النص المفهرس
صفحات 121-140
٥- (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلِفُِّ لِمَنْ لَهُ وَالِدانِ) - حديث رقم ٣١٠٤ ١٢١ = ﴿غَيِّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾﴾. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذي، و((محمد بن عُبيد)): هو أبو جعفر، أو أبو يعلى النحاس الكوفيّ، صدوق [١٠]٢٢٦/١٤٤. و((أبو بكر بن عياش)): الأسديّ الكوفيّ المقرىء الحنّاط، والأصحّ أن اسمه كنيته، وقيل: محمد، وعبد الله، أو سالم، أو شعبة، أو غير ذلك، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧]١٢٧/٩٨ . وهذا الإسناد من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٥٦) من رباعيات الکتاب، وهو أعلى سند وقع له، كما تقدّم غير مرّة. وقوله: ((فكيف فيّ)) أي فكيف تقول في شأني. وفي نسخة: ((فكيف بي)). وقوله: ((فما برح)) بكسر الراء، من باب تَعِب: أي ما زال من مكانه. والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥- (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلْفِ لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ) ٣١٠٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌َ*، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيَّ وَالِدَاكَ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِذْ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (محمد بن المثنّى) أبو موسى الْعَنَزي البصريّ المعروف بالزمن، ثقة ثبت [١٠] ٠٨٠/٦٤ ٢- (يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٧/٣٣. ٤- (شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧]٢٧/٢٤. ١٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ [تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) في هذا السند: ((سعيد)) بدل ((شعبة))، والظاهر أنه غلط، راجع ((تحفة الأشراف)) ٢٩٥/٦. والله تعالى أعلم. ٥- (حبيب بن أبي ثابت) أبو يحيى الأسديّ مولاهم الكوفيّ، واسم أبيه قيس، ويقال: هند بن دينار، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس [٣]١٧٠/١٢١. ٦ - (أبو العبّاس) السائب بن فرّوخ المكيّ الشاعر الأعمى، ثقة [٣]٢٣٨٨/٧١. ٧- (عبد الله بن عمرو) بن العاص الصحابي ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما ٨٩/ ١١١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن شيخه، ويحيى، وشعبة بصریون، وسفيان، وحبيب كوفيان، وأبو العباس مكي، والصحابي مدني، ثم مصري، ثم طائفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) وفي رواية البخاريّ: ((سمعت أبا العبّاس الشاعر، وكان لا يُتّهم في حديثه))، فصرّح حبيب بالسماع من أبي العبّاس، فزال تهمة التدليس. وقوله: ((وكان لا يُتّهم)) فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتّهم في حديثه لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعرًا كان غير متهمٍ في حديثه. وقوله: ((في حديثه)) يحتمل مرويّه من الحديث النبويّ. ويحتمل فيما هو أَعَمُّ من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوبًا عنه، والواقع أنه حجة عند كلّ من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون. قاله في ((الفتح))(١). [تنبيه]: خالف الأعمش سفيان، وشعبة في هذا الحديث، فقد رواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو. فلعلّ لحبيب فيه إسنادين. ويؤيّده أن بكر بن بكّار رواه عن شعبة، عن حبيب، عن عبد الله باباه كذلك(٢). (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) (١) - ((فتح) ٤ / ٧٤٦ ((كتاب الصوم)). (٢) - ((فتح)» ٦ / ٢٤٧ ((كتاب الجهاد)). ٥- (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلِفُِّ لِمَنْ لَهُ وَالِدانِ) - حديث رقم ٣١٠٤ ١٢٣ يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العبّاس بن مرداس الآتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَزِ، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ) أي يطلب منه الإذن في الخروج للجهاد في سبيل اللّه تعالى (فَقَالَ) وَ (أَحَيٍّ وَالِدَاكَ؟) يحتمل أن يكون ((حيّ)) مبتدأً، و ((والداك)) فاعل أغنى عن الخبر، لاعتماده على الاستفهام. ويحتمل أن يكون ((حيٍّ)) خبرًا مقدّمًا، و((والداك))مبتدأ مؤخّرٌ (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ) أي هما حيان (قَالَ) وَلهم (فَفِيهِمَا فَجَاهِذْ) أي ابلُغ جهدك في برّهما، والإحسان إليهما، فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدوّ. أو خصّصهما بجهاد النفس في رضاهما. قاله في ((الفتح)). وقال السنديّ: أي جاهد نفسك، أو الشيطان في تحصيل رضاهما، وإيثار هواهما على هواك. وقيل: المعنى: فاجتهد في خدمتهما، وإطلاق الجهاد للمشاكلة، والفاء الأولى فصيحة، والثانية زائدة، وزيادتها في مثل هذا شائع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسٍ الْمُنَفِسُونَ﴾ انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٠٤/٥ - وفي («الكبرى »٤٣١١/٥. وأخرجه (خ) في ((الجهاد)» ٣٠٠٤ و((الأدب)»٥٩٧٢ (م) في ((البرّ والصلة))٢٥٤٩ (د) في ((الجهاد))٢٥٢٩ (ت) في ((الجهاد))١٦٧١ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٥٠٨ و٦٧٢٦ و٦٧٧٢ و٦٨١٩ و٧٠٢٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان الرخصة في التخلّف عن الجهاد في سبيل الله تعالى لمن له والدان. (ومنها): فضل برّ الوالدين، وتعظيم حقّهما، وكثرة الثواب على برّهما. (ومنها): تحريم السفر بغير إذن الوالدين؛ لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته، فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعيّن السفر طريقًا إليه، فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. (ومنها): أن برّ الوالدين قد يكون أفضل من الجهاد. (ومنها): أن المستشار يشير بالنصيحة (١) - ((شرح السنديّ» ٦/ ١٠ - ١١. = ١٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ المحضة. (ومنها): أنه يستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضدّه إذا فُهم المعنى؛ لأن صيغة الأمر في قوله: ((فجاهد)) ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما، وليس ذلك مرادًا قطعًا، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال. (ومنها): أنه يؤخذ منه أن كلّ شيء يتعب النفس يسمّى جهادًا. (ومنها): أن المكلّف يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد، فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه، فَدُلَّ على ما هو أفضل منه في حقّه، ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك. وفي رواية مسلم، وسعيد بن منصور من طريق ناعم مولى أم سلمة، عن عبد الله بن عمرو في نحو هذه القصّة، قال: ((ارجع إلى والديك، فأحسِنْ صحبتهما)). ولأبي داود، وابن حبّان من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو: ((ارجع، فأضحكهما كما أبكيتهما))، وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ: ((ارجع، فأستأذنهما، فإن أذنا لك، فجاهد، وإلا فبرّهما))، وصححه ابن حبّان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم الجهاد إذا منع الوالدان: قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان، أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برّهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد، فلا إذن. ويشهد له ما أخرجه ابن حبّان من طريق أخرى، عن عبد الله بن عمرو: ((جاء رجلٌ إلى رسول اللّه وَله، فسأله عن أفضل الأعمال؟، قال: ((الصلاة))، قال: ثمّ مه؟ قال: ((الجهاد))، قال: فإن لي والدين، فقال: ((آمرُك بوالديك خيرًا))، فقال: والذي بعثك بالحقّ نبيًّا لأجاهدن، ولأتركنهما، قال: ((فأنت أعلم)). وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقًا بين الحديثين، وهل يُلحق الجدّ والجدّة بالأبوين في ذلك؟ الأصحَ عند الشافعيّة نعم، والأصحَ أيضًا لا يفرّق بين الحرّ والرقيق في ذلك لشمول طلب البرّ، فلو كان الولد رقيقًا، فأذن له سيده لم يعتبر إذن أبويه. ولهما الرجوع في الإذن إلا إن حضر الصفّ، وكذا لو شرطا أن لا يقاتل، فحضر الصفّ، فلا أثر للشرط. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - («فتح» ٦/ ٢٤٨/٢٤٧. ١٢٥ = ٦- (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلِفُِّ لِمَنْ لَهُ وَالِدَةً) - حديث رقم ٣١٠٥ ٦- (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ لِمَنْ لَهُ وَالِدَةٌ) ٣١٠٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنَ طَلْحَةَ، وَهُوَ أَبْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةً، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيْ، أَنَّ جَاهِمَةَ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ، وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ أَمِّ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (عبد الوهاب بن عبد الحكم الورّاق) الغداديّ الثقة [١١] ١٢٨٢/٤٢ تفرد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ. ٢- (حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ترمذي الأصل، نزل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدم بغداد، وهو أثبت الناس في ابن جُريج [٩]٢٨/ ٣٢. ٣- (محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق التيميّ المدنيّ، صدوق[٦]. روى عن أبيه، ومعاوية بن جاهمة. وقيل: عن أبيه، عن معاوية. وعنه ابن إسحاق، وابن جريج، وعبد الرحمن بن أبي بكر الْمُلَيكيّ، وداود بن عبد الرحمن العطّار. ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان عاملاً لعمر بن عبد العزيز على مكّة. وزاد البخاريّ في ((تاريخه)) عن عليّ، عن سفيان: فكان يستشير ابن أبي نجيح وغيره. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما حديث الباب فقط. ٤- (أبوه) طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، وأمه عائشة بنت طلحة بن عبيدالله. مقبول [٣]. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال يعقوب بن شيبة: لا علم لي به. له عند أبي داود في ((القدر)) حديث: ((فيم العمل))، وعند المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط. ٥- (معاوية بن جاهمة) -بالجيم- ابن العبّاس بن مِزْداس السلميّ، لأبيه وجدّه صحبة، وقيل: إن له صحبة، تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط . ١٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٦- (جاهمة) ابن العباس رضي الله تعالى عنهما، لم أجد له ترجمة، سوى الكلام الآتي قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله موثقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ جَاهِمَةَ) بن العباس بن مِزْداس السلميّ رضي الله تعالى عنه. هكذا نسبه ابن ماجه في ((سننه))، وقال: الذي عاتب النبي ◌َّ يوم حنين. وذكره ابن سعد في طبقة من شهد الخندق، وقال: أسلم، وصحب. [تنبيه]: رواية المصنف رحمه الله تعالى ظاهرة في أن الصحبة لجاهمة، لا لمعاوية، وهي الأصح، كما يأتي عن البيهقيّ. وقد اختلف في هذا السند اختلافًا كثيرًا بينها الحافظ رحمه الله تعالى في كتابه ((الإصابة)»، فقال: وروى البغويّ، وابن أبي خيثمة، والطبرانيّ، من طريق سفيان بن حبيب، عن ابن جُريج، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن معاوية بن جاهمة السلميّ، عن أبيه، قال: أتيت النبيّ وَلّل أستشيره في الجهاد، فقال: ((هل لك أمّ؟)) قلت: نعم، قال: «الزمها)). وقد اختلف فيه على ابن جريج، وقد جوّده سفيان بن حبيب، لكن أسقط من النسب طلحة، قاله البغويّ، ويقال عن يحيى بن سعيد القطّان عن ابن جريج مثله. ورواه يحيى ابن سعيد الأمويّ، عن ابن جُريج، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة، قال: أتيت النبيّ وَل ◌ّ. أخرجه البغويّ عن شُريح بن يونس، عن الأمويّ، وقال: وَهِمَ فيه الأمويّ. ثم رواه من طريق حجّاج بن محمد، عن ابن جُريج، فخالف في نسب محمد بن طلحة، فقال: عن محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه طلحة، عن معاوية بن جاهمة، أن جاهمة جاء إلى النبيّ وَّر، فذكر الحديث، وكذا أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، من طريق حجاج. قال البيهقيّ: رواية الحجاج أصحّ، وتابعه أبو عاصم، وهي عند ابن شاهين في ترجمة معاوية بن جاهمة. ورواه أحمد بن حنبل كرواية حجاج، وأخرجه ابن ماجه من رواية محمد بن إسحاق، فقال: عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر وافق حجاجًا، لكن ٦- (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُفُِ لِمَنْ لَهُ وَالِدَةً} - حديث رقم ٣١٠٥ ١٢٧ == حذف عبد الله بن طلحة. وأخرجه ابن شاهين في ترجمة معاوية بن جاهمة من رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، فأثبته، وتابعه محمد بن سلمة الخزاعيّ(١)، عن محمد بن إسحاق، هذا هو المشهور عنه، وقيل: عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن ابن طلحة، عن معاوية السلميّ، قال ابن لهيعة عن يونس بن يزيد، عن ابن إسحاق بهذا الإسناد، لكن حرّف اسم الصحابيّ، ونسبته، قال: عن جهم الأسلميّ، ورواه عبد الرحيم بن سليمان، عن ابن إسحاق، فقال: عن محمد بن طلحة، عن أبيه طلحة ابن معاوية بن جاهمة، قال: أتيت النبيّ وَّلتر، وهو غلط نشأ عن تصحيف وقلب، والصواب عن محمد بن طلحة، عن معاوية بن جاهمة، عن أبيه، فصحّف ((عن)) فصارت ((ابن))، وقدّم قوله: ((عن أبيه))، فخرج منه أن لطلحة صحبة، وليس كذلك، بل ليس بينه وبين معاوية بن جاهمة نسبٌ، ولو كان الأمر على ظاهر الإسناد لكان هؤلاء أربعة في نسق صحبوا النبيّ بَّر: طلحة بن معاوية بن جاهمة بن العبّاس بن مرداس. وقد أخرج الطبرانيّ من طريق سليمان بن حرب، عن محمد بن طلحة بن مصرّف، عن معاوية بن درهم، أن درهمًا جاء إلى النبيّ وَّ، فقال: جئتك أستشيرك في الغزو، قال: ((ألك أمّ؟))، قال: نعم، قال: ((فالزمها)). وهذه قصّة جاهمة بعينها، فإن كان جاهمة تحرّف بدرهم، ووقع في نسبه محمد بن طلحة، فوهم في اسم جدّه، وإلا فهي قصّة أخرى وقعت لآخر. انتهى ما في ((الإصابة))(٢). وقال في ((تهذيب التهذيب)) بعد أن ذكر الاختلاف: ما نصّه: قلت: تلخّص من ذلك أن الصحبة لجاهمة، وأنه هو السائل، وأن معاوية ابنه عنه صواب، وروايته الأخرى مرسلة، وقول ابن إسحاق في روايته: عن معاوية: ((أتيت النبيّ وَّ)) وهم منه؛ لأن ابن جُريج أحفظ من ابن إسحاق، وأتقنُ، على أن يحيى بن سعيد الأمويّ قد روى عن ابن جُريج مثل رواية ابن إسحاق، فوَهِمَ، وقد نبّه على غلطه في ذلك أبو القاسم البغويّ في ((معجم الصحابة)). والله أعلم. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما تقدّم أن رواية المصنّف رحمه الله تعالى أصح الروايات. والله تعالى أعلم. (جَاءَ إِلَى النَِّيِّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ) أي أخرج لمقاتلة العدوّ (وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ) أي أطلب منك الْمَشُورَة. يقال: استشرته في كذا، وشاورته: (١) - هكذا الخزاعيّ بالخاء والزاي المعجمتين، ولعله الحرّاني بالحاء والراء المهملتين، فليُحرّر. (٢) - ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢/ ٥٤ - ٥٥. (٣) - ((تهذيب التهذيب) ١٠٥/٤. = ١٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ راجعته لأَرَى رَأْيَه فيه، فأشار عليّ بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ مَعُونةٍ، ويقال: هي من شار الدّابّة: إذا عرضها في الْمِشْوَار(١). ويقال: من شَرْتُ العسل (٢): شُبِّهَ حسنُ النصيحة بشرب العسل. قاله الفيوميّ. وقد بُيِّنَ كيفيّة الاستشارة في رواية ابن ماجه، فقد أخرجه من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن معاوية بن جاهمة السلمي، قال: أتيت رسول اللَّه وَلهر، فقلت: يا رسول اللّه، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه اللَّه، والدار الآخرة، قال: ((ويحك، أحية أمك؟))، قلت: نعم، قال: ((ارجع فَبِرها)»، ثم أتیته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله، والدار الآخرة، قال: ((ويحك أحية أمك؟))، قلت: نعم، يا رسول اللَّه، قال: ((فارجع إليها، فَبِرَّها))، ثم أتيته من أمامه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله، والدار الآخرة، قال: ((ويحك، أحية أمك؟))، قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((ويحك، الزم رجلها، فَثَمَّ الجنة)). ثم أخرجه من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بسند المصنّف، عن معاوية ابن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. قال أبو عبد الله ابن ماجه: هذا جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي الذي عاتب النبي ◌َ له يوم حنين انتهى. (فَقَالَ) وَرِ (هَلْ لَكَ مِنْ أُمَّ؟) ((من)) زائدة، و((أمّ)) فاعل بالجارّ والمجرور، لاعتماده على الاستفهام. ويحتمل أن يكون مبتدأً مؤخّرًا، والجارّ والمجرور خبرًا مقدّمًا (قَالَ) جاهمة رضي اللّه تعالى عنه (نَعَمْ، قَالَ) وَّرِ (فَالْزَمْهَا) بفتح الزاي أمر من لزِمَ، كسمع، أي الزم خدمتها. وفي رواية ابن ماجه المذكورة: ((ويحك الزم رجلها)). وهو كناية عن لزوم خدمتها، والتواضع، وحسن الطاعة لها. والله تعالى أعلم (فَإِنَّ الْجَنَّةَ تُحْتَ رِجْلَيْهَا) أي نصيبك من الجنة لا يصل إليك إلا برضاها، بحيث صارت الجنة كشيء مملوك لها، وهي قاعدة عليه، تتصرّف فيه كيف تشاء، فإن الشيء إذا صار تحت رِجلٍ أحد، فقد تمكّن منه، واستولى عليه، بحيث لا يصل إلى آخر منه شيء، إلا برضاه. (١) - شُرت الدابة شورًا، من باب قال: عرضته للبيع بالإجراء ونحوه، وذلك المكان الذي يُجرَى فيه مِشْوَارٌ بكسر الميم. قاله في ((المصباح)). (٢) - شُرتُ العسل أَشُورُهُ شَوْرًا، من باب قال: جَنَيته، ويقال: شَرِبْتُه. قاله في ((المصباح)). ٧- (فَضْلُ مَنْ یُجَاهِدُ فِي سَبِیل اللهِ - حديث رقم ٣١٠٦ ١٢٩ = والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جاهمة بن العباس السلميّ رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. [فإن قلت]: في سنده معاوية بن جاهمة، والصحيح أنه ليس صحابيًّا، ولم يوثّقه أحد، فکیف یصح حديثه؟. [قلت]: معاوية، إن كان صحابيًّا، كما ادعاه بعضهم، فذاك، وإلا فهو تابعيّ معروف، روى عنه عكرمة بن روح، ومحمد بن طلحة، كما قاله في ((تهذب الكمال)) ١٦٢/٢٨، فزال عنه جهالة العين، وقد صحح حديث مثله بعض أهل العلم، كما هو مشهور في كتب المصطلح، ولحديثه هذا شواهد، كحديث الباب المتقدّم، وغيره، فيصحّ. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٠٥/٦- وفي ((الكبرى)) ٤٣١٢/٦ . وأخرجه (ق) في ((الجهاد))٢٧٨١. وفوائد الحديث تعلم مما سبق في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٧- (فَضْلُ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) ٣١٠٦- (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيٍّ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: ((مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، قَالَ: ((ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشّعَابِ، يَتَّقِ اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (كثير بن عُبيد) الْمَذْحِجِيّ، أبو الحصن الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة [١٠]٥/ ٤٨٦ . ١٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٢- (بقيّة) بن الوليد، أبو يُخِد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٥٥/٤٥ . ٣- (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي الثقة الثبت، من أثبت أصحاب الزهريّ[٧]٤٥/ ٥٥ . ٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم تقدم قريبًا . ٥- (عطاء بن يزيد) الليثيّ الْجُنْدَعيّ المدنيّ، نزيل الشام الثقة [٣]٢١/٢٠. ٦- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٦٩ / ٢٦٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وبقية. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين إلى عطاء، والزهريّ وإن كان مدنيّا، إلا أنه قد سكن الشام أيضًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) سعد بن مالك رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً) لم يعرف اسمه. وفي رواية البخاريّ: ((قيل: يا رسول اللَّه الخ)) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وقد تقدّم أن أبا ذرّ سأله عن نحوه انتهى (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟) وفي رواية مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلاً، ووصله الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس: ((خير الناس منزلاً)). وفي رواية للحاكم: ((أيّ الناس أكمل إيمانًا)). وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعيّن عليه القيام به، ثم حَصَل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؛ لما فيه من بذل نفسه، وماله للَّه تعالى، ولما فيه من النفع المتعدّي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن من يخالط الناس لا يَسلَم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن(١) (قَالَ) وَلِّ (مَنْ يُجَاهِدُ) خبر المحذوف دلّ عليه السؤال، أي أفضل الناس مؤمن يجاهد، وفي نسخة: ((من جاهد)» - (١) - ((فتح" ٦/ ٨١. ١٣١= ٧- (فَضْلُ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ ... - حديث رقم ٣١٠٦ (بِنَّفْسِهِ وَمَالِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: هذا عامّ مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصديقون، كما جاءت به الأحاديث انتهى (١) (قَالَ) الرجل السائل (ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي من هو الذي يليه في الأفضلية؟ (قَالَ) وَهِ (ثُمَّ مُؤْمِنٌ) وفي نسخة: ((ثم من في شعب من الشعاب)). وفي رواية مسلم، من طريق معمر، عن الزهريّ: ((رجلٌ معتزلٌ)) (فِي شِغْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة -: هو ما انفرج بين جبلين. وليس المراد نفس الشعب خصوصًا، بل المراد الانفراد والاعتزال، وذكر الشعب مثالاً لأنه خال عن الناس غالبًا. وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل وَالثّه عن النجاة، فقال: ((امْلِك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(٢). قاله النوويّ (٣) (يَتَّقِي اللَّهَ) وفي رواية مسلم من طريق الزبيديّ، عن الزهريّ: ((يعبد اللَّه)). وفي حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ((معتزل في شعب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس)). وللترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصحّحه من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي هريرة: ((أن رجلاً مرّ بشِعْب فيه عينٌ عذبة، فأعجبه، فقال: لو اعتزلت، ثم استأذن النبيّ وَّل، فقال: ((لا تفعل، فإن مُقام أحدهم في سبيل اللّه أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا)). (وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرْهِ) فيه إشارة إلى أن صاحب العزلة ينبغي له أن ينظر في العزلة إلى ترك الناس عن شرّه، لا إلى خلاصه عن شرّهم، ففي الأول تحقير النفس، وفي الثاني تحقيرهم. قاله السنديّ (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٣١٠٦/٧- وفي ((الكبرى))٧/ ٤٣١٣. وأخرجه (خ) في ((الجهاد)) ٢٧٨٦ (١) - (شرح مسلم للنوويّ)) ٣٦/١٣. (٢) - حديث صحيح أخرجه الترمذيّ من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه. (٣) - ((شرح مسلم٩ ١٣/ ٣٧. (٤) - ((شرح السندي٦ّ/ ١١ - ١٢. ١٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ و((الرقاق))٦٤٩٤ (م) في ((الإمارة)»١٨٨٨ (د) في ((الجهاد))٢٤٨٥ (ت) في ((الجهاد)» ١٦٦٠ (ق) في ((الفتن))٣٩٧٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٧٤١ و١٠٩٢٩ و١١١٤١ و١١٤٢٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل من يُجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله. (ومنها): تفضيل العزلة على الاجتماع؛ لما فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلاً، فقال الجمهور: محلّ ذلك عند وقوع الفتن، كما سيأتي في المسألة التالية. (ومنها): بيان فائدة العزلة، وهو السلامة من الشرور التي تشمل الدينية، والدنيويّة. (ومنها): أن من أدب من يريد العزلة أن يقصد إبعاد شره عن المسلمین، لا إبعاد شرورهم عنه، وإن کان حاصلاً ضمنًا، وذلك هضمًا لنفسه؛ كيلا يرى الفضل له عليهم، وامتثالاً للأمر بالتواضع الذي أمر الله تعالى به، كما قال النبيّ وَلغيره: ((أوحى الله إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد)). أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في العزلة، والْخُلْطة(١) أيهما أفضل: (اعلم): أنه اختلف السلف في أصل العزلة، فقال الجمهور: الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقّق السلامة، بشرط معرفة ما يتعيّن. وقال الخطّابيّ في ((كتاب العزلة)): إن العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلّقهما، فتحمل الأدلة الواردة في الحضّ على الاجتماع على ما يتعلّق بطاعة الأئمة، وأمور الدين، وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان، فمن عَرَف الاكتفاء بنفسه في حقّ معاشه، ومحافظة دينه، فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس، بشرط أن يحافظ على الجماعة، والسلام، والرد، وحقوق المسلمين، من العيادة، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة؛ لما في ذلك من شغل البال، وتضييع الوقت عن المهمّات، ويجعل بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيقتصر منه على ما لا بدّ له منه، فهو أروح للبدن والقلب. والله أعلم انتهى(٢). (١) - الْخُلْطَة بالضمّ: اسم من الاختلاط، مثلُ الْفُرْقة من الافتراق، وهو المناسب هنا. وأما الْخِلْطة بالكسر: فهو مثلُ العِشْرة وزنًا ومعنّى. (٢) - أفاده في ((المصباح)). ١٣٣ = ٧- (فَضْلُ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... - حديث رقم ٣١٠٦ وقال النوويّ: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أشكل فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم: من يتحتّم عليه أحد الأمرين، ومنهم: من يترجّح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتّم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه، إما عينًا، وإما كفايةً، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجّح عليه من يغلب على ظّه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكن لا يتحقّق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة؛ لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥](١) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن التفصيل المذكور هو الأرجح؛ لأنه يؤيّده حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه المذكور في الباب، وحديث أبي هريرة تَّه الذي أخرجه مسلم من طريق بَعْجة بن عبد الله الجهنيّ، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه وَّلتر، أنه قال: ((من خير معاشِ الناس لهم رجل، ممسك عِنَان فرسه، في سبيل الله، يطير على مَتْنِهِ، كلما سَمِع هَيْعَةً، أو فزعة، طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة، في رأس شَعَفَة، من هذه الشَّعَفِ، أو بطن واد، من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير)). والحاصل أن العزلة، والْخُلْطة من الأمور النسبيّة التي تختلف خيريتها باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، كما بُيّن في التفصيل المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب» . (١) - راجع ((الفتح)(١٣٢/١٣ (كتاب الفتن). ١٣٤ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٨- (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى قَدَمِهِ) ٣١٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيٍّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لَّه عَامَ تَبُوكَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ، وَشَرٌ النَّاسِ؟، إِنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ رَجُلاً عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، أَوْ عَلَى قَدَمِهِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، وَإِنَّ مِنَ شَرّ النَّاسِ، رَجُلاَ فَاجِرًا، يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، لَا يَرْعَوِي إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ»). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [١٠]١/١. ٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧]٣٥/٣١ . ٣- (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ الثقة الفقيه [٥]٢٠٧/١٣٤. ٤- (أبو الخير) مرثد بن عبد اللَّه الْيَزَنيّ المصريّ الثقة الفقيه [٣]٥٨٢/٣٨. ٥- (أبو الخطّاب) المصريّ، مجهول [٣]. قال النسائيّ: لا أعرفه. وسئل ابن المدينيّ عنه؟ فقال: لا أعرفه، ولم يرو عنه غير أبي الخير. تفرّد به المصنّف، روى له حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. ٦- (أبو سعيد الخدري) المذكور في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي الخطابن فمجهول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: حبيب، وأبو الخير، وأبو الخطاب، وفيه أبو سعيد، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيْ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ، عَامَ تَبُوكَ) أي سنة غزوة تبوك، وهو اسم موضع من بادية الشام، قريبٌ من مدين الذين بعث اللَّه إليهم شعيبًا. وهو مشتقّ من باكت الناقة تبوك بَوْكًا، من باب قال: إذا سَمِنت، فهي ٨- (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ ... - حديث رقم ٣١٠٧ ١٣٥ بائك، بغير هاء، سمّيت الغزوة بذلك؛ لأن النبيّ وَ ل # غزاها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ. أفاده الفيّوميّ. وقال في ((الفتح)): و((تبوك)) مكان معرف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق. ويقال: بين المدينة، وبينه أربع عشرة مرحلة. وذكرها في ((المحكم)) في الثلاثيّ الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتلّ، فإنه قال: جاءها النبيّ وَّر، وهم يبوكون(١) مكان مائها بِقِذْح، فقال: ((ما زلتم تبوكونها))، فسمّيت حينئذ تبوك انتهى(٢). فقوله: ((عام)) منصوب على الظرفية متعلّقٌ بقوله (يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حالية من الفاعل (فَقَالَ) وَ (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ، وَشَرِّ النَّاسِ؟) أي بمن هو من خير الناس، فالكلام على تقدير ((من))، بدليل قوله (إِنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ رَجُلاً) قال السنديّ رحمه الله تعالى: بالألف في بعض النسخ، وفي بعضها بدون الألف، فهو إما منصوب، وتَرْكُ الألف كتابةً في المنصوب عندهم كثيرٌ، أو مرفوع، والتقدير: إن الشأنَ من خير الناس انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: النسخ التي بين يديّ كلها، سواء نسخ ((المجتبى))، أو نسخة ((السنن الكبرى)) ((رجلً)) بالألف، ولعل السنديّ وجد بعض النسخ ((رجل)) بدون ألف، وقوله: ((إن الشأن الخ)) كان الأولى له أن يقول: اسم «إنّ)» محذوف، وهو ضمير الشأن، والتقدير: ((إنه)) أي الشأن الخ. والله تعالى أعلم. (عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة تعالى (عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ) أي حال كونه راكبًا فرسه (أَوْ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ) ((أو)) في الموضعين للتويع، لا للشكّ (أَوْ عَلَى قَدَمِهِ) هذا محلّ الترجمة، فإنه صريح في أن من غزا في سبيل اللّه تعالى على قدميه من خير الناس، وهو فضل عظيم (حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ) أي واصل عمله إلى أن وافاه أجله، وهو كذلك (وَإِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، رَجُلاً فَاجِرًا) أي فاسقًا، يقال: فجر العبدُ من باب قعد: فسق، وزنى، وفجَرَ الحالف فجُورًا: كذب. قاله الفيّوميّ (يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، لَا يَرْعَوِي) أي لا ينكفّ، ولا ينزجر، من رعا يَرْعُو إذا كفّ عن الأمور، وقد ارعوَى عن القبيح يَرْعَوِي ارعوَاءٌ، والاسم الرَّغْيَا بالفتح والضمّ. وقيل: الارعواء: الندم على الشيء، والانصراف عنه وتركه(٣). قاله ابن الأثير (٤) (إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ) الظاهر أن ((إلى)) بمعنى (١) يقال: باك العين إذا تَوَّرَ ماءها بعود ونحوه ليخرج. قاله في ((القاموس)). (٢) - راجع الفتح في ١٤/ ٥٤١ - ٥٤٢ ((كتاب الفتن)). (٣) - ((فتح٤٤٩/٨٤. ((كتاب المغازي)). (٤) - ((النهاية)) ٢/ ٢٣٦. === ١٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ كما في قول الشاعر [من الكامل]: أَمْ لَا سَبِيلَ إِلَى الشَّبَابِ وَذِكْرُهُ أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ أي عندي، والمعنى هنا: لا ينكفّ، ولا ينزجر عن المعاصي عند قراءة شيء من وعيده. ويحتمل أن تكون بمعنى ((من))، كما في قوله [من الطويل]: تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا أَيَسْقَى فَلَا يَزْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا أي منّي، والمعنى هنا: أنه لا ينزجر عن المعاصي من أجل آيات الوعيد التي يقرؤها. والله تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف؛ لجهالة أبي الخطاب المصريّ. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٩٢٦ و١٠٩٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣١٠٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرْ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((لَا يَبْكِي أَحَدٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَطْعَمَهُ النَّارُ، حَتَّى يُرَدَّ اللَّبْنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ، فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ أَبَدًا»). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ الثقة الحافظ [١١]٤٢/٣٨ من أفراد المصنف . ٢- (جعفر بن عون) أبو عون المخزوميّ الكوفيّ، صدوق [٩]٤٠/ ٦٨٤. ٣- (مسعر) بن كِدَام بن ظُهير، أبو سلمة الكوفيّ، الثقة الثبت الفاضل [٧]٨/٨. ٤- (محمد بن عبد الرحمن) بن عُبيد القرشيّ، مولى طلحة الكوفيّ، ثقة [٦]٩٤/ ١٣٥٢ . ٥- (عيسى بن طلحة) بن عُبيدالله التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، من كبار [٣]٧٣ / ٩٠ . ٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال = ١٣٧ ٨- (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ ... - حديث رقم ٣١٠٨ الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى عيسى، وهو وأبو هريرة مدنيان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((لَا يَبْكِي أَحَدٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَطْعَمَهُ النَّارُ) بفتح حرف المضارعة، من طَعِم بكسر العين، من باب تَعِب: أي فتأكله النار، والفعل منصوب بـ((أن)) مضمرةً بعد الفاء السببيّة. وفي ((شرح السنديّ)): قوله: ((فتطعمه النار)) من طَعِم، أي فتأكله النار، أو من أطعم على بناء الفاعل، والضمير لله، أو على بناء المفعول، ونائب الفاعل ((النار)) انتهى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((والضمير لله)) هذا الوجه غير صحيح إلا إذا كان حرف المضارعة ياء تحتانيّة، فتأمّل. والله تعالى أعلم. (حَتَّى يُرَدَّ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ) ببناء الفعل للمفعول، وهذا من التعليق بالمحال عادةً، إذ عودة اللبن في الضرع بعد احتلابه مستحيل عادة، وفائدة تعليقه به التأکید في عدم دخول الباكي من خشية النار أبدًا، وهو كقوله تعالى: ﴿حَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ أَلِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. والظاهر من هذا أن اللَّه تعالى لا يوفّق عبدًا للبكاء من خشيته إلا إذا أراد له النجاة من النار أبدًا (وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ) فكأنهما ضدّان لا يجتمعان، كالأشياء المتضادة التي لا يمكن الجمع بينها (فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ أَبَدًا) تثنية (منخر)) بفتح الميم والخاء، وبكسرهما، وبضمّهما، وكمَجْلِسٍ: خرق الأنف، وحقيقته موضع النخر، وهو صوت الأنف. والمراد عدم دخوله النار أبدًا. [فإن قلت]: كيف تجمع بين هذا الحديث الدالّ على عدم دخول مسلم قاتَلَ في سبيل اللَّه تعالى النار أبدًا، إذ أن خطاياه تكفّر كلها، وبين ما أخرجه مسلم رحمه اللّه تعالى في «صحيحه))، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، أنه سمعه يحدث عن رسول اللَّه وَّ، أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل اللّه، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه تكفر عني خطاياي، فقال له رسول اللَّه وَله: ((نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر))، ثم قال رسول اللَّه وَاليقول: ((كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قُتِّلتُ في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اللّه وَلتر: ((نعم، وأنت صابر محتسب، (١) - ((شرح السنديّ)» ٦/ ١٢. = ١٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام، قال لي ذلك)). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبيّ وَّر قال: ((يُغفر للشهيد كلّ ذنب إلا الدين)). وفي لفظ: ((القتل في سبيل الله يُكفّر كلّ شيء إلا الدين)). فإن هذه النصوص صريحة في أن الشهادة لا تكفّر جميع حقوق الآدميين، وإنما تكفّر الحقوق المتعلّقة بالله سبحانه وتعالى فقط؟. [قلت]: لا تعارض بين هذه الأحاديث، إذ أحاديث مسلم تدلّ على أن الدين لا تكفّرها الشهادة، وهذا لا يستلزم دخول الشهيد النار بسبب الدين، إذ معاقبة اللَّه تعالى لا تنحصر بدخول النار، فيحتمل أن يعاقبه بغير دخول النار، أو لا يعاقبه، بل يُرضي خصمه عنه بتعويضة بالجنة، فلا يعاقب أصلاً. ويحتمل أن يُخَصَّ عمومُ حديث الباب بأحاديث مسلم، فنقول: لا يدخل الشهيد النار أبدًا إلا إذا كان عليه دين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، وهو وإن كان موقوفًا من هذا الوجه، فهو ، مرفوعٌ من الطرق الآتية. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٠٨/٨ و٣١٠٩ و٣١١٠ و٣١١١ و٣١١٢ و٣١١٣ و٣١١٤ و٣١١٥- وفي ((الكبرى))٤٣١٥/٨ و٤٣١٦ و٤٣١٧ و ٤٣١٨ و٤٣١٩ و٤٣٢٠ و٤٣٢١ و٤٣٢٢ و٤٣٢٣. وأخرجه (ت) في ((الجهاد)) ١٦٣٢ و((الزهد»٢٣١١ (ق) في (الجهاد)) ٢٧٧٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل من عمل على قدميه في سبيل الله تعالى، ووجه الدلالة أن الغبار الذي لا يجتمع مع دخان جهنّم في منخري مسلم إنما يثيره القدمان، ولا سيّما لمن لا يجد مركوبًا. والله تعالى أعلم. (ومنها): فضل البكاء من خشية الله تعالى. (ومنها): أن المسلم الحقيقيّ إذا جاهد في سبيل اللَّه، مخلصًا له لا يدخل النار أبدًا، فمن لم يُخلص فليس له من هذا الحظّ شيء، بل يكون سببًا لدخوله النار، بل هو من أول من يؤمر به إلى النار، فقد أخرج مسلم في (صحيحه) والمصنف كما سيأتي برقم (٣١٣٧) من حديث أبي هريرة ◌َني، قال: ٨- (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . - حديث رقم ٣١١٠ ١٣٩= سمعت رسول اللَّه وَ له، يقول: ((إن أول الناس يُقضَى يوم القيامة عليه، رجل استُشهِد، فأُتِي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك، حتى استُشهِدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم، وعلمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وَسَّع اللَّه عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل، تُحِبّ أن ينفق فيها، إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسُحب على وجهه، ثم ألقي في النار)). اللهم ارزقنا الإخلاص في الأعمال كلها، وطهر قلوبنا من الرياء والسمعة، وجميع ما ينافي العبودية برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٠٩ - (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى،َ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَعُودَّ اللَّبَنُ فِي الضُّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلٍ اللَّهِ، وَدُخَانُ نَارِ جَهَنَّمَ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((المسعوديّ)): هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ، صدوق اختلط قبل موته، فمن سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط [٧]٨٤٩/٥٠ . والحديث صحيح، وقد سبق تمام الكلام فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١١٠- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ قَالَ: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الثَّارِ: مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَذَّدَ، وَقَارَبَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوْفٍ مُؤْمِنٍ، غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَبِحُ جَهَنَّمَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ عَبْدٍ، الْإِيمَانُ وَالْحَسَدُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عيسى ابن حمّاد»: هو أبو موسى المصريّ المقلب بزُغْبَة، ثقة [١٠]٢١١/١٣٥. و ((الليث)): هو ابن سعد الإمام المصريّ الفقيه المجتهد. و((ابن عجلان)): هو محمد ١٤٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجِهَادِ مولى أبي فاطمة المدنيّ. وقوله: ((لا يجتمعان في النار)) خبر محذوف، أي شيئان لا يجتمعان، أو هو على لغة ((أكلوني البراغيث))، وعلى التقديرين، فقوله: ((مسلم كافرًا)) بتقدير معطوف، أي والكافر الذي قتله. وقوله: ((ثم سدد، وقارب)» يفيد أنه مشروط بعدم الانحراف بعد ذلك. وقوله: ((فيح جهنّم)) أي أثر فيح جهنّم من الحرارة، و((فَيحُ جهنّم)): قال ابن الأثير: ((الفَيْحِ)) سُطوِعُ الحرّ، وفَوَارَانه، ويقال بالواو، وفاحت القدر تَفِيح، وتفُوح: إذا غلت. انتهى. و((الْحَسَد)) يقال: حَسَدتهُ على النعمة، وحَسَدته النعمةَ حَسَدًا - بفتح السين أكثر من سكونها- يتعدّى إلى الثاني بنفسه، وبالحرف: إذا كَرِهْتَهَا عنده، وتمنّيت زوالها عنه. وأما الحسد على الشجاعة، ونحو ذلك، فهو الْغِبْطة، وفيه معنى التعجّب، وليس فيه تمنّي زوال ذلك عن المحسود، فإن تمنّاه، فهو القسم الأول، وهو حرام. والفاعل حاسدٌ، وحَسُودٌ، والجمع حُسّادٌ، وحَسَدَةٌ. قاله في ((المصباح)). وفيه تقبيح للحسد، وبيان أنه لا ينبغي للمؤمن أن يَحسُد، فإنه ليس من شأنه ذلك، فمعنى ((لا يجتمعان)) ههنا أنه ليس من شأن المؤمن أن يجمعهما، ويحتمل أن المراد بالإيمان كماله. فيتأمّل. قاله السنديّ(١). والحديث صحيح(٢)، وقد تقدم تخريجه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١١١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لََّ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَنُ جَهَنَّمَ، فِي جَوْفٍ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّخُ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبٍ عَبْدَ أَبَدًا»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد الضبّيّ. و((سُهيل)): هو ابن أبي صالح. و((صفوان بن أبي يزيد)): هو المدنيّ، مقبول [٤] ٢٢٤٧/٤٤. و((القعقاع بن اللجلاج))، ويقال: خالد، كما في الحديث التالي. ويقال: حصين، كما في رقم ٣١١٤-، ويقال: أبو العلاء، في رقم -٣١١٦-، مجهول [٣]. (١) - ((شرح السنديّ)) ١٣/١٢/٦. (٢) - ولا يضرّه الكلام في محمد بن عجلان، إذ الكلام فيه في حديث المقبريّ عن أبي هريرة رز، وأيضًا لحديثه هذا شواهد، فتنبه.