النص المفهرس
صفحات 1-20
رشرح سُبْ النَّائِيّ المُسَمَّى ذَخِيَرَةُ الْعُقْبَى فِي شَرِحِ المَجَّتَبَى لجامِعِه الفَقَيْرُ إِلى مَوْلَهِ الغَنِىّ القَدِير ◌ُمَابِ الشّيخ العَّ مَة ◌َ بْ آدَمْ بُوَ الأُيُونِي الْوَلَّ المُرّسُ بَدَارُ الْحَديثُ الخيريَّة بمكّة المكرّمة عَفَا اللّه عَنْهَ وَعَنْ وَالَيْهِ آمِينْ الجزء السَّائع وَالعشرون مَكتبٍ تَفْسِيق ويَحْرِ يح ويحقيق ـا* وَخُصُنْ تُلاى قم: ٠ ٢٥٢٤ دَارَآلْ بَرُوم للنشر وَالتوزيعُ جميع الحقوق محفُوطُعّة الطّبَعَّة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م دَارُالْ بُرُويُمْ لِلنَشِرِوَالتَّريخ الملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسيّ التّعيم صَربُ: ٤١٤٥- (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) شرح سُبْ النَّائي بسمالله الرحمن الرحيم ٢- (مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عز وجل عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٠٢ ٢- (مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عز وجل عَلَى رَسُولِهِ وَّهِ، وَحَرَّمَهُ عَلَى خَلْقَهِ؛ لِيَزِيدَهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ قُرْبَةً إِلَيْهِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد بخلقه هنا أمته، فلا يرد عليه ما في ((الصحيح)) من أن سليمان ◌ّالسَّلامُ كان له مائة امرأة. وغرض المصنّف بهذا أن التخيير الوارد في هذا الحديث كان فرضًا على النبيّ وَّر، بخلاف أمته، وأما قوله: ((وحرّمه على خلقه)) أراد به إباحة أن يتزوج ما شاء من النساء، بخلاف غيره، فلا يجوز لهم إلا أربعة. ولفظ ((الكبرى)): ((وخفضه)) بدل ((وحرّمه))، أي خفّفه عنهم، وهو يعود إلى قوله: ((ما افترض اللَّه الخ)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٠٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ جَاءَهَا، حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيّرَ أَزْوَاجَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، فَقَالَ: ((إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرَا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تُعَجِّلِي، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَئِكِ))، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ، لَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ: ﴿يَيُّهَا النَُِّ قُل لِّأَزْوَمِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَّكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فَقُلْتُ: فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبُوَيَّ؟، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ النَّيْسَابُورِيُّ) الذهليّ، ثقة حافظ جليل [١١]٣١٤/١٩٧. ٢- (محمد بن موسى) بن أعين الجزريّ الحرّانيّ صدوق، من كبار [١٠] ٤/ ٤٠٣ . ٣- (أبوه) موسى بن أعين مولى قريش، أبو سعيد الجزريّ، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥ . = ٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ ٤- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار[٧]١٠/١٠. ٥- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤]١/١. ٦- (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣]١/١. ٧- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ﴾ رضي اللّه تعالى عنها (أَنَّا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َِهـ جَاءَهَا، حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ) سيأتي بيان سبب نزول آية التخيير قريبًا، إن شاء الله تعالی. (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) أي بدأ بالدخول عليها حين كمل الشهر، وأراد الرجوع إلى أزواجه، وفيه فضل عائشة رضي اللّه تعالى عنها؛ لبداءته بها. كذا قرّره النووي. قال الحافظ: لكن روى ابن مردويه من طريق الحسن، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أنها طلبت من رسول اللَّه وَ لَه ثوبًا، فأمر الله نبيه أن يُخيّر نساءه: أما عند الله تُردن، أم الدنيا؟، فإن ثبت هذا، وكانت هي السبب في التخيير، فلعلّ البداءة بها لذلك، لكن الحسن لم يسمع من عائشة، فهو ضعيف، وحديث جابر في أن النسوة كنّ يسألنه النفقة أصحّ طريقًا منه. وإذا تقرّر أن السبب لم يتّحد فيها، وقُدّمت في التخيير دلّ على المراد، لا سيّما مع تقديمه لها أيضًا في البداءة بها في الدخول عليها. انتهى(١). (فَقَالَ) بَّهِ (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تُعَجِّلِي) أي فلا بأس عليك في التأنّي، وعدم العجلة حتى تُشاوري أبويك. وقال النوويّ: معناه: ما يضرّك أن لا (١) - ((فتح)) ٩/ ٤٧٧ ((كتاب التفسير)). ٧ ٢- (مَاَ افْتَرَضَ اللهُ عز وجل عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٠٢ تعجلي (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَئِكِ) أي تطلبي منهما أن يبيّنا لك رأيهما في ذلك. ووقع في حديث جابر: ((حتى تستشيري أبويك))، زاد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ((إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر، وأمّ رُومان)). أخرجه أحمد، والطبريّ. ويُستفاد منه أن أمّ رُومان كانت يومئذ موجودة، فيُردّ به على من زعم أنها ماتت سنة ستّ من الهجرة، فإن التخيير كان في سنة تسع. قاله في ((الفتح)). قال النوويّ: وإنما قال لها: هذا شفقة عليها، وعلى أبويها، ونصيحة لهم في بقائها عنده وَلّ، فإنه خاف أن يحملها صغر سنّها، وقلّة تجاربها على اختيار الفراق، فيجب فراقها، فتضرر هي، وأبواها، وباقي النسوة بالاقتداء بها انتهى (١) وقال في ((الفتح)): قال العلماء: إنما أمر النبيّ وَلّ عائشة أن تستأمر أبويها خشية أن يحملها صغر السنّ على اختيار الشقّ الآخر؛ لاحتمال أن لا يكون عندها من الملكة ما يدفع ذلك العارض، فإذا استشارت أبويها، أوضحا لها ما في ذلك من المفسدة، وما في مقابله من المصلحة، ولهذا لما فطنت عائشة لذلك قالت: ((قد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه». ووقع في رواية عمرة، عن عائشة في هذه القصّة: ((وخشي رسول اللّه وَ ل ير- حداثتي))، وهذا شامل للتأويل المذكور. انتهى (٢). (قَالَتْ) عائشة (وَقَدْ عَلِمَ) وَ (أَنَّ أَبَوَيَّ، لَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ) أي لكونهما يختاران الله ورسوله، والدار الآخرة لابنتهما، على تقدير أن تختار هي غير ذلك، وقد أعاذها الله تعالى من ذلك (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ﴿يَكَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ﴾) [الأحزاب: ٢٨] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله وَل# بأن يُخيّر نساءه بين أن يفارقهنّ، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهنّ عنده الحياة الدنيا، وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهنّ عند اللَّه تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن -رضي الله عنهنّ، وأرضاهنّ- اللَّهَ، ورسولَهُ، والدارَ الآخرةَ، فجمع اللَّه تعالى لهنّ بعد ذلك بين خير الدنيا، وسعادة (٣) الآخرة انتهى (٣). (١) - ((شرح صحيح مسلم)) ١٠/ ٣٢٠. (٢) - ((فتح٩٩ / ٤٧٧ . (٣) - راجع ((تفسير سورة الأحزاب)) من ((تفسير ابن كثير)٤٨٩/٣٨ . ٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النكاح (﴿إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَعَالَيْنَ أُمَتِّمَكُنَّ﴾) الآية [الأحزاب: ٢٨]. أي أعطكنّ حقوقكنّ، وأُطَلْقُ سراحكنّ. قال الحافظ ابن كثير: وقد اختلف العلماء في جواز تزوّج غيره لهنّ لو طلّقهنّ على قولين: أصحّهما نعم لو وقع؛ ليحصل المقصود من السراح. والله أعلم. قال عكرمة: وكان تحته وَ لهو يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة رضي الله تعالى عنهنّ، وكانت تحته وَّل صفية بنت حُيي النضِيريّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة رضي اللّه تعالى عنهنّ، وأرضاهنّ(١). (فَقُلْتُ: فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ) زاد في رواية محمد بن عمرو: «ولا أؤامر أبويّ: أبا بكر، وأمّ رومان، فضحك»، وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه عند الطبريّ: ((ففرح)). وفي الرواية الآتية في -٣٤٤٠/٢٦- من طريق يونس، وموسى بن عُليّ، كلاهما عن ابن شهاب: ((قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبيّ وَلتر مثل ما فعلت، ولم يكن ذلك حين قال لهنّ رسول اللّه وَله، واخترنه طلاقًا، من أجل أنهن اخترنه)). وفي رواية محمد بن عمرو المذكورة: ((ثم استقرَأَ الْحُجَر - يعني حَجَر أزواجه- أي تتبّعَ، والْحُجَر - بضمّ المهملة، وفتح الجيم - جمع حُجْرة - بضم، ثم سكون- والمراد مساكن أزواجه بَّه. وفي حديث جابر المذكور أن عائشة لما قالت: ((بل أختار الله ورسوله، والدار الآخرة»، قالت: ((يا رسول اللَّه، وأسألك أن لا تُخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، فقال: لا تسألني امرأة منهنّ إلا أخبرتها، إن اللَّه لم يبعثني متعتًّا، وإنما بعثني معلّمًا ميسّرًا)). وفي رواية معمر عند مسلم: ((قال معمرٌ: فأخبرني أيوب أن عائشة قالت: لا تُخبر نساءك أني اخترتك، فقال: إن اللَّه أرسلني مبلّغًا، ولم يُرسلني متعثًّا)). وهذا منقطع بين أيوب وعائشة، ويشهد لصحّته حديث جابر. [تنبيه]: وقع في ((النهاية))، ((والوسيط)) التصريح بأن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أرادت أن يختار نساؤه الفراق. قال الحافظ: فإن كانا ذكراه فيما فهماه من السياق، فذاك، وإلا فلم أر في شيء من طرق الحديث التصريح بذلك انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) راجع ((تفسير ابن كثير) ٤٩٠/٣ ((تفسير سورة الأحزاب)). (٢) - راجع ((الفتح ٩٤/ ٤٧٧ . ٩ - حديث رقم ٣٢٠٢ ٢- (مَاَ افْتَرَضَ اللَّهُ عز وجل عَلَى ... مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢٠٢/٢ و٣٢٠٣ و٣٢٠٤ و٣٢٠٥ و٣٤٤٠/٢٦ و٣٤٤١ و٢٧/ ٣٤٤٢ و٣٤٤٣ و٣٤٤٤ و٣٤٤٥ و٣٤٤٦ - وفي (الكبرى)) ٥٣٠٩/٢ و٥٣١٠ و٥٣١٢ و ٥٣١٣ و ٥٣١٤ و ٢٧ /٥٦٣٢ و ٥٦٣٣ و ٢٨ /٥٦٣٤ و ٥٦٣٥ و ٥٦٣٦ و ٥٦٣٧ و٥٦٣٨. وأخرجه(خ) في («التفسير»٤٧٨٦ و((الطلاق)»٥٢٦٢ و٥٢٦٤ (م) في ((الطلاق))١٤٧٥ و١٤٧٧ (د) في ((الطلاق)»٢٢٠٣ (ت) في ((الطلاق واللعان))١١٧٩ و((التفسير)) ٣٢٠٤ (ق) في ((الطلاق))٢٠٥٢ و٢٠٥٣ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))٢٣٦٨٨ و٢٣٩٦٦ و٢٤٢٠٠ و٢٤٦٦٧ و٢٤٧٧١ و٢٤٨٤٨ و٢٤٨٧٣ و٢٤٩٩٠ و٢٥١٣٨ و٢٥١٧٥ و٢٥٤٩٢ و٢٥٥٠٥ و٢٥٥٧٧ و٢٥٧٣٩ (الدارميّ) في ((الطلاق))٢٢٦٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما افترض اللَّه على نبيّه وَخير، ومحل الدلالة من الحديث قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨]، فإنه أمرٌ بأن يقول لهم ذلك، والأمر للوجوب، فدلت الآية على أن التخيير واجب عليه، وهذا الذي ذهب إليه المصنف من افتراض التخيير عليه دون أمته هو الظاهر من الآية، وبه قال بعض أهل العلم، وهو الصحيح. قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: عدّ أصحابنا من خصائصه وَلّ أنه يجب عليه تخيير نسائه بين مفارقته، واختياره. وحكى الحناطيّ وجهًا أن هذا التخيير كان مستحبًّا، والصحيح الأول انتهى(١). (ومنها): أن فيه ملاطفة النبيّ وَّ لأزواجه، وحلمه، وصبره على ما كان يصدر منهنّ، من إدلال وغيره، مما يبعثه عليهنّ الغيرة. (ومنها): أن صغر السنّ مظنّة لنقص الرأي. (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعائشة رضي الله تعالى عنها، وبيان كمال عقلها، وصحّة رأيها مع صغر سنّها. (ومنها): أن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها؛ لسؤال عائشة رضي الله تعالى عنها النبيّ وَ ﴿ أن لا يُخبر أحدًا من أزواجه بفعلها، ولكنه وَّرَ لَمّا علم أن (١) - ((طرح التثريب))٧/ ١٠٣. ١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّاح الحامل على ذلك ما طُبع عليه النساء من الغيرة، ومحبّة الاستبداد، دون ضرائرها لم يُسعِفها بما طلبت من ذلك. (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعائشة، ثم لسائر أمهات المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنهنّ حيث اخترن اللَّهَ، ورسوله، والدارَ الآخرةَ، وبادرن إلى ذلك. (ومنها): أن فيه المبادرة إلى الخير، وإيثار أمور الآخرة على الدنيا؛ لأن الله سبحانه وتعالى رتّب على ذلك ثوابًا عظيمًا، كما بينته الآية المذكورة، وكما في قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. (ومنها): أنه ذكر بعض العلماء أن من خصائصه بَ ل تخيير أزواجه، واستند إلى هذه القصّة، ولا دلالة فيها على الاختصاص. نعم ادّعى بعض من قال: إن التخيير طلاق أنه في حقّ الأُمّة، واختصّ هو ◌َّر بأن ذلك في حقّه ليس بطلاق. لكن الصحيح أن التخيير ليس طلاقًا في حقّ أحد، كما سيأتي تحقيقه في بابه -٣٤٤١/٢٧ - من ((كتاب الطلاق))، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا، فتزوّجها(١)، وهي فاطمة بنت الضحاك، لعموم قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ((ثم فعل أزواج النبيّ وَّ مثل ما فعلت))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: سبب نزول آية التخيير فيما روى أبو بكر بن مردويه في ((تفسيره)) من حديث الحسن مرسلاً في عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، طلبت إلى رسول اللَّه وَلّل ثوبًا، فأمر الله تعالى نبيّه وَله أن يُخيّر نساءه، أما عند اللّه يُردن، أم الدنيا؟. وهذا مرسل(٣). لكن يشهد له حديث جابر عند مسلم، وفيه: أنه وَ لِّ قال: ((وهنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة))، فقام أبو بكر إلى عائشة يَجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يَجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول اللّه وَالجيل ما ليس عنده؟، قلن: والله ما نسأل رسول اللّه وَ ل ◌َه شيئًا أبدًا، ليس عنده، ثم اعتزلهنّ شهرًا، أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَكَأَُها النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾، فذكر الحديث انتهى (٤). وقال في ((الفتح)): ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر (١) - هكذا نسخة ((الفتح)) ولعل الصواب: ((ففارقها)). والله تعالى أعلم. (٢) - ((فتح)»٩ / ٤٧٧. (٣) - أي فهو حديث ضعيف، كما تقدم نقلاً عن ((الفتح)). (٤) - ((طرح التثريب)) ٧/ ١٠٢ - ١٠٣. ٢- (مَا افْتَرَضَ اللهُ عز وجل عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٠٢ ١١ === ريزائي (١) قال: ((دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللّه وَلَ)) الحديث، وفيه قوله وَل: (هنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة)) -يعني نساءه، وفيه أنه اعتزلهنّ شهرًا، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ -حتى بلغ - أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩] قال: فبدأ بعائشة، فذكر نحو حديث الباب. وفي ((صحيح البخاريّ)) في ((المظالم)) من طريق عُقيل، وفي ((النكاح)) من طريق شعيب، كلاهما عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر في قصّة المرأتين اللتين تظاهرتا ... بطوله. وفي آخره: ((حين أفشته حفصة إلى عائشة))، وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهنّ شهرًا من شدّة موجدته عليهنّ، حتى عاتبه اللَّه، فلما مضت تسع وعشرون، دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وقد أصبحنا لتسع وعشرين ليلةً أعدّها عدًّا، فقال النبيّ وَّر: ((الشهر تسع وعشرون))، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأَنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة، فقال: ((إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي ... )) الحديث. قال الحافظ: وهذا السياق ظاهر أن الحديث كله من رواية ابن عباس عن عمر، وأما المرويّ عن عائشة، فمن رواية ابن عباس عنها، وقد وقع التصريح بذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق أبي صالح، عن الليث بهذا الإسناد إلى ابن عباس، قال: قالت عائشة: أَنزلت آية التخيير، فبدأ بي ... الحديث. لكن أخرج (١) - وحديث جابر بطوله عند مسلم هكذا نصّه: ١٤٧٨ - وحدثنا زهير بن حرب، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا زكرياء بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللَّه وَله، فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي وَّ جالسا، حوله نساؤه، واجما ساكتا، قال: فقال: لأقولن شيئا، أضحك النبي وَله، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة، سألتني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها، فضحك رسول اللَّه ◌َّر، وقال: ((هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة))، فقام أبو بكر إلى عائشة، يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول اللَّه وَلقر، ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول اللّه وَ له شيئا أبدا، ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا، أو تسعا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَتٍ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: فبدأ بعائشة، فقال: ((يا عائشةَ إني أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب أن لا تعجلي فيه، حتىٍ تستشيري أبويك))، قالت: وما هو يا رسول اللَّه؟، فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله، أستشير أبويّ، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تُخبر، امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: ((لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن اللَّه لم يبعثني مُغْنِتًا، ولا مُتَعَنْتًا، ولكن بعثني معلما ميسرا)). انتهى. ١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ مسلم الحديث من رواية معمر، عن الزهريّ، ففصّله تفصيلاً حسنًا، وذلك أنه أخرجه بطوله إلى آخر قصّة عمر في المتظاهرتين إلى قوله: ((حتى عاتبه اللَّه))، ثم عقّبه بقوله: ((قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: لما مضى تسع وعشرون))، فذكر مراجعتها في ذلك، ثم عقّبه بقوله: «قال: يا عائشة إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي، حتى تستأمري أبويك ... )) الحديث. فعُرف من هذا أن قوله: ((فلما مضت تسع وعشرون الخ)) في رواية عُقيل هو من رواية الزهريّ، عن عائشة بحذف الواسطة، ولعلّ ذلك وقع عن عمد من أجل الاختلاف على الزهريّ في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القصّة بعينها، كما بينه البخاريّ هنا (١) وكأن من أدرجه في رواية ابن عباس مشى على ظاهر السياق، ولم يفطن للتفصيل الذي وقع في رواية معمر. وقد أخرج مسلم أيضًا من طريق سماك بن الوليد، عن ابن عباس ((حدّثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل النبيّ وَّ نساءه دخلت المسجد ... )) الحديث بطوله، وفي آخره: ((قال: وأنزل الله آية التخيير))، فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنّ فيه، ووقع ذلك صريحًا في رواية عمرة، عن عائشة، قالت: ((لما نزل النبيّ وَّل إلى نسائه أمر أن يُخيّرهنّ ... )) الحديث. أخرجه الطبريّ، والطحاويّ. واختلف الحديثان في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن يكون القضيّتان جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصّة المتظاهرتين خاصّة بهما، وقصّة سؤال النفقة عامّة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصّة سؤال النفقة أليق منها بقصّة المتظاهرتين(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأولى كون القضيتين سببًا لنزول الآية المذكورو، قضيّة المتظاهرتين، وقضيّة سؤال النفقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: اختَلَف الصحابة وَّه في أن التخيير في الآية، هل كان بين إقامتهنّ في عصمته، وفراقهنّ، أو بين أن يبسط لهنّ في الدنيا، أو لا يبسط لهنّ فيها، فذهب إلى الأول عائشة، وجابر رَّه . وذهب إلى الثاني علي بن أبي طالب، وابن عباس تَظُّه . حكى ذلك والدي رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ))، وقال: الأول أصحّ، وعائشة صاحبة القصّة، وهي أعرف بذلك، مع موافقة ظاهر القرآن؛ لقوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّْكُنَّ سَرَاحَا جَمِيلًا﴾ (١) - يعني في ((كتاب التفسير)) في تفسير سورة الأحزاب برقم ٤٧٨٦ . (٢) - راجع ((الفتح))٩/ ٤٧٥ - ٤٧٦. (كتاب التفسير))- ((تفسير سورة ا؟ الأحزاب)). ١٣ ٢- (مَاَ افْتَرَضَ اللَّهُ عز وجل عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٠٤ [الأحزاب: ٢٨]، وهو الطلاق انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قال الماورديّ رحمه الله تعالى: اختُلِف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة، أو بين الطلاق والإقامة عنده؟ على قولين للعلماء: أشبههما بقول الشافعيّ رحمه اللَّه تعالى الثاني، ثم قال: إنه الصحيح، وكذا قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف في التخيير، هل كان في البقاء والطلاق، أو كان بين الدنيا والآخرة انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: والذي يظهر الجمع بين القولين؛ لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر، وكأنهنّ خُيّرن بين الدنيا، فيطلقهنّ، وبين الآخرة، فيُمسكهنّ، وهو مقتضى سياق الآية. ثم ظهر لي أن محلّ القولين، هل فُوّض إليهنّ الطلاق، أم لا؟، ولهذا أخرج أحمد عن عليّ ◌َزيه، قال: لم يُخيّر رسول اللَّه وَلير نساءه إلا بين الدنيا والآخرة)). انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣٢٠٣- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَّهَا، قَالَتْ: ((قَدْ خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ نِسَاءَهُ، أَوْ كَانَ طَلَاقًا))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((سليمان)): هو الأعمش. و(أبو الضحى)): هو مسلم بن صُبیح. وقوله: ((أو كان طلاقًا)) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، أي فالتخيير ليس طلاقًا، إذا اختارت زوجها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، وأما حكم التخيير، هل هو طلاقٌ، أم لا؟، سيأتي في بابه، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيٌّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ، فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ یکنْ طَلَاقًا»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. (١) - ((طرح التثريب)»٧/ ١٠٣. (٢) - ((فتح))٩ / ٤٧٦ . ١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ و(سفيان)): هو الثوريّ. و((إسماعيل)): هو ابن أبي خالد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ((مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ))). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠]٢١/٢٠. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨]١/١. ٣- (عمرو) بن دينار الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤]١٥٤/١١٢. ٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الفقيه، ثقة فاضل، يرسل كثيرًا [٣]١٥٤/١١٢. ٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) وفي الرواية التالية من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة، فأدخل عبيد بن عمير بين عطاء، وعائشة رضي اللّه تعالى عنها، فيحتمل أن يكون عطاء سمعه من عبيد، ثم سمعه من عائشة، أو سمعه عنها، وثبته عبيد. والله تعالى أعلم. (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ((مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ) أي بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وعلى هذا فتكون هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية [٥٢]، وهذا القول هو الصحيح . قال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): لما خيّر رسول اللَّه وَل نساءه، فاخترنه، حرُم عليه التزويج بغيرهنّ، والاستبدال بهنّ، مكافأةٌ لهنّ على فعلهنّ، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. وهل كان يحلّ له أن ٢- (مَا افْتَرَضَ اللهُ عز وجل عَلَى ... - حديث رقم ٣٢٠٥ ١٥ يطلّق واحدةً منهنّ بعد ذلك؟، فقيل: لا يحلّ له ذلك جزاء لهنّ على اختيارهنّ. وقيل: كان يحلّ له ذلك كغيره من الناس، ولكن لا يتزوّج بدلها. ثم نُسخ هذا التحريم، فأباح له أن يتزوّج بمن شاء عليهنّ من النساء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾، والإحلال يقتضي تقدّم حظر، وزوجاته اللاتي في حياته لم يكنّ محرّمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيّات، فانصرف الإحلال إليهنّ؛ ولأنه في سياق الآية: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ﴾ الآية، ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه، ولا من بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحلّ له التزويج بهذا ابتداء، وهذه الآية، وإن كانت مقدّمةً في التلاوة، فهي متأخّرة النزول على الآية المنسوخة بها، كآيتي الوفاة في ((البقرة)). انتهى (١). وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: ذكر غير واحد من العلماء، کابن عباس، ومجاهد، والضحّاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم أن قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ﴾ نزل مجازاة لأزواج النبيّ وََّ، ورضًا عنهنّ على حسن صنيعهنّ في اختيارهنّ الله ورسوله، والدار الآخرة لما خيّرهنّ رسول اللَّه وَ لّ، فلما اخترنه كان جزاؤهنّ أن اللَّه قصره عليهنّ، وحرّم عليه سواهنّ، أو يستبدل بهنّ غيرهنّ، ولو أعجبه حسنهنّ، إلا الإماء، والسراري، فلا حرج عليه فيهنّ، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك نزوّج؛ لتكون المنّة لرسول اللّه وَ ل عليهنّ، ثم أورد حديث عائشة المذكور في الباب: ((ما مات رسول الله وَلّ حتى أحلّ اللَّه له النساء)). ثم أورد عن ابن أبي حاتم بسنده عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ((لم يمت رسول اللّه وَلّ حتى أحلّ اللَّه له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية)). فجعلت هذه الآية ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي الوفاة في ((البقرة))، الأولى ناسخة للتي بعدها. والله أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأرجح أنه وَلير أباح اللَّه تعالى له النساء بعد ما حرم عليه غير نسائه اللاتي خيّرهنّ، فاخترنه، مجازاة لهنّ على حسن صنيعهنّ، ثم لرفعة مكانته وَلّ عند ربّه وَسَّعَ عليه، فَتَسَخَ ذلك التحريم، ثم من كريم شمائله، وحسن أدبه مع ربه، ومع نسائه لم يتزوّج بعد ذلك حتى ماتِ بَله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) - راجع ((تفسير القرطبيّ)). ٢٠٦/١٤ - ١٠٧ . (٢) - راجع ((تفسير ابن كثير)٥٠٩/٣ ((تفسير سورة الأحزاب)). ١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢٠٥/٢ و٣٢٠٦ - وفي ((الكبرى))٥٣١١/٢ و٥٣١٤. وأخرجه (ت) في ((التفسير))٣٢١٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار) ٢٣٦١٧ (الدارميّ) في (النكاح)) ٢٢٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام -وَهُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ - قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((مَا تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، حَتَّى أَخَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّسَاءِ مَا شَاءً))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((وُهيب)): هو ابن خالد الباهليّ، أبو بكر البصريّ الثقة الثبت. والحديث صحيح، تقدّم تخريجه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٣- (الْحَثُّ عَلَى النِّكَاحِ) ٣٢٠٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ عِنْدَ عُثْمَانَ رَيْهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَلَى فِتْيَةٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَلَمْ أَفْهَمْ ((فِتْيَةً)) كَمَا أَرَدْتُ- فَقَالَ: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَةً أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَخْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَا، فَالصَّوْمُ لَهُ وِجَاءٌ»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم للمصنّف رحمه اللّه تعالى سندًا ومتنا برقم -٢٢٤٣/٤٣ - وتقدّم الكلام عليه هناك، وهو صحيح الإسناد، من أفراد ١٧ ٣- (الحَثُّ عَلَى النكاح) - حديث رقم ٣٢٠٨ المصنف رحمه الله تعالى. و((عمرو بن زرارة)): هو الكلابيّ النيسابوريّ الثقة الثبت. و((إسماعيل)): هو ابن عليّة. و((يونس)): هو ابن عُبيد البصريّ الثقة الثبت الفاضل الورع. و((أبو معشر)): هو زياد بن كُليب الكوفيّ الثقة . وقوله: «فلم أفهم فتية)) يعني أنه لم يفهم من شيخه عمرو بن زرارة لفظة ((فتية)) على الوجه الذي يريد أن يفهمه، ولعله اشتبه عليه، إما لبعده، أو لحصول تشويش من بعض الحاضرين، فلم يسمعه سماعًا تامًّا، مثل ألفاظ بقية الحديث. وليس هذا الكلام في ((الكبرى))، ولا فيما تقدّم له في ((الصيام))، ولفظ ((الكبرى)): ((خرج رسول اللَّه ◌ِ له على -يعني ((فتیة)) انتهى . وقوله: ((ذا طَول)) بفتح الطاء: أي ذا قدرة على المهر والنفقة، وهو معنى قوله في الحديث الآتي: ((من استطاع الباءة)). ثم إن أبا معشر خالف الأعمش، فجعل الحديث لعثمان بن عفّان رَّه عنه، والأعمش جعله لابن مسعود رضيّه ، وأبو معشر وإن كان ثقة، إلا أن الأعمش يقدّم عليه، ولذا أتى المصنف رحمه الله تعالى برواية الأعمش عقبه، فكأنه يرجّح رواية الأعمش عليه؛ لأن عادته، كما قال الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذيّ)) أنه يأتي بالأخبار المعللة أولاً، ثم يردفها بالأخبار الصحيحة، ومثله الترمذيّ في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٨- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، أَنَّ عُثْمَانَ، قَالَ لِبْنٍ مَسْعُودٍ : هَلْ لَكَ فِي فَتَاةٍ، أُزَوِّجُكَهَا؟، فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ عَلْقَمَةَ، فَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ نََّ، قَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَةً أَغَضُ لِلْبَصَرِ، وَأَخْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلْيَصُمْ، فَإِنَةٌ لَهُ وِجَاءٌ)»). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (بشر بن خالد) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠]٨١٢/٢٦. ٢- (محمد بن جعفر) المعروف بـ((غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩]٢١/ ٢٢)). ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧]٢٧/٢٤. ٤- (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفيّ ثقة ثبت ورع، لكنه يدلس [٥]١٨/١٧. ١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ ٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقیه یرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣ . ٦- (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٢]٦١/ ٧٧. ٧- (ابن مسعود) عبد الله رضي الله تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: سليمان، وإبراهيم، وعلقمة. (ومنها): أن هذا الإسناد مما ذكر أنه أصح الأسانيد، وهي ترجمة الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود رَّه ،. وللأعمش في هذا الحديث إسناد آخر سيأتي بعد حديث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. شرح الحدیث (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ (أَنَّ عُثْمَانَ) بن عفّان رَّهِ (قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ) وفي رواية أبي معاوية الآتية: ((كنت أمشي مع عبد الله بمنى، فلقيه عثمان، فقام معه، يحدثه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا أزوجك ... )). وفي رواية للبخاريّ: ((يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجةٌ، فخليا ... )) (هَلْ لَكَ فِي فَتَاةِ) أي هل لك رغبة في شابّة (أَزَوْجُكَهَا؟) وفي رواية أبي معاوية: ((ألا أزوّجك جاريةً شابَّةً، فلعلها أن تُذكرك بعض ما مضى منك)). وفي رواية للبخاري: ((هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوّجك بكرًا تذكّرك ما كنت تعهد)). وفي رواية لمسلم: ((لعلك يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد)) . قال القرطبيّ: وكأنّ عبد اللّه قد قلّت رغبته في النساء؛ إما للاشتغال بالعبادة، وإما للسنّ، وإما لمجموعهما، فحركه عثمان بذلك انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ولعلّ عثمان رَظنّه رأى به قشفًا، ورثائة هيئة، فحمل ذلك على فقده الزوجة التي ترفّهه. ويؤخذ منه أن معاشرة الزوجة الشابة تزيد في القوّة والنشاط، بخلاف عكسها فبالعكس . (فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ عَلْقَمَةً) أي ناداه إليه، وذلك لأن عثمان رَّه كان طلب منه أن يخلو (١) - ((المفهم))٤ / ٨١. ١٩ ٣- (الْحَثُّ عَلَى النُكَاح) - حديث رقم ٣٢٠٨ به؛ ليُسِرّ إليه أمر التزويج، كما تقدّم آنفًا، فخلا به، فلما رأى ابن مسعود أن لا حاجة له في ذلك نادى علقمة لعدم الحاجة إلى بقاء الخلوة، وليستفيد علقمة أيضًا بما يسمعه من الحديث . ففي رواية البخاريّ: «فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليّ، فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: أَمَا لئن قلت ذلك لقدقال لنا النبيّ وَّ ... )). قال في ((الفتح)): هكذا عند الأكثر أن مراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت قبل استدعائه لعلقمة. ووقع في رواية جرير عند مسلم، وزيد بن أبي أنيسة عند ابن حبّان بالعكس، ولفظ جرير بعد قوله: ((فاستخلاه)»، «فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة، قال لي: تعالَ يا علقمة، قال: فجئتُ، فقال له عثمان: ألا نزوّجك)). وفي رواية زيد: ((فلقي عثمان، فأخذ بيده، فقاما، وتنخيت عنهما، فلما رأی عبد الله أن ليست له حاجة يُسِرُها، قال: ادنُ يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: ألا نزوّجك)). ويحتمل في الجمع بين الروايتين أن يكون عثمان أعاد على ابن مسعود ما كان قال له بعد أن استدعى علقمة؛ لكونه فهم منه إرادة إعلام علقمة بما كانا فيه انتهى (١). (فَحَدَّثَ) أي عبد الله بن مسعود تظمثّه. ثم إن تحديثه هذا يحتمل أن يكون تحسينًا لكلام عثمان رَزّ، أي إن ما ذكرته من النكاح حسنٌ؛ فقد حثّ عليه النبيّ وَّ، لكن لا حاجة لي إليه. ويحتمل أنه قصد به الردّ عليه، بناءً على أن الخطاب في الحديث للشباب، كما هو الصريح فيه، فالمعنيّ به من كان في سنّ الشباب، لا في مثل سنّ. والله تعالى أعلم (٢) (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ) وفي رواية أبي معاوية الآية: ((لقد قال لنا رسول اللَّه وَ لّ: ((يا معشر الشباب، من استطاع ... )). وفي رواية زيد بن أبي أنيسة المذكورة: ((لقد كنا مع رسول اللّه وَل قر شبابًا، فقال لنا ... )). وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد المتقدّمة في ((كتاب الصيام)) -٢٢٤٢/٤٣ - قال: دخلنا على عبد الله، ومعنا علقمة والأسود، وجماعة، فحدثنا بحديث، ما رأيته حدّث به القوم إلا من أجلي؛ لأني كنت أحدثهم سنًّا، قال رسول اللّه وَ له: (يا معشر الشباب ... )). و((المعشر)) جماعة يشملهم وصفٌ ما، فالشباب معشرٌ، والشيوخ معشرٌ، والأنبياء معشرٌ، والنساء معشرٌ، وكذا ما أشبهه. و((الشباب)) جمع شاب، ويُجمع أيضًا على شَبَبَة، وشُبّان - بضم أوله والتثقيل- وذكر الأزهريّ أنه لم يُجمع فاعلٌ على فُعَال غيره. وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعيّة. (١) - ((فتح))١٣٤/١٠ - ١٣٥. ((الكاح)). (٢) - راجع ((شرح السنديّ ٦/ ٥٧ . ٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ وقال القرطبيّ في ((المفهم)): يقال له: حَدَثٌ إلى ستة عشر سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثم كهلٌ. وكذا ذكر الزمخشريّ في ((الشباب)) أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين. وقال ابن شاس المالكيّ في ((الجواهر)): إلى أربعين. وقال النوويّ: الأصحّ المختار أن الشباب من بلغ، ولم يُجاوز الثلاثين، ثم هو كهلٌ إلى أن يُجاوز الأربعين، ثم هو شيخ. وقال الرويانيّ وطائفة: من جاوز الثلاثين سمّي شيخًا. زاد ابن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين. وقال أبو إسحاق الإسفراينيّ عن الأصحاب(١): المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر، فيختلف باختلاف الأمزجة انتهى(٢). ( ((مَنِ اسْتَطَاعَ) قال القرطبيّ: أي من وجد ما به يتزوّج، ولا يراد به هنا القدرة على الوطء؛ لقوله: ((فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)) انتهى (٣). وفي الرواية التالية: ((من استطاع منكم)). وخصّ الشباب بالخطاب لأنّ الغالب وجود قوّة الدواعي فيهم إلى النكاح، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبرًا إذا وُجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا (الْبَاءَةً) قال وليّ الدين: فيه أربع لغات، حكاها القاضي عياضٌ وغيره، الفصيحة المشهورة: ((الباءة)) بالمدّ والهاء. والثانية: ((البأة)) بلا مدّ. والثالثة: ((الباء)) بلا هاء. والرابعة: ((الباهة)) بهاءين بلا مدّ. وأصلها في اللغة: الجماع، مشتقّةٌ من المباءة، وهو المنزل، ومنه مباءة الإبل، وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح باءة؛ لأن من تزوّج امرأةً بوّأها منزلاً انتهى (٤). وقال في ((الفتح)): ((الباءة)»: بالهمز، وتاء تأنيث ممدود، وفيها لغةٌ أخرى بغير همز ولا مدّ، وقد يُمز، ويُمدّ بلا هاء، ويقال لها أيضًا: الباهة كالأول، لكن بهاء بدل الهمزة. وقيل: بالمدّ القدرة على مُؤَن النكاح، وبالقصر الوطء. وقال الخطابيّ: المراد بالباءة النكاح، وأصله الموضع الذي يتبوّؤه، ويأوي إليه. وقال المازريّ: اشتُقْ العقد على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من شأن من يتزوّج المرأة أن يُبوّءها منزلاً . وقال النوويّ: اختلف العلماء في المراد بالباءة هاهنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد : أصحّهما: أن المراد معناها اللغويّ، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مُؤنه -وهي مُؤَن النكاح- فليتزوّج، ومن لم يستطع الجماع؛ (١) - أي الشافعية. (٢) - ((فتح)١٠٧ / ١٣٥. بزيادة من ((طرح التثريب))٣/٧. (٣) - ((المفهم، ٤ / ٨١ - ٨٢. (٤) - ((طرح التثريب))٧/ ٣.