النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١ =
٣٦- (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة) - حديث رقم ٣١٦٥
وآخره معجمة السَّلَّمَيّ، أبو نَجِيح الصحابيّ، كان من أهل الصفّة، ثم نزل حمص،
ومات رضي اللّه تعالى عنه بعد (٧٠) تقدّمت ترجمته في ٢١٦٣/٢٥ .
و(بقية)): هو الوليد. و((بَحِير)) بفتح، فكسر: هو ابن سعد. و((خالد)): هو ابن
معدان. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات،
غير ابن أبي بلال، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ) السلميّ رَّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِ قَالَ: ((يَخْتَصِمُ) أي يتنازع
(الشُّهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفَّوْن) بتشديد الفاء المفتوحة، أي الذين ماتوا (عَلَى فُرُشِهِم) بضمتین،
جمع فِراش، ككتاب وكُتُب بمعنى المفروش. قال الفيّوميّ: فَرَشتُ البساط وغيره
فَرْشًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: بَسَطتُهُ، وافترشته، فافترشَ هو، وهو
الفِراش بالكسر، فِعَالْ بمعنى مفعول، مثل كتاب، بمعنى مكتوبٍ، وجمعه فُرُشٌ، مثلُ
كتاب وكُتُب، وهو فَرْشٌ أيضًا- أي بفتح، فسكون- تسمية بالمصدر انتهى.
(إِلَى رَبْنَا) أي رافعين اختصامهم إلى اللَّه تعالى (فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) بتشديد الفاء،
والبناء للمفعول، ولا شكّ أن مقصود الشهداء بذلك إلحاق المطعون معهم، ورفع
درجته إلى درجاتهم، وأما الأموات على الفرُش فلعلّه ليس مقصودهم أصالةً أن لا تُرفَع
درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسدٌ مذموم، وهو منزوع عن القلوب
في تلك الدار، وإنمامرادهم أن ينالوا درجات الشهداء كما نال المطعون مع موته على
الفراش، فمعنى قولهم: ((كما متنا)) أي فإن نالوا مع ذلك درجات الشهداء ينبغي أن
ننالها أيضًا، وعلى هذا فينبغي أن يُعتبر هذا الخصام خارج الجنّة، وإلا فقد جاء فيها:
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، فينبغي أن ينال
درجة الشهداء من يشتهيها في الجنّة، والظاهر أن اللّه تعالى ينزع من قلب كلّ أحدٍ في
الجنّة اشتهاء درجة من فوقه، ويُرضيه بدرجته. والله تعالى أعلم. قاله السنديّ رحمه
الله تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن هذا الاختصام قبل دخول الجنّة، فلا
يُستبعد أن يكون قولهم: ((ماتوا على فُرُشهم كما متنا)) من باب التنافس، لئلا يفضّلوا

٢٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
عليهم، ولا يُستغرب ذلك ممن لم يدخل الجنّة، فإن ذلك محلّ اختصام، وتنازع،
وتنافر، فإنه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْرَهُ مِنْ أَخِهِ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ وَصَحِنِهِ، وَبَنِهِ﴾ الآية [عبس: ٣٤ - ٣٦]، كما
وصفه اللَّه تعالى بذلك، وأما قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾ الآية
[الحجر: ٤٧]، فيحمل على ما بعد دخول الجنة، كما ثبت وصفهم بذلك في حديث
أبي هريرة تَزاله المتفق عليه، وفيه ..... ((لا اختلاف بينهم، ولا تباغُضَ، قلوبهم قلب
واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا)). متفق عليه.
والحاصل أن كون قولهم هذا من باب التنافس والتحاسد هو الظاهر، وهو محمول
على ما قبل دخولهم الجنّة، كما يرشد إليه آخر كلام السنديّ. والله تعالى أعلم.
(مِنَ الطَّاعُونِ) قال الفيوميّ: الطاعون الموت من الوباء، والجمع طواعين، وطُعِن
الإنسانُ بالبناء للمفعول: أصابه الطاعون، فهو مطعون انتهى. وفي ((القاموس)):
((الطاعون)): الوباء، جمعه طواعين انتهى. وقال في مادة الوباء: الوباءُ محرّكةً:
الطاعونُ، أو كلّ مرض عام، جمعه أوباءٌ انتهى.
وقال محمد مرتضى في ((شرحه التّاج)): قال ابن النفيس الوباء فساد يَغْرِض لجوهر
الهواء لأسباب سماية، أو أرضيّة، كالماء الآسن، والجيف الكثيرة كما في الملاحم.
ونقل شيخنا عن الحكيم داود الأنطاكيّ أن الوباء حقيقةً تغيّر الهواء بالعوارض العلويّة،
كاجتماع كواكب ذات أشعّة، والسفليّة كالملاحم، وانفتاح القبور، وصعود الأبخرة
الفاسدة، وأسبابُهُ مع ما ذُكِر تغيّرُ فصول الزمان، والعناصر، وانقلاب الكائنات، وذكروا
له علامات منها الْحُمْى، والْجُدَريّ، والنَّزلات، والْحِكَّة، والأَوْرَام، وغير ذلك، ثم
قال: وعبارة ((النزهة)) تقتضي أن الطاعون نوع من أنواع الوباء وفرد من أفراده، وعليه
الأطبّاء، والذي عليه المحقّقون من الفقهاء والمحدّثين أنهما متباينان، فالوباء، وخم
بغير الهواء، فتكثر بسببه الأمراض في الناس، والطاعون هو الضرب الذي يُصيب
الإنس من الجنّ، وأيّدوه بما في الحديث: ((إنه وخز أعدائكم من الجنّ)) انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه هو ما أخرجه أحمد في
((مسنده))، فقال:
-حدثنا عبد الرحمن(٢)، حدثنا سفيان(٣)، عن زياد بن علاقة، عن رجل، عن أبي
موسى، قال: قال رسول اللّه وَ له: ((فَنَاء أمتي بالطعن، والطاعون))، فقيل: يا رسول
(١) - (تاج العروس١٤/ ١٣٠.
(٢) - ابن مهديّ.
(٣) - هو الثوريّ.

٢٦٣ ==
٣٦- (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة) - حديث رقم ٣١٦٥
الله، هذا الطعن، قد عرفناه، فما الطاعون؟، قال: ((وخز أعدائكم(١) من الجن))، وفي
کل شهداء)) .
وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، غير الرجل المبهم، ويحتمل أنه أبو بكر بن أبي
موسى الأشعريّ، كما أخرجه بسند آخر، فقال:
- حدثنا بكر بن عيسى، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج (٢)، قال: حدثناه أبو بكر
بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عبد الله بن قيس، أن النبي بَّر، ذكر الطاعون،
فقال: ((وَخْزٌ من أعدائكم، من الجن، وهي شهادة المسلم)).
والحاصل أن الحديث صحيح، فيستفاد منه أن الصواب في معنى الطاعون هو وخزُ
الجنّ، أي طَعْنه للإنسان، فإذا مات بسبب ذلك يكون شهيدًا. والله تعالى أعلم.
(فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا) مبتدأ خبره قوله جملة ((قُتلوا))، ويحتمل أن يكون خبراً
لمبتد! محذوف، أي هم إخواننا الخ (قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْن) بتشديد الفاء
المفتوحة، بصيغة اسم المفعول (عَلَى فُرُشِهِمْ: إِخْوَاتُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُثْنَا) بضم
الميم، وكسرها، من مات يموت، أو مات يمات، يقال: مات يموت كقال يقول،
ومات يمات، كخاف يخاف، وبهما قرىء في السبعة (فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا) يحتمل أن
يكون الخطاب للفريقين، ويحتمل أن يكون للملائكة (إِلَى جِرَاحِهِمْ) بكسر الجيم (فَإِنْ
أَشْبَة) وفي نسخة: ((اشتبه))، والظاهر أنه تصحيف، إلا إذا أدخلت الباء في المفعول،
والله تعالى أعلم. (جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ، فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ) أي من جنس
الشهداء، ومعهم في درجاتهم العالية .
(فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ) ولفظ أحمد: ((فيقضي اللَّه عز وجل بينهم، أن
انظروا إلى جراحات الْمُطْعَنِين، فإن أشبهت جراحات الشهداء، فهم منهم، فينظرون
إلى جراح المطعنين، فإذا هم قد أشبهت، فيلحقون معهم)).
و((إذا)» هنا فُجَائيّة، فقيل: هي حرف، واختاره ابن مالك، وقيل: ظرف مكان،
وقيل: ظرف زمان، وعلى كونها ظرفًا فعاملها الخبر، وهو ((قد أشبهت)).
والمعنى: أنهم لما نظروا إلى جراح المطعونين وجدوه مشابها لجراح الشهداء،
فَأُلْحِقُوا بهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه هذا
(١) - أي طعنهم.
(٢) - هو يحيى بن سُلَيم الفزاريّ الكوفيّ، ثم الواسطيّ، وثقه ابن معين، وابن سعد، والجوزجانيّ.

٢٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجھَادِ
حسن، فقد تابع بقيّة إسماعيل بن عيّاش في رواية لأحمد، وابن أبي بلال وثّقه ابن
حبّان.
والحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣١٦٥/٣٦- وفي
((الكبرى))٤٣٧٢/٣٢. وأخرجه (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٧٠٨ و ١٦٧١٣.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٧- (اجْتِمَاعُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على اجتماع القاتل والمقتول الخ.
فقوله: ((في سبيل اللّه)) يتعلّق بـ(القاتل))، أو ((المقتول)) على سبيل التنازع. وقوله:
(في الجنّة)) يتعلّقُ بـ((اجتماع)) والله تعالى أعلم بالصواب.
٣١٦٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ،
يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)) -وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى -: ((لَيَضْحَكُ مِنْ رَجُلَيْنٍ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا
صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠]٢١/٢٠٢٠.
٢- (سفيان) بن عيينة المكي الإمام الحجة [٨]١/١.
٣- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني الثقة الفقيه [٥]٧/ ٧.
٤- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني الثقة الثبت [٣]٧/ ٧.
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمديين غير شيخه، وشيخ

٣٧- (اجْتِمَاعُ القَاتِلِ والْمُقْتُوُلِ فِي ... - حديث رقم ٣١٦٦
٢٦٥=
شيخه، فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. وفيه من اشتهر بلقب
بصورة الكنية، وهو أبو الزناد، فإن كنيته أبو عبد الرحمن، وفيه من اشتهر بلقبه،
وهو الأعرج. وفيه أبو هريرة تنميه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ،
يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ) من باب تَعِبَ. وفيه إثبات صفة العَجَب لله تعالى، على ما يليق
بجلاله سبحانه وتعالى.
وقال السنديّ: العَجَب وأمثاله مما هو من قبيل الانفعال، إذا نسب إلى اللّه تعالى
يراد به غايته، فغاية العجب بالشيء استعظامه، فالمعنى عظيم شأن هذين عند الله.
وقيل: بل المراد بالعجب في مثله التعجيب، ففيه إظهار أن هذا الأمر عجيبٌ. وقيل:
بل العجب صفة سمعيّةٌ، يلزم إثباتها مع نفي التشبيه، وكمال التنزيه، كما هو مذهب
أهل التحقيق في أمثاله. وقد سئل مالك عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف
غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثله الكلام، في الضحك. والله
تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حكاه السندي أخيرًا هو الحقّ الذي لا مرية
فيه، كما صرّح هو بأنه مذهب أهل التحقيق، ومفهومه أن ما قبله ليس مذهب أهل
التحقيق، بل هو مجرّد تخمين وقول على الله تعالى بلا علم.
ومن أعجب صنيعه أنه حكى القولين الزائفين أوّلاً كأنهما معتبران، ثم أتى في الأخير
بالقول الحقّ بقيل، مع أنه صرّح بأنه مذهب أهل التحقيق، فخلط عملاً صالحًا وآخر
سيئًا، إن هذا لشيء عجيب.
والحاصل أن غير القول الأخير من آراء المتكلّمين، وأذنابهم من متأخري الأشاعرة
وغيرهم الذين تركوا مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث كافّة،
وانخدعوا بمذهب المتكلّمين، الْمُستَقَى من الفلاسفة والملاحدة الضّالّين، فاعتبروه
مذهبًا يُذكر مع مذهب أهل الحقّ، جنبًا إلى جنب، بل لا يذكرون مذهب السلف إلا
بقيل، ونحوه من صيغ التمريض، إن هذا لهو العجب العجاب.
وقد بسطت الكلام على هذا في غير هذا الموضع من هذا الشرح، فراجعه تستفد،
واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)) -وَقَال مَرَّةً أُخْرَى) الظاهر أن القائل هو النبيّ وَّ، فيكون من

٢٦٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
كلام أبي هريرة رَّه، ويحتمل أن يكون ممن دونه، والله تعالى أعلم (لَيَضْحَكُ مِنْ
رَجُلَيْنِ)
قال ابن الجوزيّ رحمه اللّه تعالى: أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا،
ويُمرّونه كما جاء، وينبغي أن يُراعى في مثل هذا الإمرارِ اعتقاد أنه لا تشبه صفات اللَّه
صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه، مع اعتقاد التنزيه. ذكره في
((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا هو الحقّ الذي لا ينبغي لمسلم أن يعتقد سواه،
فصفة الضحك ثابتة للَّه عز وجل كما وردت في هذا النصّ وغيره، لكن ضحكه تعالى
ليس كضحك الخلق، بل هي صفة تليق بجلاله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من إثباتها
التشبيه، كما زعموا؛ لأن الصفات فرع عن الذات، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات
فكذلك صفاته .
وأما ما نقله في ((الفتح)) عن الخطّابيّ من تأويل الضحك بالرضا، وأيده أخيرًا، فإنه
من قبيل ما تقدّم ردّه على السنديّ قريبًا، فلا تغترّ به، فإنه ليس مذهب المحققين، كما
سبق قريبًا، بل هو مذهب باطلٌ، لا يُلتفت إليه، فتنبه هداني الله، وإياك إلى الطريق
المستقیم، إنه بعباده رءوفٌ رحيم.
(يَقْتُلُ) بالبناء للفاعل (أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ) سيأتي في الباب التالي
توضيح معنى هذا الحديث، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٦٦/٣٧ و٣١٦٧/٣٨- وفي ((الكبرى)) ٤٣٧٣/٣٣ و٤٣٧٤/٣٤.
وأخرجه (خ) في ((الجهاد والسير»٢٨٢٦ (م) في ((الإمارة)) ١٨٩٠ (ق) في
((المقدّمة))١٩١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٢٨٢ و٢٧٤٤٦ و٩٦٥٧
و١٠٢٥٨ (الموطأ) في ((الجهاد))١٠٠٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو اجتماع القاتل والمقول في
سبيل الله تعالى في الجنّة. (ومنها): بيان فضل الله تعالى، وسعة رحمته، حيث يجعل

٢٦٧ =
٣٨- (تَفْسِيرُ ذَلَكَ) - حديث رقم ٣١٦٧
كلّا من المتقاتلين من أهل الجنّة، مع أن الكافر قتل المسلم ظلمًا وعدوانًا، وجحدًا
لنعمه تعالى، لكنه بواسع فضله، وسعة رحمته تفضّل عليه بالتوبة، والقتال في سبيله،
حتى قُتل، فدخل الجنّة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
[الجمعة: ٤]، ﴿يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].
(ومنها): أن فيه إثبات صفة العَجَب لله سبحانه وتعالى، مع تنزيهه تعالى، إثباتًا بلا
تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل. وفيه أيضًا إثبات صفة الضحِك له سبحانه وتعالى على ما
يليق بجلاله تعالى. (ومنها): أن كلّ من قُتل في سبيل اللّه تعالى، فهو في الجنّة. قاله
ابن عبد البرّ (ومنها): أن العبرة بالخواتم، فلو عمل العبد دهرًا من عمره أنواع الكبائر
كلها، ثم وفقه الله تعالى في آخر حياته للتوبة، والعمل الصالح، محيت عنه خطياه
كلها، وصار من أهل الجنّة ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ الآية [الروم: ٤]. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٨- (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الذي فيه توضيح معنى ضحك اللَّه سبحانه وتعالى من
الرجلين المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣١٦٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَّ
اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنٍ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ،
يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا، فالأربعة
الأولون تقدموا قبل خمسة أبواب، والباقون تقدوا في الباب الماضي، وكلهم من رجال
الصحیح، غیر شیخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود.
وقوله: ((عن أبي الزناد)) كذا هو في ((الموطًا))، ولمالك فيه إسناد آخر، رواه أيضًا عن
إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، أخرجه الدار قطنيّ.
وقوله: ((يدخلان الجنّة)) زاد مسلم من طريق همّام، عن أبي هريرة تَّه: ((قالوا:
کیف یا رسول الله».

٢٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
وقوله: ((يقاتل في سبيل الله، فيُقتَل)) زاد همّام: ((فيلج الجنّة))، قال ابن عبد البرّ:
معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأول كان كافرًا.
قال الحافظ: وهو الذي استنبطه البخاريّ في ترجمته -يعني قوله: ((باب الكافر يَقْتُل
المسلمَ، ثمّ يُسلم، فيُسدّد بعدُ، ويُقتَل))- ولكن لا مانع أن يكون مسلمًا لعموم قوله:
(«ثم يتوب الله على القاتل»، كما لو قَتَلَ مسلمٌ مسلمًا عمدًا بلا شبهة، ثم تاب القاتل،
واستُشهِد في سبيل الله، وإنما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قاتل المسلم عمدًا
لا تقبل له توبة .
ويؤيّد الأول أنه وقع في رواية همّام: ((ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى
الإسلام))، وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق الزهريّ، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة بلفظ: ((قيل: كيف يا رسول الله؟، قال: يكون أحدهما
كافرًا، فيَقتُل الآخر، ثم يُسلِم، فَيَغْزُو، فيُقْتَلُ)). انتهى(١).
وقوله: ((ثم يتوب الله على القاتل، فيستشهد)) زاد همّام: ((فيَهديه إلى الإسلام، ثم
يُجاهد في سبيل الله، فيُستشهد)).
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٩- (فَضْلُ الرِّبَاطِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الرِّباط)) -بكسر الراء - و((المرابطة)) مصدران لرابط،
كما قال في ((الخلاصة»:
لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَةُ وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَةْ
وهو ملازمة ثَغْر العدوّ، وأصله أن يربِط كلٌّ من الفريقين خيله، ثم صار لزوم
الثَّغْر (٢) رِباطًا، وربّما سُميت الخيل أنفسها رِبَاطًا. والرباط: المواظبة على الأمر. أفاده
في ((اللسان)) .
(١) - ((فتح) ٦ / ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) - بفتح، فسكون: الموضع الذي يُخاف منه هُجُوم العدوّ، فهو كالُّلْمَة في الحائط، يُخاف هُجُوم
السارق منها، والجمع ثُغُور، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس. انتهى ((المصباح المنير)).

=
٢٦٩
٣٩- (فَضْلُ الرِّبَاطِ) - حديث رقم ٣١٦٨
قال الإمام البخاريّ في ((صحيحه)): ((باب فضل رباط يوم في سبيل اللّه، وقول الله
عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[آل عمران: ٢٠٠].
قال في ((الفتح)): الرباط -بكسر الراء، وبالموحدة الخفيفة -: مُلازمة المكان الذي
بين المسلمين، والكفّار؛ لحراسة المسلمين منهم. قال ابن التين: بشرط أن يكون غير
الوطن، قاله ابن حبيب، عن مالك.
قال الحافظ: وفيه نظر في إطلاقه، فقد يكون وطنه، وينوي بالإقامة فيه دفع العدوّ،
ومن ثَمَّ اختار كثير من السلف سُكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسة عموم وخصوص
وجهيّ، واستدلال البخاريّ بالآية اختيار لأشهر التفاسير، فعن الحسن البصريّ،
وقتادة: ﴿اصبروا﴾ على طاعة الله، ﴿وصابروا﴾ أعداء الله في الجهاد ﴿ورابطوا﴾ في
سبيل الله. وعن محمد بن كعب القرظيّ: ﴿اصبروا﴾ على الطاعة، ﴿وصابروا﴾
لانتظار الوعد، ﴿ورابطوا﴾ العدوّ، ﴿واتقوا الله﴾ فيما بينكم. وعن زيد بن أسلم:
﴿اصبروا﴾ على الجهاد، ﴿وصابروا﴾ العدوّ، ﴿ورابطوا﴾ الخيل.
قال ابن قتيبة: أصل الرباط أن يَربِط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم؛ استعدادًا
للقتال، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾. أخرج
ذلك ابن أبي حاتم، وابن جرير، وغيرهما. وتفسيره برباط الخيل يرجع إلى الأول.
وفي ((الموطًا)) عن أبي هريرة تظنّه، مرفوعًا: ((وانتظار الصلاة، فذلكم الرباط))، وهو
في ((السنن)) عن أبي سعيد(١).
وفي ((المستدرك)) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن الآية نزلت في ذلك،
واحتجّ بأنه لم يكن في زمن رسول اللَّه وَلّر غزو فيه رباط انتهى.
قال الحافظ: وحمل الآية على الأول أظهر، وما احتج به أبو سلمة لا حجّة فيه، ولا
سيّما مع ثبوت حديث الباب(٢)، فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول اللّه وَلؤل
رباط، فلا يمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه.
ويحتمل أن يكون المراد كلًا من الأمرين، أو ما هو أعمّ من ذلك، وأما التقييد باليوم
(١) - بل أخرجه مسلم في (صحيحه)) من حديث أبي هريرة رَّه برقم ٢٥١. وتقدّم للنسائيّ في
((كتاب الطهارة)) برقم - ١٠٧ / ١٤٣.
(٢) - يعني حديث البخاريّ من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه: أن
رسول اللّه وسلم قال: ((رباط يوم في سبيل الله، خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم
من الجنة، خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من
الدنيا وما عليها)).

٢٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
في الترجمة، وإطلاقه في الآية، فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيّد بالحديث، فإنه يُشعر بأن
أقلّ الرباط يوم لسياقه في مقام المبالغة، وذِكْرُهُ مع موضع سَوْط يشير إلى ذلك أيضًا
انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣١٦٨- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهَبٍ، أَخْبَرَنِي
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
شُرَخِيلَ بْنِ السَّمْطِ، عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ، قَالَ: ((مَنْ رَابَطَ يَوْمًا
وَلَيْلَةً، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ كَأَجْرٍ صِيَّامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ لَهُ مِثْلُ
ذَلِكَ مِنَ الْأَجْرِ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ، وَأَمِنَ مِنَ الْفُتَّانِ)»).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ) المصري القاضي، الثقة الفقيه [١٠]٩/٩.
٢- (ابن وهب) عبد المصري الثقة الحافظ العابد [٩]٩/٩.
٣- (عبد الرحمن بن شُرَيح) المعافري المصري، ثقة فاضل[٧] تقدّم قبل بابين.
٤- (عبد الكريم بن الحارث) بن يزيد الحضرميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة عابد [٦].
قال البخاريّ: أثنى عليه ابن بُكير، وكان يَميل إلى تَقْدَمة عثمان. وقال يحيى بن
بكير، عن بَكْر بن مُضر: لو قيل لعبد الكريم بن الحارث: إن الساعة تقوم غدًا ما كان
عنده فضل لمزيد. وقال النسائيّ، والعجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) وقال
ابن يونس: تُوفّي بِبَرْقَةً سنة (١٣٦) وكان من العبّاد المجتهدين. تفرّد به مسلم،
والمصنف، وله في هذا الكتاب حدیث الباب -٣١٦٨/٣٩-، وحدیث رافع ابن خلیج
رَالَّه - ٣٩٠٨/٤٥- قال: ((نهى رسول اللَّه ◌ُ ل عن كراء الأرض)).
٥- (أبو عبيدة بن عُقبة) بن نافع الْفِهْريّ، يقال: اسمه مُرَّة، مقبول [٣].
روى عن أبيه، وأخيه عياض، وابن عمر، وغيرهم. وعنه أبو عَقيل زُهرة (٢) بن
مَعْبد، وعبد الكريم بن الحارث، وصاعد بن محمد، وسليمان بن حميد، وغيرهم.
ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال أبو سعيد بن يونس في ((تاريخ مصر)): مُرّة بن عُقْبة
الفِهْريّ، يُكنى أبا عبيدة أدرك معاوية، وتُوفّي سنة (١٠٧) وهو يُريد الحجّ فيما يقال،
وكان مع أبيه بالقيروان. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط.
٦- (شُرَخبيل بن السّمْط) -بكسر المهملة، وسكون الميم(٣) - الكنديّ الشاميّ، ثقة
(١) - ((فتح٦٩ / ١٨٠ - ١٨١.
(٢) - بضم الزاي. و((معبد)) بفتح الميم، والموحّدة، وسكون المهملة بينهما، آخره دال مهملة.
(٣) - هكذا ضبطه في ((التقريب)). وضبطه النووي في ((شرح مسلم)) - ٦٢/١٣ - بفتح، فكسر أيضًا،
وعبارته : : ((يقال: بفتح السين، وكسر الميم، ويقال: بكسر السين، وإسكان الميم انتهى.

٣٩- (فَضْلُ الرِّبَاطِ) - حديث رقم ٣١٦٨
٢٧١ ==
اختلف في صحبته [٢]١ / ١٤٣٧ .
٧- (سَلْمَانُ الْخَيْرِ) الفارسيّ، أبو عبد اللَّه الصحابي الشهير، أصله من أصبهان،
وقيل: من رامَهُزْمُزَ، أول مشاهده الخندق، ومات رَيُّه سنة (٣٤)، وتقدّمت ترجمته في
-٤١/٣٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين سوى
شرحبيل، فإنه شامي، وسلمان، فإنه مدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ) الفارسيّ ◌َّه. وفي رواية الترمذيّ، من طريق محمد بن
المنكدر، قال: مرّ سلمان الفارسيّ رَّهِ بِشُرَحبيل بن السِّمْط، وهو في مُرَابَطٍ له، وقد
شَقَّ عليه، وعلى أصحابه، فقال: ألا أُحدّثك يا ابن السِّمْط بحديث سمعته من رسول
اللّهِ وَلَهُ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول اللَّه وَلهل يقول: رباط يوم في سبيل الله
أفضل، وربّما قال: خيرٌ من صيام شهر ... (عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَ ﴿) أنه (قَالَ: ((مَنْ رَابَطَ)
أي لازم الثّغْر للجهاد في سبيل اللّه تعالى (يَوْمًا وَلَيْلَةً، فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء
كلمة اللَّه سبحانه وتعالى، لا لطلب عَرَضِ دُنيويّ (كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ،
وَمَنْ مَاتَ) حال كونه (مُرَابِطًا) أي ملازمًا لَغْرٍ من ثغور المسلمين (أَجْرِيَ) بالبناء
للمفعول (لَهُ مِثْلُ ذَلِك) أي مثلُ أجر صيام شهر وقيامه، مع أنه انقطع عمله بموته، غير
أن الله سبحانه وتعالى أجرى له الأجر فضلاً منه، وكرمًا. والمراد أنه يستمر له كلَّ يوم
أجر صيام شهر وقيامه
[فإن قلت]: هذا الحديث يعارض ((حديث أبي هريرة رضيّه أن رسول اللّه وَ ل قال:
((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع
به، أو ولد صالح يدعو له)). رواه مسلم، وسيأتي للمصنّف في ((كتاب الوصايا» رقم -
٨/ ٣٦٥٢، فكيف يُجمع بينهما؟
[قلت]: يُجمع بأن حديث الباب مخصوص من عموم حديث أبي هريرة
وَّه المذكور، فهو عامّ مخصوص، بحديث الباب فلا تعارض بينهما.
أو يُحمل حديث الباب على الأجر، لا على العمل، وحديث أبي هريرة تَّه على

٢٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
انقطاع العمل، وأنه لا يبقى العمل بعد الموت، إلا لهؤلاء الثلاثة، فإنه يبقى بعده، فلا
تعارض بينهما .
ويؤيّد الجمع الأول الرواية التالية بلفظ: ((فإن مات جرى عليه عمله الذي كان
يعمل ... )). فإنه ظاهر في بقاء العمل له، فالجمع الأول أولى. والله تعالى أعلم.
وقوله (مِنَ الْأَجْرِ) بيان لـ((مثل ذلك)). وفي الرواية التالية، ونحوها عند مسلم ((فإن
مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأَمِنَ الفُتَّنَ، وأجري عليه رزقه)). وفي رواية
الترمذيّ: ((ومن مات فيه وُقي فتنة القبر، ونُمِيَ له عمله إلى يوم القيامة)).
قال النوويّ: هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة
مختصّة به، لا يشاركه فيها أحدٌ، وقد جاء في غير مسلم: ((كلُّ ميت يُختم عليه عمله إلا
المرابط، فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة)). انتهى(١).
(وَأُجْرِيَ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِ الرِّزْقُ) أي رزقه الذي يأكله قبل يوم القيامة، فهو
بمعنى قول الله عز وجل في الشهداء: ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ بُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
وبمعنى حديث ابن مسعود رَّه الذي أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من طريق عبد الله
ابن مُرَّة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله، عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] قال: أَمَا إنا قد سألنا عن
ذلك، فقال: ((أرواحهم في جوف طير خُضْرٍ، لها قناديل مُعَلَّقة بالعرش، تَسْرَح من
الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... )) الحديث.
(وَأَمِن) قال النوويّ: ضبطوا ((أَمِنَ)) بوجهين: ((أحدهما)): أَمِنَ - بفتح الهمزة، وكسر
الميم - من غير واو. ((والثاني)): ((أَمِنَ)) - بضمّ الهمزة، وبواو - (مِنَ الْفُتَّانِ) قال القاضي
عياض رحمه الله تعالى: رويناه عن أكثرهم بالضمّ، جمع فاتن. قال: وعن الطبريّ
بالفتح، وذكره أبو داود مفسَّرًا: ((وأُمِنَ من فَتَّاني القبر))(٢).
وقال السنديّ : -بضمّ الفاء، وتشديد المثناة الفوقية -: جمع فاتنٍ. وقيل : -بفتح،
فتشديد للمبالغة، وفُسّر على الأول بالمنكر والنكير(٣)، والمراد أنهما لا يجيئان إليه
للسؤال، بل يكفي موته مرابطًا في سبيل اللّه تعالى شاهدًا على صحّة إيمانه، أو أنهما لا
(١) - ((شرح مسلم)) ١٣/ ٦٣.
(٢) - ((شرح مسلم للقاضي عياض٦٩/ ٣٤٢.
(٣) - حديث ((المنكر والنكير))، وسؤالهما في القبر أخرجه الترمذيّ في ((جامعه))، فقال:
(٤) - حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن
إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَّر: ((إذا قُبِر=

٣٩- (فَضْلُ الرِّبَاطِ) - حديث رقم ٣١٦٩
٢٧٣ ==
يضُرّانه، ولا يُزعجانه. وعلى الثاني بالشيطان، ونحوه، ممن يوقع الإنسان في فتنة
القبر، أي عذابه، أو بِمَلَكِ العذاب انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سلمان الخير رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٦٨/٣٩ و٣١٦٩ - وفي («الكبرى»٤٣٧٥/٣٥ و٤٣٧٦. وأخرجه
(م) في)) الإمارة)) ١٩١٣ (ت) في ((فضائل الجهاد))١٦٦٥ (أحمد) في ((باقي مسند
الأنصار))٢٣٢١٥ و٢٣٢٢٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الرباط في سبيل الله
عز وجل. (ومنها): أن من مات مرابطًا أُجري عليه عمله بعد موته، وهذا فضل من الله
تعالى، حيث أكرم المرابط بعد موته بعدم انقطاع عمله. (ومنها): أن من مات مرابطًا
فإنه شهيد حيّ عند ربّه يُجرى عليه رزقه، كسائر الشهداء. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٦٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ شُرَخْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ
سَلْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ رَابَطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَوْمًا وَلَيْلَةً،
= الميت)) - أو قال -: ((أحدكم، أتاه ملكان، أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر،
والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله
ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول
هِذا، ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم يُنَوَّر له فيه، ثم يقال له: نَمْ، فيقول:
أَرْجِعُ إلى أهلي، فأخبرهم، فيقولان: نَمْ كنومة العروس، الذي لا يوقظه، إلا أحب أهله إليه،
حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا، قال: سمعت الناس يقولون، فقلت مثله، لا
أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: الَتِمي عليه، فَتَلْتَئِم عليه،
فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها مُعَذَّبًا، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. انتهى.
وهذا الإسناد رجاله کلهم رجال الصحيح، ويحيى بن خلف روى عنه مسلم، ووثقه ابن حبّان.
والله تعالى أعلم.

٢٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
كَانَتْ لَهُ كَصِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، فَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأَمِنَ الْقُتَّانَ،
وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ»).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو
بن منصور النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و((عبد الله بن يوسف)): هو التّنّيسيّ. و((الليث)): هو ابن سعد الإمام المصريّ.
و((أيوب بن موسى)): هو الأمويّ أبو موسى المكيّ. و((مكحول)): هو أبو عبد الله
الدمشقيّ الفقيه .
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٧٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ
ابْنَ عَفَّانَ رَضِي اللَّه عَنْه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ، مِنَ الْمَنَازِلِ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عمرو بن منصور) أبو يوسف النسائيّ، ثقة ثبت [١١]١٠٨/ ١٤٧. من أفراد
المصنف .
٢- (عبد الله بن يوسف) التنيسي، أبو محمد الكلاعي، دمشقي الأصل، ثقة متقن،
من أثبت الناس في ((الموطا))، من كبار [١٠]١٧ /١٥٤٠.
٣- (الليث بن سعد) الإمام الحجة الثبت المصري [٧]٣٥/٣١.
٤- (زُهرة(١) بن معبد (٢)) بن عبد الله بن هشام بن زُهرة بن عثمان بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة القرشيّ التيميّ، أبو عَقِيل المدنيّ، نزيل مصر، ثقة
عابد[ ٤].
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: مستقيم
الحديث، لا بأس به. وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس:
تُوفّي بالإسكندريّة سنة (١٢٧) قال: ويقال: سنة (٣٥) وهو عندي أصحّ انتهى.
روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
(١) بضم الزاي، وسکون الهاء.
(٢) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الموحدة.

٢٧٥ ===
٣٩- (فَضْلُ الرَّبَاطِ) - حديث رقم ٣١٧٠
٥- (أبو صالح مولى عثمان) اسمه الحارث، ويقال: بُزكان بموحدة أوّله(١)، ثم راء
ساكنة، المصريِّ ثقة (٢) [٣].
روى عن مولاه. وعنه زُهرة بن معبد. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)». وقال العجليّ:
روى عنه زُهرة بن مَعبد، والمصريّون، ثقة. وجزم ابن أبي حاتم(٣)، عن أبيه،
والدار قطنيّ، والرامهرمُزيّ بأن اسمه الحارث. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله
عندهما حديث الباب فقط .
٦- (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي الخليفة الثالث،
ذو النورين، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة (٣٥)، وكانت خلافته
اثنتي عشرة سنة، وعمره ثمانون سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّمت ترجمته في
٨٤/٦٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وغير أبي صالح، فقد تفرد به هو، والترمذي.
(ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه فنسائي، والصحابي، فمدني. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد
الخلفاء الأربعة، وأحد المبشرين بالجنة وظّه . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زُهْرَةَ) بضِمَ الزاي (ابْنِ مَعْبَدٍ) بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحدة،
أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ رَّ) وفي
(١) - هكذا ذكره البخاريّ في ((التاريخ الكبير)) ٢ ج١ ص١٤٨ ((بُرْكان))، بموحّدة أوله، وكذلك ابن
حبّان في ((الثقات)) ٨٤/٤ ذكره فيمن اسمه بركان، وهو الذي ذكره الحافظ في ((تبصير المنتبه
بتلخيص المشتبه)) ١٩٧/١ وعبارته: تركان جماعة من تركان بواسك، وبموحدة أبو صالح مولى
عثمان، عن أبي هريرة، اسمه بُزكان انتهى. وهو الذي في ((تهذيب الكمال)) ٣٣/ ٤٢٠ و(تهذيب
التهذيب» ٥٣٩/٤ .
وضبطه في ((تقريب التهذيب)) بمثناة أوله، ثم راء ساكنة. والظاهر أن ما في ((التقريب)) خطأ،
والصواب الأول. فتنبه.
(٢) - في ((التقريب)): مقبول، قلت: بل هو ثقة، كما يتبيّن من ترجمته بعد.
(٣) - وذكر في ((تهذيب التهذيب)) ابن حبان بدل ابن أبي حاتم، وهو خطأ، فإنه جزم بأن اسمه
بركان، كما مرّ قريبًا. فتنبه.

٢٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
رواية ابن حبّان، والحاكم(١): سمعت عثمان بن عفّان تَّ في مسجد الخيف
بمنى ... (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لهِ يَقُولُ) وفي رواية الترمذيّ من طريق هشام ابن
عبد الملك، عن الليث: سمعت عثمان بن عفّان على المنبر، يقول: إني كتمتكم حديثًا
سمعته من رسول اللَّه وَّر كراهية تفرّقكم عنّي، ثم قد بدا لي أن أحدثكموه، ليختار
امرؤ لنفسه ما بدا له، فإني سمعت رسول اللَّه وَ ل ل يقول: رباط يوم ... )) ( ((رِبَاطُ يَوْم)
أي حبس الشخص نفسه عند ثَغْر من الثغور (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة الله تعالىّ،
لا لأمر آخر، من الأعراض الفانية (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمَ فِيمَا سِوَاهُ) أي فيما سوى الرباط،
أو فيما سوى سبيل اللّه عز وجل، فإن السبيل يذكّر، ويؤنث. قال ابن بزيزة رحمه الله
تعالى: ما حاصله: لا تعارض بين حديث عثمان رَّ هذا، وحديث سلمان
رزقي المتقدّم؛ لأنه يُحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب عن الأول، أو باختلاف
العاملين. قال: الحافظ: أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلّة، ولا يُعارضان
أيضًا حديثَ سهل بن سعد الساعديّ رَّه: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما
عليها))؛ لأن صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها انتهى (٢).
وقوله (مِنَ الْمَنَازِلِ) بيان ل(«ما سواه)»، أي من منازل الخيرات، والطاعات.
قال القاري: وخُصّ منها المجاهدُ في المعركة بدليل منفصل عقليّ ونقليّ، وهو لا
ينافي تفسير الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد، وقوله(٣) وَالر: ((فذالكم
الرباط، فذلكم الرباط))؛ لأنه رباط دون رباط، بل هو مشبّه بالرباط للجهاد، فإنه
الأصل فيه، أو هذا رباط للجهاد الأكبر، كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر، وتفسير
لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠٠]،
فإن الرباط الجهاديّ قَدْ فُهِمَ مما قبله، كما لا يخفى.
وقال الطيبيّ: [فإن قلت]: هو جمع مُحَلَّى بلام الاستغراق، فيلزم أن يكون المرابط
أفضل من المجاهد في المعركة، ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، وقد قال
فيه: ((فذالكم الرباط، فذالكم الرباط))، وقد شرحناه ثمة.
[قلت]: هذا في حقّ من فُرِض عليه المرابطةُ، وتَعَيَّنَ بنصب الإمام على ما سبق في
الحديث السابق .
قال القاري: قلت: في الفرض العين، لا يقال: إنه خير من غيره؛ لأنه متعيّن لا
(١) - ((صحيح ابن حبّان)) رقم (٤٦٠٩) و(مستدرك الحاكم)) رقم ٢٤٢٨.
(٢) - ((فتح٩ ٦ / ١٨١.
(٣) - هكذا في ((المرقاة)) وقوله وَّه والظاهر أن صواب العبارة ((في قوله {وَّ﴿)). فتأمل.

٣٩- (فَضْلُ الرباط) - حديث رقم ٣١٧١
٢٧٧
يتصوّر خلافه إذا اشتغاله بغيره معصية انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عثمان رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٧٠/٣٩ و٣١٧١- وفي («الكبرى»٤٣٧٧/٣٥ و٤٣٧٨ . وأخرجه
(ت) في ((فضائل الجهاد))١٦٦٧ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٤٤٤ و٤٧٢ و٤٧٩ و٥٥٩
(الدارميّ) في ((الجهاد))٢٤٢٤. والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث سلمان رضي اللّه تعالى عنه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٧١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، مَوْلَی
عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ، رَضِي اللَّه عَنْه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((يَوْمٌ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ»).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد: سبعة كلهم تقدّموا غير مرّة،
سوی :
١- (أبي مَغْن) الإسكندرانيّ الخولانيّ، أصله من البصرة، واسمه عبد الواحد بن
أبي موسى، ثقة زاهد [٦].
روى عن أبي عَقِيل زهرة بن معبد ، وأبي السحماء سُهيل بن حَسّان، ويزيد بن أبي
حبيب. وعنه ضمام بن إسماعيل، وعبد الله بن المبارك، وكان من أهل الفضل. قال
سليمان بن داود الْمَهْريّ، عن سعيد الآدم: كان أبو معن يتْجِر، ويقال: إنه كان مُجاب
الدعوة، ثم ترك التجارة زاهدًا، وخرج إلى الإسكندريّة، فأقام بها حتى مات. وقال ابن
يونس: روى عنه الليث بن سعد، وأسامة بن زيد، ولم نجد له حديثًا عند البصريين،
وقال لي أبو جعفر الطحاويّ: إنه من خولان. قال: وتوفّي بعد الخمسين ومائة. تفرّد
به المصنّف بحديث الباب فقط.
(١) - ((المرقاة)) ٣٩٤/٧.

٢٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
و((عمرو بن علي)): هو الفلاس.
وقوله: ((يوم في سبيل الله)): هو بمعنى الرواية الماضية ((رباط يوم الخ)).
والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٠- (فَضْلُ الْجِهَادِ فِي الْبَخرِ)
٣١٧٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنْسٍ
بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِ، إِذَا ذَهَبٍَ إِلَى قُبَاءَ، يَدْخَّلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ
مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ تَحَتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَّيْهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ، وَجُلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَتَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ،
وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا
عَلَيَّ، غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ فَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْغُلُوكِ
عَلَى الْأَسِرَّةِ»، -شَكَّ إِسْحَاقُ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اذْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا
لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ، ثُمَّ نَامَ، وَقَالَ الْحَارِثُ: فَتَامَ، ثُمَّ اسْتَنْقَظَ، فَضَحِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا
يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
مُلُودٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ))، فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانٍ
مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابْتِهَا، حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَّكَتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ المصريّ، ثقة ثبت [١١]٢٠/١٩.
٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠]٩/٩.
٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقي المصري، ثقة فقيه، من كبار[١٠]٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني[٧]٧/ ٧ .

٢٧٩ =
٤٠- (فَضْلُ الْجِهَادِ فِي الْبَخر) - حديث رقم ٣١٧٢
٥- (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) المدنيّ، ثقة حجة [٤]٢٠/١٩.
٦- (أنس بن مالك) الصحابيّ الجليل ◌َّه ٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه الحارث فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين
غير شيخيه، وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن فيه أنسًا تَّه أحد المكثرين
السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رضي اللَّه
تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُوَلُ اللَّهِ وَهِ، إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءَ) موضع بقرب مدينة النبيّ
وَّ من جهة الجنوب نحوَ ميلين، وهو بضمّ القاف، يُقصَر، ويُمَدّ، ويُصرَف؛ باعتبار
المكان، ولا يُصرَف، باعتبار البقعة (يَدْخُلُ عَلَى أَمْ حَرَام) - بفتح المهملتين، بلفظ ضدّ
الحلال (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر اللام، وسكون اللام، وهي خالة أنس، وكان يقال لها:
الرُّمَيْصاء، ولأمّ سُلَيم الْغُمَيصاء - بالغين المعجمة - والباقي مثله. قال عياض: وقيل:
بالعكس. وقال ابن عبد البرّ: الغُمَيصاء، والرُّمَيصاء هي أمّ سُليم. ويردّه ما أخرج أبو
داود بسند صحيح عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء، أخت أمّ سُليم، فذكر نحو حديث
الباب. ولأبي عوانة من طريق الدّراورديّ، عن أبي طُوَالة، عن أنس رَّ أن النبيّ وَل
وضع رأسه في بيت بنت مِلْحَان إحدى خالات أنس. ومعنى الرَّمَص، والْغَمْص
متقارب، وهو اجتماع الْقَذَى في مؤخّر العين، وفي هَدَبها. وقيل: استرخاؤها،
وانكسار الجفن.
قال في ((الفتح)): واختلف فيه عن أنس: فمنهم من جعله من مسنده. ومنهم من
جعله من مسند أمّ حرام، والتحقيق أنّ أوله من مسند أنس، وقصّة المنام من مسند أمّ
حرام، فإن أنسًا إنما حمل قصّة المنام عنها، وقد وقع في أثناء هذه الرواية: ((قالت:
فقلت: يا رسول الله ما يضحكك؟))، وفي الرواية التالية من طريق محمد بن يحيى بن
حَبّان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام بنت ملحان، وعند البخاريّ التصريح
بالتحديث، ولفظه: ((حدّثتني أم حرام بنت ملحان، أخت أمّ سُليم، أن النبيّ وَّ قال
يومًا في بيتها، فاستيقظ ... )) الحديث(١).
(١) - ((فتح)١٢٨ / ٣٤٤ - ٣٤٥.

٢٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
(فَتُطْعِمُهُ) بضم أوله، من الإطعام رباعيًّا (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَان تَحْتَ عُيَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ) ظاهر هذا أنها كانت حينئذ زوج عبادة. وفي الرواية التالية: ((فتزوّجها عُبادة بن
الصامت، فركب البحر، وركبت معه ... )). وفي رواية لمسلم: ((فتزوّج بها عبادةٌ
بعدُ ... )). ويُجمع بأن المراد بقوله هنا: ((وكانت تحت عبادة)) الإخبار عما آل إليه الحال
بعد ذلك. وهو الذي اعتمده النوويّ وغيره، تبعًا للقاضي عياض.
لكن وقع في ترجمة أمّ حرام من ((طبقات ابن سعد)) أنها كانت تحت عبادة، فولدت له
محمدًا، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد الأنصاريّ النّجاريّ، فولدت له قيسًا،
وعبد الله، وعمرُو بنُ قيس هذا اتفق أهل المغازي أنه استُشهِد بأحد، وكذا ذكر ابن
إسحاق أن ابنه قيس بن عمرو بن قيس استُشهد بأحد، فلو كان الأمر كما وقع عند ابن
سعد لكان محمد صحابيًّا؛ لكونه وُلد لعُبَادة قبل أن يفارق أمّ حرام، ثم اتصلت بمن
ولدت قيسًا، فاستشهد بأحد، فيكون محمد أكبر من قيس بن عمرو، إلا أن يقال: إن
عبادة سَمَّى ابنه محمدًا في الجاهلية، كما سُمّي بهذا الاسم غير واحد، ومات محمد
قبل إسلام الأنصار، فلهذا لم يذكروه في الصحابة، ويعكر عليه أنهم لم يَعُدّوا محمد بن
عبادة فيمن سُمّي بهذا الاسم قبل الإسلام.
قال الحافظ: ويمكن الجواب(١)، وعلى هذا فيكون عبادة تزوّجها أوّلاً، ثم فارقها،
فتزوّجت عمرو بن قيس، ثم استُشهد، فرجعت إلى عبادة، والذي يظهر لي أن الأمر
بعكس ما وقع في الطبقات، وأنّ عمرو بن قيس تزوّجها أوّلاً، فولدت له، ثم استُشهِد
هو وولده قيس منها، وتزوّجت بعده بعبادة.
(فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ) قال الحافظ: لم أقف على تعيين ما
أطعمته يومئذ (وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) -بفتح المثنّاة، وسكون الفاء، وسكون الفاء،
وكسر اللام- أي تفرّق شعر رأسه، وتُفَتِّش ما فيه من القمل، فتخرجه (فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ
(َ*) وفي الرواية التالية: ((وقال عندنا))، فدلّ على أن ذلك النوم كان وقت القائلة. وفي
رواية للبخاريّ: ((فنام قريبًا منّي))، وفي رواية: ((فاتّكأ)) (ثُمَّ اسْتَنْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ) بفتح
أوله، من باب تَعِب، جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا
يُضْحِكُكَ) بضمّ أوله، من الإضحاك، أي ما الذي يَحمِلك على الضّحِكِ؟ (يَا رَسُولَ
اللَّهِ) وفي الرواية التالية: ((بأبي أنت وأمي ما أضحكك؟))، وفي رواية أبي طوالة: ((لم
تَضحَك؟))، ولأحمد من طريقه: ((مِمَّ تضحك؟))، وفي رواية عطاء بن يسار، عن
(١) - لم يذكر الجواب، والظاهر أن الجواب أن عدم ذكرهم له لا يستلزم عدم وجوده. والله تعالى
أعلم.