النص المفهرس
صفحات 161-180
١٤ - (بابُ مَا تَكَفَلَ اللَّهُ عز وجل ... - حديث رقم ٣١٢٣ ١٦١ = وقال الكرمانيّ: معنى الحديث أن المجاهد إما يُستَشهَد أو لا، والثاني لا ينفكّ من أجرٍ، أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما، فهي قضيّةٌ ما نعةُ الخلوّ، لا الجمع، وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن ((أو)) بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البرّ، والقرطبيّ، ورجّحها التوربشتيّ، والتقدير: ((بأجر وغنيمة)). وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، رواه كذلك عن يحيى بن يحيى، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد. وقد رواه جعفر الفريابيّ، وجماعة عن يحيى بن يحيى، فقالوا: ((أجر، أو غنيمة)) بصيغة ((أو)). وقد رواه مالك في ((الموطا)) بلفظ: ((أو غنيمة))، ولم يختلف عليه إلا في رواية يحيى بن بكير عنه، فوقع فيه بلفظ: ((وغنيمة))، ورواية عن مالك فيها مقال. يحيى بن بكير، ووقع عند النسائيّ من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة بالواو أيضًا، وكذا من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا ذكر في ((الفتح)) أن رواية النسائيّ- ١٤/ ٣١٢٤- من طريق الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، و-٣١٢٣/١٤ - من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة بالواو، لكن نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ كلها، ونسخة ((الكبرى)) من الطريقين بـ((أو))، لا بالواو، ولعله وجد ما ذكره في بعض النسخ، والله تعالى أعلم. قال: وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، عن أبي أمامة بلفظ: ((بما نال من أجر وغنيمة))، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعيّن القول بأنّ ((أو)) في هذا الحديث بمعنى الواو كما هو مذهب نحاة الكوفيين، لكن فيه إشكال صعب لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكلّ من رجع، وقد لا يتفق ذلك، فإن كثيرًا من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فرّ منه الذي ادعى أن ((أو)) بمعنى الواو وقع في نظيره؛ لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم على أنها بمعنى الواو أن كلّ غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معًا. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: ((ما من غازية تغزو في سبيل اللَّه، فَيُصيبون الغنيمة إلا تعجّلُوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يُصيبوا غنيمة تمّ لهم أجرهم)). وهذا يؤيّد التأويل الأول، وأن الذي يغنم يرجع بأجر، لكنّه أنقص من أجر من لم يغنم، فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا، وتمتّعه به بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقّة، كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول خبّاب ١٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ في الحديث المتفق عليه: ((فمنّا من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا ... )) الحديث. واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لما يدلّ عليه أكثر الأحاديث، وقد اشتهر تمدّح النبيّ وَل بحلّ الغنيمة، وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدّح بها. وأيضًا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً، مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق. وسبق إلى هذا الإستشكال ابن عبد البرّ، وحكاه عياضٌ، وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعف حديث عبد الله بن عمرو؛ لأنه من رواية حميد بن هانىء، وليس بمشهور. وهذا مردود؛ لأنه ثقة يحتجّ به عند مسلم، وقد وثّقه النسائيّ، وابن يونس، وغيرهما، ولا يُعرف فيه تجریح لأحد. ومنهم: من حمل نقص الأجر على غنيمة أُخذت على غير وجهها، وظهورُ فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في ردّه؛ إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر، ولا أقلّ منه. ومنهم: من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده، وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضًا. وفيه نظرّ؛ لأن صدر الحديث مصرّحْ بأن المقسّم راجع إلى من أخلص؛ لقوله في أوله: ((لا يُخرجه إلا إيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي)). وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما، واستعمالهما على وجههما. ولم يُجب عن الإشكال المتعلّق بأهل بدر. وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ على القياس؛ لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقّة فيما كان أجره بحسب مشقّته؛ إذ للمشقّة دخولٌ في الأجر، وإنما المشكل العمل المتّصل بأخذ الغنائم، يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابون عليها . فيمكن أن يُجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئيّة على بعض؛ لأن أخذ الغنائم أول ما شُرع كان عونًا على الدِّين، وقوّةً لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى، يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو. وأما الجواب عمن استشكل ذلك بحال أهل بدرٍ، فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يرد فيهم نصّ أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من كونه مغفورًا لهم، وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون ١٤ - (جَابُ مَا تَكَفَلَ اللَّهُ عز وجل ... - حديث رقم ٣١٢٣ ١٦٣ وراءهم مرتبة أخرى. وأما الاعتراض بحلّ الغنائم فغير وارد، إذ لا يلزم من الحلّ ثبوت وفاء الأجر لكلّ غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة، واستلاءها(١) من الكفّار يُحَصِّل الثواب، ومع ذلك فمع صحّة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة، وصحّة القدح بأخذها لا يلزم من ذلك أن كلّ غاز يحصل له من أجر غَزَاته نظير من لم يغنم شيئًا البتّة. قال الحافظ: والذي مثل بأهل البدر أراد التهويل، وإلا فالأمر على ما تقرّر أخيرًا بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجرًا مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم، كمن شهد أُحدًا لكونهم لم يغنموا شيئًا، بل أجر البدريّ في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فُرض أن أجر البدريّ بغير غنيمة ستمائة، وأجر الأُحُديّ مثلاً بغير غنيمة مائة، فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو، كان للبدريّ لكونه أخذ الغنيمة مائتان، وهي ثلث الستمائة، فيكون أكثر أجرًا من الأُحُديّ. وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبيّ وَل في قتال الكفّار، وكان مبدأ اشتهار الإسلام، وقوّة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعًا، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل. والله أعلم. واختار ابن عبد البرّ أن المراد بنقص أجرٍ من غنم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على مافاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بماله، فكان الأجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر، ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدّم ذكره. وذَكَرَ بعض المتأخّرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو حكمة لطيفة بالغةً، وذلك أن اللَّه أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات: دنيويتان، وأخرويّة، فالدنيويتان السلامة، والغنيمة، والأخرويّة دخول الجنّة، فإذا رجع سالمًا غانمًا، فقد حصل له ثلثا ما أُعدّ اللَّه له، وبقي له عند اللّه الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوّضتك عنه ثوابًا، وأما الثواب المختصّ بالجهاد فهو حاصل للفريقين معًا، قال: وغاية ما فيه عدّ ما يتعلّق بالنعمتين الدنيويتين أجرًا بطريق المجاز. والله أعلم. ذكر هذا (١) - هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الأولى: ((واستلابها)). والله تعالى أعلم. ١٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ التحقيق بطوله ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٢٣/١٤ و٣١٢٤ و٣١٢٥ و٣١٢٨/١٦ (كتاب الإيمان وشرائعه) ٥٠٣٠/٢٤ و٥٠٣١ و((الكبرى))٤٣٣٠/١٢ و٤٣٣١ و٤٣٣٢ و((كتاب الإيمان وشرائعه)) ١١٧٦٠/٢٤ و١١٧٦١. وأخرجه (خ) في ((الإيمان))٣٦ و((الجهاد))٢٧٨٧ و٢٧٩٧ و٢٩٧٢ و((فرض الخمس))٣١٢٣ و((التوحيد)» ٧٤٥٧ (م) في ((الجهاد)»١٨٧٦ (ق) في ((الجهاد))٢٧٥٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين»٧١١٧ و٨٩٢٣ و١٠٠٣٥ (الموطأ) في ((الجهاد)»٩٧٤ (الدارميّ) في ((الجهاد))٢٣٩١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(٢): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو ما تكفّل الله عز وجل لمن يجاهد في سبيله. (ومنها): اشتراط إخلاص النية للحصول على هذا الفضل العظيم، فمن لم يبتغ بجهاده وجهه سبحانه وتعالى لا ينال فضل المجاهد في سبيله. (ومنها): عظم ثواب من لم يغنم في جهاده، حيث إنه يحصل الأجر كاملاً، بخلاف من غَنِمَ، فإنه ينقص من أجره ما حصل له من الغنيمة. (ومنها): أن الفضائل لا تدرك دائمًا بالقياس، بل هي بفضل الله تعالى. (ومنها): أن فيه استعمال التمثيل في الأحكام. (ومنها): أن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها، وإنما تحصل بالنيّة الخالصة إجمالاً وتفصيلاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣١٢٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((انْتَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لِمَنْ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْإِيمَانُ بِي، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ، أَنَّهُ ضَامِنٌ (١) - ((فتح)٩ ٦ / ٨٣ - ٨٥. (٢) - هذه الفوائد متعلّقة بأحاديث أبي هريرة الثلاثة المذكورة في الباب، لا بالحديث الأول فقط، فتنبه . ١٦٥ ١٤ - (بأبُ مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ عز وجل ... - حديث رقم ٣١٢٤ حَتَّى أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، بِأَيْهِمَا كَانَ، إِمَّا بِقَتْلِ، أَوْ وَفَاةٍ، أَوْ أَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَتِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، قَالَ مَا قَالَ(١) مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((الليث)): هو ابن سعد. و((سعيد)): هو المقبريّ. و((عطاء ابن ميناء)): هو أبو معاذ المدنيّ، صدوق [٣]٩٦٧/٥٢. وقوله: ((انتدب اللّه)): أي تكفّل الله. وقيل: سارع بثوابه، وحسن جزائه. وقيل: بمعنى أجاب إلى المراد، ففي ((الصحاح)): ندبت فلانًا، فانتدب: أي أجاب إليه. وقوله: ((لا يُخرجه إلا إيمان بي)» فيه التفاتٌ، وفيه انتقالٌ من ضمير الحضور إلى ضمير الغيبة. وقال ابن مالك: فيه حذف القول، والاكتفاء بالمقول، وهو سائغ شائعٌ سواء كان حالاً، أو غير حال، فمن الحال قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ﴾ [غافر: ٧]، أي قائلين ربنا، وهذا مثله، أي قائلاً لا يُخرجه إلخ. قاله في ((الفتح))(٢). وقال السنديّ: قوله: ((لا يُخرجه إلا إيمان بي)): هذا من كلامه تعالى، فلا بدّ من تقدير القول ههنا، أي قائلاً: لا يُخرجه، وهو حال من فاعل ((انتدب))، أو تقدير ما يؤذي مؤداه أول الكلام، والمعنى سمعت رسول اللّه وَ له يقول حاكيًا عن اللّه انتدب، أو يقول: قال الله تعالى: انتدب اللَّه، ونحو ذلك، فيكون من باب وضع الظاهر موضع الضمير، وأصله انتدبتُ، وهذا في كلامه تعالى كثير، ويكون قوله: إلا الإيمان بي من باب الالتفات انتهى كلام السنديّ. وفيه دليلٌ على أنه لا يحصل هذا الثواب إلا لمن صحّت نيته، وخلصت من شوائب إرادة الأغراض الدنيويّة، فإنه ذُكر بصيغة النفي والإثبات المقتضيين للحصر. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى(٣). وقوله: ((إنه ضامنٌ)) أي ذلك الخارج ذو ضمان، أو مضمون. قال ابن دقيق العيدقيل: إن فاعلاً هنا بمعنى مفعول، كما قيل: في ﴿مَِّ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، و﴿عِيشَةٍ زَاضِيَةٍ﴾، أي مدفوق، ومرضيّة، على احتمال هاتين اللفظتين لغير ذلك. وقد يقال: إن ((ضامنا)) بمعنى ذي ضمان، كلابن، وتامر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما نُسب إليه لتعلّقه به، والعرب تضيف لأدنى ملابسة انتهى(٤). (١) - وفي نسخة: ((يخرُج مع ما نال)). (٢) - ((فتح٧ ٦ / ٨٢. (٣) - ((إحكام الأحكام ٥٠٦/٤ بسنخة حاشية ((العدّة)). (٤) - ((إحكام الأحكام)) ٤/ ٥٠٧ . بسنخة الحاشية. ١٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ وقوله: ((حتى أدخله الجنة)) بضم أوله، من الإدخال. والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٢٥- (أَخبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمَسَيَّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ (١) فِي سَبِيلِهِ (٢)، بِأَنْ يَتَوَفَّهُ(٣)، فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوَ يَرْجِعَةُ سَالِمًا بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو ابن عثمان، ووالده عثمان بن سعيد الحمصيّان، فقد تفرّد بهما المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وهما ثقتان. و((شُعيب)): هو ابن أبي حمزة. وقوله: ((والله أعلم بمن يجاهد في سبيل اللّه)): إنما أتى بهذه الجملة المعترضة إشارةً إلى أن الأجر إنما هو لمن أخلص جهاده للّه تعالى، لا لمن يظهر منه عند الناس أنه مجاهد، ولیس عند الله بمجاهد. وقوله: ((كمثل القائم الصائم)) وفي الرواية الآتية -٣١٢٨/١٦ -: ((كمثل الصائم القائم الراكع الساجد)). ولمسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َّه: ((كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة، ولا صيام)). وفي ((الموطإ))، وابن حبّان: ((كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام، ولا صلاة حتى يرجع)). ولأحمد، والبزار من حديث النعمان بن بشير، مرفوعًا: ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره، والقائم ليله)). وشبّه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل اللَّه في نيل الثواب في كلّ حركة وسكون؛ لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة، فأجره مستمرّ، وكذلك المجاهد لا تَضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب؛ لما تقدّم من حديث: ((إن المجاهد لتَسْتَنُّ فرسه، فيُكتب له حسنات))، وأصرح منه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا (١) - وفي نسخة: ((للمجاهدين)). (٢) - وفي نسخة: ((في سبيل اللّه)). (٣) - وفي نسخة: ((أن يتوفّى)). ١٥- (بَأَبُ ثَوَاب السَّرِيَّةِ التِّي تُخْفِقُ) - حديث رقم ٣١٢٦ ١٦٧ == يُصِيبُهُمْ ظَمَأُ وَلَا نَصَبُّ﴾ الآيتين [التوبة: ١٢٠](١). وقوله: ((وتوكّل اللَّه إلخ)) هو بمعنى ((تكفّل اللَّه))، و((انتدب اللَّه)) في الروايتين السابقتين . وقوله: ((بأن يتوفّه، فيُدخله الجنة)) أي بغير حساب ولا عذاب، أو المراد أن يدخله الجنّة ساعةَ موتِهِ، كما ورد ((أن أرواح الشهداء، تسرح في الجنّة)). وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالمًا؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنّة، ومُحَصَّلُ الجواب أن المراد بدخول الجنّة دخولٌ خاصّ. قاله في ((الفتح)). وقوله: ((أو يَرْجعه)): أي يرُدّه. وهو بفتح حرف المضارعة، من رجع، وهو يتعدّى، ويلزم، يقال: رجع من سفره، وعِن الأمر يرجع رَجْعًا، ورُجُوعًا، ورُجْعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السّكّيت: هو نقيض الذَّهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة الْفُصْحَى، فيقال: رجعته عن الشيء، وإليه، ورجعتُ الكلام وغيره: أي رددتُه، وبها جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]. وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف. قاله الفيوميّ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إذا عرفت هذا، فالمناسب هنا المتعدّي؛ لعمله في ضمير ((المجاهد))، وهو منصوب عطفًا على ((يدخله)). والله تعالى أعلم. وقوله: ((بما نال)) الباء بمعنى ((مع))، أي مع مانال. والحديث متفق عليه، وسبق تخريجه في الحديث الأول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٥ - (بَابُ ثَوَابِ السَّرِيَّةِ الَّتِي تُخْفِقُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السريّة)) - بفتح السين، وكسر الراء، وتشديد الياء - : هي طائفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعَث إلى العدوّ، وجمعها السرايا، سُمّوا (١) - ((فتح" ٦/ ٨٢. ١٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصةً العسكر، وخيارهم، من الشيء السّريّ، وهو النفيس. وقيل: سُمّوا بذلك لأنهم يَنفُذُون سرًّا وخُفيةً، وليس بالوجه؛ لأن لام السرّ راء، وهذه ياء. قاله ابن الأثير(١) . و(تُفق)) بضمّ حرف المضارعة، من الإخفاق، رباعيًّا. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: الإخفاق أن يغزوا، فلا يغنموا شيئًا، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل فقد أخفق، ومنه أخفق الصائد: إذا لم يقع له صيد انتهى (٢) . والله تعالى أعلم بالصواب. ٣١٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيِدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، وَذَكَرَ آخَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو هَانِي الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ بِهِ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- ((محمد بن عبد الله بن يزيد)»، ٢- و(«أبوه)) تقدّما قبل بابين. ٣- (حيوة) بن شُريح بن صفواب التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبت فقيه زاهد [٧]٤٧٨/١٧ . [تنبيه]: قوله: ((وذكر آخر)) الضمير لعبد الله بن يزيد، أي ذكر عبد الله بن يزيد في هذا السند مع حيوة رجلاً آخر، والظاهر أنه ابن لهيعة؛ لأن المصنّف لا يصرّح باسمه؛ لضعفه عنده كما تقدم البحث فيه مستوفى في مقدمة هذا الشرح. والله تعالى أعلم. ٤- (أبو هانىء الْخَوْلانيّ) حُميد بن هانىء المصريّ، لا بأس به [٥]١٢٨٤/٤٨. ٥- (أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) عبد الله بن يزيد المصريّ المذكور قبل بابين. ٦- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما١١١/٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحیح، غیر شيخه فقد تفرد به هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمصریین غیر شیخه، (١) - ((النهاية في غريب الحديث)) ٣٦٣/٢. (٢) - ((شرح صحيح مسلم٤ ١٣/ ٥٤ . ١ ١٦٩= ١٥- (بَأَبُ ثَوَاب السَّرِيَةِ التِّي تُخْفِقُ) - حديث رقم ٣١٢٦ وشيخ شيخه، فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي عبد الرحمن الحبليّ رحمه الله تعالى، أنه قال (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو) ابن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ) (من)) زائدة، و((غازية)) صفة لموصوف محذوف، تقديره: ما من جماعة، أو سريّة، أو طائفة غازية (تَغْزُو) أعاد الضمير هنا مؤنثًا، مفردًا نظرًا للفظ ((غازية)) (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً) أعاد الضمير هنا مذكّرًا جمعًا؛ نظرًا لمعنى ((غازية))؛ لأنها بمعنى ((جماعة))، أو طائفة، أو سريّة، كما سبق آنفًا (إِلَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ) بكسر الخاء المعجمة (وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيْمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ))) قال النوويّ رحمه اللَّه تعالى: ما حاصله: إِنَّ الصواب في معنى الحديث أن الغُزاةَ إذا سَلِموا، أو غَنِموا يكون أجرهم أقلّ من أجر من لم يَسلّم، أو سَلِمَ، ولم يَغنَم، وأن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم، فقد تعجّلوا ثلُثي أجرهم المترتّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله: ((منا من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهَدبها)). أي يجتنيها، فهذا الذي ذكرناه هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريحٌ صحيحٌ يُخالف هذا، فتعيّن (١). حمله على ما ذكرنا انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم استشكال بعضهم هذا الحديث بأنه يخالف حديث أبي هريرة تَّه السابق في الأبواب الماضية، وفيها: ((أو أرجعه بما نال من أجر، أو غنيمة))، حيث إن ظاهره يدلّ على أن الأجر تام، لا نقص فيه، سواء كان معه غنيمة، أم لا؟. وتقدّم الجواب عنه مفصّلاً مطوّلاً في شرح الحديث المذكور، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٢٦/١٥- وفي ((الكبرى))٤٣٣٣/١٢. وأخرجه (م) في (١) - ((شرح مسلم)٩ ١٣/ ٥٤ . ١٧٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ((الجهاد))١٩٠٦ (د) في ((الجهاد))٢٤٩٧ (ق) في ((الجهاد))٢٧٨٥ (أحمد) في ((مسند المكثرين))٦٥٤١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ثواب السريّة التي تغزو، ولا تغنَم، وذلك أنه يعطى لها أجرها كاملاً، من غير أن ينقص شيئًا. (ومنها): من غزا، وغنم له ثلث الأجر، وتكون الغنيمة مقابلة بثلثي الأجر. (ومنها): أن فيه رفعًا لهمة المجاهد عن أن يخطر في باله حصول شيء من الغنيمة، حيث إنه ينقص به أجره الأخرويّ، وأهمّ ما عند العاقل آخرته، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]، وقال عز وجل: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍ﴾ الآية [النحل: ٩٦]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٢٧ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِِّّ، فِيمَا يَحْكِیهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي، ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أَرْجِعَهُ، إِنْ أَرْجَعْتُهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَإِنْ قَبَضْتُهُ غَفَرْتُ لَهُ، وَرَحِمْتُهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ [١١] ١٢٢ /١٧٤ . و((حجّاج)): هو ابن المنهال الأنماطيّ، أبو محمد السلميّ مولاهم، البصريّ، ثقة فاضل [٩] ١٩ / ٩٠١. و (يونس)): هو ابن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] ١٠٩/٨٨ . و((الحسن)): هو البصريّ. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٥/ ٣١٢٧- وفي ((الكبرى)) ٤٣٣٤/١٢. وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٥٩٤١ . وقوله: ((في سبيل اللَّه)) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: ((في سبيلي)). ١٦- (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ) - حديث رقم ٣١٢٨ ١٧١- وقوله: ((ابتغاء مرضاتي)) منصوب على أنه مفعول من أجله، أي لأجل طلب رضاي. وقوله: ((أن أرجعه إن أرجعته)): ((أن)) الأولى مفتوحة مصدريّة، والفعل بضم أوله من الإرجاع رباعيًّا بدليل ما بعده، ويحتمل أن يكون بفتحه ثلاثيًّا، وهو الأفصح كما تقدّم البحث عنه، وهو في تأويل المصدر مفعول ((ضمن))، و((إن)) الثانية مكسورة؛ لأنها شرطيّة، وجملة الشرط معترضة بين العامل، وهو ((أرجعه))، ومعموله، وهو قوله: ((بما أصاب الخ)). وهذا الوجه هو الواضح، وفي بعض النسخ حذف ((أن أرجعه))، وفي بعضها: ما لفظه: ((أرجعته، أرجعنه))، وكلها لا وجه لها، إلا بتكلّف. ونصّ ((الكبرى)): ((ضمنت له إن أرجعته، أن أرجعه بما أصاب الخ))، وعليه ف((إن)) الأولى شرطية، و((أن ((الثانية مصدريّة، وهو واضح. وتمام شرح الحديث يعلم من شرح حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه السابق في -٣١٢٣/١٤ فإنه بمعناه، فليُراجَع هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٦- (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وفي نسخة: ((مثل المجاهدين في سبيل الله)). ٣١٢٨- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْخَاشِعِ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: ((مثل المجاهد الخ)) المراد ما دام في الجهادز والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل باب ١٤/ ٣١٢٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ١٧ - (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((یعدل)) بكسر الدال، من باب ضرب: أي يماثله، يقال: عَدَلتُ هذا بهذا عَذْلاً، من باب ضَرَبَ: إذا جعلته مثله، قائمًا مَقّامه، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وعِدْلُ الشيء بالكسر مثله من جنسه، أو مِقْدارِهِ، وبالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية [المائدة: ٩٥]. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣١٢٩- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَصِيْنٍ، أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: دُلِّنِّي عَلَى عَمَلِ، يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: ((لَا أَجِدُهُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ، إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ، تَدْخُلُ مَسْجِدًا، فَتَقُومُ لَا تَقْتُرُ، وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟))، قَالَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عبيدالله بن سعيد) أبو قُدَمة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت سني [١٠] ١٥/ ١٥ . ٢- (عقّان) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠]٤٢٧/٢١. [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)): ((حماد)) بدل ((عفّان))، وهو غلط فاحش، والصواب ما هنا، وهو الذي في النسخة ((الهندية))، و((تحفة الأشراف)) ٤٣٦/٩. فتنبه. والله تعالى أعلم. ٣- (همّام) بن يحيى الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧] ٤٦٥/٥. ٤- (محمد بن جُحَادة) -بضمّ الجيم، وتخفيف المهملة -: هو الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧٣٦/٤٨ . ٥- (أبو خَصِين) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين -: هو عثمان بن عاصم بن ١٧٣ === ١٧ - (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ... - حديث رقم ٣١٢٩ حَصِين الأسديّ الكوفي، ثقة ثبت سنّيّ، ربما دلّس [٤]١٥٢/١٠٢. [تنبيه]: هذا الضبط الذي ذكرته في ((أبي حَصِين)) هو الصواب، فما وقع في نسخ ((المجتبى المطبوعة من ضبطه بالقلم بضم الحاء، وفتح الصاد، مصغّرًا، فغلطً، فتنبه. والله تعالى أعلم. ٦- (ذكوان) أبو صالح السمّان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣]٤٠/٣٦. ٧- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه كما مرآنفًا. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. وفيه أبو هريرة تَظّه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، أنه قال (جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: دُلِّنِي عَلَى عَمَلِ، يَعْدِلُ) بكسر الدال، كما تقدّم تحقيقه في شرح الترجمة (الْجِهَادَ) بالنصب مفعول به لما قبله (قَالَ: ((لَا أَجِدُهُ) هذا جواب من النبيّ ◌َّهِ، أي لا أجده مع أنك تستطيعه. وقوله (هَلْ تَسْتَطِيعُ) كلام مستأنف، ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه بلفظ: ((قيل: ما يعدِلُ الجهاد؟، قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرّتين، أو ثلاثة، كلّ ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مثلُ المجاهد في سبيل الله ... )) الحديث. وأخرج الطبراني نحو هذا الحديث من حديث سَهْل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، وقال في آخره: ((لم يبلغ العشر من عمله)) (إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ، تَدْخُلُ مَسْجِدًا، فَتَقُومُ) أي بالصلاة (لَا تَفْتُرُ) من باب نصر: أي تديم القيامَ من غير فُتُور، والجملة في محلّ نصب على الحال. يعني لا تنقطع عن الصلاة، بل تصلّي بالاستمرار ليلاً ونهارًا، والمراد الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، فلا يشمل أوقات النهي، فتنبه (وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟))) أي في وقت الإفطار، وهو الليل، وليس المراد أن يواصل الصوم ليلاً ونهارًا، بل المراد وقت الصوم، وهو النهار، وكذا لا يشمل الأوقات التي نُهي الصوم فيها، كأيام العيد، والله تعالى أعلم (قَالَ) ذلك السائل (مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟) ((من)) استفهامية، والاستفهام إنكاريّ، أي لا أحد يستيطع ما ذكرته، من مواصلة القيام، والصيام دائمًا. وفي رواية ١٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان: ((قال: لا أستطيع ذلك)). وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل اللّه، تقتضي أن لا يعدل الجهاد شيء من الأعمال. لكن يعارضه ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((ما العمل في أيام، أفضلَ منها في هذه))- يعني أيام عشر ذي الحجة-، قالوا: ولا الجهاد؟، قال: ((ولا الجهاد، إلا رجل خرج، يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء)). ویمکن أن یجاب بأن عموم حديث الباب خُصّ بما دلّ عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أو يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصًا بمن خرج قاصدًا المخاطرة بنفسه وماله، فأصيب، كما بينه قوله: ((خرج يُخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشي))، فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة. لكن يُشكل عليه ما تقدّم في حديث أبي هريرة ◌َّ: ((وتوكّل اللَّه للمجاهد ... )) الحديث . ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أوّلاً خاصّ بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجرٌ في الجملة، كما تقدّم تحقيقه في شرح حديث أبي هريرة رَزع المذكور. وأشدّ مما تقدّم في الإشكال ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وأحمد، وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء تنظيم ، مرفوعًا: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند ملیککم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب، والورِقٍ، وخير لكم من أن تلقّوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟))، قالوا: بلى، قال: ((ذكر اللَّه)). فإنه ظاهرٌ في أن الذكر بمجرّده أفضل، من أبلغ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق، مع ما في الجهاد، والنفقة من النفع المتعدّي. ذكره في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر هذا الاستشكال الحافظ في ((الفتح))، ولم يُجب عنه. والذي يظهر لي أن حديث الجهاد يرجح على حديث الذكر؛ لأنه متفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر حديث الباب: ما نصّه: قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد لَيَستنّ في ◌ِوَله، فيُكتب له حسنات)). وقوله: ((يستنّ)) أي يَمْرَح بنشاط، (١) - ((فتح٦٩ / ٨٠/٧٩. ١٧٥ ١٧- (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... - حديث رقم ٣١٢٩ وقال الجوهريّ: هو أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا، وقال غيره: أن يلج في عَذْوه، مقبلاً، أو مدبرًا، وفي المثَلِ: ((استنّت الفصال حتى القَرْعَى))(١)، يُضرب لمن يتشبّه بمن فوقه. وقوله: ((في ((طوله)) بكسر المهملة، وفتح الواو: هو الحبل الذي تُشدّ به الدّابَة، ويُمسَك طرفه، وتُرسل في المرعى. وقوله: ((فيُكتبُ له حسناتٍ)) بنصب ((حسنات)) على أنه مفعول ثان، أي يكتب له الاستنان حسنات. قاله في ((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٢٩/١٧- وفي ((الكبرى))٤٣٣٦/١٤. وأخرجه (خ) في («الجهاد والسير »٢٧٨٥ (م) في ((الجهاد))١٨٧٨ (ت) في ((فضائل الجهاد))١٦١٩ (أحمد) في باقي مسند المكثرين»٨٣٣٥ ٩١٩٧ ٢٧٢٠٨ و٩٦٠٤ ٩٦٧٤ (الموطأ) في ((الجهاد)» ٩٧٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يَعدِل الجهاد في سبيل الله عز وجل، ووجه ذلك أن الحديث فيه بيان أن الجهاد لا يعادله شيء من الأعمال، وهو مقيّد بما بعد الإيمان بالله ورسوله بَله، بدليل حديث أبي ذرّ، وأبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهما الآتيين بعد هذا. (ومنها): ما قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إن حديث الباب اشتمل على تعظيم أمر الجهاد؛ لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال، قد عدلها كلها الجهاد، حتى صارت جميع حالات المجاهد، وتصرّفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة، وغيرها، ولهذا قال ◌َله: ((لا تستطيع ذلك)). (ومنها): أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسانٌ من الله تعالى لمن شاء. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا؛ لما تقدّم تقريره. وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر (١) جمع قَرِيع بفتح، فكسر، وهو الفصيل، كما في ((القاموس)). (٢) - ((فتح ) ٦ / ٨٠. ١٧٦ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ودَخضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٣٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَّةُ، عَنْ أَبِي مُّرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللّهِ وَ، أَّ الْعَمَلِ خَيْرٌ؟، قَالَ: ((إِيمَانْ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِيَ سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم) المصري الثقة الفقيه [١١]١٦٦/١٢٠. ٢- (شعيب) بن الليث بن سعد المصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار[١٠]١٢٠/ ١٦٦ . ٣- (الليث) بن سعد إمام أهل مصر الحجة الثقة الثبت [٧]٣٥/٣١. ٤- (عبيدالله بن أبي جعفر) يسار، أبو بكر المصريّ الفقيه الثقة [٥]٢٥٨٥/٨٣ . ٥- (عروة) بن الزبير بن العوام المدني الفقيه الثقة الثبت [٣]٤٠ /٤٤. ٦ - (أَبو مُرَاوِح) -بضمّ الميم، بعدها راء خفيفة، وكسر الواو، بعدها مهملة- اسمه سعد- الغفاريّ، أو الليثيّ المدنيّ، قيل: له صحبة، وإلا فبصريّ ثقة [٣]٢٣٠٣/٥٧. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): زاد مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: ((الليثيّ))، ويقال: له أيضًا: ((الغفاريّ))، وهو مدنيّ، من كبار التابعين، لا يعرف اسمه، وشذّ من قال: اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبيّ وَّ، ولم يره(٢). وقال في ((الفتح)) أيضًا: وفي الصحابة أبو مراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقدًا، وعزاه لأبي داود. (٣). ٧- (أبو ذرّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه ٢٠٣/ ٣٢٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عروة، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين في نسق واحد: عبيدالله بن أبي جعفر، (١) - ((فتح" ٦ / ٨٠. (٢) - ((فتح )٤٤٩/٥ ((كتاب العتق)). (٣) - ((فتح ٤٤٩/٥٧. ١٧٧ == ١٧ - (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ... - حديث رقم ٣١٣٠ وعروة، وأبو مراوح، وقد أخرجه مسلم من رواية الزهريّ، عن حبيب مولى عروة، عن عروة، فصار عنده في الإسناد أربعة من التابعين. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقع في رواية الإسماعيليّ، من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام -يعني ابن عروة- أخبرني أبي، أن أبا مراوح أخبره. وذكر الإسماعيليّ عددًا كثيرًا نحو العشرين نفسًا، رووه عن هشام بهذا الإسناد، وخالفهم مالك، فأرسله في المشهور عنه، عن هشام، عن أبيه، عن النبيّ ◌َطاهر. ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ، وطائفة عنه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. ورواه سعيد بن داود، عنه، عن هشام كرواية الجماعة. قال الدارقطنيّ: الرواية المرسلة عن مالك أصح، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة انتهى (١) والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي ذَرِّ) جندب بن جُنادة رضي اللّه تعالى عنه. وفي رواية يحيى بن سعيد المذكورة: ((أن أبا ذرّ أخبره)) (أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ بِهَ، أَّ الْعَمَلِ خَيْرٌ؟) وفي رواية البخاريّ: ((أي العمل أفضل؟)). أي أكثر ثوابًا عند اللَّه تعالى (قَالَ) وَ ((إِيمَانْ بِاللَّهِ) عز وجل، فيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد -كما قال النوويّ- الإيمان الذي يُدخل به في ملّة الإسلام، وهو التصديق بالقلب، والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان هنا الأعمال بسائر الجوارح، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والجهاد؛ لكونه جُعل قسيمًا للجهاد. والله تعالى أعلم (وَجِهَادٌ) الواو هنا بمعنى ((ثُمّ))، كما قاله ابن حبّان، وهو كذلك في حديث أبي هريرة رَّهِ الآتي بعد هذا(فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي لإعلاء كلمته. وروية المصنّف هذه مختصرة، وقد رواه البخاريّ بتمامه في ((كتاب العتق))، فقال: ٢٥١٨- حدثنا عبيدالله بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُرّاوح، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: سألت النبي وَّر، أيُّ العمل أفضل؟، قال: ((إيمان باللّه، وجهاد في سبيله))، قلت: فأي الرقاب أفضل؟، قال: ((أعلاها (٢) ثمنا، وأنفسها عند أهلها))، قلت: فإن لم أفعل؟، قال: ((تعين ضائعا، أو تصنع لأخرق))، قال: فإن لم أفعل؟، قال: ((تدع الناس من الشر، فإنها صدقة، تَصَدَّقُ بها على نفسك)) انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) - ((فتح ٤٤٩/٫٥٤ . (٢) بالعين المهملة في رواية الأكثر، وبالغين المعجمة عند الكشميهني والنسفي. أفاده في ((الفتح)) ١٥ ٤٤٩ . (٣) - ((صحيح البخاري)) ٤٤٨/٥ بنسخة ((الفتح)). ١٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي ذرّ رضي اللَّه تعالى عنه متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٣٠/١٧- وفي («الكبرى»٤٣٣٧/١٤. وأخرجه (خ) في ((العتق))٢٥١٨ (م) ((الإيمان))٨٤ (أحمد) في ((مسند الأنصار)» ٢٠٨٢٤ و ٢٠٩٣٨ و٢٠٩٨٩ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل، ووجه ذلك أن الحديث بيّن أنه لا يفضل الجهاد في سبيل الله عز وجل شيء بعد الإيمان بالله تعالى. (ومنها): فضل الإيمان بالله تعالى، وأنه لا عمل للعبد أفضل منه على الإطلاق. (ومنها): أن فيه بيان تفاوت الأعمال الصالحة، وأن بعضها لا يعادله شيء من الأعمال على الإطلاق، وبعضها يفضل معظم أفعال العبد . وقد تقدّم البحث في الجمع بين الروايات المختلفة في تفضيل الأعمال بما فيه الكفاية في ((كتاب الحجّ)) ٢٦٢٤/٤ - ((باب فضل الحجّ))- فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٣١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟َ، قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ: ((حَجِّ مَبْرُورٌ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الحج)) - ٤/ ٢٦٢٤ - باب ((فضل الحج)) رواه المصنف عن شيخه محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. وتقدّم هناك شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - وفي نسخة: ((ثنا)). ١٧٩ = ١٨ - (دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل الله ... - حديث رقم ٣١٣٢ ١٨ - (دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل) ٣١٣٢ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿إِّ، قَالَ: ((يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»، قَالَ: فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: أَعِذْهَا عَلَيَّ،َ يَا رَسُولُ اللَّهِ، فَفَعَالَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((وَأَخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ، مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلُ دَرَجَتَيْنٍ، كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))، قَالَ: وَمَا هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (الحارث بن مسكين) المصريّ الفقيه الثقة [١٠]٩/٩. ٢- (ابن وهب) عبد الله المصري الثقة العابد الحافظ [٩]٩/٩. ٣- (أبو هانىء) حميد بن هانىء المصري، تقدم قبل بابين. ٤- (أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) عبد الله بن يزيد المصري تقدّم قبل بابين. ٥- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سِنّان الصحابي ابن الصحابي رضي اللَّه تعالى عنهما ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله کلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، غير أبي سعيد، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدري تَّه ، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) من الأحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) سعد بن مالك رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ، قَالَ: ((يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا) منصوب على التمييز، أي من حيث كونُهُ ربًّا، أي من رضي بربوبيته على وفق قضائه وقدره، من خيره وشرّه، وحُلْوه، ومرّه (وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا) أي من حيث الدين، أي رضي بشرائعه، وأحكامه، من المأمورات ١٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ والمنهيّات (وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) أي من حيث كونه رسولاً، أي رضي برسالته الموجبة لمتابعته في أقواله، وأفعاله، وأحواله. قال صاحب ((التحرير)): معنى رضيتُ بالشيء، قنِعتُ به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير اللّه تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد رَّةٍ(١) (وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) أي ثبتت، وتحقّقت، وعبّر بالماضي مبالغةً في تحقّق وقوعها. وفيه فضل عظيم لمن اتّصف بالرضى المذكور، حيث وجبت له الجنّة، وذلك لأن رضا العبد بهذه المذكورات دليل على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة الإيمان قلبه، فتسهل عليه الطاعات، وتلذّ له، ولذلك قال وَ لغيره كما في حديث العبّاس بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه الذي أخرجه مسلم في ((صحيحه)): ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبِالإسلام دينًا، وبمحمد ﴿ رسولاً))(٢). (قَالَ: فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: فعجبت لها. أي عجب أبو سعيد الخدريّ تَي لأجل هذه الكلمات، أو لهذه القضيّة (قَالَ: أَعِذْهَا عَلَيَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ) أي فأعادها بَِّ عليه مرّةً ثانيةً (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَّهِ: (وَأُخْرَى) يحتمل أن يكون مرفوعًا، مبتدءًا خبره محذوف، أي عندي خصلة أخرى، وأن يكون مفعولاً لفعل محذوف، أي أعلّمك خصلة أخرى. وقال الطيبيّ: ((أخرى)) صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ، وقوله: ((يُرفع)) خبره، أو منصوب على إضمار فعل، أي ألا أبشّرك بشارةً أخرى، وقوله: ((يُرفع)) صفة، أو حال. وقيل: هناك خصلة أخرى. انتهى. (يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (بَهَا الْعَبْدُ، مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلُ دَرَجَتَيْنِ، كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يحتمل أن هذا على ظاهره، وأن الدرجات هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنّة، كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدّريّ. قال: ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعيم، وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر، ولا بصفة مخلوق، وأن أنواع ما أنعم الله به عليه من البرّ والكرامة يتفاضل تفاضلًاً كثيرًا، ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد. قال القاضي: والاحتمال الأول أظهر. قال النوويّ: وهو كما قال. والله تعالى أعلم. (١) - (شرح النووي على مسلم ٢/ ٢ ((كتاب الإيمان)). (٢) - راجع ((صحيح مسلم)) بشرح النوويّ ٢/٢. ((كتاب الإيمان)).