النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١ ==
٨- (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... - حديث رقم ٣١١٢
روى عن أبي هريرة ◌َّه . وعنه صفوان بن أبي يزيد، ويقال: ابن يزيد، ويقال:
ابن سليم. ذكره ابن حبان في ((الثقات)) في حُصين، ولَمّا ذكر خالد بن اللجلاج في
((ثقاته)) كناه أبا العلاء، لكن قال فيه، يروي عن عمر، وعدّة، وعنه مكحول، وابن
جابر. قال الحافظ: والظاهر أنه غير هذا. انتهى. تفرّد به المصنّف، أخرج له حديث
الباب فقط .
وقوله: ((ولا يجتمع الشّخّ الخ)) قال الفيوميّ: الشّخّ: البخل، وشخ یشُحَ، من باب
قتَلَ، وفي لغة من بابي ضرَبَ وتَعِبَ، فهو شَحيح، وقومٌ أَشِخَّاء، وأَشِخَّةٌ، وتَشَاحٌ
القومُ بالتضعيف: إذا شخّ بعضهم على بعض انتهى(١).
وقال ابن الأثير: الشُّحُ أشدُّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل
مع الحرص. وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشّحّ عامّ. وقيل: البخل
بالمال، والشحّ بالمال والمعروف انتهى(٢).
والمعنى: لا ينبغي للمؤمن أن يجمع بين الإيمان والشحّ في قلبه؛ إذ الشّحّ أبعد شيء
من الإيمان. أو المراد بالإيمان كماله، كما تقدّم. أو المراد أنه قلّما يجتمع الشخ
والإيمان، واعتَبَر ذلك بمنزلة العدم، وأخبر بأنهما لا يجتمعان، ويؤخذ من الوجهين
الأخيرين ما سيجيء: ((لا يجمع اللَّه في قلب امرىء مسلم الإيمان بالله، والشّخ
جميعًا)). أفاده السنديّ رحمه الله تعالى(٣).
والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١١٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ
اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ الثَِّّ ◌َِّ، قَالَ: ((لَا يَجْتَمِعُ غُبَارَ فِي سَّبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانَ
جَهَنَّمَ،َ فِي وَجْهِ رَجُلٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشِّحُ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبٍ عَبْدٍ أَبَدًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((صفوان بن سُليم)):
هو أبو عبد الله المدنيّ الزهريّ مولاهم، ثقة مفتٍ عابد رُمي بالقدر [٤] ٥٩/٤٧.
و((خالد بن اللجلاج)): هو القعقاع بن اللجلاج المذكور في السند الماضي.
والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
(١) - ((المصباح المنير) في مادة ((شحح.
(٢) - ((النهاية)) ٢ /٤٤٨ .
(٣) - ((شرح السنديّ)) ١٣/٦.

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١١٣- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١)
اللَّيْثُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُّهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ
الْقَعْقَاعِ ابْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّخُ وَالْإِيمَانُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن عامر))، أو عمر الأنطاكيّ، نزيل الرملة،
يقال: إن أصله بغداديّ، ويقال: مِصّيصيّ، ثقة [١١]. تفرّد به المصنّف، وقال: ثقة،
وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، والآتي برقم ٣٩٢١ و٥٢٨٣ .
و((منصور بن سلَمَة)): هو أبو سلمة الخُزَاعيّ البغداديّ، ثقة ثبتٌ حافظ، من
كبار [١٠]٨٧ / ١٣٤٤.
و((ابن الهاد)): هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، الثقة [٥]٧٣ /٩٠.
والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١١٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَرْعَرَةُ بْنُ الْبِرِنْدِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٌّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ: قَالَ: ((لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ،
فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ أَبَدًا»).
قال الجامع عمَّا اللّه تعالى عنه: ((عرعرة)) - بمهملتين، بينهما راء ساكنة، وآخره راء،
ثم هاء- ((ابن الْبِرِند)) - بكسر الموحّدة، وإلراء، بعدها نون ساكنة- ابن النعمان بن عَلجة
الساميّ - بالمهملمة - الناجيّ -بالنون، والجيم- أبو عمرو البصريّ، لقبه كُزْمان -بضمّ
الكاف، وسکون الزاي- وقيل: هو اسم جدّ له، صدوق ◌ِهِم [٨].
قال أحمد: كنّا بالبصرة، وعَرْعَرَة حيّ، فلم نكتب عنه شيئًا. وقال عباس ابن
السنديّ، عن ابن المدينيّ: ضعيف. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره العقيليّ في
((الضعفاء)). قال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٩٢). وفيها أرّخه ابن سعد، وزاد: كان
ابن اثنتين وثمانين سنة. تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى، له عنده حديث الباب فقط.
و((ابن أبي عديّ)): هو محمد بن إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩]١٢٢ /١٧٥.
و((محمد بن عمرو)» هو: ابن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوق، له
أوهام [٦]١٦ / ١٧ .
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٤٣ ==
٨- (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ ... - حديث رقم ٣١١٥
والحديث صحيح، وقد سبق شرحه، وتخريجه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١١٤- (أَخْبَرَنِ شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرِو، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَّ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ، وَلَّا
يَجْتَمِعُ شُخْ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِم)»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((شُعيب بن يوسف)): هو أبو عمرو النسائيّ، ثقة
صاحب حديث [١٠]٤٩/٤٢ من أفراد المصنّف. و((حصين بن اللجلاج)): هو القعقاع
المتقدّم في - ٣١١١ و((خالد)) المذكور في - ٣١١٢ كما سبق بيانه في الحديث ٣١١١.
والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفٍَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: ((لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غُبَارًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانَ جَهَنَّمَّ فِي جَوْفٍ
امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَلَا يَجْمَعُ اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ مُسْلِمِ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَالشُّحَّ جَمِيعًا))).
قال الجّامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن عبد الله بن عبد الحكم)): هو المصريّ
الفقيه الثقة [١١]١٦٦/١٢٠ من أفراد المصنف رحمه اللَّه تعالى. و((شُعيب)): هو ابن
الليث بن سعد المصريّ الفقيه الثقة، من كبار[ ١٠]١٦٦/١٢٠. و((الليث)): هو ابن
سَعْد الإمام المصريّ المجتهد الحجة والد شعيب الراوي عنه[٧]٣٥/٣١. و((عُبيد الله
ابن أبي جعفر)): هو أبو بكر المصريّ، واسم أبيه يسار الثقة الفقيه العابد [٥] ٨٣/
٢٥٨٥. و((أبو العلاء)): هو حصين المذكور في السند الماضي. والحديث صحيح،
وقد سبق البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
٩- (ثَوَابُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ)
٣١١٦- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ
ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: لَحِقَنِي عَبَائَةُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَنَا مَاشٍ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ
خُطَاكَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، سَمِعْتُ أَبَا عَبْسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ: (مَنِ اغْبَرَّتْ
قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١ - (الحسين بن حريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠]٥٢/٤٤.
٢- (الوليد بن مسلم) أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨]
٤٥٤/٥ .
٣- (يزيد بن أبي مريم) ويقال: يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء الأنصاريّ،
أبو عبد الله الدمشقيّ، مولى سهل ابن الحنظليّة، إمام الجامع بدمشق، لا بأس به [٦].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين، ودُحيم: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال
أبو حاتم: من ثقات أهل دمشق. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الدار قطنيّ: ليس
بذاك. وقال دُحيم، وغيره: مات سنة (١٤٤) وقيل: مات بعد سنة خمس وأربعين.
وجزم ابن حبّان بأنه مات سنة خمس. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وله عند المصنّف
في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤- (عَبَاية بن رافع) -بفتح أوّله، والموحدة الخفيفة، بعد الألف تحتانيّة خفيفة - هو :
ابن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاريّ الزُّرقيّ الحارثيّ، أبو رفاعة المدنيّ، نسب لجده
في سند المصنف، ثقة [٣].
ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: يُكنى أبا خديج، مات في ولاية الوليد بن
عبد الملك. أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث ٣١١٦ وحديث في قسم الغنائم ٤٢٩٧ وأعاده برقم
٤٣٩١ وحديث في الصيد ٤٤٠٣ وأعاده برقم ٤٤٠٤ و٤٤٠٩ و٤٤١٠.
٥- (أبو عَبْس) - بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، آخره سين- ابن جبر بن
عمرو بن زيد بن جُشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك
ابن الأوس الأنصاريّ، اسمه عبد الرحمن. وقيل: عبد الله، والأول أصح. قيل: كان

١٤٥
٩- (ثَوَابُ مَن اغْبَرَّتْ قَدمَاهُ فِی سبیل اللهِ﴾ - حدیث رقم ٣١١٦
اسمه في الجاهليّة عبد العزّى. شهد بدرًا، وما بعدها، وكان فيمن قَتَلَ كعب بن
الأشرف. روى عن النبيّ بَلقر. وعنه ابنه زيد، وحفيده أبو عبس بن محمد بن أبي
عبس، وعباية بن رفاعة بن رافع بن خَدِيج. وقيل: إنه كان يكتب بالعربيّة قبل الإسلام.
مات سنة (٣٤) وهو ابن (٧٠) سنة، وصلّى عليه عثمان. ذكره ابن عبد البرّ، وابن
سعد، وابن الْبَرْقي، وابن حبّان، وغيرهم. زاد ابن سعد: آخى النبيّ ◌َّ بينه وبين
حُبيش بن حُذَافة، وكان هو وأبو بُردة يكسران أصنام بني حارثة حين أسلما. وقال ابن
حبّان: كان اسمه معبدًا في الجاهليّة. روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف، وله
عنده حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يزيد بن أبي مريم أنه (قال: لَحِقَنِي عَبَايَةُ بْنُ رَافِع) الأنصاريّ (وَأَنَا مَاشٍ إِلَى
الْجُمُعَةِ) جملة اسميّة في محل نصب على الحال. زاد الإسماعيليّ في روايته: ((وهو
راكب، فقال: احتسب خُطاك هذه)).
ثم إن هذه الرواية صريحة في أن القصّة وقعت بين يزيد بن أبي مريم، وبين عباية بن رفاعة،
وعند البخاريّ من رواية عليّ بن المدينيّ، عن الوليد بن مسلم، قال: حدثني يزيد بن أبي
مريم، قال: حدثنا عَبَاية بن رفاعة، قال: أدركني أبو عَبْسٍ، وأنا أذهب إلى الجمعة، فقال:
سمعت النبيّ وَّ يقول: ((من اغبرّت قدماه في سبيل الله، حرّمه الله على النار)).
فهذه الرواية صريحة في أن القصّة بين عباية بن رفاعة وبين أبي عبس، ويجمع بين
الروايتين بأن القصّة وقعت مرّتين لكلّ واحد منهما. والله تعالى أعلم (١).
(فَقَالَ) عباية بن رفاعة (أَبْشِرْ، فَإِنَّ خُطَاكَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في طاعته، طلبًا
لمرضاته (سَمِعْتُ أَبًا عَبْسٍ) عبد الرحمن بن جبر رضي اللَّه تعالى عنه، وقد تقدم
الخلاف في اسمه قريبًا (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لهَ: مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ) أي أصابها
الغبار، وإنما ذكر القدمين، وإن كان الغبار يعمّ البدن كلّه عند ثورانه؛ لأن كثيرًا من
المجاهدين في ذلك الزمان كانوا مشاةً، والأقدام تتغيّر على كلّ حال، سواء كان الغبار
قويًّا، أو ضعيفًا؛ ولأن أساس ابن آدم على القدمين، فإذا سلمت القدمان من النار سلم
(١) - راجع عمدة القاري)) ٢٩١/٥ - ٢٩٢. و((فتح )٣/ ٥١.

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
سائر أعضائه منها، وكذا الكلام في ذكر الوجه في سبيل الله. أفاده العينيّ(١).
وفي رواية للبخاريّ: ((ما اغبرت قدما عبد))، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة
رضا: ((ساعة من نهار)).
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة الله تعالى، فـ(في)) بمعنى اللام، أو بسبب
إعلاء كلمة الله تعالى، فـ(في)) بمعنى الباء السبية، وهذا كلّه إذا كان المراد بـ((سيل اللَّه))
جهاد الكفّار، وهو المتباردر إلى الذهن.
وقد حمله الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) على عموم أنواع الطاعات،
ولذلك ترجم في ((كتاب الجمعة))- ((باب المشي إلى الجمعة))، ثم أورد حديث أبي عبس
هذا، عملاً بعموم اللفظ، ولأن راوي الحديث استدلّ به على ذلك(٢).
وقال ابن الأثير: وسبيل اللّه عام يقع على كلّ عمل خالص، سُلك به طريق التقرّب
إلى الله تعالى بأداء الفرائض، والنوافل، وأنواع التطوّعات، وإذا أطلق فهو في الغالب
واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه انتهى (٣).
(فَهُوَ) أي ذلك الشخص (حَرَامٌ عَلَى النَّارِ) يعني أنه لا يدخل النار. وفي رواية للبخاريّ:
((ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله، فتمسّه النار)). والمعنى أن المس ينتفي بوجود الغبار
المذكور، وفي ذلك إشارة إلى عظيم قدر التصرّف في سبيل الله، فإذا كان مجرّد مس الغبار
للقدم يحرّم عليها النار، فكيف بمن سعى، وبذل جهده، واستنفد وسعه؟.
وللحديث شواهد: منها: ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي الدرداء،
مرفوعًا: ((من اغبرّت قدماه في سبيل الله باعد الله منه النار مسيرة ألف عام للراكب
المستعجل)). وأخرج ابن حبّان من حديث جابر رَّ أنه كان في غَزَاة، فقال: سمعت
رسول اللّه وَ ليل يقول، فذكر نحو حديث أبي عبس، قال: فتواثب الناس عن دوابهم،
فما رئي أكثر ما شيّا من ذلك اليوم. قاله في ((الفتح)) (٤). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي عبس رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(١) - ((عمدة القاري))٥/ ٢٩٢.
(٢) - ((فتح ٣١/ ٥١ .
(٣) - ((النهاية)) ٣٣٨/٢ - ٣٣٩.
(٤) - ((فتح ٧ ٦ / ١١٠ - ١١١.

١٤٧
١٠- (ثَوَابُ عَيْنِ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... - حديث رقم ٣١١٧
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٧/٩- وفي ((الكبرى))٩/ ٤٣٢٤. وأخرجه (خ) في ((الجمعة)) ٩٠٧
و((الجهاد والسير))٢٨١١ (ت) في ((فضائل الجهاد))١٦٣٢ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)) ١٥٥٠٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثواب من اغبرّت قدماه في
سبيل الله تعالى. (ومنها): فضل الجهاد في سبيل الله تعالى. (ومنها): أن ((سبيل اللَّه))
يعمّ جميع فعل الطاعات، كما هو رأي الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى، حيث إن
الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنه استدلّ بهذا الحديث على فضل المشي إلى الجمعة. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١٠- (ثَوَابُ عَيْنِ سَهِرَتْ فِي سَبِيلٍ
الله عز وجل)
٣١١٧- (أَخْبَرَنَا عِضْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
شُرَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَيْرِ الرُّعَنِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ التُّجِيبِيَّ، أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا رَئِحَانَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَّ اللّهِ بِّهِ يَقُولُ: ((حُرِّمَتْ عَيْنٌ عَلَى النَّارِ، سَهِرَتْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عصمة بن الفضل) أبو الفضل النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقة [١١]١٦١٧/٩ من
أفراد المصنّف، وابن ماجه.
٢- (زيد بن الْحُباب) أبو الحسين الْعُكْليّ الخراسانيّ الأصل نزيل الكوفة، صدوق
يُخطىء[٩]٣٧/٣٣ .
٣- (عبد الرحمن بن شُرَيح) بن عُبيدالله بن محمود الْمَعَافريّ -بفتح الميم،
والمهملة- أبو شُريح الإسكندرانيّ، ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه [٧].

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. زاد أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم:
لا بأس به. وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان كخير الرجال.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وضعَّفه ابن سعد وحده، فقال: منكر الحديث. وقال أبو
حاتم: لا أظنّه أدرك شَرَاحيل. وقال ابن يونس: توفّي بالإسكندريّة سنة (١٦٧) وكان له
عبادة وفضل. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم
-٣١١٧ و٣١٦٢ و٣١٦٣ و٣١٦٧ - .
٤- (محمد بن شُمَير) - بالتصغير-، ويقال: بالمهملة - الرُّعينيّ(١)، أبو الصبّاح
المصريّ، مقبول [٦].
روى عن أبي عليّ التُّجيبيّ، ويقال: الْجَنْبِيّ، ويقال: الهَمْدَانيّ. وروى عنه أبو
شُرَيح عبد الرحمن بن شُريح. وقال أبو حاتم، وابن يونس: روى عن أبي عليّ
الهمدانيّ. وصحّح البخاريّ في ((تاريخه)) أنه محمد بن شُمير، وقال: سمع أبا عليّ
الْهَمْدَانيّ. ولما ذكره ابن حبّان قال: روى عنه المصريّون. وجزم ابن القطّان بأن
عبد الرحمن بن شُريح تفرّد بالرواية عنه، وأنه لا يُعرف، وذكر أنه وقع عند النسائيّ
محمد بن سُمير - بالمهملة -.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: وقع عند النسائيّ بالمهملة فيه نظر؛ لأن نسخ
((المجتبى)) كلها، و((الكبرى)) التي بين يديّ إنما هو بالشين المعجمة، حتى إن الذين
يكتبون بالهامش اختلاف النسخ لم يشيروا إلى وجود نسخة بالمهملة أصلاً. فتبصّر.
والله تعالى أعلم.
وحكى عبد الغنيّ فيه الوجهين. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): محمد بن سُمير،
ويقال: شُمير، ويقال: شِمْر. انتهى. تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى، وله عنه في
هذا الكتاب حديث الباب فقط .
٥- (أبو عليّ التُّجِيبيّ) عمرو بن مالك الهمدانيّ المصريّ، ثقة [٣]١٢٨٤/٤٨.
[تنبيه]: قوله: ((التُّجيبيّ)) هكذا عند المصنّف هنا، وفي ((الكبرى)) بالتاء المثناة فوقُ،
فجيم، فمثناة تحتانية، فموحّدة- والذي في كتب الرجال ((الْجَنْبيّ)) - بجيم مفتوحة،
فنون ساكنة، فموحّدة- والأولى نسبة إلى قبيلة من كندة، وإلى محلّة بمصر. قال في
((اللباب)): هذه القبيلة نزلت مصر، وبالفسطاط محلة تنسب إليهم، يقال لها: تُجيب(٢).
(١) - ((الرُّعَينيّ)) بضم الراء، وفتح العين المهملة، بعدها نون، مصغّرًا -: نسبة إلى ذي رُعَين من
أقيال اليمن. أفاده في ((لب اللباب»١/ ٣٥٥.
(٢) - ((اللباب)»١ /٤٤٨. و((لب اللباب))١/ ١٦٦.

١٤٩ ===
١٠- (ثَوَّابُ عَيْنِ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... - حديث رقم ٣١١٧
والثانية نسبة إلى قبيلة من اليمن. قاله في ((اللبّ))(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إن لم يكن ما هنا تصحيفًا عن الْجَنْبِيّ، يمكن أن
يكون أبو عليّ هذا جَنْبِيًّا، نزل تُجِيب بمصر هو، أو أحد أجداده، فنسب إليها، فيكون
جنبيًّا نسبًا، وتُجِيبِيًّا نسبةً. والله تعالى أعلم.
٦- (أبو رَيْحانة) شَمْعُون بن زيد خُنَافَة الأزديّ، حليف الأنصار، ويقال: مولى
رسول اللَّه ◌َله صحابيٍّ، شَهِدَ فتح دمشق، وكان مُرَابطًا بعسقلان، ويقال: إنه والد
رَيْحَانة سُرّيّة النبيّ بَّر، وقال ابن الْبَزقيّ: أبو ريحانة الأزديّ كان سكن بيت المقدس،
له خمسة أحاديث. وذكره ابن يونس فيمن قدم مصر، قال: ويقال في اسمه: شَمْغُون -
بالغين -يعني المعجمة- وهو أصحّ عندي. قال ضمرة بن ربيعة، عن فروة الأعمى
مولى سعد بن أميّة: ركب أبو ريحانة البحر، وكان يَخيط فيه بإبرة معه، فسقطت إبرته
في البحر، فقال: عزمت عليك يا ربّ إلا رددت عليّ إبرتي، فظهرت حتى أخذها.
قال: واشتدّ عليهم البحر ذات يوم وهاج، فقال: اسكن أيها البحر، فإنما أنت عبدٌ
مثلي، قال: فسكن حتى صار كالزيت. وقال ابن حبّان: أبو ريحانة شمعون، وقيل:
اسمه عبد الله بن النضر، والأول أصحّ، وهو حليف حضرموت. وقال ابن عبد البرّ:
كان من بني قريظة، وكانت ابنته ريحانة سُريّة رسول اللّه وَ له، وكان من الفضلاء
الزاهدين انتهى. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا
الكتاب خمسة أحاديث برقم ٣١١٨ و٥٠٩١ و٥١١٠ و٥١١١ و٥١١٢ . والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات،
غير محمد بن شُمير، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه،
فنيسابوري، ثم بغدادي، وزيد، فخراساني، ثم كوفي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْح) الْمَعافريّ الإِسكندرانيّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَّيْرِ
الرُّعَنْنِيَّ) أبا الصبّاحِ المصريّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيّ النُّجِبِيَّ) عمرو بن مالك (أَنَّهُ سَمِعٌ
أَبَا رَيْحَانَةً) شمعون بن زيد رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ:
(حُرْمَتْ) بالبناء للمفعول، يحتمل أن يكون من حرّمتُ الشيءَ تحريمًا، ويحتمل أن
(١) - ((لب اللباب))٢١٤/١.

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
يكون من حَرَمت فلانًا الشيءِ أَخْرِمه، من باب ضرب، يتعدّى إلى مفعولين، حَرِمًا -
بفتح الحاء، وكسر الراء- وحِزمانًا (عَيْنَ عَلَى النَّارِ، سَهِرَتْ) بكسر الهاء، يقال: سَهِرَ،
من باب فرح: إذا لم يَتَمْ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي لإعلاء كلمة، سواء كان السهر في حراسة
الجيش، أو الثغور، أو في المسير إلى محلّ المعركة، أو في غير ذلك.
والحديث اختصره المصنّف، وقد أخرجه أحمد في ((مسنده)) مطوّلاً، فقال:
١٦٧٦٢- حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح، قال:
سمعت محمد بن سمير الرعيني، يقول: سمعت أبا عامر التجيبي -قال أبي: وقال
غيره: الجنبي، يعني غير زيد أبو علي الجنبي- يقول: سمعت أبا ريحانة، يقول: كنا
مع رسول اللَّه ◌َ ل ﴿ في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شَرَف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد،
حتى رأيت من يَحفِر في الأرض حفرة، يدخل فيها، يُلقي عليه الْحَجَفَة - يعني الترس-
فلما رأى ذلك رسول اللّه وَلّر من الناس، نادى: ((من يَحرُسنا في هذه الليلة؟ وأدعو له
بدعاء)»، يكون فيه فضل، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول اللّه، فقال: ((ادنه))،
فدنا، فقال: ((مَن أنت؟))، فَتَسَمَّى له الأنصاري، ففتح رسول اللَّه وَليل بالدعاء، فأكثر
منه، قال أبو ريحانة: فلما سمعتُ ما دعا به رسول اللَّه وَله، فقلت: أنا رجل آخر،
فقال: ((ادنه))، فدنوت، فقال: ((من أنت؟))، قال: فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء،
هو دون ما دعا الأنصاري، ثم قال: ((حرمت النار على عين دمعت، أو بكت من خشية
الله، وحرمت النار على عين، سَهِرَت في سبيل اللَّه))، -أو قال -: ((حرمت النار على
عين أخرى ثالثة))، لم يسمعها محمد بن سُمَير، وقال غيره -يعني غير زيد -أبو علي
الجنبي. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي ريحانة رضي اللّه تعالى تفرّد به المصنّف
رحمه الله تعالى عنه من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا- ٣١١٨/١٠- وفي
«الكبرى» ٤٣٢٥/١٠ . وهو صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ وفيه محمد بن شُمير، لم يرو عنه غيرُ عبد الرحمن بن
شُريح، فهو مجهول العين؟.
[قلت]: الحديث له شاهد من حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أخرجه
الترمذيّ في ((جامعه)»، فقال:
٣١١٨- حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعيب بن رُزیق
أبو شيبة، حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال:

١١- (فَضْلُ غَدْوَةٍ فِي سَبیل الله عز وجل) - حديث رقم ٣١١٩
١٥١
سمعت رسول اللَّه ◌َلّه يقول: ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله،
وعين باتت تحرس في سبيل اللَّه)).
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان، وأبي ريحانة، وحديث ابن عباس حديث
حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق انتهى. فهذا حديث صحيح
يشهد لحديث أبي ريحانة رضي اللّه تعالى عنه المذكور في الباب، فيصحّ به .
والحديث أخرجه أيضًا (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٧٦٢ (الدارميّ) في
(الجهاد)) ٢٤٠٠
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١- (فَضْلُ غَذْوَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز
وجل)
٣١١٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: «الْغَدْوَةُ،
وَالرَّوْحَةُ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عبدة بن عبد الله) الصفّار الخزاعيّ البصريّ، كوفي الأصل الثقة [١١]١٨/
٨٠٠ .
٢- (حسين بن عليّ) الجعفيّ الكوفيّ العابد الثقة المقرىء [٩]٩١/٧٤.
٣- (زائدة) بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة [٧]٧٤/
٩١ .
٤- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الكوفي الثقة الحجة [٧] ٣٧/٣٣ .
٥- (أبو حازم) سلمة بن دينار التمّار المدنيّ الزاهد [٥]٤٤/٤٠.
٦- (سَهْلِ بْن سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس
الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، تقدم في ٧٣٤/٤٠. والله تعالى
أعلم.

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبصريّ، وأبي حازم، وسهل
فمدنيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْغَدْوَةُ)
بفتح الغين المعجمة، وسكون الدال المهملة: المرّة الواحدة من الغدو، وهو الخروج في
أيّ وقت كان من أول النهار إلى انتصافه (وَالرَّوْحَةُ) بفتح الراء، وسكون الواو أيضًا المرّة
الواحدة، من الزّوَاح، وهو الخروج في أيّ وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (في
سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي في جهاد الكفّار؛ لإعلاء كلمة الله عز وجل (أَفْضَلُ) ولفظ مسلم:
((خيرٌ)) (مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا) قال النوويّ رحمه اللَّه تعالى: معنى هذا الحديث أن فضل
الغدوة، والروحة في سبيل الله، وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلّها لو ملكها إنسانٌ، وتُصوّر
تنعمه بها كلها؛ لأنه زائلٌ، ونعيم الآخرة باق. قال القاضي رحمه اللّه تعالى: وقيل: في
معناه، ومعنی نظائره من تمثیل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خير من الدنيا وما فيها،
لو ملكها إنسانٌ، وملك جميع ما فيها، وأنفقه في أمور الآخرة. قال هذا القائل: وليس تمثيل
الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه. والله أعلم انتهى(١).
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى عند شرح قوله: ((رباط يوم في سبيل الله خير
من الدنيا، وما عليها ... الحديث: ما حاصله: فيه وجهان:
[أحدهما]: أن يكون من باب تنزيل المغيّب منزلة المحسوس، تحقيقًا له، وتثبيتًا في
النفوس؛ فإن ملك الدنيا، ونعيمها، ولذاتها محسوسةً مستعظمة في طباع النفوس،
فحقّق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط، وهو من المغيّبات خير من المحسوسات
التي عهدتموها من لذّات الدنيا.
[والثاني]: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل
الحديث، وما في معناه على أن هذا الذي رُتّب عليه الثواب خير من الدنيا كلها، لو
أُنفقت في طاعة اللّه تعالى، وكأنه قصد بهذا أن تحصل الموازنة بين ثوابين أُخروتِين؛
لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى، ولو على سبيل التفضيل(٢).
(١) - ((شرح مسلم)) ٣٠/١٢.
(٢) - ((إحكام الأحكام)) ٤/ ٥٠٤ بنسخة حاشية العدّة.

١٥٣
١١- (فَضْلُ غَدْوَةِ فِي سَبیل الله عز وجل) - حديث رقم ٣١١٩
قال الحافظ: ويؤيّد الثاني ما رواه ابن المبارك في ((كتاب الجهاد)) من مرسل الحسن،
قال: بعث رسول اللَّه وَل جيشًا، فيهم عبد الله بن رواحة، فتأخّر ليشهد الصلاة مع
النبيّ وَّه، فقال له النبيّ ◌َّل: ((والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت
فضل غَذْوتهم)). انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سهل بن سعد رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١١٩/١١- وفي ((الكبرى))٤٣٢٦/١١. وأخرجه (خ) في («الجهاد
والسير)»٢٧٩٤ و٢٨٩٢ و((الرقاق))٦٤١٥ (م) في ((الجهاد))١٨٨١ و١٨٨٢ (ت) في
((فضائل الجهاد))١٦٤٨ (ق) في ((الجهاد))٢٧٥٦ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥١٣٢
و((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٣٣٧ (الدارميّ) في ((الجهاد)»٢٣٩٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل غدوة في سبيل الله
عز وجل. (ومنها): بيان فضل الروحة أيضًا. (ومنها): أن فيه تسهيل أمر الدنيا،
وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنّة قدر يسير فقد حصل له أمر عظيم من
جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك أن سبب
التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبّه هذا المتأخّر أن هذا القدر
اليسير من الجثّة أفضل من جميع ما في الدنيا. قاله في ((الفتح)) (٢).
(ومنها): أن الدنيا كلها لا توازي شيئًا قليلاً من نعيم الآخرة؛ وفي الحقيقة أنه لا
مقابلة بينهما إلا من باب المجاز، إذ الدنيا بغيضة عند الله تعالى، بل هي ملعونة،
ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالمًا، أومتعلّمًا، والآخرة كلها محبوبة
لله تعالى، دار جزاء عباده المؤمنين الأبرار، فلا خير في الدنيا من حيث هي دنيا، ثم إن
نعيم الجنة خير من نعيم الدنيا من جهة أنه نعيم غير منغَص بالزوال، ولا بمعاداة
الرجال، ولا بالأمراض والأسقام، ولا بالسآمة والمنام، ولا بالهموم والأكدار، ولا
(١) - ((فتح" ٦/ ٩١.
(٢) - ((فتح٤ ٦/ ٩١.

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
بالأضداد والأغيار، بل هي دار أفراح، وأنوار، وسرور متصل وقرار، جعلنا الله تعالى
بفضله من أهل تلك الدار، إنه واسع الفضل والكرم العزيزُ الغفّار. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٢- (فَضْلُ الرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
عز وجل)
٣١٢٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ
بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكِ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْحُبُلِيٌّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الله بن يزيد) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠]١١/١١.
٢- (أبوه) عبد الله بن يزيد، أبو عبد الرحمن المقرىء المكيّ، بصريّ الأصل، أو
الأهواز الثقة الفاضل [٩]٤ / ٧٤٦.
٣- (سعيد بن أبي أيوب) مِقْلاص، أبو يحيى المصريّ الثقة الثبت [٧]١٨٨٠/٢٧.
٤- (شُرحبيل بن شريك المعافريّ) الأَجْرَويّ، أبو محمد المصريّ، ويقال:
شُرَخبيل بن عمرو بن شريك، صدوق [٦].
قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). وقال أبو الفتح الأزديّ: شُرحبيل بن شريك ضعيف.
روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد»، والباقون، سوى ابن ماجه، إلا أن أبا داود
سمّاه في روايته ((شرحبيل بن يزيد)»، قاله في حديثه عن عبد الرحمن بن رافع، عن
عبد الله بن عمرو: ((ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت تِزِياقًا)). قاله أبو داود عن عبيدالله
القواريريّ، عن المقرىء، عن سعيد بن أبي أيوب، عنه. وقد رواه أبو بكر بن أبي
شيبة، وغير واحد، عن المقرىء، فقالوا: شُرَخبيل بن شَرِيك على الصواب.

١٢- (فَضْلُ الرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ ... - حديث رقم ٣١٢٠
=
١٥٥
قال الحافظ: أخشى أن يكون شُرحبيل بن يزيد تصحيفًا من شَرَاحيل بن يزيد؛ لأنه
أيضًا مَعَافريّ، ويروي عن عبد الرحمن بن رافع وغيره، ويروي عنه سعيد بن أبي أيوب
وغيره، ومن الجائز أن يكون الحديث عندهما جميعًا، فأما شرحبيل بن يزيد، فإن كان
محفوظًا، فلا يُدرَى من هو؟ انتهى. وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم
٣٢٣٢ ((إن الدنيا كلها متاع .. )) الحديث.
٥ - (أبو عبد الرحمن الحُبُليّ) عبد الله بن يزيد المعافريّ المصريّ الثقة [٣]١٣٠٣/٦٠.
٦- (أبو أيوب الأنصاريّ) خالد بن زيد بن كُليب رضي اللّه تعالى عنه، تقدم في
٢٠/ ٢٠ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به المصنّف، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل
بالمصريين غير شيخه، فمكّيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن يزيد المعافريّ (الْحُبُلِيٌّ) بضمّ الحاء المهملة، والباء
الموحّدة، بعدها لام: نسبة إلى حيّ من اليمن من الأنصار، يقال لهم: بنو الْحُبُلَى. قاله في
((الباب))(١) (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
((غَذْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ))) قال النوويّ رحمه
اللَّه تعالى: ((أو)) هنا للتقسيم، لا للشكّ، ومعناه أن الغدوة، يحصل بها هذا الثواب
العظيم، وكذا الروحة، والظاهر أنه لا يختصّ ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته، بل يحصل
هذا الثواب بكلّ غَذوة، أو رَوْحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوة، أو روحة في موضع
القتال؛ لأن الجميع يسمّى غدوة، وروحةٌ في سبيل اللَّه. انتهى(٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقات بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي أيوب الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) - ((اللباب في تهذيب الأنساب))١/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٢) - ((شرح مسلم٤ ٣٠/١٢.

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
أخرجه المصنف هنا-٣١٢٠/١٢- وفي («الكبرى» ٤٣٢٧/١٢. وأخرجه (م) في
((الجهاد)» ١٨٨٣ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))٢٣٠٧٥. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٢١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ ◌ََّ،
قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنُهُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالنَّكِحُ الَّذِي
يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عبد الله بن المبارك) المروزي الإمام الحجة المشهور [٨]٣٦/٣٢.
٢- (محمد بن عجلان) المدنيّ، صدوق [٥]٤٠/٣٦.
٣- (سعيد المقبريّ) ابن كيسان المدني، ثقة فقيه [٣]١١٧/٩٥. والباقون تقدّموا
قریبًا .
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن عجلان، وابن المبارك
مروزي، والباقيان مكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَِّيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٍّ عَلَى
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي واجب عليه بمقتضى وعده السابق (عَوْنُهُ) أي إعانته، وأفرد الضمير
باعتبار لفظ ((ثلاثة»، فإنه مفرد اللفظ، وفي رواية الترمذيّ: ((عونهم))، وهو واضح.
قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: إنما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأن هذه الأمور من الأمور
الشاقّة التي تفدح الإنسان، وتقسم ظهره، لولا أن اللَّه تعالى يعينه عليها، لا يقوم بها،
وأصعبها العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبّة المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيميّة النازلة
في أسفل السافلين، فإذا استعفّ، وتداركه عون اللَّه تعالى ترقّى إلى منزلة الملائكة،
وأعلى عليين انتهى(١).
(الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة الله عز وجل (وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ)
(١) راجع ((المرقاة شرح المشكاة)) ٦/ ٢٧٠ - ٢٧١. في ((كتاب النكاح)).

١٥٧
١٣ - (بَأَبِّ الْغُزَّةُ وَقْدُ اللَّهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣١٢٢
أي إعفاف نفسه، وكفّها عن الزنا وغيره من المحرّمات (وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ) أي
أداء بدل كتابته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا حسنٌ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣١٢١/١٢ و ((النكاح))٣٢١٩/٥- وفي ((الكبرى)) ٤٣٢٨/١٢ و٥/
٥٣٢٦ . وأخرجه (ت) في ((فضائل الجهاد»١٦٥٥ (ق) في ((كتاب الأحكام))٢٥١٨
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٩٣٤٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الروحة في سبيل الله
عز وجل، ووجه الاستدلال منه أن من خرج روحة في سبيل الله تعالى من جملة
المجاهدين في سبيله؛ لأن من خرج من بيته قاصدًا الجهاد فهو في سبيل اللّه تعالى حتى
يرجع إلى بيته، سواء قصر سفره، أم طال. (ومنها): فضل الناكح الذي ينكح ليعفّ
نفسه عن المحرّمات، فإن اللَّه تعالى يعينه على مُؤَن النكاح الحلال الذي يؤدي غرضه،
وهذا بمعنى قوله عز وجل: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَغَى مِنْكُرْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ
فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهٌ﴾ الآية [النور: ٣٢]. (ومنها): فضل المكاتب الذي يسعى لأداء
بدل الكتابة إلى مولاه، حيث إن الله تعالى يعينه على أداء ما عليه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣ - (بَابٌ الْغُزَاةُ وَفْدُ اللَّهِ تَعَالَى)
٣١٢٢- (أَخْبَرَنَا(١) عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ،
(١) - وفي نسخة: ((ثنا)).

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَفْدُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُ، وَالْمُعْتَمِرُ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدّم سندًا ومتنا في - ٤/
٢٦٢٥- وتقدّم شرحه، وتخريجه هناك، ولله الحمد والمنة .
ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه ((عيسى بن إبراهيم)) المثروديّ الغافقيّ
المصريّ، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة، من صغار [١٠]٨١٩/٣١.
و((مخرمة)): هو ابن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ.
وقوله: ((وفداللَّه عز وجل ثلاثة)) أي السائرون إلى اللّه تعالى القادمون عليه من جملة
المسافرين ثلاثة أصناف، شبه هؤلاء الثلاثة بالوفد الذين يَقِدون إلى الملوك والأمراء،
فيُتحفون بالجوائز العظيمة، ويُكرمون بالعطايا الجسيمة، ولله المثل الأعلى، فيكرم
هؤلاء بكرامة ليس بعدها كرامة، بجنات عدن، فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين،
وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهم الفائزون الفوزَ
الأبديَّ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ الآية [آل
عمران: ١٨٥]. اللَّهم اجعلنا من وفدك الموفّقين، الذين تكرمهم بجنات النعيم،
برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٤- (بَابُ مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ عز وجل
لِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ)
٣١٢٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
عَنِ ابْنِ الْقَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَنَادِ، عَنِ الْأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ بِهِ: (قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ
فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ، الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ
مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الْجَمَلي المصريّ، ثقة ثبت [١١]١٩/
٢٠ .

١٤- (بابُ مَا تَكَفَلَ اللَّهُ عز وجل ... - حديث رقم ٣١٢٣
١٥٩ ==
٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصري، ثقة فقيه [١٠]٩/٩.
٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه المصريّ، صاحب مالك، من كبار[١٠]
٢٠/١٩ .
٤- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧]٧/ ٧.
٥- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه [٥]٧/ ٧.
٦- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣]٧/ ٧.
٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصريّ
حافظ فقيه، (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي، عن تابعي، (ومنها) أن هذا الإسناد أحد الأسانيد التي قيل فيها: إنها من أصح
أسانيد أبي هريرة رائي . (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة
رَزي أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ◌ّهِ: ((قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)
وفي الرواية التالية: ((انتدب اللّه))، وفي الرواية الثالثة: ((وتوكّل الله)). قال في ((الفتح)):
وقد اختلفت الطرق عن أبي هريرة رضي في سياقه، فرواه مسلم من طريق الأعرج عنه
بلفظ: ((تكفّل الله لمن جاهد في سبيله لا يُخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق
كلمته))، وهو كذلك عند البخاريّ في ((كتاب الخمس)) من طريق أبي الزناد، وكذلك
أخرجه مالك في ((الموطإ)) عن أبي الزناد في ((كتاب الخمس))، وأخرجه الدارميّ من
وجه آخر عن أبي الزناد بلفظ: ((لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، وتصدیق كلماته))،
نعم أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث ابن عمر، فوقع في روايته التصريح بأنه من
الأحاديث الإلهيّة، ولفظه: ((عن رسول اللَّه وَل فيما يحكي عن ربّه، قال: أيّما عبد من
عبادي خرج مجاهدًا في سبيلي ابتغاء مرضاتي، ضمنت له إن رجعته أن أرجعه بما
أصاب من أجر، أو غنيمة ... )) الحديث، ورجاله ثقات، وأخرجه الترمذيّ من حديث
عبادة بلفظ: ((يقول الله عز وجل: المجاهد في سبيلي هو عليّ ضامن، إن رجعته

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
رجعته بأجرٍ، أو غنيمة ... )) الحديث، وصححه الترمذيّ.
وقوله: ((تضمن اللَّه، وتكفّل الله، وانتدب الله)) بمعنى واحد، ومحصّله تحقيق
الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّـ
لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه
وتعالى، وقد عبّر الله سبحانه وتعالى بتفضّله بالثواب بلفظ الضمان، ونحوه مما جرت
به عادة المخاطبين فيما تطمئنّ به نفوسهم انتهى (١).
(لِمَنْ جَاهَد) متعلّق بـ((تكفّل)) (فِي سَبِيلِهِ) أي لأجل إعلاء كلمته (لَا يُخْرِ جُهُ إِلَّا الْجِهَادُ
فِي سَبِيلِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهو نصّ صريح على اشتراط خلوص النيّة
للَّه تعالى في الجهاد (وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ) أي كلمة الشهادتين، فيعادي من أباهما، وقيل:
تصديق كلام اللّه تعالى بما للمجاهدين من عظيم الثواب(٢) (بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) أي بغير
حساب، ولا عذاب، أو المراد أن يُدخله الجنّة ساعة موته، كما ورد: ((أن أرواح
الشهداء تَسْرَح في الجنّة))، وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين
الشهيد، والراجع سالمًا؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنّة، ومحصّل الجواب أن
المراد بدخول الجنّة دخول خاصّ. قاله في ((الفتح)).
وقال القاضي عياض يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالى في الشهداء: ﴿أحياء
عند ربهم يرزقون﴾ الآية. وفي الحديث: ((أرواح الشهداء في الجنّة))، ويحتمل أن يكون
دخوله الجنّة عند دخول السابقين والمقرّبين بلا حساب، ولا عذاب، ولا مؤاخذة
بذنب، وتكون الشهادة مكفّرة لذنبه، كما صرّح به في الحديث الصحيح انتهى(٣) (أو
يَرُدَّهُ) بالنصب عطفًا على ((يُدخلَهُ)) (إِلَى مَسْكَنِهِ) بفتح الكاف وكسرها لغتان، حكاهما
الجوهريّ وغيره، وقوله (الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ) تأكيد لما جُبل عليه الإنسان من محبّة الوطن
(مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ))) أي مع أجر خالص إن لم يغنم، أو مع غنيمة خالصة
معها أجرٌ، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي
بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجرٌ،
وليس ذلك مرادًا، بل المراد، أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يَغنم؛ لأن
القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه، وأتمّ أجرًا عند وجودها، فالحديث
صريح في نفي الحرمان، وليس صريحًا في نفي الجميع.
(١) - ((فتح)" ٦ / ٨٢ - ٨٣.
(٢) - ((طرح التثريب))٧ / ١٩٤.
(٣) - راجع ((طرح التثريب)) ٧/ ١٩٤ - ١٩٥.