النص المفهرس
صفحات 341-360
١٩٦ - (الرَّوَحُ يَوْم عَرَفَةٌ) - حديث رقم ٣٠٠٦ ٣٤١ - بالضعف، فإذا قوي، أو كان في الشتاء، ولم يضعف زالت الكراهة. ولا وجه لهذه التفرقة . قال الحافظ في ((الفتح)): ومذهب الجمهور يستحبّ فيه الصوم، وإن كان حاجًا إلا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مُخِلًّا له في الدعوات، واحتجوا بحديث أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)). رواه مسلم. انتهى. وأما حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه المذكور، فأجابوا عنه أنه ليس فيه نهي صريح عن صوم يوم عرفة، وكونه عيدًا لا ينافي الصوم، مع أنه مختصّ بأهل عرفة، والظاهر أن قوله: ((أيام أكل، وشرب)) راجع إلى يوم النحر، وأيام التشريق. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((الظاهر أن قوله الخ)) فيه نظر لا يخفى؛ لأن الظاهر أنه راجع للكلّ، فالأرجح أن صوم يوم عرفة إنما يُستحبّ لغير من كان بعرفات حاجًّا؛ لأن حديث عقبة رضي اللّه تعالى عنه المذكور في الباب ظاهر في ذلك. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قيل: الحكمة في ذلك أنه ربما كان مؤدّيًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر، والقيام بأعمال الحجّ في ذلك اليوم. وقيل: الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول الثاني هو الظاهر، لظاهر حديث عقبة بن عامر رضي اللّه تعالى عنه المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)». ١٩٦- (الزَّوَاحُ يَوْمٍ عَرَفَةَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد بالرَّوَاح هنا الذهاب، قال الفيّوميّ: راح يَرُوح رَوَاحًا، وتروّح مثله، يكون بمعنى الغُدُوّ، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ الآية [سبأ: ١٢] أي ذهابها ورجوعها، وقد يتوهّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح، والغدوّ ٣٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عند العرب يُستعملان في المسير أيّ وقت كان من ليل أو نهار. قاله الأزهريّ وغيره (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٠٦- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْهَبُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَزْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، يَأْمُرُهُ أَنْ لَأَ يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ، فِي أَمْرِ الْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، جَاءَهُ ابْنُ عُمَرَ، حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِهِ، أَيْنَ هَذَا؟، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَالَ لَهُ !: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: الرَّوَاحَ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أُفِيَضُ عَلَيَّ مَاءَ، ثُمَّ أَخْرُجُ إِلَيْكَ، فَانْتَظَرَهُ، حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَأَقْصِرِ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: صَدَقَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ المصريّ، ثقة، من صغار[١٠]١٤٤٩ . ٢- (أشهب) بن عبد العزيز بن داود القيسيّ، أبو عمرو المصريّ، يقال: اسمه مسكين، ثقة فقيه [١٠]٢٤٢/١٥١. ٣- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه المدنيّ [٧]٧/ ٧. ٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ الفقيه [٤]١/١. ٥- (سالم بن عبد الله) بن عمر العَدَوِيُّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]٤٩٠/٢٣. ٦- (ابن عمر) بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وأشهب، فمصریّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. (١) - ((المصباح المنير)) في مادة راح. ٣٤٣ ١٩٦ - (الرَّوَحُ يَوْم عَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠٠٦ شرح الحديث (عَنْ سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر، أنه (قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَزْوَانَ) الأمويّ الخليفة (إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ) الثقفيّ حين أرسله إلى قتال ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما (يَأْمُرُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه آمرًا له (أَنْ لَا) نافية (يُخَالِفَ) عبد اللّه (ابْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما (فِي أَمْرِ الْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) ((كان)) هنا تامّة، و((عرفة)) مرفوع على الفاعليّة (جَاءَهُ ابْنُ عُمَّرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ) القائل هو سالم، ووقع في رواية عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ: ((فركب هو وسالم، وأنا معهما))، وفي روايته: ((قال ابن شهاب: وكنت يومئذ صائمًا، فلقيت من الحرّ شدّة)). واختلف الحفّاظ في رواية معمر هذه، فقال يحيى بن معين: هي وَهَمِّ، ابن شهاب لم ير ابن عمر، ولا سمع منه. وقال الذهليّ: لست أدفع رواية معمر؛ لأن ابن وهب روى عن العمريّ، عن ابن شهاب نحوَ رواية معمر. وروى عنبسة بن خالد، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: ((وفَدت إلى مروان، وأنا محتلم)). قال الذهليّ: ومروان مات سنة خمس وستين، وهذه القصّة كانت سنة ثلاث وسبعين انتهى. وقال غيره: إن رواية عنبسة هذه أيضًا وَهَمْ، وإنما قال الزهريّ: وفدت على عبد الملك، ولو كان الزهريّ وفد على مروان لأدرك جلّة الصحابة، ممن ليست له عنهم رواية إلا بواسطة، وقد أدخل مالك، وعُقيلٌ - وإليهما المرجع في حديث الزهريّ- بينه وبين ابن عمر في هذه القصة سالمًا، فهذا هو المعتمد. قاله في ((الفتح)) (١). (فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِهِ) أي خيمة الحجاج (أَيْنَ هَذَا؟) أي قائلاً أين هذا، يعني الحجّاج (فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ) بكسر الميم: أي إزار كبيرٌ (مُعَصْفَرَةٌ) أي مصبوغة بالعصفر (فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ: الرَّوَاحَ) أي قال ابن عمر: الرواح، وهو منصوب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي عجّل الرواح، وهو بالفتح: الذهاب (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) وفي رواية: ((إن كنت تريد أن تصيب السنّة)) (فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟) أي قال الحجاج السنة في هذه الساعة؟ (فَقَالَ لَهُ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (نَعَمْ) أي السنة الرواح في الساعة (فَقَالَ) الحجاج (أُفِيضُ) بضم الهمزة، أي أصب. وفي رواية البخاريّ: ((فأنظرني حتى أفيض على رأسي، ثم أخرجَ)). قال في ((الفتح)): قوله: ((فأنظرني)) بالهمزة، وكسر الضاء (١) - ((فتح)) ٤/ ٣٢٢. = ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ المعجمة: أي أخرني، وللكشميهنيّ بألف، وضم الظاء: أي انتظرني انتهى (عَلَيَّ مَاءَ) أراد ماء الغسل (ثُمَّ أَخْرُجُ إِلَيْكَ، فَانْتَظَرَهُ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) يعني أن الحجاج سار بينٍ سالم وعبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقُلْتُ) القائل سالم (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَأَقْصِرِ الْخُطْبَةَ) بهمزة الوصل، وكسر الصاد المهملة (وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ) قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: كذا رواه القعنبيّ، وأشهب، وهو عندي غلطً؛ لأن أكثر الرواة عن مالك قالوا: ((وعجّل الصلاة))، قال: ورواية القعنبيّ لها وجه؛ لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وافق أشهبَ، والقعنبيَّ عبدُالله بن يوسف عند البخاريّ، فالظاهر -كما قال الحافظ رحمه اللّه تعالى- أن الاختلاف فيه من مالك، وكأنه ذكره باللازم؛ لأن الغرض بتعجيل الصلاة حينئذ تعجيل الوقوف. والله تعالى أعلم. (فَجَعَلَ) الحجاج (يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ) أي ليسمع ما قاله سالم من ابن عمر (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَر) رضي اللّه تعالى عنهما (قَالَ: صَدَقَ) أي صدق سالم فيما قاله من أن السنة قصر الخطبة، وتعجيل الوقوف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٣٠٠٦/١٩٦ - و٣٠١٠/٢٠٠- وفي («الكبرى»٣٩٩٨/١٩٣ و١٩٧/ ٤٠٠٣. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٦٦٠ و١٦٦٣ (الموطأ) في ((الحجّ))٩١١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الرواح يوم عرفة. (ومنها): الغسل للوقوف بعرفة؛ لطلب الحجاج من ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن ينتظره حتى يغتسل، فانتظره، وأهل العلم يستحبّونه. قاله ابن بطال. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ابن عمر انتظره لحمله على أن اغتساله عن ضرورة. نعم روى مالك في ((الموطًا)) عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لوقوفه عشيّة عرفة. (ومنها): ١٩٦ - (الرَّوَحُ يَوْم عَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠٠٦ ٣٤٥ = ما قاله الطحاوي: فيه حجة لمن أجاز لبس المعصفر للمحرم. وتعقّبه ابن المنير في (الحاشية)) بأن الحجاج لم يكن يتقي المنكر الأعظم من سفك الدماء وغيره حتى يتّقي المعصفر، وإنما لم ينهه ابن عمر لعلمه بأنه لا ينجع فيه النهي، ولعلمه بأن الناس لا يقتدون بالحجّاج انتهى ملخّصًا. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الاحتجاج إنما هو بعدم إنكار ابن عمر، فبعد إنكاره يتمسّك الناس في اعتقاد الجواز، وقد تقدّم الكلام على مسألة المعصفر في بابه. (ومنها): ما قاله المهلّب: فيه جواز تأمير الأدون على الأفضل. وتعقّبه ابن المنيّر أيضًا بأن صاحب الأمر في ذلك هو عبد الملك، وليس بحجة، ولا سيما في تأمير الحجاج، وأما ابن عمر، فإنما أطاع لذلك فرارًا من الفتنة. و(منها): ما قاله ابن عبد البرّ: هذا الحديث يدخل عندهم في المسند؛ لأن المراد سنّة رسول اللَّه ◌َ له إذا أطلقت، ما لم تضف إلى صاحبها، كسنة العمرين. قال الحافظ: وهي مسألة خلافية عند أهل الحديث والأصول، وجمهورهم على ما قال ابن عبد البرّ، وهي طريقة البخاريّ ومسلم، ويقويه قول سالم لابن شهاب، إذ قال له: ((أفعل ذلك رسول اللَّه وَّ ر؟ فقال: وهل تتبعون إلا سنته)). رواه البخاريّ. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن إقامة الحجّ إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذلك إليه، وهو واجب عليهم، فعليهم أن يقيموا من كان عالما به. (ومنها): أن الأمير يعمل في الدين بقول أهل العلم، ويصير إلى رأيهم. (ومنها): أن فيه مُداخلة العلماء السلاطين، وأنه لا نقيصة عليهم في ذلك. (ومنها): فتوى التلميذ بحضرة معلمه عند السلطان وغيره. (ومنها): ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يسأل عنه. (ومنها): تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس. (ومنها): احتمال المفسدة الخفيفة لتحصيل المنفعة الكبيرة، يؤخذ ذلك من مضيّ ابن عمر إلى الحجاج، وتعليمه. (ومنها): الحرص على نشر العلم لانتفاع الناس به. (ومنها): صحة الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام. (ومنها): أن التوجّه إلى المسجد الذي بعرفة حين تزول الشمس للجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر سنة، ولا يضرّ التأخّر بقدر ما يشتغل به المرء من متعلّقات الصلاة كالغسل ونحوه. (ومنها): أن تعجيل الصلاة يوم عرفة سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر، ثم يصلي العصر بِإِثْرِ السلام والفراغ. (ومنها): مشروعية الخطبة يوم عرفة، وأن السنّة فيها أن تكون قصيرة. (ومنها): المبادرة إلى الوقوف بعد الجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٩٧ - (التَّلْبِيَّةُ بِعَرَفَةَ) ٣٠٠٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِّ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسََ يُلَبُّونَ؟، قُلْتُ: يَخَافُّونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسِ مِنْ فُسْطَاطِهِ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، فَإِنَهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغْضِ عَلِيّ) . رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (أحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [١١]١٦٠/ ٢٥٢. ٢- (خالد بن مخلد) القطوانيّ، أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوق يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] ١٩٦/ ٣٠٧. ٣- (علي بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمدانيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة عابد، أخو الحسن بن صالح [٧] ١٩٢ / ٣٠٧. ٤- (ميسرة بن حبيب) النَّهْديّ -بفتح، فسكون- أبو حازم الكوفيّ، صدوق [٧]١٣/ ٨٩٢ . ٥- (المنهال بن عمرو) الأسديّ مولاهم الكوفي، صدوقٌ ربما وهم [٥]٨٩٢/١٣. ٦- (سعيد بن جبير) الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه[٣]٤٣٦/٢٨. ٧- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ميسرة، فقد تفرّد به المصنف، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتيا. والله تعالى أعلم. = ٣٤٧ ١٩٨- (الْخُطْبَةُ بِعَرَفَةَ قَبَلَ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ٣٠٠٨ شرح الحديث (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاس) رضي اللّه تعالى عنهما (بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟، قُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةً) رضي الله تعالى عنه، ولعله - والله أعلم- لا يرى التلبية في عرفة، ويُعْتَذَرُ عنه بأنه لم يعلم بالسنة (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (مِنْ فُسْطَاطِهِ) بضم الفاء، وكسره: بيتٌ من الشعر، جمعهَ فَساطيط (فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغْضٍ عَلِيٍّ) رضي اللّه تعالى عنه. يعني أنه كان يتقيّد بالسنة، فكان يلبّي يوم عرفة. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما يحتمل أن يكون لما رأى معاوية رضي اللّه تعالى عنه ترك التلبية بعرفة ظنّ أن تركه لبغض عليّ رضي الله تعالى عنه، والظنّ قد يخطىء. والذي يظهر أن معاوية إنما تركه لعدم علمه بسنية التلبية فيها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا - ٣٠٠٧/١٩٧- فقط . ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: ((تركوا السنة))، وقد سبق قريبًا أن قول الصحابيّ: ((من السنة كذا)) له حكم الرفع، عند جماهير المحدّثين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٩٨- (الْخُطْبَةُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ) ٣٠٠٨- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بَّهِ، يَخْطُبُ عَلَى جَمَلِ أَحْمَرَ، بِعَرَفَةَ، قَبْلَ الصَّلَاةِ) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٤/٤. ٢- (يحيى) بن سعيد بن فرّوخ القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت الكوفيّ [٧]٣٧/٣٣ . ٤- (سلمة نُبيط) -بنون، وموحّدة، مصغّرًا- ابن شَرِيط - بفتح المعجمة - ابن أنس ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الأشجعيّ، أبو فِرَاس الكوفيّ، ثقة، يقال: اختلط [٥]. وثقه أحمد، وأبو داود، وابن معين، والنسائيّ، والعجليّ، وعثمان بن أبي شيبة، وابن حبّان. وقال أبو حاتم: صالح ما به بأس. وكان وكيع يفتخر به، يقول: حدثنا سلمة بن نُبيط، وكان ثقة. وقال محمد بن عبد الله بن تُمير: من الثقات، كان أبو نعيم يفتخر به. وقال البخاريّ: يقال: اختلط بأخرة. روى له أبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٥- (أبوه) نُبيط بن شريط -الأول بالتصغير، والثاني بفتح الشين المعجمة- الأشجعيّ الكوفيّ، صحابيّ صغير، يكنى أبا سلمة. رَوَى عن النبيّ وَّه وعن سالم بن عُبيد، وأنس بن مالك. وعنه ابنه سلمة، ونعيم بن أبي هند، وأبو مالك الأشجعيّ. قال ابن أبي حاتم: نُبيط بن شريط الأشجعيّ الكوفيّ والد سلمة بن نُبيط، له صحبة، وهو نُبيط بن شريط بن جابر، من بني مالك بن النجّار، زوّجه النبيّ وَلّ الفريعة بنت أسعد بن زرارة، وبقي نُبيط بعد النبيّ وَّ زمانًا. قال عثمان الدارميّ: سألت ابن معين عن نبيط ابن شريط؟ فقال: هو أبو سلمة ثقة. كذا قال ابن أبي حاتم: وقد فرق ابن عبد البرّ في ((الصحابة)) بين نُبيط بن شريط بن أنس بن هلال الأشجعيّ، وبين نُبيط بن جابر الأنصاريّ النجاريّ، وهو الصواب. قال الحافظ : واعتمد صاحب ((الكمال)) قول ابن حاتم، فقال: إن اسم شَرِيط جابر، وهذا ليس بشيء؛ لأن الأشجعيّ، والنجّاريّ لا يجتمعان في نسب واحد. وممن فرّق بينهما ابن سعد، فذكر نُبيط بن جابر فيمن شهد أحدًا. وأما أبو القاسم البغويّ، فقال في نُبيط بن جابر: ليس له حديث، وقال في نُبيط بعد أن أورد له حديثه أنه قال: كنت مع أبي في حجة الوداع الحديث: لا أعلم له غير هذا انتهى. وإنما قال ابن معين فيه: إنه ثقة، لأنه ليس له عنده إلا مجرّد الرؤية، فبنى على أنه تابعيّ. انتهى. روى له أبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سلمة بن نُبَيْط وأبيه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم. ١٩٨ - (الْخُطْبَةُ بِعَرَفَةَ قَبَلَ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ٣٠٠٨ ٣٤٩ = شرح الحديث (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ أَبِيهِ) هكذا عند المصنف بدون واسطة، وهو الصحيح، ووقع عند أبي داود: ((عن سلمة بن نبيط، عن رجل من الحيّ، عن أبيه نبيط»، فأدخل واسطة بين سلمة، وأبيه، والصحيح الأول، فقد وقع التصريح بالتحديث في رواية أحمد من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن الْحِمّانيّ، قال: ثنا سلمة بن نبيط، قال: كان أبي، وجدّي، وعمّي مع النبيّ وَّه قال: أخبرني أبي، قال: رأيت النبيّ وَلّـ يخطب عشية عرفة على جمل أحمر ... )) (قَالَ: رَأَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَخْطُبُ عَلَى جَلِ أَحْمَرَ) [فإن قلت]: هذا الحديث يعارض ما ثبت في حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه الطويل أنه وَ لهير كان يخطب على ناقته القصواء، ونحوه في حديث أسامة رضي اللّه تعالى عنه الآتي بعد ثلاثة أبواب، فكيف يجمع بينهما؟. [أجيب]: بأنه يحتمل أن نُبِيطًا رَآهَ وَّل على بُعد، فظنّ أنه على بعير، فأخبر به. ويحتمل أنه وَ ل ردفعل الاثنين؛ لطول وقت الوقوف فركب ناقة، ثم جملاً، أو بالعكس؛ تخفيفًا على الدآبة. والله تعالى أعلم. (بِعَرَفَةَ، قَبْلَ الصَّلَاةِ) فيه أن محلّ الخطبة قبل الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث نُبيط بن شريط رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحیح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٣٠٠٨/١٩٨ - وفي ((الكبرى)) ٤٠٠٠/١٩٥ . وأخرجه (د) في ((المناسك)) ١٩١٦ (ق) في ((المناسك))١٢٨٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)» ١٨٢٤٦ و١٨٢٤٨ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الخطبة بعرفة قبل الصلاة. قال الزرقانيّ: في الحديث أنه يستحبّ للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور، والمدنيون، والمغاربة من المالكيّة، وهو المشهور، فقول النوويّ: خالف المالكية. فيه نظر، إنما هو قول العراقيين منهم، والمشهور خلافه، واتفق الشافعية أيضًا على استحبابها خلافًا لما توهّمه عياض، والقرطبيّ انتهى. ٣٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ قال النوويّ: ومذهب الشافعيّ أن في الحجّ أربع خطب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر. والثانية هذه التي ببطن عرنة يوم عرفة. والثالثة يوم النحر. والرابعة يوم النفر الأول، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق. قال أصحابنا: وكلّ هذه الخطب أفراد، وبعد الظهر إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويعلّمهم في كلّ خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. والله أعلم انتهى كلام النوويّ(١). وعند الحنفيّة في الحجّ ثلاث خطب أولاها وثانيتها ما ذكره النوويّ، وثالثها بمنى في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كلّ خطبتين بيوم، وكلها سنة. والراجح في تعيين أيام الخطبة هو ما ذهب إليه الشافعية(٢)، كما سبق في كلام النوويّ. والله تعالى أعلم. (ومنها): استحباب وقوف الإمام على الدابة؛ ليراه الناس، فيتعلّموا منه أفعال الحجّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٩٩- (الْخُطْبَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى النَّاقَةِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث الذي أورده المصنّف رحمه الله تعالى في الباب ليس مطابقًا للترجمة، إلا على تكلّف، وذلك أنه لا فرق بين الجمل والناقة في الركوب حال الخطبة، فإذا ثبت أنه وي له خطب على الجمل جازت الخطبة على الناقة من غیر فرق. لكن كان الأولى له أن يأتي بالأحاديث التي فيها النصّ على أنه بَيّ خطب على الناقة، فإنها أصحّ من حديث الجمل، فقد أخرجهامسلم وغيره، وقد أجاد في ((الكبرى)) حيث أورد حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه فيه، فقال: (١) - ((شرح النوويّ على صحيح مسلم)٤١١/٨٧. (٢) - راجع ((المرعاة ٩/ ٢٠ . ١٩٩- (الْخُطْبَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى النَاقَةِ) - حديث رقم ٣٠٠٩ ٣٥١ ٤٠٠١-١ - أخبرني إبراهيم بن هارون، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فقلت: أخبرني عن حجة النبيّ وَالر، قال: جاز رسول اللّه ◌َ ل حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنَمِرَةَ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرُحلت له حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، فقال: ((إن دماءكم، وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أَضَعُهُ دماؤنا (١)، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضَعًا في بني سعد، وقتلته هُذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربا عباس بن عبد المطّلب، فإنه موضوع كلّه، اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وإن عليهم (٢) أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهنّ ضربًا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ، وكسوتهنّ بالمعروف، فقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعدي، إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم مسؤولون عنّي، فما أنتم قائلون؟))، قالوا: نشهد أن قد بلغت، وأدّيت، ونصحت، فقال بإصبعه السبّابة، يرفها إلى السماء، ويسلتها(٣) إلى الأرض: ((اللَّهم اشهد، اللَّهمَ اشهد)) ثلاثًا(٤). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٠٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَخْطُبُ يَوْمَ عَرَفَةَ، عَلَى جَمَلِ أَخْمَرَ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن آدم)): هو الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠]١١٥/٩٣. و((ابن المبارك)): هو عبد اللّه الإمام الحجة المشهور. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٥٤) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم. والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم (١) - هكذا في نسخة ((الكبرى)) ((دماؤنا)) بدون ((من))، والصواب ما في ((صحيح مسلم)): ((من دمائنا» . (٢) - هكذا نسخة ((الكبرى))، والذي في ((مسلم)): ولكم عليهنّ أن لا يوطئن الخ))، وهو الأشبه. والله أعلم. (٣) - هكذا في ((الكبرى))، والذي في ((مسلم)): ((وينكتها إلى الناس))، ومَعْنَى ((يسلُت)) يرمي، يقال: سلت بسلحه: رماه، قاله في ((ق))، والمعنى هنا رمى بأصبعه إلى الأرض مشيرًا بها. والله تعالى أعلم. (٤) - راجع ((السنن الكيرى)) للنسائيّ ج٢/ ص٤٢١ - ٤٢٢ . ٣٥٢ - شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٠٠- (قَصْرُ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ) ٣٠١٠- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي(١) مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبَدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، جَاءَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، يَوْمَ عَرَفَةً حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ، فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ،َ فَقَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَالِمٌ: فَقُلْتُ لِلْحَجَّاجِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ الْيَوْمَ السُّنَّةَ، فَأَقْصِرِ الْخُطْبَةَ، وَعَجْلِ الصَّلَاةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قبل ثلاثة أبواب، ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢٠١- (الْجَمْعُ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ) ٣٠١١- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ، يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، إِلَّا بِجَمْعِ وَعَرَفَاتٍ) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم في ((كتاب (١) - وفي نسخة: ((عن مالك)). ٢٠٢- (بَأَبُ رَفْع الْدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بِعَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠١٢ ٣٥٣ الصلاة)) برقم -٦٠٨/٤٩- وتقدّم شرحه ، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وهو ثقة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ. و((سليمان)): هو الأعمش. و((عمارة ابن عمير)): هو التيميّ الكوفيّ. و((عبد الرحمن بن يزيد)): هو النخعيّ الكوفيّ، أخو الأسود. و((عبد الله)): هو ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه. وقوله: ((يصلي الصلاة لوقتها الخ)) وفي الرواية المتقدّمة في الباب المذكور، من طريق سفيان الثوريّ، عن الأعمش: ((ما رأيت النبيّ وَّر جمع بين صلاتين إلا بجمع، وصلى الصبح يومئذ قبل وقتها)). وهذا الحديث احتجّ به الحنفية على منع الجمع بين الصلاتين في السفر؛ لأن ابن مسعود من ملازمي النبيّ وَّر، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في المزدلفة. وأجاب الجمهور القائلون بجواز الجمع في السفر بأنه نفى علمه، والمثبت مقدم على النافي؛ لأن معه زيادة علم. وقال النووي في ((شرح مسلم)): والجواب عنه أنه مفهوم، والحنفية لا يقولون به، ونحن نقول بالمفهوم، ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع، ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات. والله أعلم(١). وقد تقدم تمام البحث في مسألة الجمع بين الصلاتين، وتحقيق الخلاف فيها، وأن الحقّ مع القائلين به في ((كتاب الصلاة))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٠٢ - (بَابُ رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ) ٣٠١٢- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: كُنْتُ رَدِيفَ النَِّيِّ بَّ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا، فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى) . (١) - ((شرح مسلم٩٩/ ٣٧. ٣٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير مرّة. و((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدورقيّ. و((عبد الملك)): هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزميّ الكوفيّ. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، فإنه صريح في مشروعيّة رفع اليدين عند الدعاء بعرفة، وفيه أنه لا بأس بتناول شيء بإحدى يديه، إذا اضطرّ إلى ذلك، وتبقى الأخرى مرفوعة. والله تعالى أعلم. وقوله: ((وسقط خطامها)) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة -: ما يُجعل على خطم البعير، وهو مقدم أنفه وفمه، وجمعه خُطُم - بضمتين- مثلُ كتاب وكتُب. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٠٢/ ٣٠١٢ - وفي ((الكبرى)) ٤٠٠٧/٢٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَيُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَسَائِرُ الْعَرَبِ، تَقِفُ بِعَرَفَةَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ وَِّ، أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠]٢/٢. ٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره[٩]٢٦/ ٣٠. ٣- (هشام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربّما دلّس [٥]٦١/٤٩. ٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]٤٤/٤٠. ٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وأبي معاوية، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): (١) - وفي نسخة: أخبرنا)). ٣٥٥ === ٢٠٢- (بَأَبُ رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بِعَرَفةٌ) - حديث رقم ٣٠١٣ أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة رضي اللَّه تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ) تَعْنِي أنها لا تجاوزها، بل تفيض منها إلى منى، وذلك لأن الشيطان استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم (وَيُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) -بضمّ، فسكون- جمع أحمس، والأحمس في اللغة: الشديد، قال في ((القاموس)): حَمِسَ، كفرِحَ: اشتدّ، وصَلُبَ في الدين والقتال، فهو حَمِسٌ، وأحمس، وهم حُمْسٌ، والحمسُ: الأمكنة الصُّلْبة، جمع أحمس، وهو لقب قُريش، وكنانة، وجَدِيلة، ومن تابعهم في الجاهليّة؛ لتحمّسهم في دينهم، أو لالتجائهم بالحَمْساء، وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد انتهى. وروى إبراهيم الحربيّ في ((غريب الحديث)) من طريق ابن جريج، عن مجاهد، قال: الحُمْس: قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل، كالأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وغزوان، وبني عامر، وبني صعصعة، وبني كنانة، إلا بني بكر. والأحمس في كلام العرب الشديد، وسمّوا بذلك لما شدّدوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلّوا بحجّ، أو عمرة لا يأكلون لحمًا، ولا يضربون وَبَرًا، ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. وذكر الحربيّ أيضًا في ((غريبه)) عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، قال: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس من غير قريش ثقيف، وليث، وخزاعة، وبنو عامر بن صعصعة -يعني وغيرهم- قال الحافظ: وعرف من هذا أن المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قريشية، لا جميع القبائل (١) المذكورة انتهى (١) . (وَسَائِرُ الْعَرَبِ، تَقِفُ بِعَرَفَةَ) أنث الفعل مع أن ضمير الفاعل يعود إلى ((سائر))؛ لإضافته إلى ((العرب))، وهي مؤنثة باعتبار القبيلة (فَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ وَّهِ، أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعَ مِنْهَا) أي يرجع من عرفة إلى المزدلفة (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا) أي ادفعوا أنفسكم، أومطایاكم يا معشر قريش. وقال في ((الفتح)): وعُرف برواية عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أن المخاطب بقوله (١) - ((فتح) ٣٢٨/٤ - ٣٢٩. ٣٥٦ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ تعالى: ﴿أفيضوا﴾ النبيّ وَّر، والمراد من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم انتهى. (﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾) أي غيركم، وهو عرفات، والمقصود رجوعهم من ذلك المكان، ولا شكّ أن الرجوع منه يستلزم الوقوف فيه؛ لأنه مسبوق به، فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس، وهو عرفة(١) . واختلف المفسّرون في المراد بالناس، فقيل: سائر الناس، غير الحُمْس. وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الضحاك أن المراد به هنا إبراهيم الخليل عليه السلام، ويؤيّده حديث يزيد بن شيبان الآتي قريبًا، وعنه المراد به الإمام، وقيل: آدمَالتَّلُ. ويؤيّده القراءة في الشواذّ ((الناسي)) بكسر السين، بوزن القاضي، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنًا إِلَى ءَدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ﴾ [طه: ١١٥]. والأول أصحّ. نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم الكَل، كما سيأتي في حديث يزيد بن شيان الآتي قريبًا، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصّة بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، بل هو أعمّ من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة رضي اللّه تعالى عنها. وأما الإتيان في الآية بقوله: ﴿ثم﴾ فقيل: هي بمعنى الواو، وهذا اختيار الطحاويّ. وقيل: لقصد التأكيد، لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا اللَّه عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس، لا من حيث كنتم تُفيضون. قال الزمخشريّ: وموقع ((ثم)) هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غيركريم، فتأتي (ثم)) لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بَيَّنَ لهم مكان الإفاضة، فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب، والأخرى خطأ . وقال الخطابيّ: تضمن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال، وزاد: وبَيَّنَ الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: (١) - شرح السندي ٢٥٥/٥ . (٢) - ((فتح)) ٣٢٩/٤ - ٣٣٠. و((عمدة القاري)) ١٦٢/٨. ٢٠٢- (بَأَبُ رَقْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بِعَرَفةً) - حديث رقم ٣٠١٤ ٣٥٧ === حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٢٠٢/ ٣٠١٣- وفي ((الكبرى)» في ٤٠١٣/٢٠٢ وفي ((التفسير)) ١١٠٣٤. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٦٦٥ وفي ((التفسير))٤٥٢٠ (م) في ((الحجّ)) ١٢١٩ (د) في ((المناسك))١٩١٠ (ت) في ((الحجّ)) ٨٨٤ (ق) في ((المناسك)) ٣٠١٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): وجوب الوقوف بعرفة، وأنّ الحجّ لا يتمّ إلا به. (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة، وذلك حيث امتنعت قريش من الوقوف بعرفة؛ لكونه خارج الحرم، فأمروا به.، فالمراد بالإفاضة الإفاضة من عرفة، وإن كان ظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة؛ لأنها ذكرت بلفظة ((ثم)) بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام. وأجاب بعض المفسّرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام، فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس(١). (ومنها): أن الوقوف بها كان من شريعة إبراهيمَالتَّلُ، فكانت العرب متمسّكة به، إلا ما كان من قريش، فهدى اللَّه تعالى نبيّه وَّل إليه. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث، والأحاديث المذكورة بعده ليست مطابقة لترجمة الباب، بل هي من أحاديث الباب التالي، فكان الأولى للمصنف إيرادها هناك، فليتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ، يَوْمَ عَرَفَةً، فَرَّأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ وَاقِفًا، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذَا؟، إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْحُمْسِ) . رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١. ٢- (سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الحافظ [٨]١/١. ٣- (عمرو بن دينار) الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة (١) - ((فتح)» ٣٢٩/٤. ٣٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ثبت [٤]١٥٤/١١٢. ٤- (محمد بن جبير بن مطعم)) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [٣] ٦٥ / ٠٩٨٧ ٥- (أبوه) جُبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنه، كان عارفًا بالأنساب، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين، وتقدم في ١٥٨/ ٢٥٠ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم) رحمه اللّه تعالى (عَنْ أَبِيهِ) جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَضْلَّلْتُ بَعِيْرًا لي) أي فقدته، يقال: ضلّ البعير: إذا غاب، وخفي موضعه، وأضللته بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأضللت الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضّلِلْته، ولا تقل: أضللته بالألف. وقال ابن الأعرابيّ: أضلّني كذا بالألف: إذا عجزت عنه، فلم تقدر عليه. وقال في ((البارع)): ضَلَّني فلانٌ، وكذا في غير الإنسان يَضِلَّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تهتد إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْته. وقال الفارابيّ: أضللتُهُ بالألف: أضعته. انتهى (١) (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ، يَوْمَ عَرَفَةَ) الجارّ، والظرف متعلقان بـ((أطلب)) يعني أنه ذهب لطلب بعيره في الموضع المسمّى بعرفة، في يوم بعرفة (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا) أيَ بعرفة (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذَا؟) إشارة إلى النبيّ *. وهذا تعجب من جبير بن مطعم، وإنكار منه لما رأى النبيّ وَه واقفًا بعرفة (إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْحُمْسِ) تقدّم معناه. أي فما باله يقف بعرفة، والحمس لا يقفون بها؛ لأنهم لا يخرجون من الحرم. وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي عمر جميعًا عن سفيان: ((فما له خرج من الحرم)). وزاد مسلم في روايته عن عمرو الناقد، وأبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بعد قوله: ((فما شأنه ههنا؟)): ((وكانت قريش تُعدّ من الحمس)). وهذه الزيادة توهم أنها من أصل الحديث، وليس كذلك، بل هي من قول سفيان، بينه الحميديّ في («مسنده)) عنه، ولفظه متّصلاً بقوله: ((فما شأنه ههنا؟)) قال سفيان: والأحمس الشديد على دينه، وكانت قريش تُسمّى الحمس، وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم، استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا (١) - ((المصباح المنير)) في مادة ضل. : ٣٥٩ ٢٠٢- (بَأَبُ رَفْع الْدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بِعَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠١٤ لا يخرجون من الحرم. ووقع عند الإسماعيليّ من طريقيه بعد قوله: ((فما له خرج من الحرم؟)) قال سفيان: الحمس -يعني قريشًا- وكانت تسمّى الحمس، وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل اللّه، لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. انتهى. وروى ابن خزيمة، وإسحاق بن راهويه في («مسنده)) موصولاً من طريق ابن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمّه نافع بن جبير، عن أبيه، قال: ((كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول اللَّه وَّر في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا)). ولفظ يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في ((المغازي)) مختصرًا، وفيه: ((توفيقًا من اللَّه له)). وأخرجه إسحاق أيضًا عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء أن جبير بن مطعم، قال: ((أضللت حمارًا لي في الجاهليّة، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول اللَّه وَل﴾ واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن اللَّه وفقه لذلك)). قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير أيضًا، كما تقدّم. وتضمّن ذلك التعقيب على السهيليّ حيث ظنّ أن رواية جبير لذلك كانت في الإسلام في حجة الوداع، فقال: انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حجّ بالناس عّاب سنة ثمان، وأبو بكر سنة تسع، ثم قال: إما أن يكونا وقفا بجمع، كما كانت قريش تصنع، وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم. وقال الكرمانيّ: وقفة رسول اللَّه ◌َ له بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلمًا؛ لأنه أسلم يوم الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكارًا، أو تعجبًا، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس، فلا إشكال، ويحتمل أن يكون لرسول الله وَلَ﴾ وقفة بعرفة قبل الهجرة انتتهى ملخّصًا. قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد كما بيّته قبلُ بدلائله، وكأنه تبع السهيليّ في ظنّه أنها حجة الوداع، أو وقع له اتفاقًا. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) - ((فتح)» ٣٢٨/٤ - ٣٢٩. ٣٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مسألتان تتعلقان بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٠١٤/٢٠٢ - وفي («الكبرى» ٤٠٠٩/٢٠١. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٦٦٤ (م) في ((الحج))١٢٢٠ (أحمد) في ((مسند المدنيين)) ١٦٢٩٥ و١٦٢٣٥ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨٧٨. وفوائد الحديث تعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٥- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ شَيْبَانَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِعَرَفَةَ، مَكَانَا بَعِيدًا مِنَ الْمَوْقِفِ، فَأَتَانًا ابْنُ مِرْبَع الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ إِلَيْكُمْ، يَقُولُ: ((كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمَّ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِذْثٍ مِنْ إِرْثٍ أَبِيِكُمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ»). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (عمرو بن عبد الله بن صفوان) بن أُميّة بن خَلَف الجمحيّ المكيّ، صدوق شريف [٤]. روى عن كُلَّدَة بن الحنبل، ويزيد بن شيبان، وعبد الله بن السائب المخزوميّ، ومحمد بن الأسود بن خلف. وعنه عمرو بن دينار، وعمرو، ومحمد ابنا أبي سفيان الجمحيّ، والحكم بن جميع السَّدُوسيّ . قال الزبير عن بعض أصحابه: توالى خمسة في الشرف، فذكر جماعة عمرو فيهم. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الزبير: فيه يقول الفرزدق : تَمْشِي تَبَخْتَرُ حَوْلَ الْبَيْتِ مُنْتَحِيًا لَوْ كُنْتَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِاللَّهِ لَمْ تَزِدِ قال: وكان له رقيقٌ يتّجرون، فكان ذلك يُعينه على مكارمه. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والأربعة، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. ٢- (يزيد بن شيبان) الأزديّ، صحابيّ، روى عنه عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحيّ. قال أبو حاتم: هو خال عمرو المذكور. وقال البخاريّ: له رؤية. روى له الأربعة حديث الباب فقط. ٣- (ابن مِزْبع) - بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة - هو زيد بن مربع بن قيظيّ -بفتح، فسكون- بن عمرو بن زيد بن جشم بن مَجدعة بن الحارث الأوسيّ الأنصاريّ،