النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى الْعَرَبيّة) - حديث رقم ٣٢٢٣
لحسنه وجماله. وهي مضبوطة -بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح الراء. ومنهم من
فتح الطاء، وشدّد الراء (١). (طَلَّقَ وَهُوَ غُلَامٌ) هو: الطَّارُّ الشَّارِبِ. وقيل: هو من حين
يولد إلى أن يَشِيبَ، جمعه أغلمةٌ، وغِلْمَةٌ، وغِلْمانٌ. قاله في ((اللسان)).
وقال الفيّوميّ: الغلام: الابن الصغير، وجمع القلّة غِلْمٌ، وجمع الكثرة غِلْمانٌ،
ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ باسم ما
يؤول إليه، وجاء في الشعر غلامة بالهاء للجارية، قال أوس بن غَلْفَاء الْهُجيميّ يصف
فرسًا [من الوافر]:
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٍّ أَبُوهَا يَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ
قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذَكَرًا: غلامٌ، وسمعتهم
يقولون للكَهْلِ غلامٌ، وهو فاش في كلامهم انتهى.
قال الجامعَ عفا اللّه تعالى عنه: والمناسب هنا هو المعنى الأخير، ولذا قيّده بقوله
(شَابٌّ) اسم فاعل من الشَّبَاب، وهو الفَتَاءُ والحَدَاثَةُ، أفاده في ((اللسان)). وفي
((المصباح)): شَبّ الصبيّ يَشِبْ، من باب ضرب شَبَابًا، وشَبِيبَةٌ، وهو شابٌّ، وذلك سِنِّ
قبل الكهولة. والجمع: شُبّان، مثلُ فارس وفُرْسَان، والأنثى شابةٌ، والجمع شَوَابُ،
مثلُ دابة ودواب انتھی.
(فِي إِمَارَةٍ مَرْوَانَ) أي في زمن ولايته على المدينة. ومروان هو ابن الحكم بن أبي
العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤)،
ومات سنة (٦٥) في رمضان، وله (٦٣) أو (٦١) سنة ولا يثبت له صحبة، بل هو تابعيّ
(ابْنَةَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) بن نُفيل الصحابيّ، أحد العشرة المبشرين بالجنّة ؛
(وَأُمُّهَا بِنْتُ
قَيْسٍ) بن الضحاك، أخت الضحاك بن قيس، الفهريّة، واسمها حمنة، كما سيأتي في -
٣٥٧٩/٧٣.
(الْبَتََّ) مفعول مطلق على النيابة ((طلّق))، يقال: بتّ الرجلُ طلاقَ امرأته، فهي
مبتوتةٌ، والأصلُ مبتوتٌ طلاقُها، وطلّقها طَلْقَةٌ بَتَّةً: إذا قطعها عن الرَّجْعَة، وأبتّ
طلاقَها بالألف لغةٌ، قال الأزهريّ: ويُستعمل الثلاثي، والرباعيّ لازمين، ومتعدیین،
فيقال: بَتّ طلاقَها، وأبت، وطلاقْ باتٌّ، ومُبِتٌ، وقال ابن فارس: ويقال لما لا رجعة
فيه: لا أفعله بَّةً انتهى(٢) .
والمراد أنه طلّقها ثلاثًا، فإن الثلاث هي التي تقطع وُصْلة النكاح.
(١) - ((تهذيب التهذيب))٣٩٤/٢. طبعة مؤسّسة الرسالة.
(٢) - راجع ((المصباح المنير)).

- ٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
(فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا خَالَتُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ) بن خالد، من بني محارب بن فهر بن
مالك، وهي أخت الضحاك بن قيس الذي ولي العراق ليزيد بن معاوية، وقُتِلَ بِمَرْج
راهط، وهو من صغار الصحابة، وهي أسنّ منه، يقال: بعشر سنين، قَدِمت على أخيهَا
الكوفةَ، وهو أميرها، فروى عنها الشعبيّ قصّةَ الجسّاسة بطولها، فانفردت بها مطوّلة،
وتابعها جابرٌ وغيره(١).
(تَأْمُرُهَا بِالإِنْتِقَالِ مِنْ بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) إذ لا حقّ لها في السكنى عنده (وَسَمِعَ
بِذَلِكَ مَرْوَانُ) بن الحكم. وفي رواية الموطإ: ((فأنكر ذلك عليها عبد الله بن عمر))،
فلعلّه حصل الإنكار من كلّ منهما (فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَةِ سَعِيدٍ) بن زيد (فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى
مَسْكَنِهَا) أي لاعتقاده وجوب بقائها فيه حتى تنقضي عدتها؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لَا
تُخْرِجُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ الآية [الطلاق: ١] (وَسَأَلَهَا مَا حَمَلَهَا عَلَى الإِنْتِقَالِ)
((ما)) اسم موصولٌ، مفعول ((سأل))، أي الشيء الذي حملها على الخروج من البيت
الذي هي فيه. ويحتمل أن تكون استفهاميّةً، فتكون الجملة معلّقًا عنها العامل، أي أَيُّ
شيء حملها الخ (مِنْ قَبْلٍ أَنْ تَعْتَدَّ فِي مَسْكَنِهَا، حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّثَّا) كما هو ظاهر الآية
(فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُخْبِرُهُ أَنَّ خَالَتَهَا) فاطمة بنت قيس رضي اللَّه تعالى عنها (أَمَرَتَها بِذَلِكَ)
الانتقال (فَزَعَمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ) معطوف على محذوف، أي فأرسل مروان إليها من
يسألها، فسألها، فزعمت، أي قالت؛ إذ الزعم يُطلق على القول الحقّ، وإن كان أكثر
استعماله فيما يُشكّ فيه، ولا يُتحقّق.
وقد بيّن هذا المقدّر في الرواية الآتية - ٧٣/ ٣٥٥٣ - من طريق شعيب بن أبي حمزة،
عن الزهريّ: ولفظها: «فأرسل مروان قبيصةَ بنَ ذُتيب إلى فاطمة،، فسألها عن ذلك،
فزعمت أنها كانت تحت أبي عمرو ... ))، وفي لفظ لمسلم: ((فحدّثته به)).
(أَنَّا كَانَتْ تَحتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ) هكذا قال الجمهور: إنه أبو عمرو بن حفص.
وقيل: أبو حفص بن عمرو. وقيل: أبو حفص بن المغيرة. واختلفوا في اسمه،
والأكثرون على أن اسمه عبد الحميد. وقال النسائيّ: اسمه أحمد. وقال آخرون: اسمه
كنيته. قاله النوويّ(٢).
وقال القرطبيّ: هكذا رواية أكثر الأئمة الحفّاظ: مالك وغيره. وقد قلبه شيبان،
وأبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، فقال: إن أبا حفص بن عمرو، والمحفوظ
(١) - ((شرح الزرقاني على الموطأ»٢٠٧/٣.
(٢) - ((شرح مسلم)٩ ١٠/ ٣٣٤.

٦٣
٨- (تَزَوُّجُ الْمَوْلَى العَرَبِية) - حديث رقم ٣٢٢٣
الأول. واسمه أحمد على ما ذكره الداوديّ عن النسائيّ. قال القاضي: والأشهر
عبد الحميد. وقيل: اسمه كنيته، ولا يُعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه
(١) .
انتھی
وفي ((الإصابة)): أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم
القرشيّ المخزوميّ، زوج فاطمة بنت قيس. وهو ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة (٢).
وقيل: هو أبو حفص بن عمرو بن المغيرة. وأمه دُرّة بنت خُزَاعيّ الثقفيّة، وكان خرج
مع عليّ إلى اليمن في عهد النبيّ وَّ، فمات هناك. ويقال: بل رجع إلى أن شهد فتوح
الشام. ذكر ذلك عليّ بن رباح، عن ناشرة بن سُميّ، سمعت عمر يقول: إني معتذرٌ
لكم من عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلت عنّا عاملاً استعمله
رسول اللَّه وَ له فذكر القصّة. أخرجه النسائيّ. وقال البغويّ: سكن المدينة. انتهى
باختصار(٣).
(فَلَمَّا أَمَّرَ) بتشديد الميم، من التأمير: أي جعل أميرًا (رَسُولُ اللَّهِ بِ لَه عَلِيَّ بْنَ أَبِي
طَالِبٍ عَلَى الْيَمَنِ، خَرَجَ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ) قال عياض: كذا الصحيح عند
الجميع أنه طلّقها، وإن اختلفوا في صفته، هل البتّة، أو آخر الثلاث. وما يوهمه بعض
الروايات أنه مات عنها مؤوّل انتهى.
وقال في ((الفتح)): واتفقت الروايات عن فاطمة بنت قيس على كثرتها عنها أنها بانت
بالطلاق. ووقع في آخر ((صحيح مسلم)) في حديث الجسّاسة عن فاطمة بنت قيس :
«نَكَحْتُ ابنَ المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول
اللَّهِ وَلِّ، فلما تأيمتُ خطبني أبو جهم ... )) الحديث. وهذه الرواية وَهَمْ، ولكن أوّلها
بعضهم على أن المراد بقولها: ((أصيب)) أي مات على ظاهره، وكان في بعث عليّ إلى
اليمن، فيصدق أنه أصيب في الجهاد مع رسول اللّه وَلّ، أي في طاعة رسول اللّه وَّ،
ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت، بل بالطلاق السابق على الموت. فقد
ذهب جمع جمّ إلى أنه مات مع عليّ باليمن، وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها، فإذا جمع
بين الروايتين استقام هذا التأويل، وارتفع الوهم، ولكن يَبْعُد بذلك قول من قال: إنه
بقي إلى خلافة عمر رَّه انتهى(٤).
(١) - ((المفهم))٤/ ٢٦٦.
(٢) - راجع ((الفتح))٥٩٩/١٠ ((كتاب الطلاق)).
(٣) - ((الإصابة)) ٢٦٦/١١.
(٤) - ((فتح)) ٥٩٩/١٠. ((كتاب الطلاق)).

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
(هِيَ بَقِيَّةُ طَلَاقِهَا) يعني أنه طلّقها قبل ذلك تطليقتين، وقد بقي لها تطليقة واحدة،
فأرسل بها إليها، فصار الطلاق بهذه الطلقة طلاقًا بائنًا.
وهذه الرواية مفسّرة للروايات الأخرى، فقد وردت الروايات بألفاظ، ففي رواية :
((طلّقها طلقةً كانت بقيت من طلاقها))، وفي رواية: ((أنه طلّقها ثلاثًا))، وفي رواية:
((طلّقها آخر ثلاث تطليقات))، وفي رواية: ((طلّقها))، ولم يذكر عددًا، ولا غيره.
قال النووي: فالجمع بين هذه الروايات أنه كان طلّقها قبل هذا طلقتين، ثم طلّقها
هذه المرّة الطلقة الثالثة، فمن روى أنه طلّقها مطلقًا، أو طلّقها واحدةً، أو طلّقها آخر
ثلاث تطليقات، فهو ظاهر، ومن روى («البتّةَ)) فمراده طلّقها طلاقًا صارت به مبتوتة
بالثلاث، ومن روى ثلاثًا أراد تمام الثلاث انتهى(١).
(وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبا
عبد الرحمن المكيّ، أخا أبي جهّل، وابن عمّ خالد بن الوليد، وأمه فاطمة بنت الوليد
ابن المغيرة. قال الزبير بن بكّار: كان شريفًا مذكورًا، مدحه كعب بن الأشرف
اليهوديّ، وشهد الحارث بن هشام بدرًا مع المشركين، وكان فيمن انهزم، فعيّره حسّان
ابن ثابت، فقال [من الكامل]:
إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي
فَتَجَوْتِ مَنْجَى الْحَارِثِ بْنِ هَشَّامٍ
وَنَجَا بِرَأْسِ طِمْرَةٍ(٢) وِلِجَامِ
تَرَكَ الأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُوتُمْ
فأجاب الحارث [من الكامل]:
حَتَّى رَمَوْا فَرَسِي بِأَشْقَرَ مُزْبِدٍ
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ قِتَالَهُمْ
أُقْتَلْ وَلَايُنْكِي عَدُوْي مَشْهَدِي
فَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا
طَمَعًا لَهُمْ بِعِقَابٍ يَوْمٍ مُرْصَدِ
فَفَرَرْتُ عَنْهُمْ وَالأَحِبَّةُ فِيهِمُ
ويقال: إن هذه الأبيات أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار. قال الزبير: ثم شهد
أحدًا مشركًا حتى أسلم يوم فتح مكة، ثم حسن إسلامه. قال: وحدثني عمي، قال:
خرج الحارث في زمن عمر بأهله وماله من مكة إلى الشام، فتبعه أهل مكة، فقال: لو
استبدلت بكم دارًا بدار ما أردت بكم بدلاً، ولكنها النقلة إلى اللَّه، فلم يزل بالشام حتى
ختم الله له بخير. قال الزبير: لم يترك الحارث إلا ابنه عبد الرحمن، فأتي به، وبناجية
(١) - ((شرح مسلم٧ ٣٣٥/٩.
(٢) - ((الطمرة)) - بكسر الطاء المهملة، وسكون الميم -: الفرس الجواد. ذكره في ((القاموس)) من
جملة معاني ((الطمر)).

٦٥
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَة) - حديث رقم ٣٢٢٣
بنت عتبة بن سُهيل بن عمرو إلى عمر، فقال: زوّجوا الشريدة بالشريد، عسى الله أن
ينشر منهما، فنشر اللَّه منهما ولدًا كثيرًا. وكان الحارث يضرب به المثل في السؤدد،
حتى قال الشاعر [من الكامل]:
فِي الْمَجْدِ كَانَ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ
أَظَنَنْتَ أَنَّ أَبَاكَ حِينَ نَسَبْتَنِي
أَوْلَى قُرَيشٍ بِالْمَكَارِمِ وَالنَّدَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ وَالإِسْلَامِ
وقال الزبير بن بكّار في ((الموفّقيّات)) من طريق محمد بن إسحاق في قصّة سَقيفة بني
ساعدة، قال: فقام الحارث بن هشام، وهو يومئذ سيد بني مخزوم، ليس أحد يعدل به
إلا أهل السوابق مع رسول اللّه وَ لهله فقال: والله لولا قول رسول اللّه وَ ليل: ((الأئمة من
قريش)) ما أُبعد منها الأنصار، ولكانوا لها أهلاً، ولكنه قولٌ لا شكّ فيه، فوالله لولم يبق
من قريش كلها إلا رجلٌ واحد لصيّر اللَّه هذا الأمر فيه. وكان الحارث يَحمل في قتال
الكفّار، ويرتجز :
إِنِّي بِرَبِّي وَالنَّبِيِّ مُؤْمِنُ وَالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَمَاتِ مُوقِنُ
أَقْبِخْ بِشَخْصِ لِلْحَيَاةِ مُوطِنُ(١)
وذكر ابن سعد وغيره: أنه توفّي في طاعون عمواس سنة (١٨).
(وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) -واسم أبيه عمرو، ويُلقّب ذا الرمحين- ابن المغيرة بن
عبد الله بن عُمَر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة،
وكان من السابقين الأولين، وهاجر الهجرتين، ثم خَدَعه أبو جهل إلى أن رجعوه من
المدينة إلى مكة، فحبسوه، وكان النبيّ وَّليل يدعو له في القنوت، كما ثبت في
((الصحيحين)) عن أبي هريرة تَظريه. وذكر العسكريّ أنه شهد بدرا، وغّطوه. قال ابن
قانع، والقراب، وغيرهما: مات سنة (١٥) بالشام في خلافة عمر رَّه . وقيل:
استُشهد باليمامة. وقيل: باليرموك(٢) (بِنَفَقَتِهَا) وفي رواية لمسلم: ((فأرسل إليها وكيله
بشعير، فسخطته)). وفي رواية المصنف - ٣٥٥٢/٧٢- ((فوضع لي عشرة أقفزة عند ابن
عمّ له، خمسة شعير، وخمسة تمر ... )).
وفي رواية لمسلم من طريق أبي بكر بن الجهم، عن فاطمة، قالت: أرسل إليّ
زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عيّاشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل معه بخمسة
آصع تمر، وخمسة آصع شعير، فقلت: أما لي نفقةٌ إلا هذا؟، ولا أعتد في منزلكم؟
(١) - راجع ((الإصابة)) ٢/ ١٨١ - ١٨٢.
(٢) - ((الإصابة)) ٧ / ١٨٤ - ١٨٥.

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاح
قال: لا ... الحديث.
(فَأَرْسَلَتْ - زَعَمَتْ-) أي قالت، وهي جملة معترضة بين العامل ومعموله أتى بها
إشارة إلى أن قولها: ((فأرسلتْ الخ)) منقول عنها (إِلَى الْحَارِثِ وَعَيَّاش) متعلّق بـ((أرسلت))
(تَسْأَلُهُمَا الَّذِي أَمَرَ لَهَا بِهِ زَوْجُهَا) أي من النفقة (فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا لَهَا عِنْدَنَا نَفَقَةٌ) أي لا
يجب لها علينا نفقتها (إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، وَمَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي مَسْكُنِنَا، إِلَّا بِإِذْنِنَا) أي
إلا أن نأذن لها بالسكنى إحسانا منا إليها، لا بطريق الوجوب علينا. والظاهر أن الحارث
وعياشًا كان عندهما علم بحكم المسألة قبل هذا. ويحتمل أنهما قالا ذلك باجتهادهما،
ولكن وافق اجتهادهما النصّ (فَزَعَمَتْ أَنَّا أَتَتْ رَسُولَ اللّهِ بِّ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ،
فَصَدَّقَهُمَا) وفي الرواية الآتية- ٣٥٤٦/٧٠- من طريق عطاء، عن عبد الرحمن بن
عاصم، أن فاطمة بنت قيس أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم، أنه طلقها
ثلاثا، وخرج إلى بعض المغازي، وأمر وكيله أن يعطيها بعض النفقة، فتقالَّتْها،
فانطلقت إلى بعض نساء النبي وَّ، فدخل رسول اللّه ◌َليّ، وهي عندها، فقالت: يا
رسول الله، هذه فاطمة بنت قيس، طلقها فلان، فأرسل إليها ببعض النفقة، فردّتها،
وزعم أنه شيء تَطَوَّل به، قال: ((صدق ... ))
قال النبي صلى الله عليه وسلم فانتقلي إلى أم كلثوم(١) فاعتدي عندها ثم قال إن أم كلثوم
امرأة يكثر عوادها فانتقلي إلى عبد الله ابن أم مكتوم فإنه أعمى فانتقلت إلى عبد الله فاعتدت
عنده حتى انقضت عدتها ثم خطبها أبو الجهم ومعاوية بن أبي سفيان فجاءت رسول الله
صلى الله عليه وسلم تستأمره فيهما فقال أما أبو الجهم فرجل أخاف عليك قسقاسته(٢)
للعصا وأما معاوية فرجل أملق من المال فتزوجت أسامة بن زيد بعد ذلك *
وفي رواية لمسلم من طريق أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: ((وكان أنفق عليها نفقة
دُونٍ، فلما رأت ذلك قالت: واللَّه لأُعْلِمَنّ رسول اللَّه ◌ِيَّله، فإن كان لي نفقة أخذت
الذي يُصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله
وَالخير، فقال: لا نفقة لك، ولا سكنى)).
وفي رواية أبي بكر بن أبي الجهم المذكورة: ((قالت: فشددت عليّ ثيابي، وأتيت
رسول اللَّه وَلَه، فقال: ((كم طلّقك؟ قلت: ثلاثًا، قال: صدق، ليس لك نفقة،
واعتديّ في بيت ابن أم مكتوم ... الحديث.
وفي الرواية الآتية -٣٤٠٦/٧ - من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة:
(١) المحفوظ أن اسمها أم شريك، كما سيأتي تمام البحث فيه في. ٣٥٤٦/٧.
(٢) - أي تحريكه للعصا.

=
٦٧
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيّة) - حديث رقم ٣٢٢٣
((فانطلق خالد بن الوليد ◌َّه في نفر من بني مخزوم، إلى رسول اللّه وَ لّله في بيت
ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص بن عمرو طلّق امرأته ثلاثًا، فهل لها نفقة؟ فقال: ((ليس
لها نفقة، ولا سكنى)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ويجمع بين الروايتين بأن فاطمة ذهبت مع خالد
والنفر الذين معه ، فسأل لها خالد. والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَأَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي إذا لم يكن لي سكنى، ففي أيّ بيت
أعتدّ؟ (قَالَ) وَّهِ (انْتَقِي عِنْدَ ابْنِ أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَى) هو عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن
زائدة. ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الصّحابيّ المشهور، قديم الإسلام. ويقال: اسمه
عبد الله. ويقال: الحصين، كان النبيّ وَّر استخلفه على المدينة، مات تَّيه في آخر
خلافة عمر ◌َّهِ . تقدّمت ترجمته في -٩/ ٦٣٧ (الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ)
حيث أنزل فيه قوله عز وجل: ﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ أَن ◌ََّهُ الْأَعْنَى﴾ الآيات. وفي رواية شعيب،
عن الزهريّ -٣٥٥٣/٧٢ - وهو الأعمى الذي عاتبه اللَّه عز وجل في كتابه)). وضمير
((عاتبه)) للنبيّ بَ لَّ (قَالَتْ فَاطِمَةُ) رضي اللَّه تعالى عنها (فَاعْتَدَدْتُ عِنْدَهُ) أي عند ابن أم
مكتوم رَّ (وَكَانَ رَجُلاً قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ) هذا هو السبب الذي ذكره النبيّ ◌َّر في أمرها
بالاعتداد عنده، بعد أن أمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك رضي اللَّه تعالى عنها، ففي
رواية أبي سلمة الآتية - ٣٢٤٦/٢٢ -: ((فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك، ثم قال:
تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجلٌ أعمى تضعين
ثيابك ... )) .
وفي الرواية الآتية-٣٢٣٨/١٩ - من طريق الشعبيّ، عنها: ((فانطلقي إلى أم شريك))
-وأم شريك امرأة غنيّةٌ، من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله عز وجل، ينزل عليها
الضِّيفَان- فقلت: سأفعل، قال: ((لا تفعلي، فإن أمّ شريك كثيرة الضيفان، فإني أكره أن
يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما
تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمّك(١)، عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم))، وهو رجلٌ
من بني فهر، فانتقلت إليه.
وفي رواية لمسلم: ((أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانطلقي
إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك ... )).
(١) - زاد في رواية لمسلم: ((رجل من بني فهر، من البطن الذي هي منه. واعترض على هذا
القرطبيّ، فقال: والمعروف خلاف هذا، وليسا من بطن واحد، هي من بني محارب بن فهر،
وهو من بني عامر بن لؤيّ انتهى. ((المفهم، ٤/ ٢٧٠.

٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
قال النوويّ: قال العلماء: أم شريك هذه قرشيّةٌ عامريّةٌ. وقيل: إنها أنصاريّةٌ. وقد
ذكر مسلم في آخر الكتاب في حديث الجسّاسة: أنها أنصاريّة، واسمها غُزَيّة. وقيل:
غُزيلة - بغين معجمة مضمومة، ثم زاي فيهما- وهي بنت داود بن عوف بن عمرو بن
عامر بن رواحة بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب. وقيل في
نسبها: غير هذا. قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبيّ وَّ. وقيل: غيرها.
ومعنى هذا الحديث: أن الصحابة * * كانوا يزورون أم شريك، ويُكثرون التردد
إليها لصلاحها، فرأى النبيّ وَلير أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا، من حيث إنه
يلزمها التحفّظ من نظرهم إليها، ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفّظ من
هذا مع كثرة دخولهم، وتردّدهم مشقّةٌ ظاهرةٌ، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه
لا يُبصرها، ولا يتردد إلى بيته من يتردّد إلى بيت أمّ شريك انتهى (١).
(فَكُنْتُ أَضَعُ ثِيَّابِي عِنْدَهُ) أي للأمن من نظره إليها. والمراد: أنها اعتدت عنده،
فكانت تضع ثيابها عنده إذا أردت أن تتكشّف لبعض حاجتها؛ لأنه أعمى لا يراها، كما
بين لها ذلك النبيّ وَلّ حين أمرها بالانتقال من بين أم شريك إلى بيته (حَتَّى أَنْكَحَهَا
رَسُولُ اللّهِ وَ ﴿) ((حتىٍ)) غاية للزومها بيت ابن أم مكتوم، أي لبثت عنده إلى أن انقضت
عدّتها، فزوّجها ◌ِ لَّ (أسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَراحيل الكلبيّ، حِبَّهُ نَّهِ، وابن حِبّه
الأمير الصحابيّ المشهور، مات وظفيه بالمدينة سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنة، تقدّمت
ترجمته في - ١٢٠/٩٦.
وكان تزويجها به بعد أن تقدّم إليها الْخُطّاب، ففي رواية الشعبي، عن فاطمة ١٩/
٣٢٣٨- قالت: خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب النبيّ وَّ، وخطبني
رسول اللَّه ◌َه على مولاه أسامة بن زيد، وقد كنت حُدِّثتُ أن رسول اللَّه ◌ِ له قال: من
أحبني، فليُحبّ أسامة، فلما كلّمني رسول اللّه ◌ِّر، قلت: أمري بيدك، فأنكحني من
شئتَ ... )).
وفي رواية أبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عنها-٣٢٤٥/٢١ - قالت:
فلما حللت آذنته، فقال رسول اللَّه وَله: ((ومن خطبك؟))، فقلت: معاوية، ورجل آخر
من قريش، فقال النبيّ وَلّر: ((أما معاوية فإنه غلام من غلمان قريش، لا شيء له، وأما
الآخر، فإنه صاحب شرّ، لا خير فيه، ولكن انكحي أسامة بن زيد)»، قالت: فكرهته،
فقال لها ذلك ثلاث مرّات، فنكحته.
وفي رواية أبي سلمة، عنها -٣٢٤٥/٢٢ - قالت: فلما حللتُ ذكرت له أن معاوية
(١) - ((شرح مسلم: ٣٣٦/٩.

٦٩
٨- (تَزَوُّجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّة) - حديث رقم ٣٢٢٣
ابن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول اللَّه ◌َلّر: ((أما أبو جهم، فلا يضع عصاه
عن عاتقه، وأما معاوية، فصُعلوك، لا مال له، ولكن انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم
قال: انكحي أسامة بن زيد)»، فنكحته، فجعل اللَّه عز وجل فيه خيرًا عظيمًا)).
(فَأَتْكَرَ ذَلِكَ) أي خروج المطلّقة من بيتها (عَلَيْهَا مَرْوَانُ) بن الحكم (وَقَالَ: لَمْ أَسْمَغْ
هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكِ) أي لم أسمع بخروج المعتدّة مطلقًا من بيتها قبل أن تحدّثيني
به الآن (وَسَآَخُذُ بِالْقَضِيَّةِ) بالقاف، والضاد المعجمة، هكذا نسخُ ((المجتبى))، وهو
واضح. ووقع في ((الكبرى)): ((بالعصمة)) بكسر العين، وسكون الصاد المهملتين- وهو
الذي في معظم نسخ ((صحيح مسلم))، قال النووي: معناه بالثقة، والأمر القويّ
الصحيح انتهى (١) (الْتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا) وهو وجوب السكنى للمبتوتة. وهذا يفيد
أن مذهب أهل المدينة كان على أن المطلّقة ثلاثًا السكنى. وذكر مالك في ((الموطإ)) أنه
سمع ابن شهاب يقول: المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تَحِلّ، وليست لها نفقةٌ، إلا أن
تكون حاملاً، فيُنفق عليها حتى تضع حملها. قال مالك: وهذا الأمر عندنا انتهى(٢).
وقد أنكر على فاطمة قبل مروان عمر بن الخطّاب ◌َظّه، ففي ((صحيح مسلم)): قال
عمر: لا نترك كتاب الله، وسنة نبينا وَّي لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو
نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ
أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُهِنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١].
وكذلك أنكرت ذلك عليها عائشةُ، ففي ((مسلم)) أيضًا: وقال عروة: إن عائشة
أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس انتهى.
وقوله (مُخْتَصَرٌ) أي هذا الحديث مختصرٌ في هذه الرواية، وقد ساقه مسلم في
((صحيحه)، من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظه: ((فقالت فاطمة حين بلغها قول
مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية
[الطلاق: ١]. قالت: هذا لمن كانت له مراجعةٌ، فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟، فكيف
تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها؟)) انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث فاطمة بنت قيس رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(١) - ((شرح مسلم)) ١٠/ ٣٤١.
(٢) - ((الموطأ)) بشرح الزرقانيّ ٢١٠/٣.

٧٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٢٣/٨ و٣٢٣٨/١٩ و٣٢٤٥/٢١ و٣٢٤٦ و((الطلاق)»٣٤٠٤/٧
و ٣٤٠۵ و٣٤٠٦ و ٣٤١٩/١٥ و٣٥٤٦/٧٠ و ٣٥٤٧ و ٣٥٤٨ و٣٥٤٩ و ٣٥٥٠ و ٧٢/
٣٥٥٢ و٣٥٥٣/٧٣- وفي ((الكبرى))٥٣٣٠/٨ و٥٣٣٢ و٥٣٥١/١٩ و٥٣٥٢
و ((الطلاق))٥٥٩٥/٨ و٥٥٩٦ و٥٥٩٨ و٥٧٣٩/٧٠ و٥٧٤٠ و٥٧٤١ و٥٧٤٢ و ٧٣/
٥٧٤٦ . وأخرجه (م) في ((الطلاق)) ١٤٠ و١٤٨٢ (د) ((الطلاق))٢٢٨٤ و٢٢٨٨ و٢٢٨٩
و٢٢٩٠ (ت) ((النكاح)) ١١٣٥ و((الطلاق)»١١٨٠ (ق) ((الطلاق)) ٢٠٢٤ و٢٠٣٢ و ٢٠٣٥
و٢٠٣٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٥٦٠ و((مسند القبائل))٢٦٧٨٧ و٢٦٧٩١
و٢٦٧٩٣ و٢٦٧٩٧ (الموطإ) ((الطلاق)) ١٢٣٤ و٢١٧٧ (الدارميّ)) ((الطلاق)) ٢٢٧٤
و ٢٢٧٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن الكفاءة، في الدين، لا
في النسب، فقد أنكح النبيّ وَالرّ فاطمة بنت قيس، وهي قرشيّة أسامة بن زيد، وهو
مولى، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى.
(ومنها): جواز طلاق البتّة، حيث لم ينكره وَّر على زوج فاطمة رضي اللَّه تعالى
عنهما. (ومنها): أن المبتوتة لا نفقة لها، ولا سكنى، وفيه اختلاف بين أهل العلم،
سيأتي تحقيقه في محله من ((كتاب الطلاق)) -٣٥٥٣/٧٣ - إن شاء الله تعالى. (ومنها):
أن في قوله {َ له في أم شريك: ((يغشاها أصحابي)) دليلٌ على أن المرأة المتجالّة العجوز
الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها، ويتحدّثون عندها، وكذلك لها أن تغشاهم
في بيوتهم، ويرونها، وتراهم فيما يحلّ، ويَجْمُلُ، وينفع، ولا يضرّ، قال الله عز
وجل: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِرَ جُنَاتُّ أَنْ يَضَعْنَ
ثِيَابَهُنَ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتٍ بِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]. والغشيان في كلام العرب: الإلمام،
والورود، قال حسّان بن ثابت رَّ [من الكامل]:
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَرُ كِلَاُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ
فمعنى قوله: ((تلك امرأة يغشاها أصحابي)): أي يُلِمّون بها، ويَرِدون عليها،
ويجلسون عندها. قاله في ((الاستذكار))(١).
(ومنها): أن في قوله: ((تضعين ثيابك، ولا يراك)) دليلاً على عدم جواز نظر الرجل
(١) - ((الاستذكار)) ١٨/ ٧٦ - ٧٧ .

٧١
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِية) - حديث رقم ٣٢٢٣
إلى المرأة؛ لما فيه من داعية الفتنة. (ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله
تعالى: فيه دليلٌ على أن المرأة يجوز لها أن تطّلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن
يطلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلّق القرط، ونحو ذلك، فأما العورة فلا. ولكن هذا
يعارضه ما ذكره الترمذيّ من قول النبيّ وسي# الميمونة وأم سلمة، وقد دخل عليهما ابن أم
مكتوم، فقال: ((احتجبا منه))، فقالتا: إنه أعمى، فقال: «أُفَعَمياوان أنتما؟، ألستما
تبصرانه؟». والجواب من وجهين:
[أحدهما]: أن هذا الحديث لا يصحّ عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان
مولاها، وهو ممن لا يُحتجّ بحديثه.
[وثانيهما]: على تقدير صحّته، فذلك تغليظ منه وَ لّ على أزواجه لحرمتهنّ، كما
غلّظ عليهنّ أمر الحجاب، ولهذا أشار أبو داود وغيره من الأئمة انتهى(١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى عند قول البخاريّ رحمه الله تعالى: ((باب نظر المرأة
إلى. الحَبّش، ونحوهم من غير ريبة)): ما نصّه: وظاهر الترجمة أن المصنّف كان يذهب
إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبيّ، بخلاف عكسه، وهي مسألة مشهورة، واختَلّف
الترجيح فيها عند الشافعيّة، وحديث الباب يساعد من أجاز، وقد تقدّم في أبواب العيد
جواب النوويّ عن ذلك بأن عائشة كانت صغيرةً، دون البلوغ، أو كان قبل الحجاب،
وقوّاه بقوله في هذه الرواية: ((فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ)). لكن تقدّم ما يعكُر
عليه، وأن في بعض طرقه أن ذلك كان بعد قدوم الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع،
ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغةً، وكان بعد الحجاب.
وحجة من منع حديث أمّ سلمة الحديث المشهور: ((أفعمياوان أنتما»، وهو حديث
أخرجه أصحاب ((السنن))(٢) من رواية الزهريّ، عن نبهان، مولى أم سلمة، عنها،
وإسناده قويّ، وأكثر ما عُلّل به انفراد الزهريّ بالرواية عن نبهان، وليست بعلّة قادحة،
فإن من يعرفه الزهريّ، ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحدٌ، لا تُرد روايته.
والجمع بين الحديثين احتمال تقدّم الواقعة، أو أن في قصّة الحديث الذي ذكره نبهان
شيء يمنع النساء من رؤيته؛ لكون ابن أم مكتوم كان أعمى، فلعلّه كان منه شيء
ینکشف، ولا يشعر به.
ويقوّي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد، والأسواق،
(١) - ((المفهم، ٢٧٠/٤ - ٢٧١.
(٢) - أخرجه أبو داود في ((سننه)) في ((كتاب اللباس)) رقم ٤١١٢. والترمذيّ في ((الجامع)) في ((كتاب
الأدب)) رقم ٢٧٧٨. وأحمد في ((مسنده)) في ((باقي مسند الأنصار)) رقم ٢٥٩٩٧.

٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
والأسفار، منتقبات؛ لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجال قطّ بالانتقاب لئلا يراهم
النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال:
لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورةٌ كوجه المرأة في حقّه، بل هو كوجه الأمرد
في حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم يزل
الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر
الرجال بالتنقّب، أو منعن من الخروج انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه البخاريّ، وحقّقه الغزاليّ، وأقرّه
الحافظ رحمهم الله تعالى هو الحقّ الحقيق بالقبول، حيث دلّ عليه صحيح المنقول،
وما عداه، كحديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها المذكور يحمل على الاحتياط، ولا
سيّما في حقّ أزواج النبيّ وَله، فقد قال الله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّيِّ لَسُّْنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ
اُلِسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، وقد أمر الله تعالى أن لا يكلّمن إلا من وراء حجاب،
متجالّات كنّ، أو غير متجالّات، والحجاب عليهنّ أشدّ منه على غيرهنّ؛ لظاهر
القرآن، وحديث نبهان المذكور، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البرّ(٢).
وكذا قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] محمول
على الاستحباب، أو على خوف الفتنة، وإلى ذلك أشار البخاريّ رحمه الله تعالى حيث
قال: ((من غير ريبة)).
والحاصل أن نظر المرأة إلى الرجال الأجانب جائز عند أمن الخوف من الفتنة،
فتبصر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.
(ومنها): أن الخطبة المنهيّ عنها في قوله وقليل: ((ولا يخطب على خطبة أخيه))
محمول على ما إذا كان هنا ركون وميل، ومقاربة، فأما إذا لم يوجد ذلك، فلا يُمنع،
فقد قالت فاطمة: إن معاوية، وأبا جهم خطباني، فلم ينكر عليها النبيّ ◌َّ ذلك، بل
خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد، حيث لم يحصل منها ميل إليهما، ولا إلى أحد منهما.
(ومنها): أن من أخبر بعیب أخيه لمن استنصحه عند الخطبة، أو نحوها ليس بمغتاب
له، بل جائز، من باب النصيحة التي هي الدين، لما في ((صحيح مسلم)) من حديث تميم
الداريّ رَّهِ، مرفوعًا: ((الدين النصحية))، قلنا: لمن؟، قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله،
ولأئمة المسلمين، وعامتهم)). ولحديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، مرفوعا: ((حقّ
المسلم على المسلم ستٍّ، وفيه: ((وإذا استنصحك، فانصح له ... )) الحديث.
(١) - ((فتح) ١٠/ ٤٢٢.
(٢) - راجع ((الاستذكار)» ١٨/ ٨٢.

٧٣
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِية) - حديث رقم ٣٢٢٣
(ومنها): أن في قوله: ((صُعلوك، لا مال له)) دليلاً على أن المال من مستحقّات
النكاح، وخصال الناكح، وأن الفقر من عيوبه، وأنه لو بُيِّن في العقد، أو عَرفت المرأة
منه ذلك، ورضيت به جاز كسائر العيوب.
(ومنها): أن كثرة ضرب النساء عيب يمنع من النكاح، إلا إذا رضيت المرأة به، كما
سبق في الذي قبله.
(ومنها): أن من أفرط في الوصف لا يلحقه الكذب، والمبالغ في النعت بالصدق لا
يدركه الذمّ، ألا ترى إلى أن النبيّ بَّر قال في أبي جهم: ((لا يضع عصاه عن عاتقه))،
وهو قد ينام، ويُصلّي، ويأكل، ويشرب، ويشتغل بما يحتاج إليه من شغله في دنياه،
وإنما أراد المبالغة في وصفه بتأديب النساء.
قال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: وإنما أراد المبالغة في أدب النساء باللسان
واليد، وربما يحسن الأدب بمثله، كما يصنع الوالي في رعيته. وقد روي عن النبيّ وَّل
أنه قال لرجل أوصاه: ((لا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في اللَّه عز وجل))(١).
وروي عنه وَله أنه قال: ((علّق سوطك حيث يراه أهلك))(٢).
قال: ومعنى العصا في هذين الحديثين الإخافة والشدّة بكلّ ما يتهيّأ، ويمكن مما
يَجْمُلُ، ويَحسُنُ من الأدب فيما يجب الأدب فيه.
وقد قال بعض أصحابنا: إن فيه إباحة ضرب الرجل امرأته ضربًا كثيرًا؛ لأنه قصد به
قصد العيب له، والضرب القليل ليس بعيب؛ لأن الله تعالى قد أباحه، قال: ولَمّا لم
يغيّر رسول اللَّه وَ لقر على أبي جهم ما كان عليه من ذلك، كان في طريق الإباحة، وفيما
قال من ذلك -والله أعلم- نَظر. قال ابن وهب؛ ذمُّهُ لذلك دليلٌ على أنه لا يجوز
فعله، ومن هذا قالت العرب: فلان ليّن العصا، وفلان شديد العصا، يقولون ذلك في
الوالي، وما أشبهه، وقال الشاعر [من الطويل]:
لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا وَمَا عُلْمَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِيَغْلَمَا
وقال معن بن أوس، يصف راعي إبله [من الطويل]:
(١) - ذكره الهيميّ في ((مجمع الزوائد) ١٠٦/٨- عن ابن عمر، وقال: رواه الطبراني في ((الصغير))
و((الأوسط)) وفيه الحسن بن صالح بن حيّ، وثّقه أحمد، وغيره، وضعّفه الثوريّ وغيره.
(٢) - حديث حسنٌ أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بلفظ: ((علّقوا السوط
حيث يراه أهل البيت)). وأخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما بلفظ:
((علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه أدبٌ لهم)). انظر ((السلسلة الصحيحة)) لليشخ الألبانيّ
٤٣١/٣ - ٤٣٢ رقم - ١٤٤٦ - و١٤٤٧ .

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
عَلَيْهَا شَرِيبٌ وَادِعْ لَيْنُ الْعَصَا يُسَائِلُهَا عَمَّا بِهِ وَتُسَائِلُهُ
وَالعرب تُسمّي الطاعة، والأُلفة، والجماعة العصا، ويقولون: عصا الإسلام، وعصا
السلطان، ومن هذا قول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا كَانَتِ الْهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ الْعَصَا فَحِسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
ومنه قول صلة بن أشيم: إياك وقتيل العصا، يقول: إياك أن تقتل، أو تُقتل قتيلاً إذا
انشقّت العصا.
والعرب أيضًا تسمّي قرار الظاعن عصًا، وقرار الأمر، واستواءه عصا، فإذا استغنى
المسافر عن الظعن، قالوا: قد ألقى عصاه. وقال الشاعر [من الطويل]:
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْئًا بِالإِيَابِ الْمُسَافِرُ
ورُوي أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها تمثّلت بهذا البيت حين اجتمع الأمر لمعاوية
وَّه. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى(١). وهو بحث نفيس. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اعتبار الكفاءة في النكاح:
(اعلم): أنهم اختلفوا في أوصاف الكفاءة، فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنها الدين،
وفي رواية عنه: إنها ثلاثة: الدين، والحرّيّة، والسلامة من العيوب. وقال أبو حنيفة:
هي النسب والدين. وقال أحمد في رواية عنه: هي الدين، والنسب خاصّة. وفي رواية
أخرى: هي خمسة: الدين، والنسب، والحرّيّة، والصناعة، والمال، وإذا اعتبر فيها
النسب، فعنه فيه روايتان: إحداهما: أن العرب بعضهم لبعض أكفاء. الثانية: أن قريشًا
لا یکافئهم إلا قرشيّ، وبنو هاشم لا یکافئهم إلا هاشميّ.
وقال أصحاب الشافعيّ: يعتبر فيها الدين، والنسب، والحرّيّة، والصناعة، والسلامة
من العيوب المنفّرة. ولهم في اليسار ثلاثة أوجه: اعتباره فيها، وإلغاؤه، واعتباره في
أهل المدن، دون أهل البوادي. ذكر هذا كله الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى في ((زاد
المعاد)» (٢)
وقال في ((الفتح)): وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختصّ بالدين مالك، ونُقل عن ابن
عمر، وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز. واعتبر
الكفاءة في النسب الجمهور، وقال أبو حنيفة: قريشْ أكفاء بعضهم بعضًا، والعرب
(١) - ((التمهيد)) ١٩ /١٦١ - ١٦٢.
(٢) - ((زاد المعاد))١٦٠/٥.

٧٥
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِية) - حديث رقم ٣٢٢٣
كذلك، وليس أحد من العرب كفأ لقريش، كما أنه ليس أحد من غير العرب كفاً
للعرب. وهو وجه للشافعيّة، والصحيح تقديم بني هاشم والمطّلب على غيرهم، ومن
عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض. وقال الثوريّ: إذا نكح المولى غير العربيّة يُفسخ
النكاح. وبه قال أحمد في رواية. وتوسّط الشافعيّ، فقال: ليس نكاح غير الأكفاء
حرامًا، فأرة به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة، والأولياء، فإذا رضوا صحّ، ويكون
حقًّا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحدًا فله فسخه، وذكر أن المعنى في اشتراط الولاية في
النكاح كيلا تُضِيعَ المرأة نفسها في غير كفء. انتهى.
ونقل ابن المنذر عن البويطيّ أن الشافعيّ قال: الكفاءة في الدين. وهو كذلك في
((مختصر البويطيّ))، قال الرافعيّ: وهو خلاف مشهور. ونقل الأبزي عن الربيع أن
رجلاً سأل الشافعيّ عنه، فقال: أنا عربيّ، لا تسألني عن هذا.
قال الحافظ: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث. وأما ما أخرجه البزّار من
حديث معاذ رَظ ◌َّه رفعه: ((العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض)).
فإسناده ضعيف.
واحتجّ البيهقيّ بحديث واثلة مرفوعًا: ((إن الله اصطفى بني كنانة من بني
إسماعيل ... )) الحديث. وهو صحيح، أخرجه مسلم، لكن في الاحتجاج به لذلك
نظر، لكن ضمّ بعضهم إليه حديثَ: ((قدّموا قريشًا، ولا تقدّموها)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاحتجاج بضم هذا الحديث إلى ما قبله على اشتراط
الكفاءة في النسب ساقطٌ لا اعتداد به؛ لمخالفته للأدلة الصحيحة الصريحة التي تنفي
اشتراطه، كحديث الباب، فقد أمر النبيّ وَلتر فاطمة أن تنكح أسامة، فنكحته بعد تردّدت
لکراهتها له، فحمدت عقباها.
وقال الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَ فُواْ
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ الآية. [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ﴾ الآية. [الحجرات: ١٠]. وقال: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ ﴾ الآية.
[التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنْتَّىُّ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ﴾ الآية: [آل عمران: ١٩٥].
وقال ◌َله: لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأبيض على
أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب))(١).
وقال له: ((إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إن أوليائي المتّقون حيث كانوا، وأين
(١) - رواه أحمد في ((مسنده)) ٤١١/٥ بإسناد صحيح، عن رجل من أصحاب النبيّ وَّول.

٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
کانوا)) متفق عليه.
وأخرج الترمذيّ بسنده، وحسّنه، من حديث أبي حاتم المزنيّ ◌َّيه، مرفوعًا: ((إذا
جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه، إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض، وفساد
كبير))، قالوا: يا رسول اللَّه، وإن كان فيه؟ فقال: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه
فأنكحوه)) ثلاث مرّات.
وأخرج أبو داود في ((سننه))، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ من حديث أبي هريرة
ظمثل: ((أن النبيّ ێ قال يا بني بیاضة: أَنكِحوا أبا هند، وانکحوا إلیه))، وكان حجامًا.
وزوّج النبيّ وَل زينب بنت جحش القرشيّة من زيد بن حارثة مولاه رضي اللّه تعالى
عنهما، وزوّج فاطمة بنت قيس الفهريّةَ القرشيّة من أسامة ابنه، وتزوّج بلال رضي الله
تعالى عنه بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاَلَّيِّبَتُ لِلَّيِبِينَ
وَاَلَِّبُونَ لِلَّيِّبَتِ﴾ الآية. [النور: ٢٦]، وقال: ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ الآية
[النساء: ٣].
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما تقدم: فالذي يقتضيه حكمه وشالآلي
اعتبار الدين في الكفاءة أصلاً، وكمالاً، فلا تُزوّج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم
يعتبر القرآن ولا السنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنه حرّم على المسلمة نكاح الزاني
الخبيث، ولم يعتبر نسبًا، ولا صناعةً، ولا غنىٌ، ولا حرّيّةً، فجوز للعبد القنّ نكاح
الحرّة النسيبة الغنيّة، إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيّات، ولغير
الهاشميين نكاح الهاشميّات، وللفقراء نكاح الموسرات انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى هو
عين التحقيق الذي لا ينبغي التعويل إلا عليه، ولا الرجوع إلا إليه.
والحاصل أن الكفاءة المعتبرة بين الزوجين هي الدين فقط، وما عدا ذلك من
النسب، والحسب، والمال، ونحو ذلك فلا اعتداد به، فإذا رضيت المرأة الهاشميّة بأن
تتزوج مولى من الموالي، فلا اعتراض لأحد عليها، وكذا الغنية إذا رضيت بالفقير،
ونحو ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٣٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُثْبَةً
ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، تَبَنَّى سَالِمًا،
وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ، هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدٍ شَمْسٍ، وَهُوَ مَوْلَّى لِمْرَأَةٍ

٧٧
٨- (تَزَوُجُ المَوْلَی العربية) - حديث رقم ٣٢٢٤
مِنَ الْأَنْصَارِ، كَمَا تَبَتَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلِ زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، دَعَاهُ
النَّاسُ ابْتَهُ، فَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: ﴿ آَدْعُوهُمْ لِأَّبَابِهِمْ هُوَ
أَقْسَطُ عِنْدَ اَللَّهِ فَإِن لَمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فَمَنْ لَمْ
يُعْلَمْ لَهُ أَبْ، كَانَ مَّوْلَى، وَأَخَا فِي الدِّينِ. مُخْتَصَرٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (عمران بن بكّار بن راشد) الكلاعيّ الْبَرَّاد الحمصيّ المؤذِّن، ثقة [١١]١٧/
١٥٤١ من أفراد المصنف.
٢- (أبو اليمان) الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّى ثقة ثبت [١٠] ١٤/ ٢١٣٢.
٣- (شعيب) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد [٧]٨٥/٦٩.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤]١/١.
٥- (عروة بن الزبير) بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]٣٤/٤٠.
٦- (عائشة) رضي اللَّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى
شعيب، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن
عروة، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة بن الزبير، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من
المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ
عَبْدِ شَمْسٍ) بن عبد مناف القرشيّ العبشميّ، اسمه: مِهْشم على المشهور. وقيل:
هاشم. وقيل: غير ذلك. وهو خال معاوية بن أبي سفيان، وكان من السابقين إلى
الإسلام، أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا، وهاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين.
وكان طُوّالاً حسن الوجه، استُشهد رضي الله تعالى عنه يوم اليمامة، وهو ابن (٥٦)
سنة(١).
(وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَذْرًا) أي وقعتها المشهورة في السنة الثانية من الهجرة (مَعَ رَسُولِ
(١) - راجع ((الإصابة)) ٨١/١١.

٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
اللَّهِ وَِّ، تَبَثَّى سَالِمًا) -بفتح المثنّاة، والموحّدة، وتشديد النون، بعدها ألف -: أي
اتخذه ولدًا. وسالم هو ابن معقل مولى امرأة من الأنصار، يقال لها: ليلى، ويقال: ثُبَيْتَة
-بمثلثة، ثم موحدة، ثم مثناة، مصغّرًا- بنت يَعَار - بفتح التحتانيّة، ثم مهملة
خفيفة-(١) وكانت امرأة أبي حُذيفة، كما جزم به ابن سعد. وقال ابن شاهين: سمعت
ابن أبي داود يقول: هو سالم بن معقل، وكان مولى امرأة من الأنصار، يقال لها: فاطمة
بنت يَعَار، أعتقته سائبةً، فوالى أبا حُذيفة.
وروى الشيخان، وغيرهما من طريق مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
رفعه: ((خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن
كعب، ومعاذ بن جبل)). ومن طريق ابن المبارك في ((كتاب الجهاد)) له، عن حنظلة بن
أبي سفيان، عن ابن سابط، أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها احتبست على النبيّ وَّل،
فقال: ((ما حبسك؟))، قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذَكَرَتْ من حسن قراءته، فأخذ
رداءه، وخرج، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي
مثلك)). وأخرجه أحمد عن ابن نمير، عن حنظلة، وابنُ ماجه، والحاكم في
((المستدرك)) من طريق الوليد بن مسلم: حدثني حنظلة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن
عائشة موصولاً، وابن المبارك أحفظ من الوليد، ولكن له شاهد، أخرجه البزار، عن
الفضيل بن سهل، عن الوليد بن صالح، عن أبي أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي
مُليكة، عن عائشة بالمتن، دون القصّة، ولفظه: قالت: سمع النبيّ وَِّ سالمًا مولى أبي
حذيفة يقرأ من الليل، فقال: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله)). ورجاله ثقات.
وروى ابن المبارك أيضًا فيه: أن لواء المهاجرين(٢) كان مع سالم، فقيل له في ذلك،
فقال: بئس حامل القرآن أنا -يعني إن فررت-، فقُطعت يمينه، فأخذه بيساره،
فقُطعت، فاعتنقه إلى أن صُرع، فقال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ -يعني مولاه-
قيل: قُتل، قال: فانتجعوني (٣) بجنبه، فأرسل عمر ميراثه إلى مُعْتِقَتِه بثينة، فقالت: إنما
أعتقته سائبة، فجعله في بيت المال. وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه، فقال:
كُلِیه.
وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم رُوي عنه شيء. وتُعقّب بأنه رُوي عنه حدیثان، ذكرهما
(١) - هكذا ضبطه في ((الفتح)) في ((كتاب المغازي))٤٩/٨. فما وقع في بعض نسخ ((الإصابة)) ((بثينة))
بموحدة، فمثلثة، فنون فإنه تصحيف. والله تعالى أعلم.
(٢) - أي في وقعة اليمامة في عهد أبي بكر تمثّ.
(٣) - أي اجعلوني بجواره في قبره.

٧٩
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى العَربية) - حديث رقم ٣٢٢٤
في ((الإصابة))(١)، وقال: في السندين جميعًا ضعف، وانقطاع، فيحمل كلام ابن أبي
حاتم على أنه لم يصحّ عنه شيء. (٢).
(وَأَنْكَحَهُ) أي زوّجه (ابْنَةَ أَخِيهِ) - بفتح الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، ثم تحتانيّة،
على الصحيح، وحكى ابن التين أن في بعض الروايات بضم الهمزة، وسكون الخاء،
ثم مثنّاة، وهو غلط (هِنْدَ) كذا في هذه الرواية، ووقع عند مالك: «فاطمة»، فلعلّ لها
اسمين. قاله في ((الفتح)). زاد في الرواية التالية: ((وكانت هند بنت الوليد بن عتبة من
المهاجرات الأُوَل، وهي من أفضل أيامَى قريش)).
وقال في ((الفتح)): وسمّيت هند هذه باسم عمّتها هند بنت عتبة. قال الدمياطيّ: رواه
يونس، ويحيى بن سعيد، وشُعيبٌ، وغيرهم، عن الزهريّ، فقالوا: ((هند)). وروى
مالك عنه، فقال: ((فاطمة)). واقتصر أبو عمر في الصحابة على فاطمة بنت الوليد، فلم
يُترجم لهند بنت الوليد، ولا ذكرها محمد بن سعد في الصحابة. ووقع عنده فاطمة بنت
عتبة، فإما نسبها لجدّها، وإما كانت لهند أختٌ اسمها فاطمة. وحكى أبو عمر عن غيره
أن اسم جدّ فاطمة بنت الوليد المغيرة، فإن ثبت فليست هي بنت أخي أبي حذيفة.
ويمكن الجمع بأن بنت أبي حذيفة كان لها اسمان. والله أعلم انتهى (٣) (بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ
عُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) والوليد هذا أحد من قُتل بيدر كافرًا (وَهُوّ) أي سالم (مَوْلَّى
لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) سبق آنفًا أن اسمها ليلى، وقيل: ثُبَيْتَة، وقيل: فاطمة بنت يَعار (كَمَا
تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ زَيْدًا) أي ابن حارثة بن شراحيل الكلبيّ، أبا أسامة، مولى رسول
اللَّهِ وَّهِ، شهد المشاهد كلها، وكان من الرُّمَاة المذكورين.
كان زيد فيما رُوي عن أنس بن مالك، وغيره مَسبيًّا من الشام، سبته خيلٌ من تهامة،
فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة، فوهبته خديجة للنبيّ وَره
فأعتقه، وتبنّاه، فأقام عنده مدّةً، ثم جاء عمه، وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبيّ
وَ لجر - وذلك قبل البعث -: ((خيّراه، فإن اختاركما، فهو لكما دون فداء»، فاختار الرّقّ
مع رسول اللّه وَ له على حرّيّته وقومه، فقال رسول اللّه وَ ل عند ذلك: ((يا معشر قريش
اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه))، وكان يطوف على حِلَق قريش يُشهدهم على ذلك،
فرضي ذلك عمه وأبوه، وانصرفا(٤).
(١) - راجع ((الإصابة)) ١٠٤/٤.
(٢) - راجع ((الإصابة)) ٤/ ١٠٣ - ١٠٦.
(٣) - ((فتح)) ٤٩/٨ ((كتاب المغازي)).
(٤) - ((تفسير القرطبيّ)١١٨/١٤ تفسير سورة الأحزاب.

٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ
روى عن النبيّ وَلهير. وعنه ابنه أسامة، والبراء بن عازب، وابن عباس. آخى رسول
اللَّهِ وَله بينه وبين حمزة بن عبد المطّلب. وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما كنّا
ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى أنزل القرآن: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآَبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ
عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما بعث رسول اللّه وَ ل زيد بن حارثة في سريّة إلا
أمره عليهم، ولو بقي لاستخلفه. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد قويّ. وعن سلمة
ابن الأكوع رَّه قال: غزوت مع النبيّ وَّه سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع
غزوات يؤمّره علينا رسول اللَّه ◌َله. أخرجه البخاريّ. ولم يقع في القرآن تسمية أحد
باسمه إلا هو باتفاق.
استُشهد يوم مؤتة سنة ثمان من الهجرة، وهو ابن (٥٥) سنة، ونعاه النبيّ وَّ
لأصحابه في اليوم الذي قُتل فيه، وعيناه تذرفان(١).
(وَكَانَ مَنْ تَبَتَّى رَجُلاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في الفترة التي قبل الإسلام (دَعَاهُ النَّاسُ ابْنَهُ)
أي يسمون ابن فلان للذي تبنّاه. ولفظ البخاريّ، وهو الذي في ((الكبرى)): ((دعاه الناس
إليه)، أي نسبوه إلى ذلك الرجل الذي تبنّه، دون أبيه النسبيّ (فَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ، حَتَّى
أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ) وفي الرواية التالية: ((فلما أنزل اللَّه عز وجل في زيد بن
حارثة)) (﴿ آَدْعُوهُمْ لِأَّبَكِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾) أي أعدل (﴿عِندَ الَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ
فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ﴾) أي فنسخ اللّه تعالى ذلك بهذه الآية، ورفع حكم التبنّي،
ومنع إطلاق لفظه، وأرشد إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبًا،
يقال: كان الرجل إذا أعجبه من الرجل جَلَده، وظَرْفه ضمّه إلی نفسه، وجعل له نصيب
الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان. وقال النحاس:
هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبنّي، وهو من نسخ السنّة بالقرآن، فأمر أن يَدْعُوا
من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أبٌ معروف نسبوه إلى وَلائه، فإن لم يكن
له ولاء معروفٌ قال له: يا أخي -يعني في الدين -. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠](٢).
(فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌّ، كَانَ مَوْلَّى، وَأَخَا فِي الدِّينِ) أي يُدعَى باسم المولى، واسم
الأخ في الدين، فيقال: يا مولاي، أو يا مولى فلان، أو يا أخي.
(مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طويل، وقد ساقه
(١) - راجع ((الإصابة)) ٤٧/٤ - ٤٨. و(تهذيب التهذيب)) ١ / ٦٦١.
(٢) - ((تفسير القرطبي٩ّ ١١٩/١٤ .