع)) ٤٥٠٤/٢٠ و٤٥٠٥- وفي
(«الكبرى»٥٣٥٤/٢١ و٥٣٦٠/٢٣ وفي ((البيوع »١٩/ ٦٠٩٤ و٦٠٩٥ . وأخرجه (خ)
في ((النكاح،٥١٤٢ و((البيوع»١٤١٢ (د) في ((البيوع ٣٤٣٦٨ (ت) في ((البيوع» ١٢٩٢ (ق)
في ((النكاح)»١٨٦٨ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٧٠٨ و٦٠٢٤ و٦٠٥٢ و٦١٠٠
و٦٣٧٥ (الموطأ) في ((النكاح))١١١٢ (الدارميّ) في ((النكاح)»٢١٧٦. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان النهي عن أن يخطب
الرجل على خطبة أخيه، والنهي للتحريم. (ومنها): أن النهي إذا لم يترك الأول، أو لم
يأذن له، وإلا فلا نهي. (ومنها): أن فيه فضيلة الإسلام، وأنه تشريع ربانيّ جاء لإصلاح
الفرد والمجتمع، فهو دائمًا يحثّ على الألفة والمودة، ويُبعد كل ما من شأنه إحداث
التباغض، والتعادي بين المسلمين، فلذلك نهى عن خطبة المسلم على خطبة أخيه؛ لئلا
يحصل بينهما شقاق، وتنافر، فواجب المسلم نحو أخيه التودد إليه بكلّ ما يستطيع،
والقيام بنصرته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية[ الحجرات: ١٠]. وقال
النبيّ وَّر: ((المؤمن للمؤمن كالبيان يشد بعضه بعضًا)) متفق عليه. وقوله وَله: ((مثل
المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمّى)). متفق عليه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة تنزيه،
قال: قال رسول اللّه وَ له: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا
يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه،
(١) - ((نيل الأوطار)) ١١٥/٦.

١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
ولا يخذُله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ
من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله،
وعرضه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الْخِطْبَة على الخِطبة:
ذهب الجمهور إلى أن النهي في هذا الحديث للتحريم. وقال الخطابيّ: هو نهي
تأديب، وليس بنهي تحريم، يُبطل العقد عند أكثر الفقهاء. كذا قال. قال في ((الفتح)):
ولا ملازمة بين كونه للتحريم، وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم للتحریم،
ولا يبطل به العقد، بل حكى النوويّ أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكن اختلفوا في
شروطه، فقال الشافعيّة، والحنابلة محلّ التحريم ما إذا صرّحت المخطوبة، أو وليّها
الذي أذنت له، حيث يكون إذنها معتبرًا بالإجابة، فلو وقع التصريح بالردّ فلا تحريم،
ولو لم يعلم الثاني بالحال فيجوز الهجوم على الخطبة؛ لأن الأصل الإباحة. وعند
الحنابلة في ذلك روايتان. وإن وقعت الإجابة بالتعريض، كقولها: لا رغبة عنك،
فقولان عند الشافعيّة، الأصحّ -وهو قول المالكيّة، والحنفية- لا يحرم أيضًا. وإذا لم
تردّ، ولم تقبل فيجوز، والحجة فيه قول فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها: خطبني
معاوية، وأبو الجهم، فلم ينكر النبيّ وَ لقر ذلك عليهما، بل خطبها هو لأسامة بن زيد
رضي الله تعالى عنهما.
وأشار النوويّ وغيره إلى أنه لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكونا خطبا معًا، أو لم يعلم
الثاني بخطبة الأول، والنبيّ وَله أشار بأسامة، ولم يخطب، وعلى تقدير أن يكون
خطب، فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية، وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما، فخطبها
لأسامة.
وحكى الترمذيّ عن الشافعيّ أن معنى حديث الباب: إذا خطب الرجل المرأة،
فرضيت به، وركنت إليه، فليس لأحد أن يخطب على خطبته، فإذا لم يعلم برضاها،
ولا ركونها، فلا بأس أن يخطبها. والحجة فيه قصّة فاطمة بنت قيس، فإنها لم تُخبره
برضاها بواحد منهما، ولو أخبرته بذلك لم يُشر عليها بغير من اختارت. فلو لم توجد
منها إجابة، ولا ردّ، فقطع بعض الشافعيّة بالجواز، ومنهم من أجرى القولين. ونصّ
الشافعيّ في البكر على أن سكوتها رضًا بالخاطب. وعن بعض المالكيّة: لا تمنع
الخطبة إلا على خطبة من وقع بينهما التراضي على الصداق.
وإذا وُجد شروط التحريم، ووقع العقد الثاني، فقال الجمهور: يصحّ مع ارتكاب
التحريم. وقال داود: يُفسخ النكاح قبل الدخول وبعده. وعند المالكية خلافٌ

١٣٧
٢٠- (النَّهْيُ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٣٩
كالقولين. وقال بعضهم: يُفسخ قبله، لا بعده.
وحجة الجمهور أن المنهيّ عنه الخطبة، والخطبة ليست شرطًا في صحّة النكاح، فلا
يُفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة.
وحكى الطبريّ عن أن بعض العلماء قال: إن هذا النهي منسوخٌ بقصّة فاطمة بنت
قيس. ثم ردّه، وغلّطه بأنها جاءت مستشيرةً، فأشير عليها بما هو الأولى، ولم يكن
هناك خِطبة على خطبة، كما تقدّم. ثم إن دعوى النسخ في مثل هذا غلطً؛ لأن الشارع
أشار إلى عّة النهي في حديث عقبة بن عامر رَّه بالأخوة، وهي صفة لازمة، وعلّة
مطلوبةٌ للدوام، فلا يصح أن يلحقها نسخٌ. والله تعالى أعلم (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال ببطلان النكاح
الذي عقد بالخطبة على الخطبة؛ لصريح النهي الوارد في الحديث، والنهي للتحريم،
وهو أيضًا يقتضي الفساد، وليس هناك دليلٌ يدلّ على صرف النهي عن التحريم،
والفساد إلى خلافهما، فوجب القول بالبطلان.
وهذا القول هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال:
إذا خطب الرجل امرأةً، وركن إليه من إليه نكاحها، كالأب، فإنه لا يحلّ لغيره أن
يخطبها. قال: ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحًا، أو باطلاً؟ فيه قولان للعلماء:
[أحدهما]: وهو أحد القولين في مذهب مالك، وأحمد أن عقد الثاني باطلٌ، فتنزع
منه، وتردّ إلى الأوّل.
[الثاني]: أن النكاح صحيح، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، فيعاقب من فعل
المحرّم، ويردّ إلى الأول جميع ما أخذ منه، والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنّة
انتهى كلام شيخ الإسلام بالاختصار (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن الخاطب الأول إذا أذن
للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختصّ ذلك بالمأذون له، أو
يتعدّى لغيره؟ لأن مجرّد الإذن الصادر من الخاطب الأول دالّ على إعراضه عن تزويج
تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، الظاهر الثاني، فيكون الجواز للمأذون
له بالتنصيص، ولغير المأذون له بالإلحاق. ويؤيّده قوله: ((أو يترك)). وصرّح الرويانيّ
من الشافعيّة بأن محلّ التحريم إذا كانت الخطبة من الأول جائزة، فإن كانت ممنوعة
(١) - ((فتح)) ١٠/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) - ((مجموع الفتاوى)) ١٠.

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النكاح
كخطبة المعتدّة لم يضرّ الثاني بعد انقضاء العدّة أن يخطُبها، وهو واضح؛ لأن الأول لم
يثبت له بذلك حقّ. قاله في ((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السادسة): أنه استُدلّ بقوله: ((على خطبة أخيه)) أن محلّ التحريم إذا كان
الخاطب مسلمًا، فلو خطب الذميّ ذميّة، فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقًا،
وهو قول الأوزاعيّ، ووافقه من الشافعيّة ابن المنذر، وابن جويرية، والخطّابيّ، ويؤيّده
قوله في أول حديث عقبة بن عامر عظيم عند مسلم: ((المؤمن أخو المؤمن ، فلا يحلّ
للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبته حتى يَذَر)). وقال الخطّابيّ:
قطع اللَّه الأُخَوَّة بين الكافر والمسلم، فيختصّ النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر:
الأصل في هذا الإباحة حتى يرِدَ المنع، وقد ورد المنع مقيّدًا بالمسلم، فبقي ما عدا
ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذميّ بالمسلم في ذلك، وأن
التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ﴾
الآية، وكقوله: ﴿وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُورِكُم﴾ الآية، ونحو ذلك.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله الأوزاعيّ، ومن معه من أنّ هذا
النهي خاصّ بالمسلم، دون الذميّ؛ عملاً بتقييده بالأخوّة، وبالإسلام هو الراجح.
والله تعالى أعلم.
وبناه بعضهم على أن هذا المنهيّ عنه، هل هو من حقوق العقد، واحترامه، أو من
حقوق المتعاقدين؟ فعلى الأول فالراجح ما قال الخطابيّ، وعلى الثاني فالراجح ما قال
غيره .
وقريبٌ من هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر، فمن جعلها من حقوق
الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع.
وقريبٌ من هذا البحث ما نُقل عن ابن القاسم، صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا
كان فاسقًا جاز للعفيف أن يخطُب على خطبته. ورجحه ابن العربيّ منهم، وهو متّجه
فيما إذا كانت المخطوبة عفيفةً، فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كلا خِطْبة.
ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول. وقد أطلق بعضهم الإجماع على
خلاف هذا القول.
ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلاً في العادة
لخطبة تلك المرأة، كما لو خطب سُوقيّ بنت ملك، وهذا يرجع إلى التكافؤ. قاله في
((الفتح)) .

٢٠- (النَّهْيُ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٤٠
١٣٩
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن الفاسق، والذي ليس كفؤًا عادة يعمهما
النهي المذكور؛ فلا يجوز أن يخطب على خطبتهما؛ لأنهما مسلمان؛ إذ مجرّد الفسق
لا يخرج الشخص من الإسلام عند أهل السنة، فلا يخرج بذلك عن كونه خطب على
خطبة أخيه المسلم، وبنحو هذا صرّح الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ))(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أنه استُدلّ به على تحريم خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى؛
إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته أن ترغب امرأة في رجل، وتدعوه إلى
تزويجها، فيجيبها، فتجيء امرأة أخرى، فتدعوه، وترَغْبه في نفسها، وتزهّده في التي
قبلها، وقد صرّحوا باستحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يخفى أن محلّ هذا
إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوّج إلا بواحدة، فأما إذا جمع بينهما فلا تحريم (٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٣٢٤٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَنِ
النَّبِيِّ بَّهِ: ((لَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ خَاضِرٌ لِيَادٍ، وَلَا يَبعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَ
عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا؛ لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِّهَا))(٣)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠]٢١/٢٠.
٢- (سعيد بن عبد الرحمن) بن حسان، أبو عبد الله المخزوميّ المكيّ،
ثقة [١٠]٤١/ ١٢٧٧ .
٣- (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة ثبت حجة [٨]١/١.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤]١/١.
٥- (سعيد) بن المسيّب بن حَزْن المخزومي المدني الفقيه الثقة الثبت، من
كبار [٣]٩/٩ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
(١) - راجع ((طرح التثريب))٧/ ٩٣.
(٢) - ((فتح٤ ١٠ / ٢٥١ - ٢٥٢.
(٣) - زاد في ((الكبرى)): ((اللفظ لسعيد)).

١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فالأول من أفراده، والثاني من أفراده والترمذيّ. (ومنها):
أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وسفيان، فمكيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، وفيه سعيد من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة من المكثرين السبعة. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ)
هو ابن منصور شيخه الأول (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) يعني أن شيخيه اختلفا في صيغة الأداء،
فقال سعيد بن عبد الرحمن: ((قال رسول اللَّه وَ له))، وقال محمد بن منصور: ((عن النبيّ
مَ لقه))، وهذا من احتياطات النسائيّ رحمه اللّه تعالى، حيث يراعي ألفاظ شيوخه، وإن
لم يختلف به المعنى، فإنه لا فرق بين قول الصحابيّ: ((قال رسول اللَّه ◌َليّ))، وقوله:
((عن النبي وَّ)) في كون كلّ منهما محمولاً على الاتصال، إلا أن الورع مقامٌ آخر، كما
يقال: ((التقوى غير الفتوى)) (لَا تَنَاجَشُوا) بحذف إحدى التاءين، إذ أصله: ((لا
تتناجشوا)). و(النّجش)) - بفتحتين، أو بفتح، فسكون -: هو أن يمدح السلعة ليُروّجها،
أو يزيد في الثمن، ولا يريد شراءها؛ ليغترّ بذلك غيره. والأصل فيه تنفير الوحش من
مكان إلى مكان. وإنما عبّر بالتفاعل؛ لأن التجار يتعاوضون، فيفعل هذا بصاحبه على
أن يُكافئه بمثل ما فعل، فنُهوا عن أن يفعلوا ذلك، معاوضةً، فضلاً عن أن يفعلوه بدءًا.
وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من ((كتاب البيوع)) إن شاء الله تعالى.
(وَلَا يَبِغْ حَاضِرٌ لِيَادٍ) جاء على صيغة النهي بسقوط الياء، وعلى صيغة النفي بإثبات
الياء، وهو بمعنى النهي، فلذا عُطف على النهي السابق، وكذا ما بعده.
وقال النوويّ: بالرفع على الخبر، والمراد به النهي، وهو أبلغ في النهي؛ لأن خبر
الشارع لا يُتصوّر وقوع خلافه، والنهي قد يقع مخالفته، فكأنّ المعنى عاملوا هذا النهي
معاملة الخبر المتحتّم. انتهى.
ومعنى الحديث: أنه لا يجوز للمقيم ببلدة أن يبيع السلع التي أتى بها بدويّ؛ نفعًا
له، بأن يكون دلّالاً؛ لأن ذلك يُلحق الضرر بالحاضرين، فإنه لو ترك البدويّ لباعه لهم
بثمن رخيص، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء الله تعالى.
(وَلَا يَبْعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) قيل: المراد السوم، والنهي للمشتري دون البائع؛
لأن البائع لا يكاد يدخل على البائع، وإنما المشهور زيادة المشتري على المشتري.