النص المفهرس

صفحات 101-120

١٢ - (تَزْوِيجُ الزانِيةِ) - حديث رقم ٣٢٢٩
١٠١ ===
عليها، وإلا فلا، وكذلك لا يصحّ تزويج المرأة الحرّة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح
حتى يتوب توبةً صحيحةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. انتهى (١).
(فَدَعَانِي، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ) أي قرأ هذه الآية (وَقَالَ: ((لَا تَنكِخها))) قيل: هو نهي تنزيه،
أو هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَنَكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُرْ﴾ الآية. وعليه الجمهور. وقيل: نهي
تحريم، وهو الأرجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث مرثد بن أبي مرثد رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
[تنبيه]: كون هذا الحديث من مسند مرثد بن أبي مرثد هو الظاهر من سياق
الحديث، وومن الغريب أن الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى ذكره في ((تحفة الأشراف))
٣٦٩/٨ في مسنده، وذكره قبله ٣٢٦/٦ في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، في
ترجمة عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد الله بن
عمرو، ثم قال: ذَكَّرَ أبو القاسم - يعني ابن عساكر- حديث (د)(٢) في مسند مرثد، ولم
یذکر فيه سواه، ولم يذكره في هذه الترجمة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه من مسند مرثد، رواه عنه عبد الله
ابن عمرو رضي الله تعالى عنهم، لا من مسند عبد الله بن عمرو؛ لأن السياق ظاهر في
الأول. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٢٩/١٢- وفي («الكبرى»٥٣٣٨/١٢. وأخرجه (د) في ((النكاح))
٢٠٥١ (ت) في ((التفسير)) ٣١٧٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم نكاح الزانية.
(ومنها): منقبة هذا الصحابي الجليل تنظيم حيث كان يُخاطر بنفسه في إنقاذ إخوانه
المسلمين الذين يُعذّبهم المشركون على إسلامهم، لا على أمر آخر، كما قال الله
تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَِيدِ﴾ [البروج: ٨]. وقال تعالى:
(١) - ((تفسير ابن كثير٣٢/ ٢٧٣.
(٢) - يعني الرواية التي أخرجها أبو داود من حديث مرثد بن أبي مرثد.

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّا أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللّهُ﴾ الآية [الحج: ٤٠]. (ومنها):
بيان ما كان يَلحَق المسلمين من أذى الكفّار بسبب إسلامهم، وصبرهم على ذلك،
وهكذا ينبغي للدعاة أن يتأسّوا بهم في ذلك؛ لأن هذه سنة اللّه تعالى في أنبيائه ورسله
مع أممهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَيِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا
مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَلَّهُ وَزُلْزِلُواْ حَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَى نَصْرُ اللهِ﴾
الآية [البقرة: ٢١٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الزواني:
قال العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى: واختلفوا في زواج الزانية، فأجازه الجمهور،
ومنعه قومٍ، وسبب اختلافِهِم اختلافُهُم في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّ زَانٍ
أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، هل خرج مخرج الذمّ، أو مخرج
التحريم؟، وهل الإشارة في قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى الزنا، أو إلى
النكاح؟، وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذمّ، لا على التحريم؛ لما جاء في
الحديث: أن رجلاً قال للنبيّ وَل* في زوجته: إنها لا تردّ يد لامس، فقال النبيّ ◌َّ:
((طلّقها))، فقال له: إني أحبّها، فقال له: ((فأمسكها))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الآیة علی الذمّ دون التحریم غير صحيح، كما
سيأتي قريبًا.
وقال قوم أيضًا إن الزنا يُفسخ به النكاح، بناءً على هذا الأصل، وبه قال الحسن.
(٢)
انتھی
وقال المنذريّ رحمه الله تعالى: للعلماء في هذه الآية خمسة أقوال:
[أحدها]: أنها منسوخة. قاله سعيد بن المسيّب. قال الشافعيّ في الآية القول فيها
كما قال سعيد بن المسيّب - إن شاء الله- إنها منسوخة. وقال غيره: الناسخ لها قوله:
﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَى مِنْكُرْ﴾، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وعلى هذا أكثر العلماء،
يقولون: من زنى بامرأة فله أن يتزوّجها، ولغيره أن يتزوّجها.
[الثاني]: أن النكاح ههنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يُطاوعه على فعله، ويُشاركه
في مراده إلا زانيةٌ مثله، أو مشركة.
٠٠٠
[الثالث]: أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانيةً مجلودةً، أو مشركةً، وكذا الزانية.
(١) هو الحديث الآتي للمصنف بعد هذا، وسيأتي الكلام عليه.
(٢) - ((بداية المجتهد)) ٤٠/٢ .

١٠٣
١٢ - (تَزْوِيجُ الزانية) - حديث رقم ٣٢٢٩
[الرابع]: أن هذا كان في نسوة، كان الرجل يتزوّج إحداهنّ على أن تنفق عليه مما
كسبته من الزنا، واحتجّ بأنّ الآية نزلت في ذلك.
[الخامس]: أنه عامّ في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيفة على الزانية
انتھی(١).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما نكاح الزانية، فقد صرّح اللَّه سبحانه
وتعالى بتحريمه في ((سورة النور))، وأخبر أن من نكحها، فهو إما زان، أو مشرك، فإنه
إما أن يلتزم حكمه سبحانه وتعالى، ويعتقد وجوبه عليه، أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم
يعتقده، فهو مشرك، وإن التزمه، واعتقد وجوبه، وخالفه، فهو زان، ثم صرّح
بتحريمه، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. ولا يخفى أن دعوى نسخ الآية
بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] من أضعف ما يُقال، وأضعف منه
حملُ النكاح على الزنى؛ إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزني، إلا بزانية، أو مشركة،
والزانية لا يزني بها إلا زان، أو مشرك، وكلام اللَّه تعالى ينبغي أن يُصان عن مثل هذا.
وكذلك حمل الآية على امرأة بغيّ مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف
وهو سبحانه وتعالى إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفّة، فقال:
﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ
أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة، دون غيرها، وليس هذا من
باب دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيُقتصر في إباحتها على ما
ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل التحريم.
وأيضًا فإنه سبحانه وتعالى قال: ﴿اَلْخَيْئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيِئُونَ لِلْخَيِشَتِّ﴾ [النور: ٢٦]
والخبيئات: الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوّج بهنّ فهو خبيث.
وأيضًا فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغيّ، وقُبْحُ هذا مستقرّ في فطر
الخلق، وهو عندهم غاية المسبّة. وأيضًا فإن البغيّ لا يُؤمَنُ أن تُفسد على الرجل
فراشه، وتعلّق عليه أولادًا من غيره، والتحريم يثبت بدون هذا. وأيضًا فإن النبيّ وَليه
فرّق بين الرجل وبين المرأة التي وجدها حبلى من الزنى(٢). ثم ذكر قصة مرثد
(١) - راجع ((نيل الأوطار)) ٦/ ١٥٤ - ١٥٥.
(٢) - هو ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) من طريق ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب،
عن رجل من الأنصار، قال ابن أبي السري: من أصحاب النبي ◌َّر، ولم يقل من الأنصار، ثم اتفقوا،
يقال له: بصرة، قال: تزوجت امرأة بكرا في سترها، فدخلت عليها، فإذا هي حبلى، فقال النبي ومؤ ر:
((لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت - قال الحسن- فاجلدها»، وقال
ابن أبي السري -: ((فاجلدوها)»، أو قال: ((فحدوها)». وهو حديث ضعيف.

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
المذكورة في الباب انتهى كلام ابن القيّم رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرّر مما ذُكر أن الحقّ تحريم نكاح الزواني، إلا
أن تتوب، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، كما تقدّم في كلام الحافظ
ابن كثير، فهو أرجح الأقوال؛ لظاهر قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحمل الآية
على أنها خرجت مخرج الذم، لا مخرج التحريم، غير صحيح، وإن قال به الكثيرون،
لأن حديث مرثد الغنويّ رَّه المذكور في الباب الذي هو سبب نزول الآية المذكورة
يبطله، حيث إن النبيّ وَ ل ﴿ لما نزلت قرأها على مرثد ◌َزيه، ثم قال له: ((لا تنكحها))،
فدلّ على أن الآية إنما نزلت للتحريم، فهي صريحة فيه، لا تحتمل غيره.
والحاصل أن الآية والحديث صريحان في التحريم، فتبصر بالإنصاف، ولا تتهوّر
بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٣٢٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاهُ
ابْنُ سَلَمَةَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَبْدُ الْكَرِيمِ، يَرْفَعُهُ إِلَىِ ابْنِ عَبَّاسٍ،ٍ وَهَارُّونُ لَمْ
يَزْفَعْهُ، قَالَّا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةً، هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ
إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: ((طَلِّقْهَا))، قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: ((اسْتَمْتِعْ بِهَا)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَهَارُونُ
ابْنُ رِئَابٍ، أَثْبَتُ مِنْهُ، وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَهَارُونُ ثِقَةٌ، وَحَدِيثُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، مِنْ
حَدِيثٍ عَبْدِ الْكَرِيمِ).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١-محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبو بـ((ابن عليّة)) البصريّ، نزيل دمشق،
وقاضيها، ثقة [١١]٤٨٩/٢٢ من أفراد المصنّف.
٢- (يزيد) بن هارون السلمي مولاهم الحافظ، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن
عابد [٩]٢٤٤/١٥٣.
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغير في الآخر، من
كبار [٨]٢٨٨/١٨١.
٤- (هارون بن رئاب) -بكسر الراء، وتحتانيّة مهموزة، ثم موحّدة- التميميّ
البصريّ، ثقة عابد [٦] ٨٠/ ٢٥٧٥.
(١) - ((زاد المعاد))١١٤/٥ - ١١٥.

١٢- (تزویجُ الزانية) - حديث رقم ٣٢٣٠
١٠٥ ==
٥- (عبد الكريم) بن أبي الْمُخَارق -بضمّ الميم، وبالخاء المعجمة - أبو أُميّة المعلّم
البصريّ، نزيل مكّة، واسم أبيه قيس. وقيل: طارق، ضعيف [٦].
ضعفه أيوب السختيانيّ، وأحمد، وابن معين. وقال النسائيّ، والدار قطنيّ: متروك.
وقال ابن حبّان: كان كثير الوهم، فاحش الخطإ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به.
وقال ابن عبد البرّ: مجمع على ضعفه. مات سنة (١٢٧) وقيل: (١٢٦) علّق له
البخاريّ في موضع، وأخرج له مسلم متابعةً، وأبو داود في المراسيل، والترمذيّ،
والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٦- (عبد الله بن عبيد بن عمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [٣]٢٨٣٧/٨٩.
٧- (ابن عباس) عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ) بهمزة بعد الراء (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) الليثيّ المكيّ
(وَعَبْدِ الْگرِیم) بالجرّ عطفًا على هارون، فحمّاد بن سلمة يروي عن هارون، وعبد الكريم
كليهما (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما. وقوله:
(عَبْدُ الْكَرِيمِ) بالرفع مبتدأ خبره قوله (يَرْفَعُهُ) أي يسند الحديث (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه
تعالى عنهماً (وَهَارُونُ لَمْ يَرْفَعْهُ) أي لم يذكره في السند، بل جعله مرسلاً.
وحاصل ما أشار إليه أن كلّا من هارون بن رئاب، وعبد الكريم رويا الحديث عن
عبد الله بن عُبيد بن عُمير، لكن هارون قال جاء رجل إلى النبيّ بَّر، فجلعه مرسلاً، إذ
لم يذكر الصحابيّ، فإن عبد الله بن عبيد تابعيّ، كما سبق في ترجمته، وأما عبد الكريم،
فرواه عن عبد الله بن عُبيد بن عُمير، عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، فوصله
بذكر الصحابيّ، ورواية هارون المرسلة أرجح؛ لاتفاقهم على ضعف عبد الكريم؛ كما
سینصّ عليه المصنف رحمه الله تعالى.
(قَالَا) الضمير لهارون، وعبد الكريم (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي
امْرَأَةً) أي زوجة. وفي الرواية الآتية - ٣٤٦٦/٣٤ - من طريق عمارة بن أبي حفصة، عن
عكرمة، عن ابن عباس: ((إن امرأتي ... )). وفي - ٣٤٦٧/٣٤ - من طريق النضر بن
شُميل، عن حماد بن سلمة: ((إن تحتي امرأة ... )) (هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا
تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ) أي إنها مطاوعة لمن أرادها، وهذا كناية عن الفجور. وقيل: بل هو كناية
عن بذلها الطّعام. قيل: هو الأشبه، وقال أحمد: لم يكن ◌َّ ليأمره بإمساكها، وهي
تفجر. ورُدّ بأنه لو كان المراد السخاء لقيل: لا تردّ يد ملتمس؛ إذ السائل يقال له:
الملتمس، لا لامس، وأما اللمس فهو الجماع، أو بعض مقدّماته. وأيضًا السخاء مندوب
إليه، فلا تكون المرأة معاقبة لأجله، مستحقّةً للفراق، فإنها إما أن تُعطي مالها، أو مال

= ١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
الزوج، وعلى الثاني على الزوج صونه، وحفظه، وعدم تمكينها منه، فلم يتعيّن الأمر
بتطليقها. وقيل: المراد أنها تتلذّذ بمن يلمسها، فلا تردّ يده، ولم يرد الفاحشة العظمى،
وإلا لكان بذلك قاذفًا لها. وقيل: الأقرب أن الزوج علم منها أن أحدًا لو أراد منها السوء
لما كانت هي تردّه، لا أنه تحقّق وقوع ذلك منها، بل ظهر له ذلك بقرائن، فأرشده الشارع
إلى مفارقتها، احتياطًا، فلما علم أنه لا يقدر على فراقها؛ لمحبّته لها، وأنه لا يصبر على
ذلك رخّص له في إثباتها؛ لأنّ محبّته لها محقّقة، ووقوع الفاحشة منها متوهّم.
(قَالَ) وَّرِ (طَلَّقْهَا) وفي رواية عمارة المذكورة: ((غرّبها، إن شئت))، وهو بمعنى
طلّق (قَالَ) الرجل (لَا أَصْبِرُ عَنْهَا) وفي رواية عمارة: ((إني أخاف أن تتبعها نفسي)) (قَالَ)
وَلِ﴾ (اسْتَمْتِعْ بَهَا) أي كن معها قدر ما تقضي حاجتك. وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى
قوله: ((استمتع بها)): أي لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها، ومن وطرها،
وخاف النبيّ وَّر، إن هو أوجب عليه طلاقها أن تَتُوق نفسه إليها، فيقع في الحرام.
وقيل: معنى: ((لا تردّ يد لامس)) أنها تُعطي من ماله من يطلب منها، وهذا أشبه. قال
أحمد: لم يكن ليأمره بإمساكها، وهي تفجر. قال عليّ، وابن مسعود: ((إذا جاءكم
الحديث عن رسول اللَّه وَّر، فظنوا به الذي هو أهدى، وأتقى. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين
مضعّف له، كما قال النسائي، ومنكر، كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر. وقال
ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخيّة، لا تمنع سائلاً، وحكاه النسائيّ في ((سننه))(٢) عن
بعضهم، فقال: وقيل: سخيّة، تُعطي.
ورد هذا بأنه لو كان المرادَ لقال: لا ترد يد ملتمس.
وقيل: المراد أن سجيّتها لا تردّ يد لامس، لا أن المراد أن هذا واقعٌ منها، وأنها
تفعل الفاحشة، فإن رسول اللّه وَالر، لا يأذن في مصاحبة مَنْ هذه صفتها، فإن زوجها
والحالة هذه يكون ديّوثًا، وقد ثبت الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيّتها هكذا
ليس فيها ممانعةٌ، ولا مخالفةٌ لمن أرادها، لو خلا بها أحدٌ، أمره رسول اللَّه وَله
بفراقها، فلما ذكر أنه يُحبّها أباح له البقاء معها؛ لأن محبّته لها محققة، ووقوع الفاحشة
منها متوهّمٌ، فلا يُصار إلى الضرر العاجل لتوهّم الآجل. والله سبحانه أعلم. انتهى
كلام الحافظ ابن كثير(٣).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا المعنى الأخير هذا الصواب عندي.
(١) - ((النهاية)) ٢٧٠/٤.
(٢) - لم أر هذا الكلام للمصنّف.
(٣) - ((تفسير ابن كثير٢٧٤/٣١ - ٣٧٥.

١٠٧ =
١٢- (تزويج الزانية) - حدیث رقم ٣٢٣٠
وحاصله أن الرجل رأى منها ما يُريبه، فخشي وقوع الفاحشة، فأمره وَلتر بإبعادها،
ومفارقتها، من باب ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وأما حمله على الفجور المحقّق
فلا شك أنه يتنافى مع مقاصد الشريعة المطهّرة، التي جاءت لإبعاد الناس عن الفجور،
فلا يأمر النبيّ وَلّ الرجل بإقرار أهله على الفاحشة، ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ
يُؤْجَى﴾ [النجم: ٣]، وما نزل الوحي إلا بالنهي عن الفحشاء، كما قال الله عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٨]. والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ) لأن الصحيح
إرساله، والمرسل ضعيف، وأما وصله بذكر ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، فغير
صحيح؛ لأنه من رواية عبد الكريم أبي أميّة، وهو ضعف جدًّا، كما بيّنه بقوله (وَعَبْدُ الْكَرِيم
لَيْسَ بِالْقَوِيِّ) بل هو ممن أجمعوا على ضعفه، كما سبق في ترجمته (وَهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، أَقْبَّتُ
مِنْهُ، وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَهَارُونُ ثِقَةٌ، وَحَدِيثُهُ) أي حديث هارون (أَوْلَى بِالصَّوَابِ) لكونه
ثقة (مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ الْكَرِيمِ) الضعيف الذي رواه موصولًا .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حاصل كلام المصنّف رحمه الله تعالى تضعيف
وصل هذا الحديث؛ وإنما هو مرسلّ؛ وذلك لأنه من رواية عبد الكريم بن أبي
المخارق، وهو شديد الضعف، لكن سيأتي له الحديث -٣٤٦٦/٣٤-موصولاً بذكر
ابن عباس من رواية النضر بن شُميل، عن حماد بن سلمة، وغاية ما علّل به تلك الرواية
مخالفة النضر ليزيد بن هارون، لكن هذا لا يضرّه؛ لأن النضر ثقة ثبت حافظ، فوصله
زيادة ثقة، ولا سيما وقد أخرجه من رواية الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة،
عن عكرمة، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما.
والحاصل أن الحديث متّصلٌ صحيحٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح، كما سبق البحث عنه آنفًا.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٣٠/١٢ و٣٤٦٥/٣٤ و٣٤٦٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٣٣٩/١٢ و٥٤٠
و٥٦٥٨/٣٥ و٥٦٥٩. وأخرجه (د) في ((النكاح)) ٢٠٤٩. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
١٣ - (بَابُ كَرَاهِيَةٍ تَزْوِيج الزُّنَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه استدلال المصنف رحمه الله تعالى بحديث أبي
هريرة رضي الله تعالى عنه المذكور على الترجمة أنه وي ليه لما أمر بنكاح ذات الدين، حيث
قال: ((فاظفر بذات الدين)) فهم منه النهي عن نكاح ضدّها، والزانية من أشدّ أضدادها.
ثم إنه كان الأولى له أن يدخل هذا الحديث تحت الترجمة السابقة؛ لأن معنى الترجمتين
متقارب، إذ الكراهية في عرف السلف بمعنى التحريم، كما في قوله تعالى بعد أن ذكر
عدّة محرمات: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَيْكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٣٢٣١- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ
ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ وََّ، قَالَ: ((تُنْكَحُ النِّسَاءُ لِأَرْبَعَةِ
لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عبيدالله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠]١٥/١٥.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان، البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤.
٣- (عبيدالله) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥]١٥/١٥.
٤- (سعيد بن أبي سعيد) المقبريّ، أبو سعد المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع
سنين [٣]١١٧/٩٥ .
٥- (أبوه) كيسان المقبريّ، مولى أم شريك، أبو سعيد المدني، ثقة ثبت [٢]٦٣/
٨٧٢ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسيّ، ويحيى،
فبصريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبيد الله،
وسعيد، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في
دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.

١٣ - (بَأَبُ كَرَاهِیّةِ تَزْوِيج الزناةِ) - حديث رقم ٣٢٣١
١٠٩ =
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَِّيِّ وَ ◌َّ، قَالَ: ((تُنْكَحُ النِّسَاءُ) وفي
((الكبرى)): ((المرأة)). وهو فعلٌ ونائب فاعله. قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: الصحيح
في معنى الحديث أنه وَلّ أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال
الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، لا أنه أمر بذلك انتهى(١).
وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع،
هي المرغبة في نكاح المرأة، وهي التي يقصدها الرجال من النساء، فهو خبرٌ عما في
الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح لقصد مجموع هذه الخصال،
أو لواحدة منها، لكن قصد الدين أولى وأهمّ، ولذلك قال: «فاظفر بذات الدين، تربت
یمینك)».
قال: ولا يُظنّ من هذا الحديث أن مجموع هذه الأربع، والمساواة فيها هي الكفاءة،
فإن ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمتُ، وإن كانوا قد اختلفوا في الكفاءة ما
هي؟. انتهى (٢).
(إِ) أجل (أَرْبَعَةٍ) وفي نسخة: ((لأربع))، ولكلّ وجهً، وذلك أن تقدير الأول لأربعة
أمور، وتقدير الثاني: لأربع خصال (لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا) بفتح المهملتين، ثم موحّدة:
أي شرفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء، وبالأقارب، مأخوذ من الحساب؛
لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدّوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيُحكم لمن
زاد عدده على غيره. وقيل: المراد بالحسب هنا الفَعَال الحسنة. وقيل: المال. وهو
مردود لذكر المال قبله، وذكره معطوفًا عليه. وقد وقع في مرسل يحيى بن جَعْدةً عند
سعيد بن منصور: ((على دينها، ومالها، وعلى حسبها، ونسبها)). وذكر النسب على هذا
تأكيدٌ. ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يُستحبّ له أن يتزوّج نسيبةً، إلا إذا تعارض نسيبةٌ
غيرُ ديّنة، وغيرُ نسيبة ديّنة، فتُقدّم ذات الدين، وهكذا في كلّ الصفات.
وأما قول بعض الشافعيّة: يُستحبّ أن لا تكون المرأة ذات قرابة قريبة، فإن كان
مستندًا إلى الخبر فلا أصل له، أو إلى التجربة، وهو أن الغالب أن الولد بين القريبين
یکون أحمق، فهو متّجه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التجربة محلّ نظر. والله تعالى أعلم.
-
(١) - ((شرح مسلم٤ ١٠/ ٢٩٣.
(٢) - ((المفهم)٢١٥/٤٩ - ٢١٦.

== ١١٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكَاحِ
وقد تقدم الحديث للمصنّف قبل بابين في - ٣٢٢٧/١٠- من طريق عطاء، عن جابر
رَبّه، وليس فيه ذكر الحسب، بل اقتصر فيه على الدين، والمال، والجمال.
(وَلِجَمَالِهَا) قال في ((الفتح)): يؤخذ منه استحباب تزويج الجميلة، إلا إن تعارض
الجميلة غير الديّنة، وغير الجميلة الديّنة، نعم لو تساوتا في الدين، فالجميلة أولى،
ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أخذ استحباب تزويج الجميلة من هذا الحديث محلّ
نظر؛ إذ الصحيح أن الحديث خبر عن واقع الناس الجاري بينهم فيما يتعلّق بشأن
النكاح، لاأنه أمر بذلك، حتى يُستفاد منه ما ذُكر. فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) أي اطلبها حتى تفوز بها، وتكون محصّلاً بها غاية
المطلوب. وفي حديث جابر تَّ المتقدّم: ((فعليك بذات الدين)). قال في ((الفتح)):
والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كلّ شيءٍ، لا
سيّما فيما تطول صحبته، فأمره النبيّ وَله بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية.
وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو تتثه عند ابن ماجه، رفعه: ((لا تَزَوُّجوا النساء
لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يُرديهنّ - أي يهلكهنّ- ولا تَزَوّجوهنّ لأموالهنّ، فعسى
أموالهنّ أن تُطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدين، ولأمة خَرماء سوداء ذات دين
أفضل)). انتھی(١).
(تَرِبَتْ يَدَاكَ) من باب تعب: أي افتقرتا، كأنهما لصقتا بالتراب. وقال في ((الفتح)):
أي لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد به
حقيقته. وبهذا جزم صاحب ((العمدة))، زاد غيره أنّ صدور ذلك من النبيّ وَّ في حقّ
مسلم لا يُستجاب؛ لشرطه ذلك على ربّه. وحكى ابن العربيّ أن معناه: استغنت. ورُدّ
بأن المعروف أترب إذا استغنى، وتَرِب إذا افتقر، ووجّه بأن الغنى الناشيء عن المال
تراب؛ لأن جميع ما في الدنيا تُراب، ولا يخفى بُعْده. وقيل: معناه ضَعُف عقلك.
وقيل: افتقرت من العلم. وقيل: فيه تقدير شرط: أي وقع لك ذلك إن لم تفعل.
ورجّحه ابن العربيّ. وقيل: معنى افتقرت خابت.
وصحّفه بعضهم، فقال: بالثاء المثلّثة، ووجّهه بأن معنى ثَرَبَتْ: تفرّقت، وهومثل
حديث: ((نهي عن الصلاة إذا صارت الشمس كالأثارب)). وهو جمع تُرُوب، وأَثْرُب،
(١) - لكن الحديث في سنده الإفريقي عبدالرحمن بن زياد بن أنعم، وقد ضعفه الأكثرون، وقد وثقه
أحمد بن صالح المصريّ، وغيره، ويشهد لحديثه هذا حديث الباب، فالظاهر أن حديثه لا ينزل
عن درجة الحسن.

١١١=
١٣ - (بَأَبُ كَرَاهِيَّ تَزْوِيج الزَُّاةِ) - حديث رقم ٣٢٣١
مثل فُلُوس، وأفلُس، وهي جمع ثَزْب -بفتح أوّله، وسكون الراء- وهو الشحم الرقيق
المتفرّق الذي يَغْشَى الكرش. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٣١/١٣ - وفي ((الكبرى)) ٥٣٣٧/١١. وأخرجه (خ) ٥٠٩٠ (م) في
((الرضاع))١٤٦٦ (د) في ((النكاح»٢٠٤٧ (ق) في ((النكاح)) ١٨٥٨ (أحمد) في ((باقي
مسند المكثرين)) ٩٢٣٧ (الدارميّ) في ((النكاح))٢١٧٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو كراهية تزويج الزناة، ووجه
الاستدلال به أن فيه الأمر بنكاح ذات الدين، والأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والزانية من
أشرّ الأضداد لذات الدين، فيكون نكاحها منهيًّا عنه، كما مرّ في أول الباب. (ومنها):
الترغيب في نكاح ذوات الدين. (ومنها): الحثّ على مصاحبة أهل الدين في كلّ شيء؛
لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم، وبركات أنفاسهم، وحسن طرائقهم، ويأمن
المفسدة من جهتهم. قال الله تعالى حكاية عن موسىنَّ لَّارُ: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ
عَلَى أَنْ تُعَلِمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٍ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ الآية [الكهف: ٢٨].
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى ◌َّ أن النبيّ وَّر قال: ((إنما مثل الجليس
الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن
يَحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيّبة، ونافخ الكير إما أن يَحرِق
ثوبك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة)).
(ومنها): أنه لا ينبغي للإنسان أن يستدلّ بالكثرة على كون الشيء صوابًا، فيتأسّى
بأكثر الناس،، ففي هذا الحديث أشار النبيّ وَلقر إلى أن ثلاثة أصناف من الناس مخطئون
في اختيارهم لصفات الزوجيّة، وأن صنفًا واحدًا هو المصيب. (ومنها): أنه ينبغي
للإنسان أن ينظر في عواقب الأمور، ومستقبلها، لا في في عاجلها، فإن الزوجة
(١) - (فتح)، ١٦٩/١٠. ((كتاب النكاح)).

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النكاح
الصالحة في دينها هي التي تكون بها السعادة في المستقبل، فإنها تحفظه في نفسها،
وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وهي القرين الصالح النافع في الدنيا والآخرة،
بخلاف ذات الجمال، والمال، والحسب، فإن السعادة بها قاصرة، غير مستمرّة، بل
كثيرًا ما يكون ذلك لها غرورًا، يرديها، ويُردي من تعلّق بها. (ومنها): أنه لا يحرم على
الشخص أن يرغب في نكاح ذات الحسب، والجمال، والمال، وإنما يعاب عليه إهمال
أهمّ الصفات، وهو الدين. (ومنها): أن الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو
مدلولها الذم، والتقبيح مما جاء على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، لا يوقع في
الإثم، إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما استعملها على ما جرت به العادة، مثل ((تربت
يداك))، و((ثكلتك أمك))، و((ويل أمه))، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(ومنها): أنّ المهلّب قال: في هذا الحديث دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال
الزوجة، فإن طابت نفسها بذلك حلّ له، وإلا فله من ذلك ما بذل لها من الصداق.
وتُعُقّب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم ينحصر مقصود نكاح المرأة لأجل
ما لها في استمتاع الزوج، بل قد يُقصد تزويج ذات الغنى لما عساه يحصل له منها ولدٌ،
فيعود إليه ذلك المال بطريق الإرث، إن وقع، أو لكونها تستغني بمالها عن كثرة مطالبته
بما يحتاج إليه النساء، ونحو ذلك.
قال الحافظ: وأعجب منه استدلال بعض المالكيّة به على أن للرجل أن يحجُر على
امرأته في مالها. قال: لأنه إنما تزوّج لأجل المال، فليس لها تفويته عليه. ولا يخفى
وجه الرّدّ. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٤ - (أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ)
٣٢٣٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيٌّ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟، قَالَ: ((الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ،
(١) - ((فتح)) ١٠ / ١٩٦ - ١٧٠.

١٤ - (أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ) - حديث رقم ٣٢٣٢
١١٣=
وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا، وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧]٣٥/٣١.
٣- (ابن عجلان) محمد المدنيّ، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة
﴾ [٥]٤٠/٣٦. والباقيان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
رضـ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، وابن عجلان علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعةً. (ومنها): أنه
مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان، وشيخه، وإن كان بغلانيا، إلا أنه
دَخَلَ مصر. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَ: أَيُّ النِّسَاءِ
خَيْرٌ؟، قَالَ: ((الَّتِي تَسُرُّهُ) من باب ردّ، يقال: سرّه يَسُرُّهُ سُرُورًا، والاسم السَّرُور -
بالفتح -: إذا أفرحه. قاله الفيّوميّ، أي تُفرِح زوجها (إِذَا نَظَرَ) أي لحسنها ظاهرًا، أو
لحسن أخلاقها باطنًا، ودوام اشتغالها بطاعة الله تعالى، والتقوى (وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ) أي
بما لا يكون فيه معصيةٌللَّه تعالى (وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا) أي بتمكين أحد من أن يفعل بها
فاحشة (وَمَالِهَا) أي بأن تنفقه فيما لا يحلّ الإنفاق فيه (بِمَا يَكْرَهُ) متعلّق بـ((تخالف))،
فيكون قيدًا لكلّ من ((نفسها))، و((مالها)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٣٢٣٢/١٤ - وفي ((الكبرى))١٥/
٥٣٤٣ .
[فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وفيه محمد بن عجلان، وقد تقدّم آنفًا أنه
اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد أخرج الطيالسيّ ص٣٠٦ - رقم ٢٣٢٥ -: ثنا أبو
معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة ◌َّه، قال: قال رسول اللَّه وَليقول: ((خير النساء التي
إذا نظرت إليها سرّتك ... )) الحديث نحوه، وزاد في آخره: قال: وتلا هذه الآية:

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٣٤]. وأبو معشر اسمه نَجيح،
ضعيف .
وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام تنظمثه، قال الهيثميّ - ٢٧٣/٤ - رواه
الطبرانيّ، وفيه زُريك بن أبي زُريك، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
وقوله: لم أعرفه، فيه أن غيره قد عرفه، فقد وثقه ابن معين، وابن الجنيد، كما ذكر
ذلك ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل»٦٢٤/٣ -.
ومن طريق الطبرانيّ، أخرجه الضياء في ((المختارة)) - ١/١٨٠/٥٨. فالإسناد
صحیح.
وله شاهد آخر بلفظ: ((ألا أخبر بخير ما يكنز المرء؟، المرأة الصالحة، إذا نظر إليها
سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته))(١).
وله شاهد آخر بلفظ: ((ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا ... له من زوجة
صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإن غاب عنها
نصحته في نفسها وماله))(٢).
والحاصل أن الحديث صحيح بهذه الشواهد، ولا سيّما حديث عبد الله بن سلام
رَوّ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٥- (الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)
٣٢٣٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ -
وَذَكَرَ آخَرَ - أَنْبَأَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ
(١) - رواه أبو داود ٢٦٤/١ والحاكم في ((المستدرك))٤٠٨/١ - ٤٠٩ والضياء المقدسيّ في
((المختارة))، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، وأقرّه ابن كثير في
((التفسير))٣٥١/٢ وقال الحافظ العراقيّ في ((تخريج الإحياء)) ٣٦/٢: سنده صحيح. لكن قد
ضعفه الشيخ الألباني، وبين علّته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) ٤٨٤/٣ - ٤٨٨ رقم ١٣١٩.
وأطال النفس في بيان العلّة، فراجعه تستفد.
(٢) - رواه ابن ماجه في ((سننه)) رقم - ١٨٥٧ - ((كتاب النكاح))، وهو ضعيف جدًّا، في سنده علي بن
يزيد الألهانيّ منكر الحديث، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه.

١١٥
١٥- (المرأةُ الصَّالِحَة) - حديث رقم ٣٢٣٣
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ
مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) المقرىء، أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠]١١/١١.
٢- (أبوه) عبد الله بن يزيد المقرىء، أبو عبد الرحمن المكيّ الثقة الثبت، أقرأ
القرآن نيفًا وسبعين سنة [٩]٧٤٦/٤.
٣- (حيوة) شُريح التجيبيّ، أبو زرعة المصريّ الثقة الثبت الفقيه الزاهد [٧] ١٧ /
٤٧٨ .
٤- ((شُرَحبيل بن شريك) المعافريّ، أبو محمد المصريّ، صدوق [٦) ٣٢٠/١٢.
٥- (أبو عبد الرحمن الحبليّ) عبد الله بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقة [٣]٦٠/
١٣٠٣ .
٦- (عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي اللّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسلّ
بالمصريين، غير شيخه، وأبي شيخه، فهما مكيّان. (ومنها): أن شرحبيل بن شريك
ليس له عند المصنّف غير حديثين، حديث الباب، وحديث أبي أيوب الأنصاريّ تظلم
مرفوعًا: ((غدوة في سبيل الله، أو روحةٌ خيرٌ مما طلعت عليه الشمس، وغربت))، تقدم
في ((الجهاد)) برقم ١٢/ ٣١٢٠ . والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: ((وذكر آخر)) الذاكر هو أبو محمد، يعني أنه ذكر مع حيوة رجلاً آخر
حدّثه بهذا الحديث عن شُرحبيل بن شريك، والظاهر أن الآخر هو عبد الله بن لهيعة،
فكثيرًا ما يذكره المصنّف رحمه الله تعالى مبهمًا متابعةً، وقد تقدم تحقيق ذلك في مقدمة
هذا الشرح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ:
(إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ) أي تمتّع قليل، ونفعٌ زائل عن قريب، قال تعالى: ﴿قُلِّ مَنَعُ الدُّنْيَا
قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]. وقال وَ ◌ّر: ((لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بَعُوضةٍ ما سقى

=١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
الكافر منها شَرْبة ماء))(١). قاله القاريّ. وقال السنديّ: أي محلّ للاستمتاع، لا مطلوبة
بالذات، فتؤخذ على قدر الحاجة (وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا) أي خير ما يُتمتّع به في الدنيا
(الْمَزْأَةُ الصَّالِحَةُ) أي لأنها مُعينة على أمور الآخرة. قال القرطبيّ: هي الصالحة في
دينها، ونفسها، والمصلحة لحال زوجها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((ألا
أُخبركم بخير ما يَكنُزُ المرء؟))، قالوا: بلى، قال: ((المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها
سرّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته))(٢). قال الطيبيّ رحمه الله تعالى:
وقيّد بالصالحة إيذانًا بأنها شرٌّ لو لم تكن على هذه الصفة. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٣٣/١٥ - وفي («الكبرى» ٥٣٤٤/١٦. وأخرجه (م) في ((الرضاع))
١٤٦٧ (ق) في ((النكاح»١٨٥٥ (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٦٥٣١. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو فضل المرأة الصالحة.
(ومنها): أن فيه الحثّ على الزهد في الدنيا، حيث إنها متاعٌ قليلٌ زائلٌ عن قريب، فهي
كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَآَ إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، والترغيب في
الآخرة، حيث إنها النعيم المقيم الذي لا يزول، ولا يحول، فهي كما وصفها اللَّه تعالى
بقوله: ﴿وَإِنَ الذَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
(ومنها): أن فيه الحثّ على البحث عن المرأة الصالحة؛ إذ هي أفضل متاع الدنيا،
فينبغي للعاقل البحث، والتنقيب عنها؛ لتتكامل له الحياة المرضيّة التي تتصل بالحياة
الأبديّة، والسعادة السرمديّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، والضياء المقدسيّ من حديث سهل بن سعد تَّ.
(٢) - ((رواه أبو داود برقم ١٦٦٤ . وتقدّم أنه حديث ضعيف.

١٦ - (الْمَزْأَةُ الْغَيْرَاءُ) - حديث رقم ٣٢٣٤
١١٧
١٦- (الْمَرْأَةُ الْغَيْرَاءُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الغيراء)) بالمدّ كما هو في معظم نسخ ((المجتبى))، وكذا
في ((الكبرى))، وفي بعض النسخ ((الغيرَى)) بالقصر، وهو الموافق لما في كتب اللغة.
قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها، يَغار،
من باب تَعِبَ غَيْرًا، وغَيْرَةً - بالفتح- وغارًا. قال ابن السّكّيت: ولا يُقال: غِيَرًا، وغِيَّرَةً
- بالكسر- فالرجل غَيُورٌ، وغَيْرَان، والمرأة غَيُورٌ أيضًا، وغَيْرَى، وجمع غَيُور غُيُرٌ، مثلُ
رَسُول ورُسُل، وجمع غَيران، وغَيْرَى غُيّارَى بالضمّ، والفتح، وأغار الرجل زوجته:
تزوّج عليها، فغارت عليه. انتهى. وفي ((النهاية)) ((الغيرة)): هي الحَمِيَّةُ والأَنَفَةُ.
انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٣٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَتَزَوَّجُ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ؟،
قَالَ: ((إِنَّ فِيهِمْ لَغَيْرَةٌ شَدِيدَةً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت فقيه [١٠]٢/
٢ .
٢- (النضر) بن شُميل المازني، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت،
من كبار [٩]٢٢٠٨/٤٠ .
٣- (حماد بن سلمة) المذكور قبل ثلاثة أبواب.
٤- (إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقة
حجة [٤]٢٠/١٩.
٥- (أنس) بن مالك رضي اللّه تعالى عنه ٦/٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بالبصرة. والله تعالى أعلم.
(١) ((النهاية)) جـ ٣ ص ٤٠١ .

١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه قال (قَالُوا) أي الصحابة، أو الأنصار
رَيْه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام -: معناها هنا العرض، وهو
الطلب بلين، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ﴾ الآية [النور: ٢٢]
بخلاف التحضيض، فإنه طلب بِحَثِّ وإزعاج (تَتَزَوَّجُ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ؟، قَالَ) وَلِّ (إِنَّ
فِيهِمْ لَغَيْرَةً) بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة -: هي الْحَمِيّةُ والأَنَفَّةُ، وإنما
وصفها بقوله (شَدِيدَةً) لأن أصل الغيرة ليس مذمومًا، لأنه من طبيعة النساء، وإنما
المذموم ما كان شديدًا. وجملة ((إن)) تعليلٌ لمحذوف، تقديره: لا أتزوّج منهنّ؛ لأن
فيهنّ غيرةً شديدةً، يترتّب عليها سوء العشرة، التي توقع الإنسان في مخالفة قوله
تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [النساء: ١٩].
وفيه أنه لا ينبغي نكاح المرأة الشديدة الغيرة، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله
تعالى بعقد هذا الباب هنا، وذلك لأن شدة غيرتها يحملها على أن لا تراعي حقوق
الزوج، ومن ثمّ يكافئوها هو بسوء العشرة، فيخلّ كلٌّ منهما بما أوجب الله تعالى عليه.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو
من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٢٣٤/١٣ - وفي ((الكبرى)) ١٣/
٥٣٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٧ - (إِبَاحَةُ النَّظَرِ قَبْلَ التَّزْوِيج)
٣٢٣٥- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا مَزْوَانُ(٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا
يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ امْرَأَةٌ، مِنَ
الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((هَلَّ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟))، قَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا).
(١) - زاد في ((الكبرى)): ((دُحيم الدمشقيّ، قاضي الرملة)).
(٢) - زاد في ((الكبرى)): ((وهو ابن معاوية الفزاريّ)).

١٧ - (إِيَاحَةُ النَّظَرِ قَبَلَ التَّزْوِيج) - حديث رقم ٣٢٣٥
١١٩ =
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبد الرحمن بن إبراهيم) الدمشقيّ الحافظ الثبت المعروف بـ((دُحيم بن اليتيم))
[١٠] ٤٥ /٥٦ .
٢- (مروان) بن معاوية الفزاريّ الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، الثقة الحافظ،
وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨]٥٠/ ٨٥٠.
٣- (يزيد بن كيسان) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوق
يخطىء [٦]١٧٣ /٢٧٠.
٤- (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ الثقة [٣]١٤٩/١١٠.
[تنبيه]: زاد في ((الكبرى)): ما نصّه: قال لنا أبو عبد الرحمن: واسم أبي حازم هذا
سلمان، مولى عَزَّة، كوفيّ. واسم أبي حازم المدينيّ وهو ابن دينار(١)، وهو والد
عبد العزيز بن أبي حازم انتهى (٢).
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فدمشقيّ، وغير
الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أنّ فيه أبا هريرة رَمثله رأس المكثرين السبعة. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون هو
المغيرة بن شعبة الآتي في الحديث التالي، كما قال الحافظ في ((الفتح))(٣) (امْرَأَةً، مِنَ
الْأَنْصَارِ) وفي الرواية الآتية من طريق سفيان بن عيينة، عن يزيد بن كيسان: ((أن رجلاً
أراد أن يتزوّج امرأةً، فقال النبيّ وَّر: ((انظر إليها ... )). وفي رواية لمسلم من طريق
سفيان بن عيينة، عن يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة تصميم، قال: كنت عند النبيّ وَّل،
فأتاه رجلٌ، فأخبره أنه تزوّج امرأةً من الأنصار ... )). ومعنى ((تزوّج)) أراد أن يتزوّج،
كما فسّرته رواية المصنّف (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟) وفي الرواية
(١) - هكذا نسخة ((الكبرى))، والظاهر أنه سقط ذكر اسمه، وهو سلمة. فليُحرّر.
(٢) - راجع (الكبرى)) ٢٧٢/٣ رقم ٥٣٤٥/١٧ .
(٣) - ((فتح١٠٤/ ٢٢٧ .

١٢٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح
الآتية -٣٢٤٧/٢٣ - من طريق عليّ بن هاشم بن الْبَرِيد، عن يزيد بن كيسان: ((ألا
نظرت إليها؟)) ( ((قَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الأمر
على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها -أعني المخطوبة - فلعله يرى منها ما
يُرغبه في نكاحها. وقد نبّه النبيّ چې على هذا بقوله فیما ذكره أبو داود من حديث جابر
رَّيه، إذ قال: ((إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى
نكاحها فليفعل))(١). ولا يقال مثلُ هذا في الواجب، وقاعدة النكاح -وإن كان
معاوضةً- مفارقةٌ لقاعدة البيوع، من حيث إنها مبنيّةٌ على المكارمة، والمواصلة،
وإظهار الرغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر
صداق، وتجوز فيها ضروبٌ من الجهالات والأحكام، لا يجوز شيء منها في البيوع،
والمعاملات المبنية على المشاحّة، والمغابنة. ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا
يُعرف حالها من جمال، وشباب، وحسن خُلُقٍ، وتمام خَلْقٍ، وهذه وإن كانت مجهولةً
حالة العقد، لم يضرّ الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب، فالأمر بالنظر
إلى المخطوبة أحرى بأن لا يكون واجبًا، فلم يبقَ إلا أن يحمل ذلك الأمر على ما
تقدّم، وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالكٌ، والشافعيّ، والكوفيّون، وغيرهم، وأهل
الظاهر، وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم للأحايث الصحيحة في هذا الباب انتهى
كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢).
(أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا) زاد في رواية سفيان المذكورة: «فإن في أعين الأنصار شيئًا».
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا الرواية المشهورة: ((شيئًا)) بالهمز، وهو واحد
الأشياء. قيل: المراد صغرٌ. وقيل: زُرْقٌ. انتهى.
(١) رواه الشافعيّ، وأحمد، وعبدالرزّاق، والبزار، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبيّ. قال
الحافظ: ورجاله ثقات، وفي إسناده محمد بن إسحاق. يعني أنه مدلّس، لكنه صرّح بالتحديث
في إحدى روايتي أحمد. وأعلّه ابن القطان بواقد بن عبدالرحمن، وقال: المعروف واقد بن
عمرو، قال الحافظ: ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو، وكذا رواية الشافعيّ، وعبدالرزّاق.
انتهى ((التلخيص الحبير)) ٣٠٦/٣.
قال الإمام أحمد : - حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين،
مولى عمرو بن عثمان، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري،
قال: سمعت رسول اللّه وَله يقول: ((إذا خطب أحدكم المرأة، فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه
إليها، فليفعل)). انتهى ((المسند)) رقم ١٤٣٤٠.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا إسناد ثقات، والأكثرون على أن واقدًا هو ابن عمرو، وهو ثقة من
رجال مسلم، وأما واقد بن عبدالرحمن فمجهول، فالحديث عندي صحيح.
(٢) - ((المفهم)) ٤ / ١٢٥ - ١٢٦.