النص المفهرس
صفحات 301-320
٤٢- (غَزْوَةُ التُّرك والحبشةِ) - حديث رقم ٣١٧٧ ٣٠١ = أَسوار المدن، مُعَرَّبُ کَنْدَه، ويقال: خَنْدَقَّهُ: إذا حفره. أفاده في ((القاموس)). وإنما أمر النبيّ وَله بحفر الخندق بإشارة سلمان الفارسيّ رَّه ، فقد ذكر أصحاب المغازي، أن سلمان رَّه قال للنبيّ وَلهو: إنا كنّا بفارس إذا حوصرنا، خندقنا علينا، فأمر النبيّ وَّل بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون، فحاصروهم. وفي ((مغازي)) موسى بن عقبة: أنه لما بلغ النبيّ وَ لّ جمعهم أخذ في حفر الخندق حول المدينة، ووضع يده في العمل معهم، مستعجلين، يبادرون قدوم العدوّ. وكذا ذكر نحوه ابن إسحاق. وعند موسى بن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريبًا من عشرين ليلة. وعند الواقديّ: أربعًا وعشرين. وفي ((الروضة)) للنوويّ: خمسة عشر يومًا. وفي «الهدي» لابن القيم أقاموا شهرًا. وذكر موسى في ((مغازيه))، قال: خرج حييّ بن أخطب بعد قتل بني النضير إلى مكة يُحرّض قريشًا على حرب رسول اللّه وَله، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الْحُقَيق يسعى في بني غطفان، ويحضّهم على قتال رسول اللَّه وَ لّ على أن لهم نصف ثمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خُويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش، فنزلوا بِمَرّ الظهران، فجاءهم مَن أجابهم من بني سُليم مددًا لهم، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم اللَّه تعالى الأحزاب. وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدّتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلاف. وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف. وقال موسى بن عقبة: لم يكن بينهم قتالٌ، إلا مُراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم، فكان سبب موته. وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نُعيم بن مسعود الأشجعيّ ألقى بينهم الفتنة، فاختلفوا، وذلك بأمر النبيّ ◌َّير له بذلك، ثم أرسل الله تعالى عليهم الريح، فتفرّقوا، وكفى الله المؤمنين القتال. وتسمّى هذه الغزوة غزوة الخندق؛ لما ذُكر، وغزوة الأحزاب؛ لاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل اللَّه تعالى في هذه القصّة صدر ((سورة الأحزاب)). وكانت غزوة الأحراب في شوّال سنة أربع من الهجرة، على ما قاله موسى بن عقبة، وتابعه مالك، ومال إليه البخاريّ في ((صحيحه)) وقوّاه. وقيل: في شوال سنة خمس، ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ قاله ابن إسحاق، وجزم به غيره من أهل المغازي. أفاده في ((الفتح)) (١). (عَرَضَتْ) من باب ضرب: أي ظهرت (لَهُمْ صَخْرَةٌ) وفي حديث جابر ◌َّ عند البخاريّ: قال: ((إنا يوم الخندق نَحفِر، فعرضت كُذية(٢) شديدة، فجاءوا النبي ◌َّر، فقالوا: هذه كُدية، عَرَضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام، لا نَذُوق ذَواقا، فأخذ النبي ◌َّ الْمِغْوَل، فضرب، فعاد کثیبا أَهْيَلَ(٣) - أو أهيم -... )) الحديث. (حَالَتْ بَيْتَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو، بعدها لام: أي الْمِسْحَاة. وقال في ((القاموس)): ((المِعْول، كمنبر: الحديدة يُنقَر بها الجبال انتهى (وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَّةَ الْخَنْدَقِ) أي في جانبه؛ وذلك ليتمكّن من ضرب الصخرة (وَقَالَ: تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَهُمْ لَهُ الْمَصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٢ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَّ أَنَا وَرُسُلِنَّ إِنَّ اللَّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١](٤) . (صِدْقًا وَعَدْلاً) قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلاً فيما حَكّمَ، يقول صدقًا في الأخبار، وعدلاً في الطلب، فكلّ ما أخبر به، فحقّ لا مرية، ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي، لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَئُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ إلى آخر الآية [الأعراف: ١٥٧] (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي ليس أحدٌ يُعقّب حكمه تعالى، لا في الدنيا، ولا في الآخرة (وَهُوَ السَّمِيعُ) لأقوال عباده (الْعَلِيمُ) بحركاتهم، وسكناتهم الذي يُجازي كلّ عامل بعمله (٥) (فَتَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ) أي سقط، يقال: ندر الشيءُ نُدُورًا، من باب قعد: سقط، أو خرج من غيره، ومنه نادرة الجبل، وهو ما يَخرُج منه، ويَبَرُزُ. قاله الفيّوميّ. وأخرج أحمد في («مسنده)) من حديث البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: أمرنا رسول اللّه ◌َ ﴾ بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة، في مكان من الخندق، لا (١) - ((فتح٤ ١٤٨/٨ - ١٥٠. (٢) - بضم الكاف: القطعة الصلبة الصمّاء. وقيل في ضبطها غير ذلك. (٣) - أي صار رملاً يسيل، ولا يتماسك. والأهيم بمعناه. (٤) - راجع تفسير ابن كثير ١٣٥/٢ . (٥) - راجع تفسير ابن كثير ٢/ ١٧٣ . ٣٠٣ ٤٢- (غَزْوَةُ التُّرْكِ وَالْحَبِشَةِ) - حديث رقم ٣١٧٧ تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول اللَّه وَلّه فجاء رسول اللَّه ◌َله، قال عوف(١): وأحسبه قال: وضع ثوبه، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول، فقال: ((بسم اللَّه»، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: ((اللَّه أكبر، أعطِيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الْحُمْر من مكاني هذا))، ثم قال: ((بسم الله))، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: ((اللَّه أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض، من مكاني هذا))، ثم قال: ((بسم الله، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)). وفي سنده ميمون أبو عبد الله البصريّ وثّقه ابن حبّان، وتكلم فيه غيره. (وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَائِمٌ يَنْظُرُ) متعجّبًا، ومستغربًا لصنيع رسول اللَّه ◌َ له الغريب العجيب الذي اشتمل على عدّة من المعجزات (فَبَرَقَ) من باب قتل: أي لَمَعَ، وظهر (مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ بَرْقَةٌ) المرّة من الْبَرَق، وهو اللَّمَعَان، أي الإضاءة (٢) (ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، وَقَالَ: ((تَمَّثْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَذْلاً، لَا مُبَدْلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))، فَتَدَرَ الثُّلُثُ الْآخَرُ، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَرَآهَا سَلْمَانُ) الفارسيّ رَّيِ (ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِئَةَ، وَقَالُ: ((تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلاً، لَا مُبَدْلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))، فَتَدَرَ الثُّلُثُ الْبَاقِي، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ) أي من حفرة الخندق (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، وَجَلَسَ، قَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ، مَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا سَلْمَانُ، رَأَنْتَ ذَلِكَ؟) استفهام بتقدير همزته، أي أريت؟ (فَقَالَ: إِي) بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة: بمعنى نعم، وتستعمل مع القسم، كما هنا (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى، رُفِعَتْ) بالبناء للمفعول: أي أَظهرت (لي مَدَائِنُ كِسْرَى) اسم لمدينة ملك الْفُرْس. قال أبو عمرو بن العلاء: بكسر الكاف، لا غيرُ، وقال ابن السرّاج كما رواه الفارسيّ، واختاره ثعلب، وجماعة: الكسر أفصح، والنسبة إلى المكسور كِسْرِيّ، وكِسْرَوِيٍّ، بحذف الألف، وبقلبها واوًا، والنسبة إلى المفتوح بالقلب، لا غير، والجمع أكاسرة. قاله الفيوميّ. ومدائن كسرى: دار مملكته، قال في ((القاموس))، و((شرحه)): والمدائن: مدينة كِسرى، قرب بغداد، على سبع فراسخ منها، سميت لكبرها. وهي دار مملكة الفرس، (١) - هو عوف الأعرابيّ رواي الحديث. (٢) - لمع البرقُ، كمنع، لَمْعًا، ولَمْعانًا، محرّكةً: أضاء. انتهى ((القاموس)). ٣٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ وأول من نزلها أنو شَرْوَان، وبها إيوانه، وارتفاعه ثمانون دراعًا، وبها كان سلمان، وحذيفة رضي اللّه تعالى عنهما، وبها قراهما، افتتحها سعد بن أبي وقاص رَظُّه سنة أربع عشرة. وقيل: هي عدّة مُدُن، متقاربة الميلين والثلاث، والنسبة إليها مدائنيّ. انتهى(١) (وَمَا حَوْلَهَا) أي ورُفعت لي الأماكن التي حولِ مدائن كسرى (وَمَدَائِنُ) جمع مدينة (كَثِيرَةٌ، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ))، قَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اذْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا) بتشديد النون، من التغنيم (دِيَارَهُمْ، وَيُخَرِّبَ) بتشديد الراء، من التخريب، وبتخفيفها، من الإِخراب؛ لأنه يتعدّى بالتضعيف، والهمزة (بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَّةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ) لقبٌ لكلّ من ملك الروم (وَمَا حَوْلَهَا، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُفَنَّمَنَا دِيَارَهُمْ، وَيُخَرِّبَ بِأَنِدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةِ) بفتحات هذه هي اللغة الفاشية، والواحد حبشِيّ، والْحَبَشُ لفة فيه، وهو جيلٌ من السودان (وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، حَتَّى رَأَنْتُهَا بِعَيْنَيَّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عِنْدَ ذَلِكَ: (دَعُوا) أي اتركوا (الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ) أي لا تقاتلوهم ما لم يقاتلوكم (وَاتْرُكُوا الُّرْكَ) بضمّ، فسكون: جِيلٌ من الناس، والجمع أتراك، والواحد تركيّ، مثل روم ورُوميّ. قاله الفيّوميّ (مَا تَرَكُوكُمْ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: أي اتركوا الحبشة، والترك ما داموا تاركين لكم، وذلك لأن بلاد الحبشة وَعْرَةٌ، وبين المسلمين، وبينهم مفاوز، وقِفَار، وبحار، فلم يُكلّف المسلمين بدخول ديارهم؛ لكثرة التعب. وأما الترك، فبأسهم شديد، وبلادهم باردةً، والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارّة، فلم يُكلّفهم دخول بلادهم، وأما إذا دخلوا بلاد الإسلام - والعياذ بالله- فلا يُباح ترك القتال، كما يدلّ عليه ((ما ودعوكم)). وأما الجمع بين الحديث، وبين قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ الآية [التوبة: ٣٦]، فبالتخصيص، أما عند من يجوّز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد فواضح، وأما عند غيره، فلأن الكتاب مخصوص؛ لخروج الذميّ. وقيل: يحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام، ثم قوّته. قال السنديّ قلت: وعليه العمل - والله تعالى أعلم -. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بالنسخ فيه نظر، بل الأوضح التخصيص، (١) - ((تاج العروس)) ٩/ ٣٤٢. ٣٠٥ == ٤٢- (غَزْوَةُ التُّرْكِ وَالْحَبَشَةِ) - حديث رقم ٣١٧٨ والله تعالى أعلم. قيل في الحديث حجة على من قال: إنهم أماتوا ماضي يَدَعُ إلا أن يكون مرادهم قلّة ورود ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون من تصرّف الرواة المولدين بالمعنى. ويحتمل أن يكون في الأصل ((وَادِعُوا)) بالألف بمعنى سالموا وصالحوا، ثم سقط الألف من بعض الرواة، أو الكتاب. ويحتمل أن مجيئه لقصد المشاكلة كما رُوعِي الجناس في قوله: ((واتركوا الترك ما تركوكم))، والحقّ أنه جاء على قلّة، فقد قرىء في الشواذٌ ((ما وَدَعَكَ)) بالتخفيف، وجاء في بعض الأشعار أيضًا. والله تعالى أعلم. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي سُكينة، عن رجل من أصحاب النبيّ وَّ هذا حسنٌ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٧٧/٤٢ - وفي («الكبرى»٤٣٨٥/٣٨. وأخرجه (د) في ((الملاحم)) ٤٣٠٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): حكم غزو الترك، والحبشة، وهو المنع، إلا إذا قاتلوا المسلمين. (ومنها): الأخذ بالاحتياطات التي تمنع من وصول العدوّ إلى المسلمين. (ومنها): ما ظهر للنبيّ وَله من المعجزات في حفر ذلك الخندق، وذلك أنه وَلَ كان قد اشتدّ به الجوع، كما تقدّم في حديث جابر ◌َّه أنه مضت عليه، وعلى أصحابه ثلاثة أيام دون أن يأكلوا شيئًا، ثم لما أخذ المعول، وضرب به الصخرة ثلاثًا صارت كثيبًا أهيل. (ومنها): ما أخبر به بي لتر مما سيقع لأمته من فتح بلاد فارس، والروم، وغيرها من أقطار الأرض. (ومنها): رؤيته وَّله بالبرقة التي بَرَقت من ضربة الصخرة مدائن كسرى، ومدائن قيصر، ومدائن الحبشة، وغيرها من الأقطار النائية، وإخباره بوصول الإسلام إلى تلك البلدان. (ومنها): إخباره ببقاء الإسلام بعد وفاته وَلّ حتى يستقرّ في ربوع الأرض كلها. (ومنها): نهيه وَل عن مقاتلة الحبشة، والأتراك، إلا إذا بدءوا بقتال المسلمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٧٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، (١) - ((شرح السنديّ)) ٦/ ٤٤- ٤٥. ٣٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١. ٢ - (يعقوب) بن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [٨]٧٣٩/٤٥. ٣- (سهيل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوق تغير حفظه بآخره [٦]٨٢٠/٣٢ . ٤- (أبوه) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣]٤٠/٣٦. ٥- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي أكثر الصحابة رواية للحديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِِّ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا) بالنصب بدل من الترك (وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانٌ) بفتح الميم ، وتشديد النون، جمع مِجَنّ بكسر، ففتح، وتشديد نون: وهو التُّزس. وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه أجاز فيه كسر الميم في الجمع، وإنه خطأ(١) (الْمُطْرَقَةِ) بضمّ الميم، وإسكان الطاء، وتخفيف الراء، اسم مفعول، من الإطراق، وهذا هو الفصيح المشهور في الرواية، وفي كتب اللغة والغريب. وحُكي فتح الطاء، وتشديد الراء، والمعروف الأول. قال العلماء هي التي أُلبست الْعَقَبَ - بفتح العين والقاف -: العَصَب الذي تُعمل منه الأوتار، وأُطرقت به طاقةً فوق طاقة، قالوا: تشبيه وجوه الترك في عرضها، وتدوير وجناتها، وغلظها بالترسة المطرقة (٢). وفي ((الفتح)): والمطرقة التي ألبست الأطرِقَة من الجلود، وهي الأغشية، تقول: طارقت بين النعلين، أي جعلت إحداهما على الأخرى. وقال الهرويّ: هي التي أُطرقت بالعصب، أي ألبست به انتهى(٣) . (١) - ((طرح التثريب»٢٢٣/٧. (٢) - ((طرح التثريب))٢٢٣/٧. (٣) - («فتح»٦ / ٢٠٤. ٤٢- (غَزْوَةُ التُّرْكِ وَالْحَبشَةِ) - حديث رقم ٣١٧٨ ٣٠٧ === وفي ((شرح السنديّ)): وهو الترس الذي جُعل على ظهره طِرَاق، والطّراق بكسر الطاء جلد يقطع على مقدار الترس، فيُلصق على ظهره، شبّه وجوههم بالترس لبسطها، وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها، وكثرة لحمها . (يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ))) معناه ينتعلون الشعر، كما صُرّح به في رواية أخرى عند مسلم بلفظ: ((نعالهم الشعر)). وقال القرطبيّ: أي يصنعون من الشعر حبالاً، ويصنعون منه نعالاً، كما يصنعون منه ثيابًا. قال: هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم کالنعال انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير بعيد من معنى الحديث جدًّا. والله تعالى أعلم. وهذا الحديث صريح في أن الترك ينتعلون الشعر، ووقع في رواية للبخاريّ من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضيه، قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين، حُمْر الوجوه (٢)، ذُلْف الأنوف(٣)، كأنّ وجوههم الْمَجانّ المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر)). قال في ((الفتح)): هذا الحديث ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يُجمع بين الروايتين بأن لبس الشعر، وانتعاله يعمّ الترك وغيرهم، ممن يقاتلهم المسلمون، فلا تعارض بين الروايتين. والله تعالى أعلم. قال: وقد وقع للإسماعيليّ من طريق محمد بن عبّاد، قال: بلغني أن أصحاب بَابَك كانت نعالهم الشعر. (١) - ((المفهم)) ٧/ ٢٤٧ . (٢) - أي بيض الوجوه، مشوبة بحمرة. اهـ شرح النووي على مسلم ٢٤٥/١٨. (٣) - قوله: ((ذلف الأنوف)) أي صغارها، والعرب تقول: أملح النساء الذُّلْفُ. وقيل: الذّلْف الاستواء في طرف الأنف. وقيل: قصر الأنف، وانبطاحه. قاله في («الفتح» ٦/ ٢٠٤ . والفعل كفرح. وقال الحافظ وليّ الدين: ((ذلف الأنوف)) هو بالذال المعجمة، والمهملة لغتان، المشهورة المعجمة، وممن حكى الوجهين فيه صاحب ((المشارق))، و((المطالع))، قال: رواية الجمهور بالمعجمة، وبعضهم بالمهملة، والصواب المعجمة، وهو بضمّ الذال، وإسكان اللام جمع أذلف، كأحمر، وحُمْر. ومعناه فُطْس الأنوف، قصارها مع الانبطاح. وقيل: هو غلظ في أرنبة الأنف. وقيل: تطامن فيها، وكلّه متقارب وفي رواية: ((قُطْسُ الأنوف)) وهو بضمّ الفاء، وسكون الطاء، وبالسين المهملة: المراد به أن يكون في رأس الأنف انطاح، وهو ضدّ الشّمَم في الأنف. أفاده في ((طرح التثريب» ٧/ ٢٢٣. ٣٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ قال: بابك -بموحدتين، مفتوحتين، وآخره كاف، يقال له: الْخُرَّمِيّ - بضمّ المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة- وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرّمات، وقامت لهم شو کة کبیرة في أيّام المأمون، وغلبوا علی کثیر من بلاد العجم، کطبرستان، والريّ إلى أن قتل بابك المذكور في أيّام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين، أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين انتهى (١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولا شكّ في أن هذه الأوصاف هي أوصاف الترك غالبًا، وقد سمّاهم النبيّ وَله بقوله: ((يقاتل المسلمون الترك))، وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبر، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم رحمه الله تعالى، وكان اللَّه قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرّة، فغلبوا على عراق العجم وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أممٌ لا يُحصيهم إلا اللّه، ولا يردّهم عن المسلمين إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدّمتهم، فنسأل الله تعالى أن يُهلكهم، ويُبدّد جمعهم، ولَمّا علم النبيّ وَّر عددهم، وكثرتهم، وشدّةً شوكتهم قال ◌َّر: («اتركوا الترك ما تركوكم)) انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٧٨/٤٢ - وفي ((الكبرى))٤٣٨٦/٣٨. وأخرجه (خ) في ((الجهاد والسير ))٢٩٢٨ و٢٩٢٩ (م) في ((الفتن))٢٩١٢ (د) في ((الملاحم)» ٤٣٠٣ و٤٣٠٤ (ت) في ((الفتن»٢٢١٥ (ق) في ((الفتن)) ٤٠٩٦ (أحمد) في ((مسند المكثرين)»٧٢٢٢ و٧٦١٩ و٧٩٢٧ و٢٧٤٦٠ و٨٩٢١ و٩٧٩٦ و١٠٠٢٤ و١٠٤٧٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو غزوة الترك. [فإن قلت]: هذا الحديث يعارض الحديث الماضي: ((واتركوا الترك ما تركوكم))، فكيف يجمع بينهما؟. (١) - ((فتح)٩ ٦ / ٢٠٤. (٢) - («المفهم،٢٤٨/٧ . ٤٣- (الاسْتِنْصَارُ بِالضَّعِيفِ) - حديث رقم ٣١٧٩ ٣٠٩ = [قلت]: لا تنافي بينهما، إذ النهي مشروط بقوله: ((ما تركوكم))، فمفهومه أنهم إذا لم يتركوا لم يُتركوا، بل يُقاتلون، وقد وعد الله سبحانه وتعالى بالنصر للمؤمنين، وقد وقع ذلك للمسلمين الذين قاتلوا الترك بعد النبيّ وَلقر، كما سجّلته كتب التواريخ، كما وقع في وقعة عين جالوت وغيرها. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه معجزة ظاهرة للنبيّ وَلغيره، حيث أخبر بما سيقع لأمته بعده، فوقع مطابقًا لما أخبر به. قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): وهذه كلها معجزات لرسول اللَّه وَالر، فقد وُجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها وَ ه صغار الأعين، حُمْر الوجوه، ذُلْف الأنوف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرّات، وقتالهم الآن، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم، والحماية، وصلى الله على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٤٣- (الاسْتِنْصَارُ بِالضَّعِيفِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: معناه: طلب النصر من الله تعالى بدعاء الضعيف. وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب من استعان بالضعفاء، والصالحين في الحرب))، ثم أورد مع حديث سعد هذا حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َطّه ، عن النبي ◌َّهرِ، قال: ((يأتي زمان، يغزو فِئَامٌ من الناس، فيقال: فيكم مَن صَحِبَ النبي وَلقر؟، فيقال: نعم، فيُفتَح عليه، ثم يأتي زمان، فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي الر؟ ، فیقال: نعم، فيُفتح، ثم يأتي زمان، فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي وَله؟، فيقال: نعم، فيفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - ((شرح مسلم٢٤٥/١٨٤. (٢) (صحيح البخاريّ)) ١٨٤/٦. بنسخة ((الفتح)). ٣١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٣١٧٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِذْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاتٍ، عَنْ ◌َبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُضْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: ((نَبِيُّ اللّهِ بَهِ: ((إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن إدريس) بن المنذر أبو حاتم الرازيّ الإمام الحافظ الناقد المشهور [١١]٢٨٧٩/١١٢. ٢- (عمر بن حفص بن غياث) النخعي، أبو حفص الكوفيّ، ثقة ربما وهم [١٠]٥/ ٥٠١ . ٣- (أبوه) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، القاضي، أبو عمر الكوفيّ، ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر [٨]١٠٥/٨٦ . ٤ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [٧]٨/٨. ٥- (طلحة بن مصرّف) بن عمرو بن كعب اليماميّ الكوفي، ثقة قارىء فاضل [٥]٣٠٦/١٩١. ٦- (مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهريّ، أبو زرارة المدنيّ، ثقة [٣]٩١/ ١٠٣٢ . ٧- (أبوه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أأبو إسحاق الزهريّ الصحابي الجليل تَّه. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكويين إلى طلحة، غير شيخه، فإنه رازيّ، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه مرّتين، ورواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وهو الصحابيّ ◌َّه، وهو آخرهم وفاةً، مات ◌َّه بالعَقيق سنة (٥٥) على المشهور، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُضْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبي زُرارة المدنيّ، الثقة (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص رضي الله تعالى عنه (أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَّهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ََِّ) ٤٣- (الاسْتِنْصَارُ بالضَّعِيفِ) - حديث رقم ٣١٧٩ ٣١١ = بناء على ظاهر الحال، إما بسبب شجاعته، أو نحو ذلك (فَقَالَ: («نَبِيُّ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا) أي بسببهم، ثم بيّن سبب النصر، فقال (بِدَعْوَتِهِمْ) أي بسبب دعائهم لربهم حتى ينصر المسلمين (وَصَلَاتِهِمْ) أي ببركة صلاتهم التي يقيمونها بأركانها، وسننها، وآدابها، وخشوعها، كما أمرهم الله تعالى بذلك (وَإِخْلَاصِهِمْ) أي بسبب إخلاص العبادة لربهم، بحيث لا يشوبونها بشيء من الشرك الجليّ والخفيّ. ولفظ البخاريّ من طريق محمد بن طلحة، عن أبيه: ((فقال النبيّ وَلّر: هل تُنصرون إلا بضعفائکم)). قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: تأويل الحديث أن الضعفاء أشدّ إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلّق بزخرف الدنيا. وقال المهلّب رحمه اللّه تعالى: أراد ◌َلّ بذلك حضّ سعد رَّ على التواضع، ونفي الزهو على غيره، وترك احتقار المسلم في كلّ حالة. وقد روى عبد الرزاق من طريق مكحول في قصّة سعد هذه زيادةً مع إرسالها، فقال: قال سعد: يا رسول الله، أرأيت رجلاً يكون حاميةً القوم، ويدفع عن أصحابه أن يكون نصيبه كنصيب غيره؟))، فذكر الحديث. وعلى هذا فالمراد بالفضل إرادة الزيادة من الغنيمة، فأعلمه النبيّ وَّ أن سهام المقاتلة سواء، فإن كان القويّ يترجّح بفضل شجاعته، فإن الضعيف يترجّح بفضل دعائه وإخلاصه. قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن الحديث يعمّ المعنيين، فلا داعي لقصره على أحدهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٧٩/٤٣- وفي «الكبرى»٤٣٨٧/٣٩. وأخرجه (خ) في ((الجهاد والسير))٢٨٩٦ (أحمد) في («مسند العشرة» ١٤٩٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو استحباب طلب النصر على الأعداء من الله تعالى بدعوة الضعفاء الصالحين. (ومنها): أن رفعة القدر عند الله تعالى = ٣١٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الجهَادِ ليست بالمظهر، وإنما هي بالتقوى، والإخلاص، والورع، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. (ومنها): استحباب الغزو مع الضعفاء؛ رجاء النصر بسببهم. (ومنها): فضيلة الدعاء، والصلاة، والإخلاص لله سبحانه وتعالى، حيث كانت سببًا لانتصار الجيوش على أعداء الإسلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٠- (أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: حَدْثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْطَاةَ الْقَزَارِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ تُفَيْرِ الْحَضْرَمِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا الدَّرْدَاءِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((ابْغُونِي الضَّعِيفَ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ، وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يحيى بن عثمان) الحمصيّ، صدوق عابد[١٠]٨١٧/٢٩. ٢- (عمر بن عبد الواحد) السلميّ الدمشقيّ، ثقة [٩]٥٦/٤٥. ٣- (ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقة [٧]٥٩٥/٤٥ . ٤- (زيد بن أرطاة الفزاريّ) الدمشقيّ، أخو عديّ، ثقة عابدٌ [٥]. قال العجليّ: شاميّ، تابعيّ ثقة. وقال دُحَيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥- (جُبير بن نُفير الْحَضْرميّ) الحمصيّ مخضرم، ثقة، جليل [٢]٦٢/٥٠. ٦ - (أبو الدرداء) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، شهد أحدًا، وما بعدها، ومات تَظّمه في آخر خلافة عثمان تنمّه ، وقيل: عاش بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ٨٤٧/٤٨ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ الْحَضْرَمِيْ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ) رضي اللَّه تعالى عنه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((ابْغُونِي) بوصل الهمزة، ثلاثيًّا، يقال: بغيتك الشيءَ، ٣١٣ ٤٤- (فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ غَازِیا) - حديث رقم ٣١٨١ من باب رمى: طلبته لك، أو بقطع الهمزة، رباعيًّا، يقال: أبغيته الشيء: طلبته له، أو أعنته على طلبه، أو جعلته طالبًا له (الضَّعِيفَ) بالنصب مفعول ثان لـ((ابغوني)) (فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَّقُونَ) بنزول المطر، أو غيره (وَتُنْصَرُونَ) على أعدائكم (بِضُعَفَائِكُمْ) قد تقدّم في الحديث الذي قبله، أن المعنى: بسبب دعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٨٠/٤٣ - وفي («الكبرى»٤٣٨٨/٣٩. وأخرجه (د) في ((الجهاد))٢٥٩٤ (ت) في ((الجهاد))١٧٠٢ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢١٢٢٤. وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤٤- (فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا) ٣١٨١- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ، قَالَ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِيَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، فَقَدْ غَزَّا))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (سليمان بن داود) المهريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١]١٣١٦/٦٨ . ٢- (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠]٩/٩. ٣- (ابن وهب) عبد الله المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩]٩/ ٩. ٤- (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقة ثبت ٣١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ فقيه [٧]٧٩/٦٣. ٥- (بكير بن الأشج) هو بكير بن عبد الله بن الأشج، نسب لجده المدنيّ، نزيل مصر، ثقة فقيه [٥]١٣٥/ ٢١١ . ٦- (بسر بن سعيد) المدني العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليل [٢]٥١٧/١١. ٧- (زيد بن خالد) الجهنيّ الصحابيّ المدنيّ المشهور، مات ◌َظمته بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٠)، وله (٨٥) سنة، تقدّمت ترجمته في ٧٥٦/٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فقد تفرد بهما هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيّ رضي اللَّه تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَِّ، قَالَ: مَنْ جَهَّزَ) بتشديد الهاء، من التجهيز، أي هيّأ له أسباب سفره. وقال ابن الأثير: تجهيز الغازي: تحميله، وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس، وتجهيز الميت. انتهى (١) (غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَدْ غَزَّا) قال ابن حبّان رحمه اللَّه تعالى: معناه أنه مثله في الأجر، وإن لم يغزو حقيقة. ثم أخرجه من وجه آخر عن بُسر بن سعيد، بلفظ: (كُتب له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجره شيء)). ولابن ماجه، وابن حبّان من حديث عمر رَّه نحوه بلفظ: ((من جهّز غازيًا حتى يستقلّ كان له مثل أجره حتى يموت، أو يرجع)). وأفادت هذه الرواية فائدتين: ((إحداهما)): أن الوعد المذکور مرتّبٌ على تمام التجهيز، وهو المراد بقوله: ((حتى يستقلّ)). و((ثانيهما)): أنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد رَبّه أن رسول اللَّه ◌َ له بعث بعثًا، وقال: ((ليخرج من كلّ رجلين رجلٌ، والأجر بينهما))، وفي رواية له: ((ثم قال للقاعد: و((أيكم خلف الخارج في أهله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج)). ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جهّز نفسه، أو قام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرّتين. وقال القرطبيّ: لفظة ((نصف)) يشبه أن تكون مقحمة. أي مزيدة من بعض الرواة. وقد احتجّ بها من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت بمثل ثواب الفعل حصول أصل الأجر (١) - ((النهاية)) ٣٢١/١. ٣١٥ == ٤٤- (فَضْلُ مَنْ جَھَّزَ غَازِیًا) - حدیث رقم ٣١٨١ له بغير تضعيف، وأن التضعيف يختصّ بمن باشر العمل. قال القرطبيّ: ولا حجة له في هذا الحديث لوجهين : [أحدهما]: أنه لا يتناول محلّ النزاع؛ لأن المطلوب إنما هو أن الدال على الخير مثلاً هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف، أو بغير تضعيف، وحديث الباب يقتضي المشاركة، والمشاطرة، فافترقا. [ثانيهما]: ما تقدّم من احتمال كون لفظة ((نصف)) زائدة انتهى. قال الحافظ: ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي، والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكلّ منهما مثل ما للآخر، فلا تعارض بين الحديثين، وأما من وعد بمثل ثواب العمل، وإن لم يعمله إذا كانت له فيه دلالة، أو مشاركة، أو نيّة صالحة، فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكلّ أحد، وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستند، وكأن مستند القائل أن العامل يباشر المشقّة بنفسه بخلاف الدال ونحوه، لكن من يُجهّز الغازي بماله مثلاً، وكذا من يُخلفه فيمن يترك بعده يباشر شيئًا من المشقّة أيضًا، فإن الغازي لا يتأتّى منه الغزو إلا بعد أن يُكْفَى ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو، بخلاف من اقتصر على النيّة مثلاً انتهى(١). (وَمَنْ خَلَفَهُ) بتخفيف اللام: أي صار خليفة له، ونائبًا عنه في قضاء جوائج أهله (فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ) احتراز عن الخيانة في الأهل بسوء، فإن له وعيدًا شديدًا، كما سيأتي في حديث بريدة بن الحصيب نَّه، مرفوعًا -٣١٩٠/٤٧ -: ((وما من رجل يخلف في امرأة رجل من المجاهدين، فيخونه فيها، إلا وُقف له يوم القيامة، فأخذ من عمله ما شاء، فما ظنّكم؟)) (فَقَدْ غَزَا) أي فقد حصل له أجر الغازي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث زيد بن خالد الجهنيّ رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣١٨١/٤٤ و٣١٨٢ - وفي ((الكبرى)) ٤٣٨٩/٤٠ و٤٣٩٠. وأخرجه (خ) في ((الجهاد والسير))٢٨٤٣ (م) في ((الإمارة)) ١٨٩٥ (د) في ((الجهاد)) ٢٥٠٩ (ت) (١) - ((فتح)٦ / ١٣٦ - ١٣٧ . ٣١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ في ((فضائل الجهاد))١٦٢٨ و١٦٢٩ و١٦٢١ (ق) في ((الجهاد))٢٧٥٩ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٥٩١ و١٦٦٠٨ و((مسند الأنصار))٢١١٦٨ و٢١١٧٣ (الدارميّ) في ((الجهاد)) ٢٤١٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل من جهّز غازيًا في سبيل الله تعالى، وهو أنه مثل من غزا في الأجر. (ومنها): بيان فضل الإحسان إلى أهل الغازي في سبيل اللَّه تعالى، بخدمتهم، والإحسان إليهم، فإن من قام بذلك حصل له أجر الغازي أيضًا. (ومنها): أن المشاركة في الخير له فضل عظيم، حيث يحصل به أجر العاملين به، ويفهم منه ذمّ من شارك في الشرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيٌّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًّا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرِ فَقَدْ غَزَا»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((حرب بن شدّاد)): هو اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة [٧] ٩٦/ ١١٩. و((يحيى)): هو ابن أبي كثير. والحديث متّفق عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٣١٨٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ، عَنِ الْأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجِّ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا،َ نَضَغْ رِحَالَنَا، إِذْ أَتَانَا آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ، وَفَزِعُوا، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى نَفَرِ، فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِمْ عَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَإِنَّا لَكَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ رَضِي اللَّهِ عَنْهِ، عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ صَفْرَاءُ، قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَةُ، فَقَالَ: أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟، أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟، أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي قُلَانٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((اجْعَلَّهُ فِي مَسْجِدِنَا، وَأَجْرُهُ لَكَ))، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: ٤٤- (فَضْلُ مَنْ جَھَّزَ غَازِیا) - حديث رقم ٣١٨٣ = ٣١٧ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ بِثْرَ رُومَةَ، غَفَرَ اللَّهُ لَّهُ))، فَابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: (اجْعَلْهَا سِقَايَةً لَلْمُسْلِمِينَ، وَأَجْرُهَا لَكَ))، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ شَهِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَقَالَ: ((مَنْ يُجَهِّزُ هَؤُلَاءِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَجَهَّزْتُمْ، حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا عِقَالاً، وَلَا خِطَامَا، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدٍ، اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت حجة [١٠]٢/ ٢ . ٢- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد[٨٥٪ ١٠٢ . ٣- (حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السلميّ، أبو الهذيل الكوفيّ، ثقة تغير حفظه في الآخر [٥]٤٧/ ٨٤٦. ٤- (عمرو بن جاوان) -بالجيم- التميميّ السعديّ البصريّ، ويقال: عُمر - بضم العين- مقبول [٦]. روى عن الأحنف بن قيس. وعنه حُصين بن عبد الرحمن. قال ابن معين: كلهم يقولون: عُمر بن جاوان، إلا أبا عوانة، فإنه قال: عمرو. وذكر البخاريّ في ((تاريخه)) أن هُشيمًا قال: عن حُصين، عن عمرو بن جاوان. وقال عليّ بن عاصم: قلت لحصين: عمرو بن جاوان؟ قال: شيخ صحبني في السفينة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بحديث عثمان رضي هذا برقم ٣١٨٣ و٣٦٠٧ و ٣٦٠٨. ٥- (الأحنف بن قيس) بن معاوية بن حصين التميميّ السعديّ، أبو بحر، اسمه الضحاك، وقيل: صخر، مخضرم ثقة [٢]٣١٨٢/٤٤. ٦ - (عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وتقدمت ترجمته في ٦٨ / ٨٤ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو جابان، فإنه من أفراد المصنّف. والله تعالى أعلم. = ٣١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ شرح الحديث (عَنِ الْأَخْتَفِ بْنِ قَيْسٍٍ) التميميّ السعديّ، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا) بضم الجيم، جمع حاجٌ. وفي الرواية الآتية - ٣٦٠٧/٤ - من طريق المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يُحدّث عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عُمَر بن جاوان، رجلٍ من بني تميم، وذاك أني قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف بن قيس ما كان، قال: سمعت الأحنف يقول: أتيت المدينة، وأنا حاج ... )). يعني اعتزاله عليًّا ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، وعدم انضمامه إلى أحدهما. (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجَّ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) أي في الأماكن التي نزلنا فيها (نَضَعُ) بفتح الضاد المعجمة، مضارع وَضَعَ بفتحها أيضًا: أي نَحُطّ (رِحَالَنَا) - بكسر الراء- جمع رَخل - بفتح، فسكون- وهو كلّ شيءٍ يُعدّ للرحيل، من وعاء للمتاعِ، ومَّرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، ويجمع أيضًا على أَرْحُل، كفلس وأَفْلُس (إِذْ أَتَانَا آتٍّ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ (وَفَزِعُوا) - بکسر الزاي- من باب تَعِب، أي خافوا من وقوع فتنة بين الناس بسبب عصيانهم للخليفة عثمان رَّيه (فَانْطَلَقْنَا) أي ذهبنا إلى المسجد (فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى نَفَرٍ) - بفتحين -: جماعةُ الرجال، من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفَرٌ فيما زاد على العشرة. قاله الفيوميّ. والمراد بالنفر عليّ، والزبير، وطلحة، وسعد تَظّمه. وفي رواية المعتمر: ((فإذا يعني الناس مجتمعون، وإذا بين أظهرهم نفرٌ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص رحمة الله عليهم ... )) (فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِمْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب (وَالزُّبَيْرُ) بن العوّام (وَطَلْحَةُ) بن عُبيد اللَّه (وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) رضي اللّه تعالى عنهم (فَإِنَّا لَكَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ) بن عفّان (رَضِي اللَّه عَنْه، عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ) -بضمّ الميم، والمدّ: الرَّيْطَةُ، ذات لِفْقَين، والجمع مُلاءٌ بحذف الهاء. قاله الفيّوميّ. وفي رواية المعتمر المذكورة: ((وعليه مُلَيّةٌ)) بالتصغير (صَفْرَاءُ) صفة لـ((ملاءة)) (قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَهُ) بتشديد النون: أي غَشَى بتلك الملاءة رأسه ، وغطّاه بها؛ لدفع الحرّ، أو غيره (فَقَالَ: أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟) وفي رواية المعتمر: ((أههنا عليّ؟، أههنا الزبير؟، أههنا طلحة؟، أههنا سعد؟ ... )) (أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟، أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ يَبْتَاع) ((من)) هنا موصولة؛ إذ الفعل بعدها مرفوع، وهي مبتدأ خبرها ((غفر الله له))، أي الذي يشتري (مِرْبَدَ بَنِي قُلَانٍ) - بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة -: موضعٌ يُجعل فيه التمر؛ لِيَنشَفَ، ويقال ٤٤- (فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا) - حديث رقم ٣١٨٣ ٣١٩ == له أيضًا: مِسْطَحِ (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، فَأَخْبَرْتُهُ) أي بشرائه ذلك المربد (فَقَالَ: ((اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا) أي ليتّسع حيث ضاق عليهم. وفي رواية ثمامة بن حَزْن القشيريّ الآتية في - ٣٦٠٩/٤- من طريق سعيد الجريريّ، عنه: قال: فأنشدكم بالله، والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول اللَّه وَالَ: ((من يشتري بُقعة آل فلان، فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنّة، فاشتريتها من صُلْب مالي، فزدتها في المسجد، وأنتم تمنعوني أن أن صلّي فيه ركعتين، قالوا: اللَّهمّ نعم ... )) (وَأَجْرُهُ لَكَ))، قَالُوا) أي قال الصحابة الذين ناشدهم، وهم علي، ومِن معه (اللَّهُمَّ نَعَمْ) إنما ذكروا ((اللَّهِمْ)) للتأكيد (قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَّهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وِِّ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ) ((من)) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون شرطية (بِثْرَ رُومَةَ) -بضمّ الراء، وزان غُرفة - اسم بئر معروفة بالمدينة، والإضافة فيه للبيان (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، فَابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا) وفي رواية معلّقة من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي عبد الرحمن السلميّ عند البخاريّ: ((من حفر رومة، فله الجنّة))، فحفرتها)). قال ابن بطال: هذا وهم من بعض رواته، والمعروف أن عثمان اشتراها، لا أنه حفرها. قال الحافظ : قلت: هو المشهور في الروايات، فقد أخرجه الترمذيّ من رواية زيد بن أبي أُنيسة، عن أبي إسحاق، فقال فيه: ((هل تعلمون أن رُومة لم يكن يشرب من مائها إلا بثمن))، لكن لا يتعيّن الوهم، فقد روى البغويّ في ((الصحابة)) من طريق بشر بن بشير الأسلميّ، عن أبيه، قال: ((لما قدم المهاجرين المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين، يقال لها: رُومة، وكان يبيع منها القربة بمُدّ، فقال له النبيّ وَّ («تبيعنيها بعين في الجنّة))؟، فقال: يا رسول اللَّه ليس لي، ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان رَّه ، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبيّ وَّة، فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: (نعم))، قال: قد جعلتها للمسلمين. وإن كانت أوّلاً عينًا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرًا، ولعلّ العين كانت تجري إلى بئر، فوسعها، وطواها، فنسب حفرها إليه(١) . (فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ، فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((اجْعَلْهَا سِقَايَةً لَلْمُسْلِمِينَ، وَأَجْرُهَا لَكَ))) وفي رواية ثمامة المذكورة: ((فقال: أنشدُكم بالله، وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول اللّه ◌َ لَ قَدِمَ المدينة، وليس بها ماءٌ يُستعذب، غيرَ بئر رومة، فقال: من يشتري رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في (١) - ((فتح ٦٨/٦ ((الوصايا)). ٣٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ الجنّة؟، فاشتريتها من صُلْب مالي، فجعلت دلوي فيها مع دلاء المسلمين، وأنتم اليوم تمنعوني من الشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللَّهمَ نعم ... )) (قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ، أَتَعْلَّمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِِّ، نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْم) أي فقراء المهاجرين الذين لا يجدون جهاز الغزو (فَقَالَ: ((مَنْ) يحتمل أن تكون موصولة، والفعل بعدها مرفوع، وأن تكون شرطية، والفعل مجزوم (يُجَهِّزُ هَؤُلَاءِ) - بضمّ أوّله، وتشديد الهاء- أي يهيىء لهم مُؤَن الغزو (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ) هي جيش غزوة تبوك؛ سمّيت بذلك للمشقّة التي حصلت للمسلمين فيها بسبب بعدها، وكونه ◌ّلّر غزاها في شدّة الحرّ قال جابر رَظّم: اجتمع عليهم عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. وقال الحسن: كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير يَعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوّس، والشعير المتغيّر، والإهالة(١) المنتنة، وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة، فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يُعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جُزْعة من ماء، كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة، فَمَضَوا مع النبيّ وَّ على صدقهم، ويقينهم * ثُ. وقال عمر رَّه، وقد سُئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيصر فَرْئه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر رَظنّه: يا رسول الله إن اللّه قد عوّدك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا، قال: ((أتحبّ ذلك؟))، قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى أظلّت السماء، ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. وأخرج مسلم في ((صحيحه)) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد -شك الأعمش- قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول اللّه، لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول اللّه اله: ((افعلوا))، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول اللّه، إن فعلت قَلَّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول اللّه وَ له: (نعم))، قال: فدعا بنِطَع(٢)، فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذُرَة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر (١) - الإهالة: الشحم. (٢) - ((النطع: بساط من أديم.