النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨- (دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّهِ ... - حديث رقم ٣١٣٣
١٨١
(قَالَ) أبو سعيد رَّهِ (وَمَا هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ) وَّهِ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ،
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))) هكذا مكررًا مرّتين، وهو كذلك، ولكن في ((الكبرى)) مكرّرٌ
ثلاث مرّات.
وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد، وتعظيم شأنه، فإن قوله: ((من رضي بالله
ربًّا، وبالإسلام دينًا)) مشتملٌ على جميع ما أمر الله به، ونهى عنه، ومنه الجهاد، وكذا
إبهامه بقوله: ((وأخرى))، وإبرازه في صورة البشارة؛ ليسأل عنها، فيجاب بما يجاب؛
لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس، وكذا تكراره بقوله: ((الجهاد في سبيل الله،
الجهاد في سبيل الله)). ونظير هذا الحديث قوله تعالى: ﴿هَلْ أَذْكُمْ عَلَ تَِقْ تُجِيكُمْ﴾ إلى
قوله: ﴿وَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصفْ: ١٠-١٣]. أفاده القاري(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٣٢/١٨- وفي (الكبرى)) ٤٣٣٩/١٥ . وأخرجه (م) في
((الجهاد))١٨٨٤ (د) ١٥٢٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان درجة المجاهد في سبيل
الله عز وجل، وأنه يُرفع مائة درجة، بعد ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض.
(ومنها): بيان فضل الرضا بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد وَ لا نبيًّا، حيث إن
من اتّصف به وجبت له الجنة. (ومنها): فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، حيث يرفع
المجاهد هذه الدرجات العالية بسببه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٣٣- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْارِ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ
الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي
إِذْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى
الزَّكَاةَ، وَمَاتَ لَّا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، هَاجَرَ،
أَوْمَاتَ فِي مَوْلِدِهِ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟، فَقَالَ:
(١) - ((مرقاة المفاتيح)) ٧/ ٤١٢ - ٤١٣.

١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
(إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ
فِي سَبِيلِهِ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمَ عَلَيْهِ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ
أَنْ يَتَخَلَّقُوا بَعْدِي، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ، ثُمَّ أُخْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هارون بن محمد بن بكار بن بلال) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١]١٠٩١/١٢٨.
٢- (محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع) - بالتصغير -: الأمويّ مولاهم
الدمشقيّ، صدوق يخطىء، ويدلس، ورمي بالقدر [٩]١٤٤٣/٢٤.
٣- (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦]٩٢٠/٢٩.
٤- (بُسر بن عُبيدالله) الحضرميّ الشاميّ، ثقة حافظ [٤] ٧٦٠/١١.
٥- (أبو إدريس الْخَوْلانيّ) عائذاللّه بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ ◌َّ يوم حُنين،
وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة (٨٠) وكان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء [٢]
٧٢ /٨٠ .
٦- (أبو الدرداء) عُويمر بن زيد بن قيس -على المشهور - الصحابيّ الشهير ◌َاليه
٨٤٧/٤٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وشيخ شيخه، فتفرد به هو وأبو داود،
وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ أَقَامَ
الصَّلَاةَ) أي أدّاها مراعيًا آدابها، وخشوعها (وَآتَى الزَّكَاةَ) أي أعطاها لمستحقّها (وَمَاتَ لَا
يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي ثابتًا عليه بمقتضى وعده (أَنْ يَغْفِرَ لَهُ)
في تأويل المصدر اسم ((كان)) مؤخّرًا (هَاجَرَ، أَوْمَاتَ فِي مَوْلِدِهِ) أي سواء خرج من بلده
إلى المدينة، أم لم يهاجر، بل عاش في محلّ ولادته، ووطنه، ثم مات فيه.
والمعنى أنه لا يختلف حاله مهاجرًا، وغير مهاجر، بل يغفر الله تعالى ذنوبه في كلتا
الحالتين؛ لقيامه بما أوجب الله تعالى عليه، إذ الهجرة ليست واجبة بعد فتح مكّة، كما
قال قالفيه: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة)).

١٨ - (دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... - حديث رقم ٣١٣٣
١٨٣
وهذا الحديث نظير حديث أبي سعيد الخدريّ رَميه ، قال: جاء أعرابي إلى النبي
مَليّة، فسأله عن الهجرة، فقال: ((ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟))،
قال: نعم، قال: ((فتعطي صدقتها؟))، قال: نعم، قال: ((فهل تَمْنَح منها شيئا؟))، قال:
نعم، قال: ((فتحلُّها يوم وزدِها؟))، قال: نعم، قال: ((فاعمل من وراء البحار، فإن الله
لن يَتِرَك من عملك شيئًا)). متفق عليه، وسيأتي للمصنّف في ((كتاب الأيمان والنذور))
برقم - ٣٨٧٦ . إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)): ما لفظه: ((هَاجِرًا - بصيغة اسم
الفاعل- ومات في مولده))، بالواو، وهو تصحيف، والصواب: ((هَاجَرَ)) -بصيغة
الماضي- ((أو مات في مولده)) ب((أو))، كما في ((النسخة الهندية، و((السنن الكبرى))،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُخْبِرُ بِهَا) أي بهذه البشرى (النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا بِهَا؟) الفعل
منصوب بـ(أن)) مضمرة بعد الفاء السببيّة (فَقَالَ) بَِّ (إِنَّ لِلْجَنَّةِ، مِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ
دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ) هذا الكلام علة
المحذوف، أي لا تخبروهم بهذه الفضيلة؛ لأنه ليس المطلوب المغفرة فقط، بل تحصيل
الدجات العالية أيضًا مطلوب، والإخبار بمثل هذا الخبر ربّما يؤدّي إلى قصر الهمّة على
تحصيل المغفرة، وهو يُفضي إلى الحرمان عن الدرجات المطلوبة، فلا ينبغي الإخبار
بهذا، ثم أكّد ذلك بقوله (وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) كأنه ◌ِ لّ يقول: أنا مع أنه حصل
لي المغفرة قطعًا، أريد أن أجاهد في سبيل الله تعالى لتحصيل الدرجات العالية، فكيف
حال غيري (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا بَعْدِي) أي فيوجب
ذلك مشيهم معي على أرجلهم، وفيه من المشقّة عليهم ما لا يخفى (مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ)
هي قطعة من الجيش تنفرد بالغزو، قال في ((النهاية)): يبلغ أقصاها أربعمائة. وقال في
((المحكم)): ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة. وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة،
وسميت بذلك؛ لأنهم خلاصة العسكر، وخيارهم، وقيل: غير ذلك(١)، كما تقدّم.
والمعنى ما تخلّفت عن السريّة بعد خروجها، بل أخرج معها كلما خرجت
(وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ، ثُمَّ أُخْيَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول، ويجوز فيه الفتح
على البناء للفاعل. قاله وليّ الدين(٢) (ثُمَّ أُقْتَلُ) بضم الهمزة بالبناء للمفعول، لا غير.
قال السنديّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون ذاك قبل قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ
(١) - راجع ((طرح التثريب))٧/ ٢٠٣.
(٢) - ((طرح التثريب))٧ / ١٩٨.

١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية. ويحتمل أن يكون بعده، لجواز تمنّي المستحيل، كما في
((ليت الشباب يعود يوما)) انتهى (١).
وفيه تعظيم أمر الجهاد، ورفقه وَ ليزر بأمته، ورأفته بهم، وأنه يترك بعض أعمال البرّ
خشية أن يتكلّفوه، فيشقّ عليهم، وهو أصل في الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال
المكروه، والمشقّة عنهم. وفيه أنه إذا تعارضت المصالح بُدىء بأهمها. وفيه أن الجهاد
فرض كفاية، لا فرض عين، حتى في زمنه وَّة، وهو الأصحّ، وقيل: كان في زمنه
فرض عين، وعلى القول بأنه فرض كفاية قد يتعيّن لعارض، كما تقدّم البحث عنه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي الدرداء هذا صحيح، وهو من أفراد
المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣١٣٣/١٨ - وفي ((الكبرى))١٥/ ٤٣٤٠.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٩- (مَا لِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ،
وَجَاهَدَ؟)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: يحتمل أن تكون ((ما)) هنا موصولة، أي هذا باب ذكر
الدليل على الثواب الذي أُعدّ لمن أسلم الخ. ويحتمل أن تكون استفهاميّة، أي أيُّ شيء
من الثواب ثبت لمن أسلم الخ؟. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣١٣٤ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ الْجَنْبِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ: ((أَنَا زَعِيمَ - وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ- لِمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَهَاجَرَ، بِبَيْتٍ
فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَأَنَا زَعِيمْ لِمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ، مَنْ فَعَلَ
ذَلِكَ، فَلَمْ يَدَعْ لِلْخَّيْرِ مَطْلَبَا، وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا، يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ))).
(١) - ((شرح السندي٦٩ّ/ ٢٠.

١٩- (مَا لِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ، وَجَاهَد؟) - حديث رقم ٣١٣٤
١٨٥ =
رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١- (عمرو بن مالك الْجَنْبِيّ) -بفتح الجيم، وسكون النون، بعدها موحدة -: وهو
أبو عليّ الهمدانيّ المصريِّ ثقة [٣]١٢٨٤/٤٨.
و٢- (فَضَالة بن عُبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاريّ الأوسيّ، أول ما شَهِد أحدٌ، ثم
نزل دمشق، وولي قضاءها، ومات ◌َظالمه سنة (٥٨) وقيل: قبلها، ١٢٨٤/٤٨. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، وعمرو بن مالك. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ الْجَنْبِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ الِهِ يَقُولُ: ((أَنَا زَعِيمٌ) بفتح الزاي، وكسر المهملة (وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ)
بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: أي الكفيل. قال ابن حبّان رحمه الله تعالى: الزعيم
لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، قال: ويشبه أن
تكون هذه اللفظة: ((الزعيم الحميل)) من قول ابن وهب، أُدرج في الخبر انتهى (١) (لِمَنْ
آمَنَ بِي) أي بقلبه، والجارّ والمجرور متعلّقٌ ب«زعيم)) (وَأَسْلَمَ) أي بظاهره (وَهَاجَرَ) إلى
المدينة (بِبَيْتٍ) متعلّق بـ«زعيم)) أيضًا، وفي بعض النسخ: ((يبيت)) بصيغة المضارع في
المواضع الأربعة (فِي رَّبَضِ الْجَنَّةِ) -بفتحتين -: هو ما حولها، خارجًا عنها، تشبيها
بالأبنية التي تكون حول الْمُدُن، وتحت القلاع. قاله ابن الأثير (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المراد هنا ما حول الجنة الداخليّ، لا
الخارجيّ؛ لأن أهل الجنة لا يكنون خارجها، فليُتأمل. والله تعالى أعلم.
(وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ) بفتح السين، وتسكّن، كما تفيده عبارة ((المصباح)) (وَأَنَا
زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي
وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتِ فِي أَعْلَّى غُرَفِ الْجَنَّةِ) - بضمّ، فتح - جمع غُرْفة - بضمّ، فسكون -:
هي الْعُلِّيّةُ، وجمع الجمع غُرَفات -بفتح الراء عند قوم، وهو تخفيف عند آخرين، وتضمّ
(١) - راجع (صحيح ابن حبان)) بترتيب ابن بلبان.
(٢) - ((النهاية)) ٢/ ١٨٥.

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
الراء للإتباع، وتسكّن حملاً على لفظ الواحد (١) (مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي ما ذُكر من الإيمان
باللّه، والإسلام، والجهاد في سبيله (فَلَمْ يَدَغْ) أي لم يترك (لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا) أي محلّ
طلب، يعني أنه ما من مكان يُطلب فيه الخير إلا حضره، وطلب فيه الخير، وأخذ منه
حظّه (وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا) أي ولم يترك مكانًا يُهُرب إليه من الشرّ، ويُلجأ إليه، ويُعتصم
به للخلاص منه إلا هرب إليه، واعتصم به (يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ) يعني أنه في أي
مكان مات، سواء مات في بيته، وبين عشيرته، أو مات خارجًا في سبيل اللّه، فإن له
ما ذُكر من غرف الجنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث فَضَالة بن عُبيد رضي اللّه تعالى عنه هذا
صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٣١٣٤/١٩ - وفي
(«الكبرى»١٦/ ٤٣٤١. وأخرجه الطبرانيّ ٨٠١/١٨ والبيهقيّ ٧٢/٦ والحاكم،
وصححه على شرط مسلم ٦١/٢ و٧١ ووافقه الذهبيّ مع أن عمرو بن مالك الْجَنْبِيّ لم
يخرّج له مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٣١٣٥- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبٍ، عَنْ سَالِم بَّنِ
أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
قَعَّدَ لِاِبْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَّهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ، وَتَذَرُ دِينَكَ، وَدِينَ آبَائِكَ،
وَآبَاءِ أَبِيَكَ، فَعَصَاهُ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تََّاجِرُ، وَتَدَعُ أَرْضَكَ
وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرٍ، كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطَّوَلِ، فَعَصَاهُ، فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ
بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ تُجَاهِدُ، فَهُوَ جَهَدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ،
وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ
غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَتُهُ، كَانَ حَقَّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ
الْجِنَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزجانيّ الثقة الحافظ رُمي بالنصب [١١] ١٧٤/١٢٢.
(١) - راجع ((المصباح)) في مادة غرف.

١٩- (مَا لِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ، وَجَاهَدَ؟) - حديث رقم ٣١٣٥
١٨٧ ====
٢- (أبو النضر هاشم بن القاسم) البغداديّ، الملقّب قيصر، ثقة ثبت [٩]٢٤٠٧/٧١.
٣- (أبو عَقيل عبد الله بن عَقيل) الثقفي الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوق [٨].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن
معين: ثقة. وكذا قال عثمان الدارميّ عنه، وزاد: لا بأس به. وقال الغلابيّ، عن ابن
معين: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال أبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال
الدارقطنيّ: أثنى عليه أحمد. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الأربعة، وله عند
المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وليس له عند أبي داود إلا تغيير عمر اسم
الأجدع إلى عبد الرحمن .
٤- (موسى بن المسيّب) ويقال: موسى بن السائب الثقفيّ، أبو جعفر الكوفيّ
البزاز، صدوق، لا يلتفت إلى الأزديّ في تضعيفه[٦].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: موسى بن السائب، هو أبو جعفر ما أعلم إلا
خيرًا. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: موسى بن المسيّب صالح. وقال أبو
حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الأزديّ: ضعيف. وقال
يعقوب بن سفيان: لا بأس به. روى له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف،
وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٥- (سالم بن أبي الجعد رافع) الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، کان یرسل
كثيرًا[٣]٧٧/٦١.
٦- (سَبْرَة بن فاكه) ويقال: ابن أبي الفاكه، ويقال: ابن الفاكهة، ويقال: ابن أبي
الفاكهة المخزوميّ، أو الأسديّ، صحابيّ نزل الكوفة، له عن النبيّ مُ ◌ّلإر حديث الباب(١)
. وعنه سالم بن أبي الجعد، وعُمارة بن ثابت، وفي إسناد حديثه اختلاف. روى له
المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات .
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فدمشقي، وأبا النضر، فبغداديّ. (ومنها):
أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. والله
تعالى أعلم.
(١) - قال في ((الإصابة)): له حديثه عند النسائيّ بإسناد حسن، إلا أن في إسناده اختلافًا، وصححه
ابن حبّان، ووقع عنده سبرة بن أبي فاكهة انتهى باختصار ١٢٠/٤.

١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
شرح الحديث
(عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِلَه
يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِاِبْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ) جمع قلّة لطريق. قال في ((القاموس)): والطريق
معروف، ويؤنّث، جمعه أَطَرُقْ، وطُرُقْ - بضمتين- وأَطْرِقَاءُ، وأطرِقَةٌ -بكسر الراء
فيهما- وجمع جمعه طُرُقَات انتهى(١). وقال في ((النهاية)): هي جمع طريق على التأنيث؛
لأن الطريق يذكّر، ويؤنّث، فجمعه على التذكير أَطْرِقَةٌ، كرَغِيفٍ وأرغِفَة، وعلى التأنيث
أَطْرُقْ، كيمين وأَيْمُن انتهى (٢) (فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ) استفهام بتقدير
همزة الاستفهام، وهو للإنكار، أي أتسلم (وَتَذَرُ) أي تَتْرك (دِينَكَ، وَدِينَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ
أَبِيكَ) وفي بعض النسخ: ((وآباء آبائك)) (فَعَصَاهُ) أي خالف الشيطان (فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ
بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تَّاجِرُ) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ، كسابقه (وَتَدَعُ) أي
تترك (أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ) أي الأرض التي ولدت، وعشت عليها، والسماء التي استظللت
بها طول حياتك (وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرٍ) أي صفت من خرج عن وطنه إلى دار الغربة (كَمَثَلِ
الْفَرَسِ فِي الطَّوَلِ) -بكسر الطاء المهملة، وفتح الواو- ويقال فيه: ((الطّيل)) - بالياءَ
أيضًا(٣) -: هو الْحَبْلُ الطويل الذي يشدّ أحد طرفيه في وَتَد، أو غيره، والطرف الآخر
في يد الفرس؛ ليدور فيه، ويرعى، ولا يذهب لوجهه، وهذا من كلام الشيطان،
ومقصوده أن المهاجر يصير كالمقيّد في بلاد الغربة، لا يدور إلا في بيته، ولا يُخالطه
إلا بعض معارفه، فهو كالفرس في طِوَلٍ، لا يدور، ولا يرعَى، إلا بقدره، بخلاف أهل
البلاد في بلادهم، فإنهم مبسوطون، لا ضيق عليهم، فأحدهم كالفرس المرسل (٤)
(فَعَصَاهُ، فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ تُجَاهِدُ، فَهُو) أي الجهاد المفهوم من
((تجاهد)) (جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ) بفتح الجيم -: بمعنى المشقّة والتعب، والمراد بالمال
الْجِمَال، والعبيد، ونحوهما، أو المال مطلقًا، وإطلاق الجهد للمشاكلة، أي تنقيصٌ،
وإضاعةٌ له. أفاده السنديّ (فَتُقَاتِلُ) بالبناء للفاعل، أي تقاتل الكفار (فَتُقْتَلُ) بالبناء
للمفعول، أي يقتلك العدوّ (فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، أي يزوّج
امرتك غيرك من الرجال، أو تتزوج هي زوجًا آخر (وَيُقْسَمُ الْمَالُ) بالبناء للمفعول، أي
(١) راجع ((القاموس)) في مادة طرق.
(٢) - ((النهاية)»١٢٢/٣.
(٣) - كما قاله في ((النهاية)) ١٤٥/٣.
(٤) - ((زهر الربى)) ٢٢/٦ - ٢٣. و((شرح السنديّ» ٢٢/٦.

١٩- (مَاَ لِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ، وَجَاهَدَ؟) - حديث رقم ٣١٣٥
١٨٩ ==
يقتسم الورثة مالك الذي تركته (فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((فَمَنْ فَعَلَ ذَلِك)
فيه حذف الفاء مع ما عطفت، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَالْفَاءُ قَدْ تُحُذَفُ مَعْ مَا عَطَفَتْ وَالْوَاوُ إِذْ لَا لَبْسَ وَهْيَ انْفَرَدَتْ
كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ تَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾
[البقرة: ١٨٤]. أي فأفطر فعليه عدة الخ.
والتقدير هنا: أي فمات، كما بينته رواية ابن حبان، ولفظه: ((فمن فعل ذلك، فمات
کان حقًّا ... )).
والمعنى: أن من فعل ما تقدّم من مخالفة الشيطان في الإسلام، والهجرة، والجهاد،
فمات (كَانَ حَقًّا) أي ثابتًا بمقتضى الوعد السابق (عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)
أي دخولاً أوليًّا، وإلا فمجرّد إيمانه يَستحقّ به الجنة (وَمَنْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول. ولابن
حبان: ((أو قتل)) (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ) بكسر الراء،
من باب تَعِب (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَتُهُ) من باب وعد: أي
رمت به، ودقْت عنقه. قاله الفيّوميّ (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) هذه الْجُمَلُ من
قوله: ((وإن غرِقَ من باب التفصيل بعد الإجمال، بيّن بها بعض أسباب الموت، والمراد
تعميم أحوال الموت، أي سواء كان موته بالقتل، أو الغرق، أو بوقص دابته، أو غير
ذلك من أسباب الموت، فإن الله عز وجل يدخله الجنّة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث سَبْرَة بن فاكه رضي الله تعالى عنه هذا
صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٣١٣٥/١٩-
وفي)) الكبرى))٤٣٤٢/١٦. أخرجه أحمد في ((مسند المكيين)) ١٥٥٢٨ والطبرانيّ
٦٥٥٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .

١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
٢٠- (بَابُ فَضْلِ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ
فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل)
٣١٣٦- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي،
عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بَْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تُودِيَ فِي الْجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ،
هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ،ِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ،
دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ،َ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ
أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ،َ مَا عَلَى الَّذِي يُذْعَى مِنْ
تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلُّهَا مِنْ ضَرُورَةٍ، هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلُّهَا؟، قَالَ: ((نَعَمْ،
وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف في ((كتاب
الصيام» برقم -٢٢٣٨/٤٣ - وتقدّم شرحه مستوفّى، وكذا الكلام على مسائله هناك،
فراجعه تستفد.
ورجاله كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((عُبيدالله بن سعيد بن إبراهيم)):
هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١]٤٨٠/١٧ .
واعمه)): هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزیل بغداد،
ثقة فاضل، من صغار[٩]٣١٤/١٩٦.
و(«أبوه)): هو إبراهيم سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨]٣١٤/١٩٦.
و((صالح)): هو ابن كيسان، المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه[٤]٣١٤/١٩٦.
و ((حُميد بن عبد الرحمن)) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢]٧٢٥/٣٢.
وقوله: ((من أنفق زوجين في سبيل اللّه)) أي تصدّق به في الجهاد، كما هو المتبادر،
وهو الذي قصده المصنّف رحمه اللّه تعالى في إيراده هنا، ففيه أن الإنفاق في الجهاد له
هذا الفضل العظيم، حيث يُنادى في الآخر ب((يا عبد الله هذا خير)). ويحتمل أن يكون
المراد ب«سبيل اللّه)) وجوه الخير مطلقًا، والأول أقرب. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((هذا خير)) أي العمل الذي عملته خيرٌ لك، تشريفًا وتعظيمًا لعمله، أو هذا
الباب الذي تُدعى إليه خيرٌ لدخولك منه تعظيمًا له.

٢١- (مَنْ قَتَلََ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليا) - حديث رقم ٣١٣٧
١٩١ ===
وقوله: ((ما على أحد الخ)) أي ليس له ضرورة إلى أن يُدعى من جميع الأبواب، إذ
الباب الواحد يكفي لدخول الجنّة. وتمام شرح الحديث تقدم بالرقم المذكور. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢١- (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ
الْعُلْيَا)
٣١٣٧- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنَّ
عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ:
جَاءَ أَعْرَابِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: الرَّجُلُّ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى
مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدري، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠]٤٧/٤٢.
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبتب ٨]٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧]٢٧/٢٤.
٤- (عمرو بن مرّة) بن عبد الله بن طارق الجملي المرادي، أبو عبد الله الأعمى، ثقة
عابد، ورمي بالإرجاء [٥]١٧١ /٢٦٥.
٥- (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفي، مخضرم [٢]٢/ ٢ .
٦- (أبو موسى الأشعريّ) عبد الله بن قيس الصحابي الشهير ٣/٣. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين،
والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. والله تعالى أعلم.

١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
شرح الحديث
عن أبي وائل، أنه (قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُليم ابن
حضّار رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) قال الحافظ: هذا يدلّ على وَهَم ما
وقع عند الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي موسى أنه قال: يا رسول اللَّه، فذكره، فإن أبا
موسى، وإن جاز أن يُبهم نفسه، لكن لا يصفها بكونه أعرابيًّا، وهذا الأعرابيّ يصلح أن
يفسّر بلاحق بن ضُمَيرة، وحديثه عند أبي موسى المدينيّ في ((الصحابة)) من طريق عُفَير
ابن مَعْدَان، سمعت لاحق بن ضميرة الباهليّ، قال: وفدت على النبيّ وَلَّ، فسألته عن
الرجل يلتمس الأجر والذكر، فقال: ((لا شيء له ... )) الحديث، وفي إسناده ضعف،
وروينا في ((فوائد أبي بكر بن أبي الحديد)) بإسناد ضعيف، عن معاذ بن جبل أنه قال: يا
رسول اللَّه كلّ بني سلمة يُقاتل، فمنهم من يُقاتل رياء ... الحديث. فلو صحّ لاحتمل
أن يكون معاذّ أيضًا سأل عما سأل عنه الأعرابيّ؛ لأن سؤال معاذ خاصّ، وسؤال
الأعرابيّ عامّ، ومعاذ أيضًا، لا يقال له: أعرابيّ، فيحمل على التعدد(١) (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
وَهِ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِل) وفي رواية للبخاريّ من طريق منصور، عن أبي وائل:
(«فقال: ما القتال في سبيل الله؟، فإن أحدنا يقاتل ... )) (لِيُذْكَرَ) بالبناء للمفعول، أي
ليذكره الناس فيما بينهم بالشجاعة. وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي
وائل: ((ويقاتل شجاعةً)) (وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ) بالبناء للفاعل، من باب تَعِب، أي ليصيب غنيمةً
(وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ) ببناء (يُرَى)) للمفعول، و((مكانه)) مرفوع على أنه النائب عن
الفاعل. وفي رواية الأعمش: ((ويقاتل رياء))، فمرجع قوله: ((يقاتل ليُذكَر)) إلى السمعة،
ومرجع قوله: ((ويقاتل ليُرى مكانه)) إلى الرياء، وكلاهما مذموم، وزاد في رواية منصور
والأعمش: ((ويقاتل حميّة)) أي لمن يُقاتِلُ لأجله من أهل، أو عشيرة، أو صاحب، وزاد
في رواية منصور: ((ويقاتل غضبًا)) أي لأجل حظّ نفسه، ويحتمل أن يفسّر القتال للحميّة
بدفع المضرّة، والقتال غضبًا بجلب المنفعة.
فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار
الشجاعة، والرياء، والحميّة، والغضب، وكلّ منها يتناوله المدح والذّمَ، فلهذا لم
يحصل الجواب بالإثبات، ولا بالنفي. قاله في ((الفتح))(٢).
(فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟) ((من)) استفهامية خبره الجار والمجرور بعده، أي فأيّ المقاتلين
(١) - ((فتح)) ١٠٨/٦ - ١٠٩.
(٢) - ((فتح)) ١٠٩/٦.

٢١- (مَنْ قَتَلََ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليا) - حديث رقم ٣١٣٧
١٩٣
المذكورين يوصف بأنه قاتل في سبيل اللَّه؟ (قَالَ) وَ لَه (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ) أي
دعوته إلى الإسلام. وقيل: هي قوله: ((لا إله إلا الله)) (هِيَ) ضمير فيه تأكيد كلمة اللَّه
تعالى في العلوّ (الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) ((فهو)) مبتدأ، والجارّ والمجرور
خبره، الجملة خبر ((من))، وإنما دخلت الفاء لتضمّن ((من)) معنى الشرط(١).
وقال في ((الفتح)): المراد بـ((كلمة اللَّه)) دعوة اللَّه إلى الإسلام. ويحتمل أن يكون
المراد أنه لا يكون في سبيل اللّه إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة اللَّه فقط،
بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة أخلّ بذلك. ويحتمل أن لا
يدخل إذا حصل ضمنًا، لا أصلاً ومقصودًا، وبذلك صرّح الطبريّ، فقال: إذا كان أصل
الباعث هو الأول لا يضرّه ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن روى أبو
داود، والنسائيّ من حديث أبي أمامة تظلّه بإسناد جيّد، قال: ((جاء رجلٌ، فقال: يا
رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال: لا شيء له))، فأعاده
ثلاثًا، كلّ ذلك يقول: لا شيء له، ثم قال رسول اللَّه بَّه: إن الله لا يقبل من العمل
إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه)).
ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معًا على حدّ واحد، فلا يخالف
المرجّح أوّلاً، فتصير المراتب خمسًا: أن يقصد الشيئين معًا. أو يقصد أحدهما صِرْفًا.
أو يقصد أحدهما، ويحصل الآخر ضِمْنًا. فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد
يحصل الإعلاء ضمنًا، وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان.
وهذا ما دلّ عليه حديث أبي موسى تَظّه . ودونه أن يقصدهما معًا، محذورٌ أيضًا،
على ما دلّ عليه حديث أبي أمامة تَظميّه . والمطلوب أن يقصد الإعلاء صِرْفًا. وقد
يحصل غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضًا.
قال ابن أبي جمرة: ذهب المحقّقون إلى أنه إذا كان الباعث الأولُ قصد إعلاء كلمة
الله لم يضرّه ما انضاف إليه انتهى.
ويدلّ على أن دخول غير الإعلاء ضمنًا لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو
الباعثَ الأصليَّ ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة رَبّه قال: بعثنا
رسول اللّه ◌َ لّ على أقدامنا لنغنم، فرجعنا، ولم نغنم شيئًا، فقال: اللَّهمَ لا تكلهم
إليّ ... )) الحديث.
وفي إجابة النبيّ وَلّ بما ذُكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كلمه وَّ؛ لأنه
(١) - راجع ((عمدة القاري) ٢/ ١٦٧.

١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل اللَّه احتمل أن يكون ما عدا ذلك كلّه في سبيل
اللَّه، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع، عَدَلَ به عن الجواب عن ماهيّة القتال إلى
حال المقاتل، فتضمّن الجواب وزيادة.
ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: ((فهو)) راجعًا إلى القتال الذي في ضمن ((قاتل))،
أي فقتاله في سبيل الله.
واشتمل طلب إعلاء كلمة اللَّه على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض
أعدائه، وكلّها متلازمة .
والحاصل مما ذُكر أن القتال منشؤه القوّة العقليّة، والقوّةُ الغضبيّة، والقوّة الشهوانيّة،
ولا يكون في سبيل اللَّه إلا الأول.
وقال ابن بطّال: إنما عدل النبيّ وَلّر عن لفظ جواب السائل؛ لأن الغضب والحميّةَ
قد يكونان للَّه، فعدل النبيّ وَالتّ عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد دفع الإلباس، وزيادة
الإفهام(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٣٧/٢١ - وفي ((الكبرى))٤٣٤٤/١٧ . وأخرجه (خ) في
((العلم))١٢٣ و((الجهاد والسير)) ٢٨١٠ و((فرض الخمس)) ٣١٢٦ و((التوحيد)) ٧٤٥٨ (م)
في ((الجهاد))١٩٠٤ (د) في ((الجهاد))٢٥١٧ (ت) في ((فضائل الجهاد)»١٦٤٦ (ق) في
((الجهاد)» ٢٧٨٣ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٩٩٩ و١٩٠٩٩ و١٩١٣٤ و١٩٢٤٠.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل من قاتل لتكون كلمة
هي العليا. (ومنها): أن فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيّة الصاحة، فهو شاهد
الحديث: ((إنما الأعمال بالنيات ... )) الحديث. (ومنها): أن الإخلاص شرط في
العبادة، فمن كان له الباعث على العمل هو الأمر الدنيويّ، فلا شكّ في بطلان عمله،
(١) - ((فتح)٩ ٦ / ١٠٩ - ١١٠.

ـة
١٩٥
٢٢- (مَنْ قَتلََ لِيقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ) - حديث رقم ٣١٣٨
ومن كان الباعث الدينيّ أقوى، فقد حكم الحارث المحاسبيّ بإبطال العمل؛ تمسّكًا
بهذا الحديث، وخالفه الجمهور، فقالوا: العمل صحيح. (ومنها): أن الفضل الذي
ورد في المجاهدين في سبيل الله عز وجل يختصّ بمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى.
(ومنها): أن هذا من جوامع كلمه وَلّ؛ لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى السوال مع الزيادة
عليه. (ومنها): ما أعطي النبيّ بَّر من الفصاحة، وجوامع الكلم؛ لأنه أجاب السائل
بجواب جامع لمعنى سؤاله، لا بلفظه، من أجل أن الغضب والحميّة قد يكون للَّه عز
وجل، وقد يكون لغرض دنيويّ، فأجابه وَلِّ بالمعنى مختصرًا، إذ لو ذهب يقسم وجوه
الغضب لطال ذلك، ولخشي أن يلبس عليه. (ومنها): جواز السؤال عن العلّة.
(ومنها): أن العلم يتقدّم العمل. (ومنها): ذمّ الحرص على الدنيا. (ومنها): ذمّ القتال
لحظً النفس في غير طاعة الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٢- (مَنْ قَاتَلَ لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ)
٣١٣٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج،
قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: أَّهَا الشَّيْخُ، حَدُثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ،
قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَ، يَقُولُ: ((أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَلَاثَةٌ:
رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأَتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟، قَالَ: قَاتَلْتُ
فِيكَ، حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ، لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ،
ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ
الْقُرْآنَ، فَأَتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ،
وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ، لِيُقَالَ: عَالِمٌ،
وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ، لِيُقَالَ: قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي
الثَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَضْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأَتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ،
فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ، تُحِبُّ - قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ:

=
١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
وَلَمْ أَفْهَمْ ((تُحِبُّ))، كَمَا أَرَدْتُ- أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا، إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنْ
لِيُقَالَ: إِنَّهَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَلْقِيَ فِي النَّارِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠]٥/٥.
١- (خالد) بن الحارث المذكور في الباب الماضي.
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكي، ثقة
فقيه فاضل، كان يدلّس ويرسل [٦]٣٢/٢٨.
٤- (يونس بن يوسف) بن حِمَاس- بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة-
الليثي المدني، ثقة عابد [٦]١٩٤/ ٣٠٠٣.
٥- (سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدني، ثقة فاضل فقيه، من كبار [٣]١٢٢/
١٥٦ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وابن
جريج، فمكيّ. (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد
تقدّموا غير مرّة. وفيه أبو هريرة تظ أحفظ من رروى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) أبي أيوب المدنيّ، أخي عطاء بن يسار، أنه (قَالَ: تَفَرَّقَ
النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، أي تفرّقوا بعد اجتماعهم عنده ليسمعوا
أحاديثه (فَقَالَّ لَهُ قَائِلٌ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ) هو ناتل -بالنون في أوّله، وبعد الألف تاء مثناة
فوق- ابن قيس الحزامِيّ الشاميّ، مَنَ أهل فلسطين، وهو تابعيّ، وكان أبوه صحابيًّا،
وكان ناتل كبير قومه (أَنَّا الشَّيْخُ، حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: نَعَمْ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، يَقُولُ: ((أَوَّلُ النَّاس) ولمسلم: ((إن أولَ الناس ... )) (يُقْضَى)
بالبناء للمفعول (لَهُمْ) أي عليهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَلاثَةٌ) أي ثلاثة أصناف، لا ثلاثة
أشخاص (رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ) أي أحد الثلاثة رجل، استُشهد، بالبناء للمفعول (فَأَتِيَ بِهِ)
بالبناء للمفعول أيضًا (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء (نِعَمَهُ) أي النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه،
من صحّة، وأموال، وغيرهما (فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء (قَالَ) أي اللَّه تعالى لذلك الرجل

١٩٧
٢٢ - (مَنْ قَتَلََ لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ) - حديث رقم ٣١٣٨
(فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أي أيّ شيءٍ عملت بتلك النعم؟ (قَالَ) ذلك الرجل (قَاتَلْتُ فِيكَ) أي
في طلب مرضاتك، ورجاء مثوبتك (حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي حتى قتلتُ
شهيدًا صورةً في اعتقاد الناس، وإلا فليس شهيداً حقيقةً (قَالَ) اللَّه تعالى الذي يعلم
السرّ وأخفى لَمّا علم سوء نيته، وخُبث طويّته (كَذَبْتَ) بتخفيف الذال المعجمة، أي
كذبت في دعواك أنك استُشهدت فيّ، وزاد في رواية الترمذيّ الآتي في المواضع
الثلاثة: ((وتقوله الملائكة: كذبتَ)) (وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ، لِيُقَالَ) أي ليتحدّث الناس، ويقولوا
(قُلَانٌ جَرِيءٌ) بالهمز، فعيلٌ بمعنى فاعل، من جرُؤَ جراءة، كشَجُعَ شَجَاعَةٌ وزنًا
ومعنَى، أي قالت ليقول الناس: إنك شُجاع (فَقَدْ قِيلَ) أي قال الناس ذلك، واستوفيت
ما طلبتَ، فلا أجر لك عندي. وهذا مبنيّ على أن العادة حصول هذا القول، وإلا
فحَبَط العمل لا يتوقّف على هذا القول، بل يكفي فيه أن ينوي الرياء. والله تعالى أعلم
(ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، أي
ثم بعد أن قال اللّه تعالى له: إن ما كنت تطلبه من الناس قد حصل لك، أمر ملائكته أن
يدخلوه النار، جزاء سوء فعله، فسحبوه، أي جرّوه إلى أن قذفوه في النار.
(وَرَجُلٌ) أي الثاني رجلٌ (تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) لنفسه (وَعَلَّمَهُ) للناس (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَتِيَ بِهِ)
بالبناء للمفعول (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء (نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء (قَالَ) اللَّه تعالى له
(فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ)
بتخفيف الذال (وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ، لِيُقَالَ: عَالِمٌ) خبر لمحذوف، أي هو، أو أنت،
وكذا قوله الآتي: ((قارىء)» (وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ، لِيُقَالَ: قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ
عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، كما تقدّم (وَرَجُلٌ) أي
والثالث رجل (وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بتشديد السين المهملة، من التوسيع، وقوله (وَأَعْطَاهُ مِنْ
أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ) بيان لمعنى التوسيع (فَأَتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ
فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ، تُحِبُّ - قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللّه تعالى
(وَلَمْ أَفْهَمْ ((تُحِبُّ))، كَمَا أَرَذَتٌ-) يعني أن لفظ ((تُحبّ)) ما فهمتها من شيخي محمد بن
عبد الأعلى رحمه الله تعالى حين أخبرنا به، كما ينبغي، وهذا من ورع المصنّف رحمه
اللَّه تعالى، ودقّة نقله لما سمعه، فقد يبيّن ما لم يسمعه واضحًا من لفظ شيخه أنه لم
يفهمه، وإن لم يترتّب على ذلك شيء من المحظور، وقد ذكرها مسلم رحمه اللّه تعالى
في ((صحيحه)) عن شيخه يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن خالد بن الحارث، بدون شك
(أنْ يُنْفَقَ فِيهَا) بالبناء للمفعول (إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ) أي لابتغاء مرضاتك، وطلب
مثوبتك (قَالَ) اللّه تعالى (كَذَبْتَ) بالتخفيف (وَلَكِنْ لِيُقَالَ: إِنهَ جَوَادٌ) أي لكن أنفقت

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
ليقول الناس: إنك جواد (فَقَدْ قِيلَ) أي تحدّث الناس بذلك، كما أردت (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ،
فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَلْقِيَ فِي النَّارِ))) ببناء الأفعال للمفعول، زاد في رواية الترمذيّ
الآتي: ((ثم ضرب رسول اللّه وَ ل على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول
خلق اللَّه تُسْعَر بهم النار يوم القيامة)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا ساقه
الترمذيّ في («جامعه» مطوّلاً، فقال:
٢٣٨٢ - حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا خَيْوَة بن شُرَیح،
أخبرني الوليد بن أبي الوليد، أبو عثمان المدائني، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شُفَيًّا
الأَصْبَحِيَّ، حدثه، أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل، قد اجتمع عليه الناس، فقال: من
هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما
سكت، وخلا، قلت له: أنشدك بِحَقِّ وبِحَقِّ لَمّا حدثتني حديثا سمعته، من رسول الله
وَرَ، عَقَلْتَهَ وعلمته، فقال أبو هريرة: أَفْعَلُ، لأُحدثَنَّك حديثا، حدثنيه رسول اللّه وَل،
عقلته وعلمته، ثم نَشَغَ(١) أبو هريرة، نَشْغَةٌ، فمكث قليلا، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك
حديثا، حدثنيه رسول اللَّه وَّر، في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو
هريرة، نَشْغَةً أخرى، ثم أفاق، فمسح وجهه، فقال: لأحدثك حديثا، حدثنيه
رسول اللّه وَّر، وأنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغ أبو هريرة
نَشْغة أخرى، ثم أفاق، ومسح وجهه، فقال: أفعل لأحدثنك حديثا، حدثنيه رسول الله
وَالر، وأنا معه في هذا البيت، ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة
شديدة، ثم مال خَارًّا على وجهه، فأسندته عليّ طويلا، ثم أفاق، فقال: حدثني
رسول اللّه ◌ِالچ :
((إن الله تبارك وتعالى، إذا كان يوم القيامة، ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكلُّ أمة
جائية، فأول من يدعو به، رجل جمع القرآن، ورجل يَقتَّتِل في سبيل اللّه، ورجل كثير
المال، فيقول اللَّه للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي، قال: بلى يا رب، قال:
فماذا عملت فيما علمت؟، قال: كنت أقوم به آناء الليل، وآناء النهار، فيقول اللَّه له:
كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول اللَّه: بل أردت أن يقال: إن فلانا قارئ،
فقد قيل ذاك، ويُؤْتَى بصاحب المال، فيقول اللَّه له: ألم أُوَسْعْ عليك، حتى لم أَدَعْكَ،
تحتاج إلى أحد؟، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِلُ
(١) - بفتح النون، والشين المعجمة، بعدها غين معجمة: أي شَهِقَ حتى كاد يُغشى عليه أسَفًا، أو
خَوْفًا. قاله المنذريّ.

٢٢- (مَنْ قَتَلََ لِيُقَلَ: فُلاَنّ جَرِيءٌ) - حديث رقم ٣١٣٨
١٩٩
الرحم، وأتصدق، فيقول اللَّه له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقول اللَّه
تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك، ويُؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيل الله،
فيقول الله له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك، فقاتلت، حتى قتلتُ،
فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبتَ ويقول اللَّه: بل أردت أن
يقال: فلان جَرِيءٌ، فقد قيل ذاك، ثم ضَرَبَ رسولُ اللَّه وَلّ على ركبتي، فقال: يا
أبا هريرة، أولئك الثلاثة، أول خلق الله، تُسْعَرُ بهم النار يوم القيامة.
وقال الوليد، أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم، أن شُفَيًّا، هو الذي دخل على
معاوية، فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم، أنه كان سَيّافًا
لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا، عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء
هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بَكَى معاوية بكاء شديدا، حتى ظننا أنه هالك،
وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرّ، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله
ورسوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَنَهَا نُوَفِّ إِلَتِهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[هود: ١٥- ١٦].
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب انتهى. وصححه ابن خُزيمة، وابن حبّان ..
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٣٨/٢٢ - وفي ((الكبرى))٤٣٤٥/١٨. وأخرجه (م) في
((الجهاد))١٩٠٥ (ت) في ((الزهد)) ٢٣٨٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)»٨٠٧٨ .
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وعيد من قاتل ليُقال: فلان
جريء. (ومنها): أن فيه دليلاً على تغليظ تحريم الرياء، وشدّة عقوبته. (ومنها): الحثّ
على لزوم الإخلاص في الأعمال، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ أَلِينَ﴾ [البينة: ٥]. (ومنها): أن فيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد في سبيل
الله تعالى، إنما هي لمن أراد به وجه الله تعالى. (ومنها): أن الثناء الوارد على العلماء

٢٠٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
والمنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك كله ابتغاء وجه الله تعالى،
مخلصًا، لا يشوبه شيء من الرياء والسمعة، ونحو ذلك.
[تنبيه]: إنما كان هؤلاء الثلاثة أول خلق الله تعالى تُسعر بهم النار - والله تعالى
أعلم- لكون هذه العبادات رفيعة القدر عند اللَّه تعالى، فإنه لا يخفى تنويه اللّه تعالى في
محكم كتابه، بفضل الجهاد، ورفع منزلة العلماء، على سائر الناس، وتخصيص
المنفقين في سبيله بالدرجات العلى، فلما لم يَبتغ أصحابها بها وجه اللَّه تعالى الذي
عظّم شأنها، ورفع قدرها، والذي يجازي عليها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا
خطر على قلب بشر، بل طلبوا بها العاجل، وآثروا الفاني على الباقي، جازاهم الله
تعالى بأن جعلهم أول من تُسعر بهم النار؛ إذ العقاب على قدر عظم الْجُزْم. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٣- (مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ
يَثْوِ إِلَّا عِقَالاً)
٣١٣٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَهُ: ((مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالاً، فَلَهُ مَا نَوَى))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٤/٤.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري ثقة ثبت
حجة [٩]٤٩/٤٢.
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨]٢٨٨/١٨١.
٤- (جَبَلَة بن عطية) الفِلَسطينيّ، ثقة [٦].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به
المصنّف بحديث الباب فقط.