النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٢٠٦ - (التَّزُولُ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠٢٦
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، نَزَلَ الشِّعْبَ الَّذِي
يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَّضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلاةَ، قَالَ:
((الَصِّلَاةُ أَمَامَكَ))، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَحُلَّ آخِرُ النَّاسِ حَتَّى صَلَّى) .
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد،
ثقة [١٠]٣٣/ ٣٧ .
٢- (وكيع) بن الجرّاح المذكور قبل بابين.
٣- (سفيان) الثوريّ المذكور في الباب الماضي.
٤- (إبراهيم بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى،
ثقة [٦]٥٠/ ٦٠٩.
٥- (كُريب) بن أبي مسلم الهاشميّ، مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ،
ثقة [٣]٢٥٣/١٦١.
٦- (أُسامة بن زيد) رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في الباب الماضي. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من إبراهيم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ، نَزَلَ الشّعْبَ الَّذِي
يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ) وأخرج الفاكهيّ عن سعيد بن جبير، قال: ((دفعت مع ابن عمر من عرفة،
حتى إذا وازينا الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب دخله ابن عمر، فتنفّض فيه، ثم
توضأ، وكبر، فانطلق، حتى جاء جمعًا، فأقام، فصلّى المغرب، فلما سلّم قال:
الصلاة، ثم صلّى العشاء)). وأصله في الجمع بجمع عند مسلم، وأصحاب السنن.
وروى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن جريج، قال: قال عطاء: ((أردف النبيّ ◌َلّ أسامة،
فلما جاء الشعب الذي يصلّي فيه الخلفاء الآن المغرب، نزل، فأهراق الماء، ثم
توضّأ)). قال الحافظ: وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلّون المغرب عند
الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء، وهو خلاف السنّة في الجمع بين الصلاتين
بمزدلفة. ووقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة، عن كريب: ((الشعب الذي يُنیخ

٣٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الناس فيه للمغرب))، والمراد بالخلفاء، والأمراء في هذا الحديث بنو أميّة، فلم يوافقهم
ابن عمر على ذلك، وجاء عن عكرمة إنكار ذلك. وروى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن
أبي نجيح سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول اللّه والتر مبالاً، واتخذتموه مصلّى، وكأنه
أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك، وكان جابر
يقول: لا صلاة إلا بجمع. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح. ونقل عن الكوفيين.
وعن ابن القاسم صاحب مالك، وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلّى أجزأه، وهو
قول أبي يوسف، والجمهور. قاله في ((الفتح))(١).
(فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَا خَفِيفًا) أي خفّفه بأن توضّأ مرّةً مرّةً، وخفّف استعمال الماء
بالنسبة إلى غالب عادته.
وفي رواية البخاريّ من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب: ((ثم توضّأ،
ولم يُسبغ الوضوء))، وهو بمعنى قوله هنا: ((ثم توضّأ وضوءًا خفيفًا)).
وأغرب ابن عبد البرّ، فقال: معنى قوله: ((فلم يُسبغ الوضوء))، أي استنجى به،
وأطلق عليه اسم الوضوء اللغويّ؛ لأنه من الوضاءة، وهي النظافة، ومعنى الإسباغ
الإكمال، أي لم يكمل وضوءه، فيتوضّأ للصلاة، قال: وقد قيل: إنه توضّأ وضوءًا
خفيفًا، ولكن الأصول تدفع هذا؛ لأنه لا يشرع الوضوء لصلاة واحدة مرّتين، وليس
ذلك في رواية مالك، ثم قال: وقد قيل: إن معنى قوله: ((لم يسبغ الوضوء))، أي لم
يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها، واستضعفه انتهى. وحكى ابن
بطّال أن عيسى بن دينار من قدماء أصحابهم سبق ابن عبد البر إلى ما اختاره أوّلاً .
قال الحافظ)»: وهو متعقّبٌ بهذه الرواية الصريحة، وقد تابع محمد بن أبي حرملة -
يعني الراوي عن كريب- عليها محمد بن عقبة أخو موسى، أخرجه مسلم بمثل لفظه،
وتابعهما إبراهيم بن عقبة، أخو موسى أيضًا، أخرجه مسلم أيضًا، بلفظ: ((فتوضّأ
وضوءًا ليس بالبالغ)). وأخرجه البخاريّ من طريق موسى بن عقبة بلفظ: ((فجعلت
أصبّ عليه، ويتوضّأ)). ولم تكن عادته وَليل أن يباشر ذلك أحدٌ منه حال الاستنجاء،
ويوضّحه ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق عطاء، مولى ابن سباع، عن أسامة في هذه
القصّة، قال فيها أيضًا: ((ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة)).
قال القرطبيّ: اختلف الشرّاح في قوله: ((ولم يسبغ الوضوء))، هل المراد به اقتصر به
على بعض الأعضاء، فيكون وضوءًا لغويًّا، أو اقتصر على بعض العدد، فيكون وضوءًا
(١) - ((فتح)٩ ٤/ ٣٣٣.

٢٠٦ - (التَّزُولُ بَعْدَ الدَّفْع مِنْ عَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠٢٦
٣٨٣
شرعيًّا؟، قال: وكلاهما محتمل، لكن يعضد من قال بالثاني قوله في الرواية الأخرى:
((وضوءًا خفيفًا))؛ لأنه يقال في الناقص خفيف، ومن موضّحات ذلك أيضًا قول أسامة
له: ((الصلاة))، فإنه يدلّ على أنه رآه يتوضّأ للصلاة، ولذلك قال له: أتصلّي. كذا قال
ابن بطال. وفيه نظر؛ لأنه لا مانع أن يقول له ذلك؛ لاحتمال أن يكون مراده أتريد
الصلاة، فلم لم تتوضّأ وضوءها؟، وجوابه بأن الصلاة أمامك، معناه أن المغرب لا
تصلّى هنا، فلا تحتاج إلى وضوء الصلاة، وكأن أسامة ظنّ أن النبيّ وَّل نسي صلاة
المغرب، ورأى وقتها قد كاد أن يخرج، أو خرج، فأعلمه النبيّ وَّر أنها في تلك الليلة
يشرع تأخيرها لتجمع مع العشاء بالمزدلفة، ولم يكن أسامة يعرف تلك السنّة قبل ذلك.
وأما اعتلال ابن عبد البرّ بأن الوضوء لا يشرع مرّتين لصلاة واحدة، فليس بلازم؛
لاحتمال أنه توضّأ ثانيًا عن حدث طارىء، وليس الشرط بأنه لا يشرع تجديد الوضوء إلا
لمن أدّى به صلاةً، فرضًا، أو نفلاً متّفقًا عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان
الأصحّ خلافه .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((وإن كان الأصحَ خلافه)) أصحية هذا القول
ليس عليه دليل، بل الذي تدلّ عليه الأدلة الصحيحة مشروعية تجديد الوضوء، مطلقًا،
سواء أدى به عبادة، أم لا؟؛ لأن الوضوء عبادة بنفسه، وقد تقدّم تحقيق ذلك في ((أبواب
الطهارة)) برقم ١٤٧/١٠٨، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
قال: وإنما توضّأ أوّلاً ليستديم الطهارة، ولا سيما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى
ذكر الله حينئذ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذ. وقال الخطابيّ: إنما ترك إسباغه
حين نزل الشعب ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوّز فيه؛ لأنه لم يُرد أن يصلّي
به، فلما نزل، وأرادها أسبغه. انتهى(١) .
قال أسامة رضي اللَّه تعالى عنه (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةَ) قال أبو البقاء: الوجه
النصب على تقدير: تريد الصلاةَ؟، أو أتصلّي الصلاةَ؟. وقال القاضي عياض: بالنصب
على الإغراء، ويجوز الرفع على إضمار فعل، أي حانت الصلاةُ، أو حَضَرت انتهى.
(قَالَ) بَلِّ (الصَّلَاة) بالرفع على الابتداء على حذف مضاف، أي محلّ الصلاة
(أَمَامَك) منصوب على الظرفية، متعلّق بخبر المبتدإ أي كائن قدّامك. وقال في
((الفتح)): ((أمامك)) بفتحة الهمزة، والنصب على الظرفية، أي الصلاةُ ستصلّى بين
يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها، أي المُصَلَّى بين يديك، أو معنى ((أمامك)) لا
تفوتك، وستدركها انتهى (فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَحُلَّ) بفتح حرف المضارعة، وضم
(١) - ((فتح)٩ ٤/ ٣٣٤.

=
٣٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الحاء المهملة، من الحلّ، ثلاثيًّا، من باب نصر، أي لم يَفُكَّ ما على الجمال من
الأحمال (آخِرُ النَّاس) بالرفع على الفاعلية (حَتَّى صَلَّى) وفي الرواية الآتية في الباب
التالي: ((أقبلنا نسير حتى بلغنا المزدلفة، فأناخ، فصلّى المغرب، ثم بعث إلى القوم،
فأناخوا في منازلهم، فلم يحلّوا حتى صلى رسول اللّه ◌َلّر العشاء الآخرة، ثم حلّ
الناس، فنزلوا)). وإنما صنعوا ذلك رفقًا بالدواب، أو للأمن من تَشَوُّشِهِمْ بها. وفي
رواية للبخاريّ من طريق مالك عن موسى بن عقبة: ((حتى جاء المزدلفة، فتوضأ،
فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة، فصلّى المغرب، ثم أناخ كلّ إنسان بعيره في منزله،
ثم أقيمت الصلاةُ، فصلّى، ولم يُصلّ بينهما)).
وفيه إشعار بأنه خفّف القراءة في الصلاتين، وأنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين
اللتين يُجمع بينهما، ولا يقطع ذلك الجمع، وأنه لا يشرع التنفّل بين الصلاتين.
والحديث متفق عليه، وسبق الكلام في تخريجه في الحديث الماضي. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٠٧- (الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
بِالْمُزْدَلِفَةِ)
٣٠٢٧- (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّدٍ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ عَدِيِّ بْنِ
ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِهِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ) .
قال الجامعَ عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((حماد)): هو ابن زيد. و((يحيى)): هو ابن سعيد الأنصاريّ.
و(عبد الله بن يزيد)) هو الْخَطْميّ الأنصاريّ صحابيّ صغير، ولي الكوفة لابن الزبير
رضي اللّه تعالى عنهما. و((أبو أيوب)): هو الصحابي المشهور، واسمه خالد بن زيد بن
كليب الأنصاريّ من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وقوله: ((بجمع)) - بفتح الجيم، وسكون الميم- أي بالمزدلفة، وسميت به لاجتماع

٢٠٧- (الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدِلِفةِ) - حديث رقم ٣٠٢٧
٣٨٥
الحجّاج فيها، وقيل غير ذلك، مما تقدم من الأقوال في سبب تسميتها. والله تعالى
أعلم.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الصلاة)) برقم -٦٠٥/٤٩ - باب ((الجمع
بين المغرب والعشاء بالمزدلفة))، وتقدّم شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله هناك،
ولنذكر هنا مسألتين مما تتعلّق بالترجمة، فنقول:
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم الجمع، و القصر في عرفة،
والمزدلفة، ومنى:
(اعلم): أنه لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة،
والمغرب والعشاء بالمزدلفة، وإنما الخلاف، هل هو للنسك، أو لمطلق السفر، أو
للسفر الطويل؟، فمن قال: للنسك، وهو الحقّ، قال: يجمع أهل مكة، ومنى،
وعرفة، والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر، قال: يجمعون، سوى أهل المزدلفة،
ومن قال: للسفر الطويل، قال: يُتمّ أهل مكة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، وجميع من
كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويقصر من طال سفره.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)): ما ملخصه: يجوز الجمع لكلّ من
بعرفة من مكيّ وغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر
والعصر بعرفة، وكذلك من صلّى مع الإمام. قال: فأما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل
مكّة، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، والزهريّ، وابن جريج، والثوريّ، ويحيى القطّان،
والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
وقال القاسم بن محمد، وسالم، ومالك، والأوزاعيّ: لهم القصر؛ لأن لهم
الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم. انتهى كلام ابن قُدامة باختصار. (١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه القائلون بمشروعيّة الجمع
والقصر في عرفة، والمزدلفة، وكذا القصر في أيام منى لكلّ من أحرم بالحجّ، سواء
كان مسافرًا، أم غير مسافر هو الحقّ؛ لأن النبيّ بَّر جمع وقصر بمن معه من الحجاج،
ولم يأمر أهل مكة، ولا غيرهم بالإتمام، فدلّ على أن ذلك للنسك.
وأما احتجاج بعضهم بما أخرجه الترمذيّ في جامعه من حديث عمران بن حُصين
رضي اللَّه تعالى عنهما أنه وَ لَّ كان يصلّي بمكة ركعتين، ويقول: ((يا أهل مكة أَتِّمُوا،
فإنا قوم سَفْرٌ))، قال: وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناءً بما تقدّم بمكة.
فمتعقّبٌ بأن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية عليّ بن زيد بن جُذْعان، وهو
(١) - («المغني ٩ ٢٦٤/٥ - ٢٦٥.

٣٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ضعيف، ولو صح فالقصّة كانت زمن الفتح، وقصّة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ
من بيان ذلك؛ لبعد العهد، ولكثرة من حضر في الحجّ ممن لم يحضر الفتح، فتأمّل
بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.
والحاصل أن الحقّ قول من قال: إن الجمع والقصر للنسك. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة المغرب قبل المزدلفة:
قال الترمذيّ رحمه الله تعالى -بعد ذكر الحديث -: ما نصّه: والعمل على هذا
الحديث عند أهل العلم، أنه لا يصلي المغرب دون جمع. قال الحافظ العراقيّ رحمه
الله تعالى: كأنه أراد العمل عليه مشروعيّةً، واستحبابًا، لا تحتمًا، ولا لزومًا، فإنهم لم
يتفقوا على ذلك، بل اختلفوا فيه، فقال سفيان الثوريّ: لا يصليهما حتى يأتي جمعًا، وله
السعة في ذلك إلى نصف الليل، فإن صلاهما دون جمع أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن
صلاهما قبل المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق، أو بعده، فعليه
أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة. وقال مالك: لا يصليهما أحد قبل جمع، إلا من عذر، ولم
يجمع بينهما حتى يغيب الشفق. وذهب الشافعيّ إلى أن هذا هو الأفضل، وأنه إن جمع
بينهما في وقت المغرب، أو في وقت العشاء بأرض عرفات، أو غيرها، أو صلّى كلّ
صلاة في وقتها جاز ذلك، وبه قال الأوزاعيّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو
يوسف، وأشهب، وحكاه النوويّ عن أصحاب الحديث، وبه قال عطاء، من التابعين،
وعروة، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير. قاله العينيّ(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال: لا يجمع قبل المزدلفة،
فإن جمع أعاد، ولا بدّ؛ لقوله وَلتر لأسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما حين سأله عن
الصلاة في الطريق: ((الصلاة أمامك))، وفي لفظ: ((المصلّى أمامك))، فبيّن أن محلّ
الصلاتين، ووقتهما عند الوصول إلى المزلفة، لا قبل ذلك، وقد تقدّم هذا البحث في
((كتاب الصلاة)) برقم ٦٠٥/٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٢٨- (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا، قَالَ: حَدْثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، ◌َجَمَعَ
بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ).
(١) - ((عمدة القاري))٨/ ١٧٢.

٢٠٧- (الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدِلِفَةِ) - حديث رقم ٣٠٢٩
=
٣٨٧
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، غير داود،
فإنه من أفراد المصنّف، وهو ثقة فقيه، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و ((القاسم بن زكريا)): هو الكوفيّ الطحّان الثقة. و((مصعب بن المقدام)): هو أبو
عبد الله الكوفيّ، صدوق، له أوهام. و((داود)): هو ابن نُصير أبو سليمان الطائيّ الكوفيّ
الثقة الفقيه الزاهد، من أفراد المصنّف.
و((عمارة)): هو ابن عُمير التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت. و((عبد الرحمن بن يزيد)): هو
النخعيّ الكوفيّ التابعيّ الحجة الثبت، أخو الأسود.
والحديث متّفق عليه، وتقدم للمصنّف برقم - ٦٠٨/٤٩ - في الباب المتقدم، وتقدم
شرحه، ومسائله هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٢٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ،
بِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُسَبِّحْ بَيْتَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((يحيى)): هو القطّان. و((ابن أبي ذئب)): هو محمد بن عبد الرحمن
بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب.
وقوله: ((بإقامة واحدة)) أي لكلّ واحدة منهما بدليل الرواية المتقدمة في ((كتاب
الصلاة)) رقم ٦٦٠/٢٠- بلفظ: ((صلّى كلّ واحدة منهما بإقامة)).
[تنبيه]: لم يُذكَر الأذان في حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا، وقد
اختلف أهل العلم في ذلك على ستة أقوال؛ لاختلاف الآثار في ذلك:
(أحدها): أنه يقيم لكلّ منهما، ولا يؤذّن لواحدة منهما، وهو قول القاسم بن
محمد، وسالم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، وبه قال
إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعيّ،
وأصحابه فيما حكاه الخطّابيّ، والبغويّ، وغير واحد. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)) :
الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى، وإقامتين لكلّ واحدة. وقال في
((الإيضاح)): إنه الأصخ.
(الثاني): أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر
رضي الله تعالى عنهما، وهو قول سفيان الثوريّ، فيما حكاه الترمذيّ، والخطابيّ،
وابن عبد البرّ، وغيرهم.

٣٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(الثالث): أن يؤذِّن للأولى، ويقيم لكلّ واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في
أصحّ قوليه، وبه قال أبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون، من المالكيّة، والطحاويّ،
وقال الخطابيّ: هو قول أهل الرأي. وذكر ابن عبد البرّ أن الجوزجانيّ حكاه عن محمد
ابن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة.
(الرابع): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يؤذّن للثانية، ولا يقيم لها، وهو قول
أبي حنيفة، وأبي يوسف. حكاه النوويّ، وغيره. قال العينيّ: هذا هو مذهب
أصحابنا، وعند زفر بأذان وإقامتين.
(الخامس): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن
مسعود رضي الله تعالى عنهما، وهو قول مالك، وأصحابه، إلا ابن الماجشون، ولیس
لهم في ذلك حديث مرفوع. قاله ابن عبد البرّ.
(السادس): أنه لا يؤذّن لواحد منهما، ولا يقيم. حكاه المحبّ الطبريّ عن بعض
السلف. وهذا كله في جمع التأخير.
وأما جمع التقديم، كالظهر والعصر بنمرة، ففيه ثلاثة أقوال:
(أحدها): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول الشافعيّ، وجمهور
أصحابه. (الثاني): أن يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي
حنيفة. (الثالث): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وهو وجه حكاه الرافعيّ عن ابن كجّ،
عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهًا .
قال العينيّ: [فإن قلت]: ما الأصل في هذه الأقوال؟:
[قلت]: الذي قال بأذان وإقامتين قال برواية جابر، والذي قال بلا أذان، ولا إقامة،
قال بحديث أبي أيوب، وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان، ولا إقامة، وكذا رواه طلق بن
حبيب، وابن سيرين، ونافع عن ابن عمر من فعله. والذي قال بإقامة واحدة قال
بحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما يعني المذكور في الباب، وكذا رواه ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا عند مسلم. والذي قال بإقامة للمغرب، وإقامة للعشاء
قال بحديث أسامة، وكذا فعله عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه.
فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: أشدّ الاضطراب في
ذلك عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، فإنه روي عنه من فعله الجمع بينهما بلا
أذان، ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفًا بأذان واحد، وإقامة
واحدة، وروي عنه مسندًا الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد، وإقامة
واحدة، قال: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن النبيّ بَّ، وهو ما رويناه عن ابن

٢٠٧- (الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدِفَةِ) - حديث رقم ٣٠٢٩
٣٨٩=
مسعود رضي أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة كل واحد منهما بأذان وإقامة، ذكره
العينيّ في ((شرح البخاريّ))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال: إنه يجمع بينهما بأذان
واحد، وإقامة لكل واحدة منهما؛ لحديث جابر رضي الله تعالى عنه الطويل بذلك،
وهو مرفوع صريح في ذلك، وما عداه، إما موقوف، كحديث عمر، وابن مسعود رضي
اللّه تعالى عنهما، أو قابل للتأويل، كحديث أسامة، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم،
وقد تقدّم تحقيق ذلك في ((كتاب الصلاة)) برقم - ٢٠/ ٦٦٠ - فراجعه تستفد، وبالله تعالى
التوفيق.
وقوله: ((ولم يسبّح بينهما)) أي لم يتنفّل بين الصلاتين. وقوله: ((ولا على إثر واحدة
منهما)) أي ولا عقب كل واحدة من الصلاتين، لا عقب الأولى، ولا عقب الثانية، وهذا
تأكيد بالنظر إلى الأولى، وتأسيس بالنظر إلى الثانية.
قال في ((الفتح)): ويستفاد منه أنه ترك التنفّل عقب المغرب، وعقب العشاء، ولما لم
يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفّل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يحتمل
أن يكون المراد أنه لم يتنفّل عقبها، لكنه تنفّل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمّ قال
الفقهاء: تؤخر سنة العشاء عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوّع بين
الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة،
ومن تنفّل بينهما لم يصحّ أنه جمع بينهما انتهى.
قال الحافظ: ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه الآتي في
الباب التالي. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى، من
طريق أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: حج عبد الله رضي اللَّه
عنه، فأتينا المزدلفة، حين الأذان بالعتمة، أو قريبا من ذلك، فأمر رجلا، فأذن، وأقام، ثم
صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر - أرى- فأذن،
وأقام، قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر،
قال إن النبي وَل #، كان لا يصلي هذه الساعة، إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا
اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تُحُوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب، بعد ما يأتي الناس
المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبي ◌َلّ يفعله انتهى (٢).
(١) - ((عمدة القاري)»٨/ ١٧٢ - ١٧٣ .
(٢) - ((صحيح البخاري)) ج٤/ ص٣٣٨ . بنسخة الفتح.

٣٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وحديث الباب متّفق عليه، وتقدم للمصنّف بالرقم المذكور، وتقدم هناك تمام
شرحه، وبيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٣٠- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: لَمْعَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، بَيْنَ
الْمَغْرَبِ وَالْعِشَاءِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ،
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد
تفرد به هو، وأبو داود.
و((عيسى بن إبراهيم)): هو الغافقيّ المثروديّ المصريّ الثقة. و((عبيدالله بن
عبد الله)): ولد عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ الثقة، شقيق سالم(١).
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٣١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ
بِجَمْع، بِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو
ابن منصور النسائيّ، فمن أفراده، وهو ثقة.
و ((أبو نعيم)): هو فضل بن دُكين. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((سلمة)): هو ابن كُهيل.
وقوله: ((بإقامة واحدة)) تقدم أن المعنى بإقامة واحدة لكلّ واحدة منهما، جمعًا بين هذه
الرواية، وبين الرواية التي تقدّمت في ((الصلاة)) من طريق سالم، عن أبيه، بلفظ: ((صلّى كلّ
واحدة منهما بإقامة))، ولا داعي لدعوى الشذوذ، مع إمكان الجمع بما ذكر، فتنبه.
والحديث صحيح، لكن بزيادة: (لكلّ واحدة منهما))، كما تقدّم بيانه قريبًا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٣٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ: أَنْبَنَا(٢) حِبَّنُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) عَبْدُ اللّهِ، عَنْ
(١) - [تنبيه]: وقع في هذه الترجمة غلط في مرنامج الحديث للكتب التسعة، فترجم لعبيدالله بن عبدالله
ابن عتبة بن مسعود، وهذا غلط كبير، فإن المترجم هنا هو ولد ابن عمر بن الخطاب، فتنبه .
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٢٠٨- (تَقْدِيمُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ ... - حديث رقم ٣٠٣٣
٣٩١
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، أَنَّ كُرَيْبًا قَالَ: سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَكَانَ رِذْفَ رَسُولِ اللَّهِهه
عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقُلْتُ: كَيْفَ فَعَلْتُمْ؟، قَالَ: أَقْبَلْنَا نَسِيرُ، حَتَّى بَلَّغْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَأَنَاخَ،
فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْقَوْمِ، فَأَنَاخُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، فَلَمْ يَحُلُّوا، حَتَّى صَلَّى رَسُولُ
اللَّهِ وَلِهِ، الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ، فَنَزَلُوا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، انْطَلَقْتُ عَلَى رِجْلَيَّ،
فِي سُبَّاقٍ قُرَيْشٍ، وَرَدِفَهُ الْفَضْلُ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه ((محمد
ابن حاتم)) بن نُعيم المروزيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و((حبان)) -بكسر الحاء المهملة -: هو ابن موسى المروزيّ الثقة. و((عبد الله)): هو
ابن المبارك.
وقوله: ((أقبلنا نسير حتى بلغنا المزدلفة)) ظاهره أنه ما نزل في الطريق، وهو مخالف
لما سبق عن أسامة رضي الله تعالى عنه، من أنه وَ ل﴿ نزل في الشّعْب، فلا بدّ من تأويل
ما هنا بأن المراد أنه وسليل ما نزل قبل المزدلفة لأجل الصلاة، وإنما نزل لقضاء الحاجة.
وقوله: ((فلم يَحُلُّوا)) بفتح حرف المضارعة، وضم الحاء المهملة.
وقوله: ((في سُبّاق قريش)) - بضم السين المهملة، وتشديد الموحّدة- جمع سابق، أي
في جملة من سبق النبيّ وَّه، متقدّمًا عليه من المزدلفة إلى منى. وقوله: ((على رجليّ))
بتشديد الياء على التثنية.
وقوله: ((وردفه الفضل)) -بفتح الراء، وكسر الدال المهملة- أي ركب خلفه،
والجملة حالية.
والحديث صحيح، وتقدّم تمام البحث فيه قبل ثلاثة أبواب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٠٨- (تَقْدِيمُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ
إِلَى مَنَى مِنَ الْمُزْدَلِفَةَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا الترجمة في بعض نسخ ((المجتبى))، وهو
الصواب، وهو الذي في ((الكبرى))، وأما ما وقع في معظم نسخ ((المجتبى)): ((تقديم

٣٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
النساء والصبيان إلى منازلهم بالمزدلفة))، فغير صحيح، فتنبّه.
و((الصبيان)) -بكسر الصاد المهملة، ويجوز ضمها- جمع صبيّ. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٣٠٣٣- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِ يَزِيدَ،
قَالَ: سِعْتُ بْن عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَِّيُّ ◌ََّ، لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، فِي ضَعَفَّةِ أَهْلِهِ) .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠]٥٢/٤٤.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت المكيّ [٨]١/١.
٣- (عُلبيد الله بن أبي يزيد) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث من
[٤] مات سنة (١٢٦ هـ) وله (٨٦) سنة، من رجال الجماعة، تقدّم في ٢٣٧٠/٧٠.
٤- (ابن عبّاس) عبد اللَّه الحبر البحر رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٥٥) من رباعيّات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، ومن المكثرين السبعة، والعبادلة
الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ) رحمه اللَّه تعالى أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ) رضي الله
تعالى عنهما (يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ◌َّ) أي قدّمه، فحذف العائد؛ لكونه فضلة (لَيْلَةَ
الْمُزْدَلِفَةِ) أي إلى منى (فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ) -بفتح الضاد المعجمة، والعين المهملة، جمع
ضعيف، قال ابن مالك في ((توضيحه)): جمع ضعيف على ضعفة غريبٌ، ومثله خبيث
وخَبَثَةٌ انتهى (١) .
وقال الفيّوميّ: ما حاصله: جمع ضعيف ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ، وجاء ضَعَفَةٌ، وضَعْفَى؛
لأن فعيلاً إذا كان صفة، وهو بمعنى مفعول جُع على فَعْلَى، مثل قَتيل وقَتْلَى، وجَريح
وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذهابًا إلى أن المعنى معنى مفعول،
(١) - نقله في ((زهر الربى ٢٦١/٥٤.

٢٠٨- (تَقْدِيمُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ ... - حديث رقم ٣٠٣٣
٣٩٣
وقالوا: أحمق وحَمْقَى، وأنوَكُ ونَوْكَى(١)؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول،
وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمع على سِقَام - بالكسر- لا على سَقْمَى، ذهابًا إلى أن المعنى
معنى فاعلٍ، ولوحظ في ضعيفِ معنى فاعل، فجُمع على ضعافٍ، وضَعَفَة، مثلُ كافر
(٢)
٠
و كفرة انتهى
والمراد بالضَّعَفَة هنا هم النساء، والصبيان، والْخَدَم، والمشايخ العاجزون،
وأصحاب الأمراض.
وقال ابن حزم: الضعفة، هم الصبيان والنساء فقط، والحديث يرد عليه لأنه أعمّ من
ذلك. فيدخل فيه الرجال العاجزون، والمرضى؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما التالي: ((أن النبيّ وَّرِ أمر ضَعَفَة بني هاشم أن ينفروا من جمع بليل)).
وقوله: ((ضعفة بني هاشم)) أعمّ من النساء، والصبيان، والمشايخ العاجزين،
وأصحاب الأمراض؛ لأن العلّة خوف الزحام عليهم.
ويؤيّده رواية الطحاويّ، عن عطاء، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال:
قال رسول اللَّه ◌َله للعبّاس ليلة المزدلفة: ((اذهب بضعفائنا، ونسائنا، فليصلّوا الصبح
بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تُصيبهم دفعة الناس))، قال: فكان عطاء يفعله بعد ما
كبر وضعف. ولأبي داود من طريق حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس: ((كان رسول
اللّه ◌َله يقدّم ضعفاء أهله بغلس)). ولأبي عوانة في ((صحيحه)) من طريق أبي الزبير، عن
ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، كان رسول اللَّه ◌َل يقدّم العيال، والضعفة إلى منى
من المزدلفة أفاده في ((الفتح)) (٣).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصحيح جواز تقدُّم أصحاب الأعذار بالليل من
المزدلفة إلى منى، سواء كانوا رجالاً، أو نساءً، وكذا من يقوم عليهم ممن يخدمهم،
وإن كان قويًّا في نفسه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) الأنوك كالأحمق وزنًا ومعنَى.
(٢) - ((المصباح المنير)) في مادّة ضعف.
(٣) - ((فتح) ٤/ ٣٤٣. بتصرّف.

+-
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٣٩٤
أخرجه هنا-٣٠٣٣/٢٠٨ و٣٠٣٤ و٣٠٤٤ - و٣٠٤٩/٢١٤- وفي «الكبرى»٢٠٩/
٤٠٣٥ و٤٠٣٦ و٤٠٣٧ و٤٠٣٨ و٤٠٥٥/٢١٦. وأخرجه (خ) في)) الحج)» ١٦٧٧
و١٦٧٨ و١٨٥٦ و((المغازي)) ٤١٩٦ و((الأدب))٦١٤٨ (م) في ((الحج))١٢٩٣ و١٢٩٤
(د) في ((المناسك)) ١٩٤٠ و١٩٤١ و((الجهاد))٢٥٣٨ (ق) في ((المناسك))٣٠٢٥ و٣٠٢٦
(أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٠٨٣ و٢٤٢٣ و٢٥٠٣ و٢٨٣٧ و٢٩٩٦ و٣١٨٢
و٣١٩٢ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز التقدّم يوم النحر من
المزدلفة إلى منى قبل الصبح للضعفاء. (ومنها): صحة صلاة الصبح بمنى يوم النحر
لهم. (ومنها): سماحة الدين، وسهولة تكاليفه، فليس القويّ والضعيف في ذلك
سواء، بل يُكَلِّف كلًّا بقدر استطاعته، فقد سهّل للضعفة في موضع الحرج بسبب شدّة
الزحام، فرخّص لهم أن يرموا قبل وقوع الزحام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المبيت بالمزدلفة ليلة النحر:
ذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعيّ في
أحد قوليه، إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومجاهد.
وعن الشافعيّ: سنة، وهو قول مالك رحمهم الله تعالى. أفاده العينيّ(١).
وقال النوويّ: المشهور من مذهب الشافعيّ أنه لیس برکن، فلو ترکه صحّ حجه،
قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف.
وقال خمسة من أئمة التابعين: هو ركن، لا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفات.
هذا قول علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال من
الشافعيّة ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر بن خزيمة، واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا
اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وبالحديث المرويّ عن النبيّ وَّ، أنه
قال: ((من فاته المبيت بالمزدلفة، فقد فاته الحجّ)).
وأجيب بأن الأمر في الآية إنما هو الذكر، وليس هو بركن بالإجماع. وأما الحديث
فليس بثابت، ولا معروف، ولو صحّ لحمل على فوات كمال الحجّ، لا فوات أصله.
قال: واحتج أصحابنا بحديث عروة بن مضرّس رضي اللّه تعالى عنه، قال: أتيت
رسول اللَّه وَل بالمزدلفة حين خرج للصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل
(١) - ((عمدة القاري))١٧٨/٨.

=
٢٠٨- (تَقْدِيمُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ ... - حديث رقم ٣٠٣٤
٣٩٥
طيّء، أكللت مطيّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي
من حجّ؟، فقال رسول اللّه وَ له: ((من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد
وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفئه)). رواه أبو داود،
والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة. قال الترمذيّ: هو حديث
حسنٌ صحيح. انتهى كلام النوويّ بتصرّف(١) .
وقال العينيّ: وقال الشافعيّ: يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من الليل،
دون الأول، وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها سنة، وكذا الوقوف مع
الإمام سنة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل
حجه، بخلاف النساء والصبيان، والضعفاء. وقال الحنفية: لو ترك الوقوف بها بعد
الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام، فتعجل السير إلى منى، فلا شيء
عليه، والمأمور في الآية الكريمة الذكر، دون الوقوف، ووقت الوقوف بالمشعر الحرام
بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدًّا. وعن مالك: لا يقف أحد إلى
الإسفار، بل يدفعون قبل ذلك انتهى كلام العينيّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن المبيت بالمزدلفة سنة؛ لأنه ◌َالآ بات
بها، وأما شهود صلاة الصبح، والوقوف بعدها إلى أن يدفع الإمام، فواجب إلا لأهل
الأعذار؛ لحديث عروة بن مضرّس رضي الله تعالى عنه المذكور آنفًا، فإنه ◌َّ ذكره لصحة
الحج، وتمامه، فقال: ((من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل
ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفئه)). فما ذكر المبيت بها لتمام الحجّ، وإنما ذكر
الوقوف بعرفة، وشهود صلاة الصبح، والدفع معه، وقد أوجبت الآية المذكورة الذكر عند
المشعر الحرام، فأفادت أن الوقوف به من واجبات الحجّ، فتأمل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٣٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ اَلنَِّيُّ ◌َّهِ، لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، فِي ضُعَفَةِ أَهْلِهِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
((محمد بن منصور)) الجوّاز المكيّ الثقة، فإنه من أفراده.
و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار. و((عطاء)): هو ابن أبي رباحٍ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفىّ في الحديث الذي قبله. والله
(١) - ((المجموع ١٢٦/٥٩ و١٦٣/٥.
(٢) - ((عمدة القاري))٨/ ١٧٨.

٣٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٣٥- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، وَعَفَّانُ، وَسُلَيْمَانُ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنْ مُشَاشٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، أَمَرَ ضَعَفَةً بَنِي
هَاشِمٍ، أَنَّ يَنْفِرُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالَى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أبي
داود، سليمان بن سيف الحرّانيّ الثقة، فإنه من أفراده.
و((أبو عاصم)): الضحّاك بن مَخلَد النبيل. و((عفّان)): هو ابن مسلم الصفّار.
و(سليمان)): هو ابن حرب الأزديّ المكيّ البصريّ الأصل.
و((مُشاش)) - بمعجمتين- أبو ساسان، ويقال: أبو الأزهر السَّلِيميّ- بفتح المهملة-
البصريّ، ويقال: المروزيّ، وقيل: هما اثنان، ثقة(١) [٦].
روى عن عطاء، وطاوس، والضحاك بن مزاحم. وعنه شعبة، وهُشيم. قال ابن أبي
حاتم: مُشاش الخراسانيّ، أبو ساسان، سألت أبي عنه؟، فقال: إذا رأيت شعبة يُحدّث
عن رجل، فاعلم أنه ثقة، إلا نفرًا بأعيانهم، قلت: فما تقول أنت فيه؟، قال: صدوق،
صالح الحديث، سئل عنه أبو زرعة، فقال: أبو ساسان بصريّ، ليس به بأس، وقال أبي
ثقة. ثم قال: مُشاش أبو الأزهر السَّلِيميّ، قال البخاريّ: هما مُشاشان، وقال أبي: هما
مُشاش. وقال حاتم بن الليث الجوهريّ، عن ابن معين: مُشاش السَّلِيميّ، لم يرو عنه
غير شعبة، ومُشاش أبو ساسان روى عنه هشيم، كان يكنيه، وكان شعبة يسمّيه. وقال
عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف،
وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٠٨/
٣٠٣٥ - وفي ((الكبرى)) ٤٠٣٨/٢٠٩ .
والحديث يدلّ أن من كان من الضعفاء، سواء كان رجلاً، أو امرأةً له أن يتقدّم إلى
منى بليل، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٣٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ شَؤَّالٍ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَِّيِّ نَّهِ، أَمَرَهَا أَنْ تُغَلْسَ،
مِنْ جَمْعٍ، إِلَى مِنَّى) .
(١) - قال عنه في ((التقريب)): ((مقبول))، والحقّ أنه ثقة؛ لما تبيّن من توثيق أبي حاتم، وابن معين،
وابن حبان له، ولم يتكلّم فيه أحد. والله تعالى أعلم.

٢٠٨- (تقْدِيمُ النَِّاءِ، وَالصِّبْتَانِ ... - حديث رقم ٣٠٣٦
٣٩٧ =
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان الإمام الحجة الثبت البصريّ [٩]٤/٤.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦]٣٢/٢٨.
٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل،
كثير الإرسال [٣]١٥٤/١١٢.
٥- (سالم بن شوال) -باسم الشهر - المكيّ، مولى أم حبيبة، ثقة [٣].
روى عن مولاته. وعنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار. قال النسائيّ: ثقة.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن عيينة: وسالم بن شوّال رجل من أهل مكة، لم
نسمع أحدًا، يُحدث عنه إلا عمرو بن دينار. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما
حديث الباب فقط.
٦- (أم حبيبة) رملة بن أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين رضي الله تعالى
عنها، مشهورة بكنيتها، ماتت سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: تسع
وخمسين، تقدّمت ترجمتها في ٧٠٤/١٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وشيخه، ويحيى
بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِمِ بْنِ شَؤَالٍ) مولى أم حبيبة (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها
(أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، أَمَرَهَا أَنْ تُغَلْسَ) بتشديد اللام، من التغليس، وهو السير
بغلس، قال الفيوميّ: الغَلَس بفتحين: ظلام آخر الليل، وغلَّس القوم تغليسًا: خرجوا
بِغَلَس، وغلّس في الصلاة: صلّاها بغَلَس انتهى (مِنْ جَمْع) -بفتح الجيم، وسكون
الميم- هي مزدلفة، تقدم سبب تسميتها بذلك قريبًا (إِلَى مِنَّى) والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٣٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٣٠٣٦/٢٠٨ و ٣٠٣٧ - وفي («الكبرى» ٢٠٩ /٤٠٣٩ و٤٠٤٠ . وأخرجه
(م) في ((الحجّ)) ١٢٩٢ (أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٨٥٠ و٢٦٨٥٩ (الدارميّ) في
((المناسك))١٨٨٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٣٠٣٧- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمِ بْنِ شَؤَالٍ،
عَنْ أُمّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُغَلِّسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَه مِّنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنْى) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا
غير مرّة. و((عبد الجبار بن العلاء)): هو أبو بكر العطار البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من
صغار [١٠]١٩٩/١٣٢. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار.
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدم بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٠٩- (الرُّخْصَةُ لِلنَّسَاءِ فِي الإِفَاضَةِ
مِنْ جْمع قَبْلَ الصُّبْحِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن هذه الترجمة، والتي قبلها متقاربتان في
المعنى، فكان الأولى جعلهما ترجمة واحدة. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٣٨- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) مَنْصُورٌ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّمَا أَذِنَ النَِّيُّ وَّهِ لِسَوْدَةً فِي
الْإِفَاضَةِ، قَبْلَ الصُّبْحِ،َ مِنْ جْع؛ لِأَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٢١٠- (الوَقْتُ الذِّي يُصَلَّ فِيهِ ... - حديث رقم ٣٠٣٩
٣٩٩ ==
تقدّموا غير مرّة. و((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدورقيّ. و((القاسم)): هو ابن محمد بن
أبي بكر الصدّيق، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
وقوله: ((ثبطة)) -بفتح المثلّثة، وكسر الموحدة، أو سكونها، وطاء مهملة: أي ثقيلة
بطيئة. قال السيوطيّ في ((شرحه)): وروي: (بطينة)) انتهى.
والحديث متفقٌ عليه، وسيأتي بأتمّ مما هنا في -٢١٤/ ٣٠٥٠- ويأتي شرحه، وبيان
مسائله هناك، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
. أنیب).
٢١٠- (الْوَقْتُ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ
الصُّبْحُ بِالْمُزْدَلِفَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((يُصَلَّى)) بالبناء للمفعول، و((الصبح)) نائب
فاعله. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٣٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَّ اللّهِ وَ، صَلَّى
صَلَاةَ قَطُ إِلَّا لِمِيقَاتِها، إِلَّا صَلَاَةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، صَلَّاهُمَا بِجَمْعٍ، وَصَلَاةَ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ
قَبْلَ مِیقَاتِها).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير. و((عمارة)): هو ابن عمير
الليثيّ الكوفيّ، الثقة الثبت. و((عبد الرحمن بن يزيد)): هو النخعيّ الكوفيّ الثبت، أخو
الأسود.
وقوله: ((وصلاة الفجر)) بالنصب بتقدير فعل، أي وصلّى صلاة الفجر الخ. ولفظ
((الكبرى)): ((وصلّى الفجرَ)) بصيغة الفعل، وهو واضح.
قال النووي رحمه اللّه تعالى: المراد به قبل وقتها المعتاد، لا قبل طلوع الفجر؛ لأن
ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين، والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا
اليوم أشدّ، وآكد، وقال أصحابنا: معناه أنه بَّ ر كان في غير هذا اليوم يتأخر عن أول

٤٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
طلوع الفجر لحظة إلى أن يأتيه بلالٌ، وفي هذا اليوم لم يتأخّر لكثرة المناسك فيه،
فيحتاج إلى المبالغة في التبكير؛ ليتسع الوقت لفعل المناسك. انتهى (١).
وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث من مشكلات الأحاديث، وقد تكلّمتُ
عليه في ((حاشية صحيح البخاريّ))، وأبي داود، والصحيح في معناه أن مراده ما رأيته
وَلَّهِ صلّى صلاةً لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها المعتاد، وتقريرها في غير
وقتها المعتاد؛ لما في ((صحيح البخاريّ)) من روايته رضي اللّه تعالى عنه أن رسول الله
وَ لخير قال: إن هاتين الصلاتين حُوّلتا عن وقتهما في هذا المكان)»، وهذا معنى وجيه،
ويُحمل قوله: ((قبل ميقاتها)) على هذا الميقات المعتاد، ويقال على أنه غلّس تغليسًا
شديدًا، يخالف التغليس المعتاد، لا أنه صلّى قبل أن يطلع الفجر، فقد جاء في حديثه،
وحديث غيره أنه صلّى بعد طلوع الفجر، وعلى هذا المعنى لا يرد شيء سوى الجمع
بعرفة، ولعله كان يرى ذلك للسفر. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن المراد بقوله: ((قبل ميقاتها)» الوقت
المعتاد، لا أنه صلّى قبل طلوع الفجر؛ لما في رواية البخاريّ، في حديث عبد الله بن
مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، وفيه: «فلما طلع الفجر، قال: إن النبيّ وَلّ كان لا يصلّي
هذه الساعة إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان
تُحوّلان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ
الفجر، قال رأيت النبيّ ◌َلتر يفعله)).
فهذا نصّ صريح من ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه في كونه وَله ما صلى الصبح إلا
بعد طلوع الفجر، فتبيّن بهذا أن المراد بقوله: ((قبل ميقاتها)) هو الوقت المعتاد. والله
تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث فيه مُستَوفّى في ((كتاب الصلاة)) برقم ٤٩/
٦٠٨، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) - ((شرح مسلم))٩ / ٤١.
(٢) - ((شرح السنديّ)) ٢٦٢/٥ - ٢٦٣.