النص المفهرس

صفحات 301-320

١٨٦ - (مَا يُفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَهْدَی) - حديث رقم ٢٩٩٢
٣٠١
٢٩٩١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ يَحْتِى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ - عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ
عُيَيْنَةَ- قَالَ: حَدْثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَّنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، لَا نُرَى إِلَّ الْحَجَّ، قَالَتْ: قَلَمَّا أَنْ طَّافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
قَالَ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذْيٌ، فَلْيَحْلِلْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا، غير مرّة. وهذا الإسناد من أصحّ أسانيد عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فقد
أخرج الخطيب البغداديّ في ((الكفاية)) عن ابن معين أنه قال: عبد الرحمن بن القاسم،
عن أبيه، عن عائشة ليس إسناد أثبت من هذا(١) .
وقوله: ((لا نُرى)) بضم النون بالبناء للمفعول، أي لا نظنّ، ولا نقصد.
وقوله: ((فليقم)) بضم الياء، من الإقامة، أي فليستمرّ على إحرامه، ولا يتحلّل.
وقوله: ((فيحلل)) بفتح الياء، من الحلّ، أو ضمها، من الإحلال.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفى في -٢٦٥٠/١٦- فراجعه
تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٨٦- (مَا يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ،
وَأَهْدَى)
٢٩٩٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٣) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ
يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةً، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِّرِ، فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ:
((مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَخْلِلْ، وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى، فَلَا يَحِلَّ، وَمَنْ أَهَلَّ
بِحَجَّةٍ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) .
(١) - راجع ((التدريب))١ / ٨٢.
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن حاتم)): هو ابن نعيم المروزيّ الثقة
[١٢]١٨٠٠/٦٦. و((سُويد)): هو ابن نصر المروزيّ الثقة. و((عبد الله)): هو ابن
المبارك الإمام المشهور. و((يونس)): هو ابن يزيد الأيليّ.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - تمام البحث فيه، وبقي البحث
فيما يتعلّق بما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان مذاهب أهل العلم في
حكم من أهلّ بعمرة، وساق الهدي.
قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) - بعد أن أورد الحديث -: ما نصّه:
هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة، وأحمد، وموافقهما في أن المعتمر
المتمتّع إذا كان معه هديّ لا يتحلّل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب
مالك، والشافعيّ، وموافقهما أنه إذا طاف وسعى وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ
شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا، أم لا، واحتجوا بالقياس على من لم يسق
الهدي، وبأنه تحلّل من نسكه، فوجب أن يحلّ له كلّ شيء، كما لو تحلّل المحرم
بالحجّ، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها،
والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول اللّه وَلّر عام حجة الوداع،
فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللّه بَله: ((من كان معه هديٌّ، فليُهلل بالحجّ مع العمرة،
ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا))، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية الأخرى
التي احتجّ بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلل بالحج، ولا
يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل، لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد،
فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا. والله أعلم انتهى كلام النوويّ رحمه الله
تعالی .(١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر من صنيع المصنف رحمه الله تعالى أنه يرى
ترجيح ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، وهو الظاهر، وأما ما قاله النوويّ، فقال فيه
الشوكانيّ رحمه الله تعالى: لا يخفى ما فيه من التعسّف (٢).
والحاصل أن الراجح هو المذهب الأول؛ لموافقته لظاهر حديث الباب، دون
تعسّف. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((ومن أهلّ بحجة، فلم يُتم حجه)) هذا بظاهره يقتضي أنه ما أمرهم بفسخ
الحج إلى العمرة، بل أمرهم بالبقاء عليه، مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من
(١) - (شرح صحيح مسلم))٣٧٩/٨ - ٣٨٠.
(٢) - راجع ((نيل الأوطار ٥٨/٥٩ .

١٨٦ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَة، وَأَهْدی) - حديث رقم ٢٩٩٢
٣٠٣
الصحابة، هو أنه وَل# أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحج، وجعلهِ عمرة، ومن جملتهم
عائشة رضي الله تعالى عنها، وحينئذ لا بدّ من حمل هذا الحديث على من ساق
الهدي، وبه تندفع المنافاة بين الأحاديث. قاله السنديّ رحمه اللّه تعالى(١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٩٣- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمْهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ،
قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، مُهِلْيْنَ بِالْحَجّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِهِ : (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذْيٌ، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَذِيٌّ، فَلْقِمْ عَلَى إِخْرَامِهِ»،
قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَذْيٌّ، فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَذْيٌّ، فَأَحْلَلْتُ،
فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، وَتَطَئِّيْتُ مِنْ طِيبِي، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي،
فَقُلَّتُ: أَخَشَى أَنْ أَتِبَ عَلَيْكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الله بن المبارك) أبو جعفر البغداديّ الْمُخرِّميّ الحافظ
الثقة [١١]٥٠/٤٣.
٢- (أبو هاشم) المغيرة بن سلمة المخزميّ البصريّ الثقة الثبت، من صغار[٩]٢٨/
٨١١٥.
٣- (وهيب بن خالد) أبو بكر الباهليّ مولاهم البصريّ الثقة الثبت [٧]٤٢٧/٢١.
٤- (منصور بن عبد الرحمن) العبدريّ الحجبيّ المكيّ الثقة [٥]٢٥١/١٥٩.
٥- (صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية الحجبية، لها رؤية، وحدّثت
عن عائشة، وغيرها من الصحابة، وفي ((صحيح البخاريّ)) التصريح بسماعها من النبيّ
وَّة، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها. (٢) تقدّمت في ٢٥١/١٥٩.
٦ - (أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق، زوج الزبير بن العوام رضي اللّه تعالى عنهم،
من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٧٤)، وتقدّمت في ١٨٥/ ٢٩٣ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
(١) - ((شرح السنديّ)) ٢٤٦/٥.
(٢) - ((التقريب ٩ص ٤٧٠.

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابية، عن صحابية، ورواية الابن عن أمه .
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) العبدري الحجبي (عَنْ أَمِّهِ) صفية بنت شيبة (عَنْ
أَسْمَاءَ بِئْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ،
مُهِلِينَ بِالْحَجْ، فَلَمَّ دَقَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) أي اقتربنا من دخولها (قَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌ِِّ: (مَنْ لَمْ
يَكُنْ مَعَهُ هَذِيٌّ، فَلْيَخْلِلْ) بفتح أوله، من الحلّ، ثلاثيًّا، أو بضمه، من الإحلال،
رباعيًّا، يقال: حلّ المحرمُ حِلّا بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثله، فهو
مُحِلّ، وحِلِّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا. قاله الفيّوميّ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَذْيٌ،
فَلْيُقِمْ) بضم الياء، من الإقامة (عَلَى إِحْرَامِهِ) أي حتى يتحلّل بذبح هديه يوم
النحر (قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ) بن العوام رضي اللَّه تعالى عنه، زوجها (هَذّ، فَأَقَامَ عَلَى
إِحْرَامِهِ) لأمره وَّ بذلك لمن كان معه هديّ (وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَذِيٌ، فَأَخْلَلْتُ، فَلَّبِسْتُ
ثيابي) أي الثياب التي كانت تلبسها قبل الإحرام، وهذا فيه دليل على أن النساء كالرجل
تمتنع في الإحرام عن بعض اللباس، وهو الذي مسه ورس، أو زعفران.
وقد أخرج أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أنه
سمع رسول اللَّه وَّر ((نهى النساء في إحرامهنّ عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ
الورس، والزعفران، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت، من ألوان الثياب، معصفرا، أو خزا،
أو حليا، أو سراويل، أو قميصا، أو خفا».
(وَتَطَئِيْتُ مِنْ طِيبِي) فيه استحباب استعمال الطيب لمن تحلّل من إحرامه (ثُمَّ جَلَسْتُ
إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ) الزبير دَّ (اسْتَأْخِرِي عَنْي) السين والتاء زائدتان: أي تأخري،
وابتعدي عن مجلسي؛ لئلا يحصل شيء من محظورات الإحرام. ولمسلم: ((استرخي
عني، استرخي عني)) مرتين، أي تباعدي عني. وفي رواية له: ((قومي عني)). قال
النوويّ: إنما أمرها بالقيام؛ مخافة من عارض، قد يَندُر منه، كلمس بشهوة، أو نحوه،
فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها، من حيث إنها زوجته،
متحلّلة، تطمع بها النفس. انتهى (١). (فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَتِبَ عَلَيْكَ) مضارعٍ وَثَبَ، من
باب وَعَد: إذا قَفَز، وُثُوبًا، ووَثِيبًا، فهو وثّاب. تعني بذلك أنها وإن اقتربت منه لا تفعل
معه شيئًا يستبب منه وقوعه في محظورات الإحرام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
(١) - (شرح مسلم)٩ ٨/ ٤٤٧.

=
٣٠٥
١٨٧ - (الخُطْبةُ قبَلَ یَوْم الثّزْوِیة) - حديث رقم ٢٩٩٤
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنها أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩٩٣/١٨٦- وأخرجه (م) في ((الحج)» ١٢٣٦ (ق) في
((المناسك))٢٩٨٣ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٤٢١ و٢٦٤٢٥. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، وقد
أهدى، وهو أنه يؤدي أعمال العمرة، ثم يبقى على إحرامه حتى يتحلّل بنحر هديه يوم
النحر. (ومنها): أن من أحرم بالعمرة، ولم يُد، فإنه يتحلّل بعمل العمرة. (ومنها): أن
المتمتّع الذي لم يسق الهدي إذا تحلّل بعمل العمرة، فله أن يتطيّب، ويلبس الثياب التي
لا يحلّ له أن يلبسها في حالة الإحرام، إلى أن يهلّ بالحجّ. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٨٧ - (الْخُطْبَةُ قَبْلَ يَوْم التَّرْوِيَةِ)
٢٩٩٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِيِ قُرَّةَ، مُوسَى بْنِ طَارِقٍ،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َّهِ، حِيْنَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ، بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا
كَانَ بِالْعَرْجِ، ثُوْبَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ اسْتَوَى لِيُكَبِّرَ، فَسَمِعَ الرَّغْوَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَوَقَفَ عَلَى
التَّكْبِيرِ، فَقَالَ: هَذِهِ رَغْوَةٌ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ الْجَدْعَاءِ، لَقَدْ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ بِهِ فِي
الْحَجِّ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، فَنُصَلِّيَ مَعَهُ، فَإِذَا عَلِيٍّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَّهُ أَبُو بَكْرٍ:
أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ، قَالَ، لَا بَلْ رَسُولٌ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ،وَهَ بِيَّرَاءَةَ، أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ،

=
٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
فِي مَوَاقِفِ الْحَجّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الثَّرْوِيَةِ بِيَوْمِ، قَامَ أَبُو بَكْرِ رَضِي اللَّه عَنْه،
فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَّهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَامَ عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهِ، فَقَرَأَ
عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَّةَ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ،
فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَامَ عَلِيٍّ، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ،
حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَأَفَضْنَا، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ، خَطَبَ النَّاسِ، فَحَدَّثَهُمْ
عَنْ إِفَاضَتِهِمْ، وَعَنْ نَخْرِهِمْ، وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَّامَ عَلِيٍّ، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ
بَرَاءَةٌ، حَتَّى خَتَمَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوْلُ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَخَطَبَ النَّاسَِ، فَحَدَّثَهُمْ
كَيْفَ يَنْفِرُونَ، وَكَيْفَ يَرْمُونَ، فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَامَ عَلِيٍّ، فَقَرَأَ بَرَاءَةٌ عَلَى
النَّاسِ، حَتَّى خَتَمَهَا.
قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ابْنُ خُثَيْم لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا؛ لَِلَا
يُجْعَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَمَا كَتَبْنَاهُ إِلَّا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ يَتْرُكْ حَدِيثَ ابْنِ خُثَيْمِ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، إِلَّا أَنَّ عَلِيَّ ابْنَ الْمَدِينِيّ،
قَالَ: ابْنُ خُثَيْم مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيّ، خُلِقَ لِلْحَدِيثِ) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت إمام[١٠]٢/٢.
٢- (أبو قرّة موسى بن طارق) اليمانيّ الزَّبِيديّ، ثقة يُغْرِب [٩].
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر أبا قُرّة، فأثنى عليه خيرًا. وقال غيره، عن
أحمد: كان قاضيًا لهم بزَبِيد. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال مسعود، عن
الحاكم: ثقة مأمون. وقال الخليليّ: ثقة قديم. وذَكَرَهُ ابن حبّان في ((الثقات))، وقال:
كان ممن جمع، وصنّف، وتفقّه، وذاكر، يُغْرِبُ. قال الحافظ: صنّف كتاب ((السنن))
على الأبواب في مجلّد رأيته، ولا يقول في حديثه: حدثنا، إنما يقول : ذكر فلان.
وقد سُئل الدارقطنيّ عن ذلك؟، فقال: كانت أصابت كتبه علّةٌ، فتوزّع أن يصرّح
بالإخبار انتهى. تفرّد به المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضلٌ [٦]٣٢/٢٨.
٤- (عبد الله بن عثمان بن خُثيم) - بالمعجمة، والمثلّثة، مصغّرًا- حليف بني زُهرة،
أبو عثمان القارىء المكيّ، صدوق[٥].
قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم:
ما به بأس، صالح الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال مرّة: ليس بالقويّ. ونقل هنا

١٨٧ - (الْخُطْبَةُ قبَلَ يَوْم التَّزوِيةِ) - حديث رقم ٢٩٩٤
٣٠٧
عن ابن المدينيّ أنه قال: منكر الحديث. وقال عبد الله بن الدورقيّ، عن ابن معين:
أحاديثه ليست بالقويّة. نقله ابن عديّ، وقال: وهو عزيز الحديث، وأحاديثه أحاديث
حسان. وقال ابن سعد: توفّي في آخر خلافة أبي العباس، أو أول خلافة أبي جعفر،
وكان ثقة، وله أحاديث حسنة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (١٤٤)
وقد قيل: سنة (٣٥)، وكان يُخطىء. وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (١٣٢). علّق له
البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنف حديثان: حديث الباب، وحديث رقم
-٥١١٣- ((إن من خير أكحالكم الإثمد، إنه يجلو البصر، ويُنبت الشعر)).
٥- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيُّ، صدوقٌ يدلّس [٤]٣٥/٣١.
٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير أبي قرّة، فإنه من أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين
من ابن جريج. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَانَةِ) وذلك بعد غزوة حنين (بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللَّه
تعالی عنه (عَلَى الْحَجِ) أي حال كونه أمیرًا على الناس فیما یتعلّق بالحجّ، حتی یبیّن لهم
كيفية أدائه (فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ) أي توجّهنا مع أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه من المدينة إلى مكة
لأداء الحجّ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْعَزْج) -بفتح العين المهملة، وسكون الراء، آخره جيم-
بوزن فَلْس: اسم موضع بطريقَ المدينة. قاله الفيّوميّ (ثُوَبَ بِالصُّنْح) بتشديد الواو،
مبنيًّا للمفعول، أي أقيم لصلاة الصبح، أو بالبناء للفاعل: أي أقام لَها.
قال الفيّوميّ: وثّب الداعي تَثْويبًا: ردّد صوته، ومنه التثويب في الأذان انتهى (ثُمَّ
اسْتَوَى) أي قام (لِيُكَبِّرَ، فَسَمِعَ الرَّغْوَةَ) قال في ((النهاية)): هو بالفتح المرّة من الرُّغاء (١)،
وبالضمّ الاسم، كالغرفة. انتهى(٢) وضَبَط في بعض النسخ الأولى بالفتح، والثانية
بالكسر، على أنها للحالة والهيئة. قاله السنديّ (خَلْفَ ظَهْرِهِ) منصوب على الظرفية،
(١) - ((الرُّغاء)) بالضم، وزان غُرَاب: صوت البعير. اهـ ((المصباح)).
(٢) - راجع ((النهاية)) ٢٤٠/٢.

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
متعلّق بـ((سمع)) (فَوَقَفَ عَلَى التَّكْبِيرِ) الظاهر أن معناه أنه توقّف عن التكبير للصلاة،
ف(على) بمعنى ((عن)) (فَقَالَ: هَذِهِ رَغْوَةُ نَاقَةٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدْعَاءِ)
هي الناقة المقطوعة الأذن. وقيل: لم تكن ناقته وَ القر مقطوعة الأذن، وإنما كان هذا
اسمها. قاله ابن الأثير(١) (لَقَدْ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجْ) أي ظهر له
أن يحجّ في هذه السنة بعد أن تركه (فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ) بالنصب خبر
(يكون))، واسمها ضمير يعود إلى راكب الناقة، (فَتُصَلِّي مَعَهُ) برفع ((نصلي)» (فَإِذَا) هِي
الفجائية، أي ففاجأه (عَلِيٍّ عَلَيْهَا) أي حال كونه راكبًا ناقة رسول اللَّه وَالهِ (فَقَالَ لَهُ أَبُو
بَكْرٍ) لعليّ رضي اللَّه عنهما، مستفسرًا لحاله (أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ) خبر لمحذوف، أي أأنت
أمير عليّ وعلى الناس، أم رسول إليّ وإليهم، وإنما استفسره أبو بكر رضي الله تعالى
عنهما في ذلك حتى يطيعه، ولا يتقدّم عليه، إن كان أميرًا (قَالَ) عليّ رضي الله عنه (لَا)
أي لست أميرًا (بَلْ رَسُولٌ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهْ بِبَرَاءَةَ) يجوز فيه التنوين بالرفع على
الحكاية، وبالجرّ، ويجوز أن يكون علامة الجرّ فتحة للعلمية والتأنيث (أَقْرَؤُهَا) جملة في
محلّ نصب على الحال (عَلَى النَّاسِ، فِي مَوَاقِفِ الْحَجْ) الجارّان متعلقان بـ((أقرأ))،
والمراد بمواقف الحج الأماكن التي يجتمع الناس فيها لأداء النسك، كالمسجد الحرام،
وعرفة، ومزدلفة، ومنى (فَقَدِمْنَا مَكّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْم) أي في اليوم السابع
(قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ) أي عن الأعمال
التي يعملونها بعد ذلك اليوم، من الخروج إلى منى يوم التروية، مهلّين بالحج،
ونزولهم منى، وصلاتهم فيها خمس صلوات، ثم ذهابهم إلى عرفة (حَتَّى إِذَا فَرَغَ) أبو
بكر رضي اللَّه تعالى عنه من خطبته (قَامَ عَلِيّ رَضِي اللَّه عَنْه، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ)
بالرفع والتنوين على الحكاية، وبالنصب غير منصرف؛ لما تقدّم(حَتَّى خَتَمَھَا) فیه تجوّز،
وذلك أن المراد من ((براءة)) بعضها، فيكون المراد بختمها ختم بعضها الذي بُعث به
عليّ رضي الله تعالى عنه، فقد قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) في تفسير
(سورة التوبة)): وفي قوله: ((ببراءة)) تجوّز؛ لأنه أُمر أن يؤذّن ببضع وثلاثين آية، منتهاها
عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ﴾، فروى الطبريّ، من طريق أبي معشر، عن
محمد بن كعب وغيره، قال: ((بعث رسول اللَّه ◌َ ليل أبا بكر أميرًا على الحجّ سنة تسع،
وبعث عليًّا بثلاثين آية، أو أربعين آية من براءة)). وروى الطبريّ من طريق أبي الصهباء،
((قال: سألت عليًّا عن يوم الحجّ الأكبر؟ فقال: إن رسول اللَّه وَل بعث أبا بكر يقيم
للناس الحجّ، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة، فخطب، ثم التفت
(١) - ((النهاية)) ١/ ٢٤٧.

١٨٧ - (الْخُطْبةُ قَبَلَ يَوْم التَّزویة) - حديث رقم ٢٩٩٤
٣٠٩
إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأذّ رسالة رسول اللَّه وَله، فقمت، فقرأت أربعين آية من أول
براءة، ثم صَدَزْنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط، أقرأها عليهم؛ لأن
الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة))(١).
(ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، قَامَ أَبُو بَكْرٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (فَخَطَبَ
النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَامَ عَلِيٍّ) رضي اللَّه تعالى عنه (فَقَرَأَ عَلَى
النَّاسِ بَرَاءَةٌ، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) ((كان)) هنا تامّة، ولذا اكتفت بالمرفوع،
وهو ((يوم النحر))، فمعنى ((كان)): جاء، و((يوم النحر)) فاعله (فَأَفَضْنَا) أي رجعنا من
عرفة إلى مزدلفة (فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (خَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَّهُمْ عَنْ
إِفَاضَتِهِمْ، وَعَنْ نَخْرِهِمْ، وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ) أي عما تبقى من مناسكهم (فَلَمَّا فَرَغَ) أبو بكر
رضي الله تعالى عنه من خطبته (قَامَ عَلِيٍّ) رضي اللَّه تعالى عنه (فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ،
حَتَّى خَتَمَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلُ) بسكون الفاء، وفتحها(٢)، يقال: نفر الحاجّ من
منى، من بابي ضرب، وقعد: إذا دَفَعُوا، وللحاجّ نَفْرَان: فالأول هو اليوم الثاني من
أيام التشريق، والثاني هو اليوم الثالث منها. أفاده الفيّوميّ (قَامَ أَبُو بَكْرٍ) رضي اللَّه تعالى
عنه (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ کَیْفَ يَنْفِرُونَ) بکسر الفاء، وضمها، من بابي ضرب،
وقعد، أي كيف يذهبون إلى منى (وَكَيْفَ يَرْمُونَ، فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَامَ
عَلِيٌّ) رضي اللَّه تعالى عنه (فَقَرَأَ بَرَاءَةٌ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى خَتَمَهَا) وقد سبق قريبًا أن
المراد ختم بعضها، وهي بضع وثلاثون آية، منتهاها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ
اُلْمُشْرِكُونَ﴾. والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (ابْنُ خُثَيْم) هو عبد الله بن عثمان بن
خثيم الراوي عن أبي الزير (لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ) تقدم في ترجمته أن أكثر الأئمة على
توثيقه، وأن المصنف وثقه أيضًا في رواية (وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا) أي حديث أبي الزبير عن
جابر (لِئَلَّا يُجْعَالَ ابْنُ جُرَيْج) ببناء الفعل للمفعول (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) أي لئلا يقع غلط في
إسناده، فيجعل مما رواه ابن جريج عن أبي الزبير مباشرة، دون واسطة ابن خُثيم، حيث
اشتهرت روايته عنه (وَمَا كَتَبْنَاهُ إِلَّا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمٌ) يعني أنه ما كتب هذا الحدیث
إلا عن شيخه إسحاق ابن راهويه، وغرضه به أنه لم يسمعه من أحد من شيوخه إلا عنه
(وَيَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ يَتْرُكُ حَدِيثَ ابْنِ خُثَيْمِ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بالرفع عطفًا على
(يحيى))، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبطّه بالجرّ ضبطَ قلم، فغلط، فتنبّه.
(١) - ((فتح٩٩ / ٢١٤.
(٢) - والفتح زاده في ((القاموس المحيط)).

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
يعني أن ابن خثيم ليس ممن يُرغب عن الرواية عنه، فقد روى عنه يحيى،
وعبد الرحمن، مع أنهما ينتقيان الرجال انتقاء.
(إِلَّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيّ، قَالَ: ابْنُ خُثَيْم مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيّ،
خُلِقَ لِلْحَدِيثِ) فيه رفع لرتبة ابن المدينيّ، وترجيح له على غيره.
وحاصل ما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى أن حديث الباب غير صحيح؛ لأن
ابن خثيم، وإن روى عنه يحيى، وعبد الرحمن، فقد ضعّفه ابن المدينيّ، وهو أعلم
بالحديث، فيقدّم على من وثّقه. هذا حاصل ما أشار إليه، لكن الذي يبدو أن توثيقه
يقدّم؛ لأنه مذهب جلّ الحفّاظ، كما سبق في ترجمته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف؛
لعنعنة أبي الزبير؛ لأنه مدلّسٌ، وأما تضعيف المصنّف رحمه الله تعالى له بابن خُثيم،
فقد عرفتَ ما فيه آنفًا، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا -٢٩٩٤/١٨٧ - وفي
((الكبرى)) ٣٩٨٤/١٨٣. وأخرجه الدارميّ في ((المناسك)) ١٨٣٥. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٨٨- (الْمُتَمَتِّعُ مَتَى بِهُلُّ بِالْحَجِّ)
٢٩٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ، لِأَرْبَعِ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ،
فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ: ((أَحِلُّوا، وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةَ))، فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُّدُورُنَا، وَكَبُرَ عَلَيْنَا، فَبَلَغَ
ذَلِكَ النَّبِيِّنَِّ، فَقَالَ: ((يَا أَّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِيٍ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي
تَفْعَلُونَ))، فَأَحْلَلْنَا، حَتَّى وَطِثْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ
التّزْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَكّةَ بِظَهْرٍ، لَبَّيْنَا بِالْحَجْ) .
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠]٤٧/٤٢.

٣١١
١٨٨- (المُتمتعُ متی پھُلُّ بِالْحَجْ) - حدیث رقم ٢٩٩٥
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧/٤٢.
٣- (عبد الملك) بن أبي سليمان ميسرة العَرْزَميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥]٧/
٤٠٦ .
٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه
فاضل [٣]١٥٤/١١٢.
٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام رضي اللَّه تعالى عنهما ٣٥/٣١. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه
جابر ◌َّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، لِأَرْبَع) أي لأربع
ليال (مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَحِلُوا) أمرٌ من الإحلال (وَاجْعَلُوهًا عُمْرَةً) فيه
مشروعية فسخ الحجّ إلى العمرة، وتقدّم اختلاف أهل العلم فيه، وأن الراجح أنه ثابت،
وليس بمنسوخ (فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورُنَا، وَكَبُرَ عَلَيْنَا) بضم الباء الموحدة، من باب كَرُمَ:
أي شقّ علينا التحلّل (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: (يَا أَّهَا النَّاسُ أَحِلُوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي
مَعِي، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي تَفْعَلُونَ))، فَأَحْلَلْنَا، حَتَّى وَطِئْتَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ،
حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) ((كان)) هنا تامّة، كما سبق في الباب الماضي، أي جاء يوم التروية،
وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي التروية؛ لأنهم كانوا يروّون فيها إبلهم، ويتروّون
من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وقد تقدّمت أقوال أخرى في
سبب تسميته بهذه الاسم (وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ) أي وراء ظهورنا، يعني أنهم أحرموا بالحجّ بعد
خروجهم من منازلهم، وتوجههم إلى منى. وفي رواية أبي الزبير، عن جابر عند أحمد،
ومسلم: ((قال: أمرنا رسول اللَّه ◌َ ليل إذا أحللنا أن نُحرم إذا توجّهنا إلى منى، قال: فأهللنا
من الأبطح)) (لَبَّيْنَا بِالْحَجْ) قال النوويّ: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن المتمتّع، وكلّ من
بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ، فالسنّة له أن يُحرم يوم التروية انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٣١٢
- شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجّ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩٩٥/١٨٨- وفي ((الكبرى))٣٩٨٥/١٨٤. وأخرجه (م) في
((الحجّ)» ٢٩٣٦ (الدارميّ) في ((المناسك)) ١٩١٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان وقت إهلال المتمتّع
بالحجّ، وذلك يوم التروية -وهو الثامن من ذي الحجة- فيُهِلّ بعد خروجه من منزله،
وتوجهه إلى منى. (ومنها): جواز فسخ الحجّ إلى العمرة، وهو باق إلى يوم القيامة على
الأصحّ من أقوال العلماء. (ومنها): أن المتمتّع إذا تحلّل من عمرته جاز له كلّ شيء
حتى النساء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٨٩- (مَا ذُكِرَ فِي مِنَى)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه أراد ما ذُكر من الفضل لمنى، فمناسبة
الحديث الأول للترجمة واضحّة، وأما الحديث الثاني فمناسبته لها غير واضحة،
فليتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٩٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلَحَلَةَ الدُّؤَلِيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَدَلَ إِلَيَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ، وَأَنَا نَازِلٌ تَحَتَ سَرْحَةٍ،
بِطَرِيقٍ مَكَّةَ، فَقَالَ: مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟، فَقُلْتُ: أَنْزَلَنِي ظِلُهَا، قَالَ عَبْدُ اللّه:
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنَى، وَنَفَحَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَإِنَّ
هُنَاكَ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: السُّرَّبَةُ))، وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ: ((يُقَالُ لَّهُ: السُّرَرُ، بِهِ سَرْحَةٌ، سُرَّ
◌ُحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا))) .

٣١٣ =
١٨٩- (مَا ذُكِرَ فِي مِنَى) - حديث رقم ٢٩٩٦
رجال هذا الإسناد : ثمانية :
١- (محمد بن سلمة) المراديّ الْجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١]١٩/
٢٠ .
٢- (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة
فقيه [١٠]٩/٩.
٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ الفقيه، ثقة، من
كبار [١٠]٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧]٧/ ٧.
٥- (محمد بن عمرو بن حلحلة) الديليّ المدنيّ، ثقة [٦]١٨٥٩/١٦.
٦- (محمد بن عمران الأنصاريّ) المدنيّ، مجهول [٦].
روى عن أبيه لقي ابن عمر، فحدّثه. وعنه محمد بن عمرو بن حلحلة. ذكره
البخاريّ، فلم يذكر فيه جرحًا. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا
الحديث فقط .
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) محمد بن عمرو، وهو غلطّ والصواب:
((محمد بن عمران))، كما هنا، انظر ((تحفة ((الأشراف))٦/ ٢١. والله تعالى أعلم.
٧- (أبوه) عمران الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى عن ابن عمر حديث الباب فقط. وعنه ابنه محمد. قال مسلمة بن قاسم: لا
بأس به. تفرّد به المصنّف، فأخرج له حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
٨- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ) قال ابن عبد البرّ: لا أعرفه إلا بهذا الحديث (عَنْ
أَبِيهِ) إن لم يكن عمران بن حبّان الأنصاريّ، أو عمران بن سَوَادة، فلا أدري من هو؟.
أنه (قَالَ: عَدَلَ إِلَيَّ) أي مال إليّ عن طريقه (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللَّه
تعالى عنهما (وَأَنَا نَازِلٌ تَحَتَ سَرْحَةٍ) بفتح السين، والحاء المهملتين، بينهما راء ساكنة:
الشجرة العظيمة التي لها شُعَب (بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ) أي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
(مَا أَنْزَلَكَ) ((ما)) استفهامية، أي أيُّ شيءٍ جِعلك نازلاً (تَحَتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟) وفي رواية
((الموطًا)): ((تحت هذه السرحة)) (فَقُلْتُ: أَنْزَلَنِي ظِلْهَا) وفي رواية ((الموطًا)): ((فقلت:
أردت ظلّها، فقال: هل غير ذلك؟ فقلت: لا، ما أنزلني إلا ذلك)) (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنَى)
بلفظ التثنية: جبلا مكّة المطيفان بها. قال ابن الأثير: وهما أبو قبيس والأحمر، وهو
جبل مشرف وجهه على قُعَيقعان. وقال ياقوت: جبلان يضافان إلى مكة، وتارة إلى
منى، وهما واحد، أحدهما أبو قبيس، والآخر قُعَيعان، ويقال: بل هما أبو قبيس،
والجبل الأحمر المشرف هنالك انتهى(١). وقال ابن وهب: أراد بهما الجبلين اللذين
تحت العقبة بمنى، فوق المسجد، والأخشاب الجبالُ. وقال إسماعيل: الأخشاب
يقال: إنها اسم لجبال مكة ومنى خاصّة. قاله الزرقانيّ(٢) (وَنَفَحَ بِيَدِهِ) هكذا في النسخة
(الهندية)) بالحاء المهملة، وقال السندي رحمه الله تعالى في شرحه: ((ونفح بيده)) بالحاء
المهملة : أي رمی، وأشار بيده انتهى.
ووقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى))، وكذا في ((الكبرى)) مضبوطًا بخاء
معجمة، والظاهر أنه تصحيف.
قال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على ((مسند أحمد)»: ما نصّه:
((نفح بيده)) بالحاء المهملة، كما ثبت في ((ك م)) المخطوطتين من ((المسند))، وكذلك في
نسخة من النسائيّ عندي، مخطوطة سنة (١١١٣)، وكذلك في النسختين المطبوعتين منه
بمصر والهند، وزاد مصحح الطبعة الهندية (ص ٤٧٠) ضبطها بحاء مهملة، وكذلك هي
بالحاء المهملة في نسخة ((الموطإ)) مخطوطة الشيخ عابد السنديّ، وكذلك رسم بالمهملة
في ((معجم ما استعجم)) للبكريّ عند ذكره الحديث مرّتين ١٢٤، ٧٣٣.
وفي ((المسند))، و((الموطإ)) طبعة الحلبيّ، والنسائيّ مخطوطة الشيخ عابد السنديّ:
((نفخ)) بنقطة فوق الخاء، وكذلك ضبطه الزرقانيّ في ((شرح الموطإ)) ٢٨٤/٢ بخاء
معجمة .
قال: وأنا أرجّح أن يكون بالحاء المهملة؛ لأن النفخ بالمعجمة هو المعروف من
إخراج الريح من الفم وغيره، واستعماله في معنى الإشارة باليد من المجاز البعيد الذي
يحتاج إلى تكلّف شديد. وأما النفح بالمهملة، فإنه الضرب والرمي باليد، أو الرجل،
ومنه حديث: ((المكثرون هم المقلّون، إلا من نفح فيه يمينه وشماله)). قال ابن الأثير:
أي ضرب بيده فيه بالعطاء، ومنه قولهم: نفحت الدابة: أي رمحت برجلها، ورمت
بحدّ حافرها. انتهى كلام أحمد محمد شاكر رحمه اللَّه تعالى(٣).
(١) - راجع تحقيق أحمد شاكر لمسند أحمد ج٩/ ص٨٢ - ٨٣ .
(٢) - ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٣٩٩/٢.
(٣) - راجع ((شرح المسند)) ٨٢/٩- ٨٣.

٣١٥
١٨٩ - (مَا ذُكِرَ فِي مِنَى) - حديث رقم ٢٩٩٦
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما رجّحه أحمد شاكر رحمه الله تعالى من ضبط
(نفح)) بالحاء المهملة هو الذي يترجّح عندي. والله تعالى أعلم.
(نَحْوَ الْمَشْرِقِ) قال البونيّ: أحسب ابن عمر ظنّ أن عمران يعلم الوادي الذي فيه
المزدلفة، ولذلك كرّر عليه السؤال انتهى (فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيّا) وهو على أربعة أميال منها،
قال أبو ذؤيب:
بِآيَةٍ مَا وَقَفْتُ وَالرِّكَا بِ بَيْنَ الْحَجُونِ وَبَيْنَ السِّرَزْ
وفي بعض الأحاديث إنها بالمَأْزِمَين من منى، كانت فيه دَوْحة. أفاده المرتضى في
((شرح القاموس))(١) .
(يُقَالُ لَهُ: السُّرَّبَةُ) هكذا نسخ ((المجتبى)) بالباء الموحّدة بعد الراء، وضبطه السنديّ
في ((شرحه)) بضمّ السين، وفتح الراء المشدّدة. والذي في ((الكبرى)): ((السّرّيّة)) بالياء
التحتانيّة، والظاهر أنه الصواب، والأول تصحيف، وهو بضمّ السين، وتشديد الراء
بلفظ النسبة إلى السُّرّ.
(وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ) يعني ابن مسكين (يُقَالُ لَهُ: السُّرَرُ) بضمّ السين، وفتح الراء.
وقيل: هو بفتح السين والراء. وقيل: بكسر السين. قاله ابن الأثير(٢).
وقال المرتضى في ((شرح القاموس)): وهذا الموضع يسمى وادي السرر -بضم
السين، وفتح الراء. وقيل: هو بالتحريك. وقيل: بالكسر، كما ضبطه صاحب
((القاموس))، وبالتحريك ضبطه العلّامة عبد القادر بن عمر البغدادي اللغويّ في ((شرح
شواهد الرضيّ)).
(بِهِ) أي فيه (سَرْحَةٌ) وفي رواية ((الموطا)): ((شجرة)) (سُرَّ) بضم السين، وتشديد الراء
(تَحْتَّهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا) أي وُلِدوا تحت تلك السّرْحة، فقُطع سُرُّهم، وهو بالضمّ: ما تقطعه
القابلة من سُرّة الصبيّ، كما في ((النهاية))، قال الزرقانيّ: فقول السيوطيّ: أي قُمعت
سُرّتهم، إذ وُلدوا تحتها مجازٌ، سُمّي السُّرُّ سُرّةً؛ لعلاقة المجاورة.
وقال مالك: بُشّروا تحتها بما يسرّهم. قال ابن حبيب: فهو من السرور: أي تنبؤوا
تحتها واحدٌ بعد واحد، فسُرّوا بذلك، وبه أقول انتهى كلام الزرقاني(٣). قال أحمد
شاكر: والظاهر عندي أنه الأصخ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن مالك في معنى ((سُرّ)) أقرب
(١) - ((تاج العروس)٢٦٤/٣٨.
(٢) - ((النهاية)) ٣٥٩/٢.
(٣) - ((شرح الموطأ)) الزرقاني ٣٩٩/٢.

=٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
عندي، كما قال الزرقانيّ، وابن شاكر.
وحاصله أن معنى سُرّ من السرور، أي استبشروا وفرحوا بما أوتوا من النبوّة في هذا
المكان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا حسنٌ.
[تنبيه]: ضعف هذا الحديث الشيخ الألبانيّ، وصحّح إسناده العلامة أحمد محمد
شاكر، فقال فيما كتبه على ((المسند)): إسناده صحيح، محمد بن عمران الأنصاريّ، قال
في ((التهذيب)): ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، ثم ذكر الحافظ أنه ذكره البخاريّ، فلم
يذكر فيه جرحًا، وهذا إشارة منه إلى كفاية هذا في توثيقه، كما قلنا مرارًا، وهو في
(الكبير))١/ ٢٠٢/١: محمد بن عمران الأنصاريّ عن أبيه سمع ابن عمر، قاله مالك،
عن محمد بن عمرو بن حلحلة. أبوه عمران الأنصاريّ: قال في ((التهذيب)): عن ابن
عمر في فضل وادي السرر، روى عنه ابنه محمد، أخرج له النسائيّ هذا الحديث
الواحد. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به ... إلى أن قال:
وأقول: إن مالكًا أعلم الناس بالأنصار، وبرواة الحديث من أهل المدينة، وهو يتحرّى
الرجال والأحاديث. ثم عمران الأنصاريّ هذا تابعيّ عُرف اسمه وشخصه، فهو على الثقة
والستر، وإن جهل نسبه، واسم أبيه انتهى ما كتبه أحمد شاكر رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى هو
الحقّ عندي؛ لأن محمد بن عمران، وأباه ثقتان عند مالك رحمه اللَّه تعالى، فقد سأله
بشر بن عمر الزهرانيّ عن رجل أثقة هو؟، فقال: هل رأيته في كتبي؟، قال: لا، قال:
لو كان ثقة لرأيته في كتبي، فثبت أن ما أثبته مالك في كتبه ثقة عنده، لا سيما إذا كان
مدنيًّا، ولا يعترض هذا بعبد الكريم بن أبي المخارق؛ لأنه معروف بالضعف، وإنما
الكلام فيمن كان مثل محمد بن عمران، وأبيه، ممن لم يتكلّم فيه أحد.
والحاصل أن الحديث لا يقلّ عن درجة الحسن. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر
بالاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب.
والحديث من أفراد المصنف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا -٢٩٩٦/١٨٩- وفي
((الكبرى)) ٣٩٨٦/١٨٥. وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٦١٩٧ و(مالك في
الموظّإ) في ((الحج))٩٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) - راجع ما كتبه أحمد شاكر على ((المسند)) ٨٢/٩.

٣١٧
١٨٩ - (مَا ذُكِرَ فِي مِنَى) - حديث رقم ٢٩٩٧
٢٩٩٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ نُعَيْم، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ،
عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، ثِقَةٌ، قَالَ: حَدَّثَنَاً حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ
رَجُلٍ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ بِمِنْى، فَفَتَحَ
اللَّهُ أَسْمَاعَنَا، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَسْمَعُ مَّا يَقُولُ، وَتَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ◌َِّه يُعَلِّمُهُمْ
مَنَاسِكَهُمْ، حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ، فَقَالَ: (بِحَصَى الْخَذْفِ))، وَأَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي
مُقَدَّم الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الْأَنْصَارَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن حاتم بن نُعيم) المروزيّ، ثقة [١٢]٦٦/ ١٨٠٠.
٢- (سُويد) بن نصر، أبو الفضل المروزيّ، لقبه شاه، راوية ابن المبارك،
ثقة [١٠]٥٥/٤٥ .
٣- (عبد الله) بن المبارك الإمام الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة المشهور [٨]٣٢]
٣٦ .
٤- (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨]٦/٦.
٥- (حُميد الأعرج) بن قيس المكيّ، أبو صفوان القارىء الأسديّ مولاهم، وقيل:
مولى عفراء، ليس به بأس [٦].
قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان قارىء أهل مكّة. وقال أبو طالب:
سألت أحمد عنه؟ فقال: هو ثقة، هو أخو سَنْدَل. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه:
ليس هو بالقويّ في الحديث. وقال المفضّل الغَلابيّ، عن ابن معين: ثبت، روى عنه
مالك، وأخوه سَنْدَل ليس بثقة. وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقة. وقال أبو حاتم:
مكيّ ليس به بأس، وابن أبي نَجِيح أحبّ إليّ منه. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حميد بن
قيس من الثقات. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن خِرَاش:
ثقة صدوق. وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه، وإنما يُؤْتَی مما يقع في حديثه من الإنكار
من جهة من يروي عنه. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الترمذيّ في ((العلل الكبير)):
قال البخاريّ: هو ثقة. وكذا قال يعقوب بن سفيان. قال ابن حبّان: مات سنة (١٣٠)
وقال ابن سعد: توفّي في خلافة أبي العباس. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في
هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم -٢٩٩٧ و٤٥٢٩ و٤٥٣١ و ٤٥٦٨ و٤٦٢٧ .
٦- (محمد بن إبراهيم التيميّ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقة، له أفراد [٤]٦٠/ ٧٥.
٧- (عبد الرحمن بن معاذ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن
كعب القرشيّ التيميّ، ابن عمّ طلحة بن عبيدالله، جزم البخاريّ، والترمذيّ، وابن

٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
حبّان وابن منده، بأن له صحبة. وكذا ذكره في الصحابة ابنُ عبد البرّ، وأبو نُعيم، وابن
زَبْر، والباورديّ، وغيرهم، وعدّه ابن سعد فيمن شهد الفتح. روى له أبو داود،
والمصنّف حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي من قومه التيميين (يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ
الرَّحمَنِ بْنُ مُعَاذٍ) رضي الله تعالى عنه. وفي رواية أبي داود: ((عن عبد الرحمن بن
معاذ، عن رجل من أصحاب النبيّ ◌َّ ... )) (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِلّهِ بِمِنْى، فَفَتَحَ
اللَّهُ أَسْمَاعَنَا) يعني أنه حينما خطب النبيّ وَّ في ذلك المكان قوّى اللَّه تعالى
أسماعهم، وبارك فيها، معجزةً له وَلَّ، فصار يسمعه الداني والقاصي. وفي رواية أبي
داود: ((ففُتحت أسماعنا)) بالبناء للمفعول (حَتَّى إِنْ كُنَّا) ((إن)) مخفّفة من الثقيلة، ودخلت
اللام في قوله (لَنَسْمَعُ) فرقًا بينها وبين ((إن)) النافية، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَخُفْفَتْ ((إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا غْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
(مَا يَقُولُ، وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) قال الشوكانيّ: فيه دليلٌ على أنهم لم يذهبوا لسماع
الخطبة، بل وقفوا في رحالهم، وهم يسمعونها، ولعلّ هذا كان فيمن كان له عذر منعه
من الحضور لاستماعها، وهو اللائق بحال الصحابة رضي الله تعالى عنهم انتهى(١)
(فَطَفِقَ النَّبِيُّ وََّ﴾ أي شرع. وفي ((القاموس)): طَفِقَ يفعل كذا، كفرِحَ، وضَرَب، طَفْقًا،
وطُفُوقًا: إذا واصل الفعلَ، خاصّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفِقِ انتهى (يُعَلِّمُهُمْ) هذا
انتقال من التكلّم إلى الغيبة، وهو أسلوب من أساليب البلاغة مستحسن(٢) (مَنَاسِكَهُمْ)
أي أعمال حجّهم، وأحكامها، واسترسل في التعليم (حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ) يعني المكان
الذي ترمى فيه الجمار، والجمار هي الحصى الصغار التي يُرمى بها الجمرات (فَقَالَ:
((بِحَصَى الْخَذْفِ))) متعلّق بفعل مقدّر: أي قال: ارموا بحصى الخذف. قال الفيّوميّ:
خَذَفتُ الحصاة ونحوها خَذْفًا، من باب ضرب: رَميتُها بطرفي الإبهام، والسّابة،
وقولهم: يأخذ حَصَى الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه
أُطلق مجازًا انتهى.
وقال الأزهريّ: حصى الخذف صغار مثل النوى يرمي بها بين أصبعين، قال
(١) - ((نيل الأوطار )٥/ ٨٢.
(٢) - ((نيل الأوطار))٨٢/٥.

١٨٩- (ما ذکرَ فِی مِنی) - حدیث رقم ٢٩٩٧
٣١٩
الشافعيّ: حصى الخذف أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال بقدر الباقلًا.
وقال النوويّ: بقدر النواة، وكلّ هذه المقادير متقاربة لأن الخذف بالمعجمتين لا يكون
إلا بالصغير(١) .
وفي رواية أبي داود: ((فوضع إصبعيه السبّابتين، وفي بعض النسخ: ((فوضع إصبعيه
السبابتين في أذنيه، ثم قال: ((بحصى الخَذْف)). قال الشوكانيّ: وإنما فعل ذلك؛ ليكون
أبلغ، وأجمع لصوته في خطبته، ولهذا كان بلالٌ يضع إصبعيه في صماخ أذنيه في
الأذان، وعلى هذا ففي الكلام تقديم، وتأخير، وتقديره: فوضع إصبعيه السبابتين في
أذنيه حتى بلغ الجمار.
قال: قوله: ((ثم قال)) يحتمل أن يكون المراد بالقول القول النفسيّ كما قال تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ فِيَّ أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة المجادلة: ٨]، ويكون المراد به هنا النيّة للرمي، قال أبو
حيّان: وتراكيب القول الست(٢) تدلّ على معنى الخفّة والسرعة، فلهذا عبّر هنا بالقول.
وعند البيهقيّ: ((ووضع إصبعيه السبابتين إحداهما على الأخرى)). أي ليريهم مقدار
الحصى الذي يُرمى به الجمار، وعليه فيكون هذا بيانًا بالفعل.
(وَأَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُقَدَّم الْمَسْجِدِ) أي مقدّم مسجد الخيف الذي بمنى،
ولعلّ المراد بالمقدّم الجهة أي جهة مَقدم المسجد (وَأَمَرَ الْأَنْصَارَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُؤَخّرٍ
الْمَسْجِدِ) زاد في رواية: ((ثم نَزَلَ الناسُ بعد ذلك)). بتخفيف الزاي، ورفع ((الناس)) على
الفاعلية، أو بتشديها، ونصب ((الناس)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٠٠
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن معاذ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه -٢٩٩٧/١٨٩- وأخرجه (د) في ((المناسك))١٩٥٧ (أحمد) في ((مسند
المدنيين)) ١٦١٥٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): استحباب خطبة الإمام في منى؛ ليعلّمهم ما تبقّى من أعمال الحجّ.
(١) - ((نيل الأوطار))٨٣/٥.
(٢) - لعله أراد بالست المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول.
والله تعالى أعلم.

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(ومنها): ما وقع للنبيّ وَلّه من المعجزة، حيث أسمع اللّه خطبته كلّ من حضر منى،
القريب منهم والبعيد. (ومنها): بيان مقدار ما يُرمى به من الحصى، وذلك بمثل حصى
الحذف، وقدّره العلماء بقدر الباقلّاء ونحوها. (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يراعي
مصالح رعيّته، فَيُنَزِّلُهُمْ منازلهم اللائقة بهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب» .
١٩٠- (أَيْنَ يُصَلِّي الإِمَامُ الظّهْرَ يَوْمَ
التَّرْوِیَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يوم التروية، هو اليوم الثامن من ذي الحجة. وهو -
بفتح التاء المثنّاة الفوقية، وسكون الراء، وكسر الواو، وتخفيف الياء- سمي بذلك لأنهم
كانوا يتروون بحمل الماء معهم من مكّة إلى عرفات. وقيل: إلى منى. وقيل: لأن آدم
عليه السلام رأى فيه حوّاء عليها السلام. وقيل: لأن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم
عَ لَّالِمُ المناسك. وقيل: لأنهم كانوا يروّون إبلهم فيه. وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام
رأى تلك الليلة في منامه أنه يذبح ولده بأمر الله تعالى، فلما أصبح كان يَتَرَوَّى، ويتفكّر
في رؤياه فيه، وفي التاسع عرف، وفي العاشر استعمل(١). وقيل: هو من الرواية؛ لأن
الإمام يروي للناس مناسکھم.
قال العلامة العينيّ رحمه الله تعالى: وذكره الجوهريّ في باب رَوِي معتلّ العين واللام،
وذكر فيه مواد كثيرة، ثم قال: وسمي يوم التروية لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعدُ،
ويكون أصله من رَوِيت من الماء بالكسر أَزْوَى رَيًّا ورِيًّا، ورِوّى، مثل رِضّى، وتكون
التروية مصدرًا، من باب التفعيل، تقول: رؤيته الماء ترويةً. وأما قول من قال: لأن آدم
عليه السلام رأى فيه حوّاء، فغير صحيح من حيث الاشتقاق، لأنه رأى الذي هو من الرؤية،
مهموز العين، معتل اللام، نعم جاء من هذا الباب ترئية، وتريّة، ولم يجىء تروية، فالأول
من قولك: رأت المرأة ترئية: إذا رأت الدم القليل عند الحيض، والثاني اسم الخرقة التي
(١) - راجع ((القاموس المحيط)) في مادة روى.