النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
١٥٥- (العِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا سَعَى النَّبيُّ ... - حديث رقم ٢٩٤٧
وقوله: ((سأل رجل الخ)) السائل هو الزبير بن عربيّ، فقد وقع عند أبي داود
الطيالسيّ، عن حماد: ((حدثنا الزبير، سألت ابن عمر ... )).
وقوله: ((أرأيت إن زُحمت)) أي أخبرني ما أصنع إذا زُحمت، و((زُحمت)) بضم الزاي
بالبناء للمفعول، بغير إشباع. وفي بعض الروايات بزيادة واو. قاله في ((الفتح))(١).
وقوله: ((اجعل أرأيت باليمن)) قال الحافظ: يشعر بأن الرجل يمانيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذا الإشعار نظر، فقد وقع في رواية أبي داود
المذكورة بدل قوله: ((اجعل أرأيت باليمن)): ((اجعل أرأيت عند ذلك الكوكب)).
فتفطّن. والله تعالى أعلم.
وإنما قال له ابن عمر ذلك؛ لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي، فأنكر عليه
ذلك، وأمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به، ويتقي الرأي. والظاهر أن ابن عمر لم ير
الزحام عذرًا في ترك الاستلام. وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد،
قال: ((رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى)). ومن طريق أخرى، أنه قيل له في
ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم. وروى الفاكهيّ، من
طرق، عن ابن عباس كراهة المزاحمة، وقال: لا يؤذي، ولا يؤذَّى.
[تنبيه]: المستحبّ في التقبيل أن لا يرفع به صوته. وروى الفاكهيّ عن سعيد بن
جبير، قال: إذا قبّلت الركن، فلا ترفع بها صوتك، كقبلة النساء. ذكره في ((الفتح))(٢).
والحديث أخرجه البخاريّ برقم (١٦١١) وقد تقدم تخريجه في - ٢٧٣٢/٥٠ - وفيه
دلالة على استحباب الجمع بين الاستلام، والتقبيل للحجر الأسود، والاستلام المسح
باليد، والتقبيل بالفم.
وهذا بخلاف الركن اليماني، فالمستحبّ فيه الاستلام، دون التقبيل؛ لعدم ثبوت
دليل عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) - ((فتح)) ٤ / ٢٧٧ .
(٢) - ((فتح) ٤ / ٢٧٧ .

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٥٦- (اسْتِلَامُ الرُّكْتَيْنِ فِي كُلِّ
طَوَافٍ)
٢٩٤٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْتَمَانِيَّ، وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوَافٍ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((يحيى)): هو القطان. و((ابن أبي روّاد)): هو عبد العزيز بن أبي روّاد ميمون،
أبو عبد الرحمن المكيّ، صدوق عابد، ربما وهم، ورمي بالإرجاء[٧]١٣٥١/٩٣.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه في ٢٧٣٢/٥٠ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٤٩- أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا
الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيّ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
إسماعيل بن مسعود، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ.
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. ودلالته على ما ترجم له غير
واضحة، وكان الأولى إيراده تحت الترجمة الآتية بعد باب: ((ترك استلام الركنين
الآخرين))، كما فعل في ((الكبرى)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٥٧- (مَسْحُ الرُّكْتَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الركنان اليمانيّان: هما الركن الأسود، والركن
اليماني، وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب، كما قيل في الأب والأمّ الأبوان، وفي
الشمس والقمر: القمران، وفي أبي بكر، وعمر رضي اللّه تعالى عنهما: العمران، وفي

٢٤٣ -
١٥٧- (مَسْحُ الرُّكْنَیْن الیمانیین) - حديث رقم ٢٩٥٠
الماء والتمر: الأسودان، ونظائره كثيرة.
واليمانيان بتخفيف الياء، هذه اللغة الفصحى المشهورة. وحكى سيبويه،
والجوهريّ، وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفّف قال: هذه نسبة إلى
اليمن، فالألف عوض من إحدى ياءي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو
شدّدناها لكان جمعًا بين العوض والمعوّض، وذلك ممتنع، ومن شدّد قال: الألف في
اليماني زائدة، وأصله اليمنيّ، فتبقى الياء مشدّدة، وتكون الألف زائدة، كما زيدت
النون في صنعاني، ورقبانيّ، ونظائر ذلك. قاله النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح
(١)
مسلم))(١) .
و((اليمانيّ)) نسبة إلى اليمن الإقليم المعروف، سمي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند
طلوعها. وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والقياس في النسبة إليه يمنيّ بدون ألف، وقد
سمع الوجهان، وإذا كان مع الألف ففيه مذهبان: [أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها،
واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل. ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء لتكون
عوضًا عن التثقيل، فلا يثقّل لئلا يُجمع بين العوض، والمعوّض عنه. [والثاني]:
التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدال بعد النسبة على جواز
حذفها. أفاده الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٥٠- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِهِ،
قَالَ: ((لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ، إِلَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ))) ".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد، كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) - ((شرح النووي)) ١٧/٩.
(٢) - ((المصباح المنير)) في مادة ((يمن).

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٥٨- (تَرْكُ اسْتِلَامِ الرُّكْتَيْنِ
الآخَرَيْنِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: (اعلم): أن للبيت أربعة أركان: الركن الأسود،
والركن اليمانيّ، ويقال لهما: اليمانيان، كما سبق في الباب الماضي، وأما الركنان
الآخران، فيقال لهما: الشاميّان، فالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما كونه على
قواعد إبراهيم عَلَّالمُ، والثانية: كونه فيه الحجر الأسود.
وأما اليمانيّ: ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيمعليَّلهُ، وأما
الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خصّ الحجر الأسود
بشيئين الاستلام، والتقبيل؛ للفضيلتين، وأما اليمانيّ، فيستلمه، ولا يقبّله؛ لأن فيه
فضيلة واحدة .
وأما الركنان الآخران، فلا يقبلان، ولا يستلمان. والله أعلم.
وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهير على أنه
لا يمسح الركنين الآخرين. واستحبّه بعض السلف، وممن كان يقول باستلامهما:
الحسن، والحسين ابنا عليّ، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعروة
ابن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد رضي اللّه تعالى عنهم. قال القاضي أبو الطيّب:
أجمعت أئمة الأمصار، والفقهاء على أنهما لا يُستلمان. قال: وإنما كان فيه خلاف
لبعض الصحابة، والتابعين، وانقرض الخلاف، وأجمعوا على أنهما لا يُستلمان. ذكره
النوويّ رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٥١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَابْنِ
جُرَيْجِ، وَمَالِكِ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ لَّا
تَسْتَلِمُّ مِنَ الْأَرْكَانِ، إِلَّ هَذَيْنِ الرُّكْتَيْنِ الْيَمَانَِيْنِ، قَالٌ: ((لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ، يَسْتَلِمُ إِلَّا
هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ)) . مُخْتَصَرْ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((محمد
ابن العلاء)): هو أبو كريب، أحد مشياخ الأئمة الستة، من دون واسطة. و((ابن
إدريس)): هو عبد الله الأوديّ الكوفيّ. و((عبيدالله)): هو ابن عمر العمريّ المدنيّ
(١) - ((شرح مسلم)) ٩/ ١٧ .

٢٤٥ ===
١٥٨- (تركُ استلام الرکنیْن الآخرین) - حدیث رقم ٢٩٥٣
الثبت. و((المقبريّ)): هو سعيد بن كيسان المدنيّ. و((عبيد بن جُريج)): هو التيميّ
مولاهم المدنيّ الثقة [٣]١١٧/٩٥ .
وقوله: ((وابن جريج، ومالكِ)) بالجرّ عطفًا على ((عبيدالله))، فالثلاثة: عبيدالله، وابن
جريج، ومالك يروون عن سعيد المقبريّ، وقد زاد في -٢٧٦٠/٥٦- معهم («ابن
إسحاق))، فالأربعة كلهم يروون عن سعيد المقبريّ. فما وقع في نسخ ((المجتبى))
المطبوعة من ضبطه بالقلم برفع ((ابن جريج، ومالك))، فغلطٌ، فليتنبه له. والله تعالى
أعلم.
وقوله: ((مختصر)) خبر لمحذوف، أي هو حديث مختصر من حديث طويل، وقد
تقدم بالرقم المذكور نقله مطولاً عن ((صحيح البخاري)»، فراجعه تستفد.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه، وعن تخريجه بالرقم المذكور. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٥٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ
ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَّالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((لَمْ يَكُنَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيَتِ، إِلَّا الزَّكْنَ الْأَسْوَدَّ، وَالَّذِي يَلِيهِ، مِنْ نَحْوِ دُورِ
الْجُمَحِيِّينَ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
الحارث، فتفرد به هو ، وأبو داود، وهو ثقة.
وقوله: ((من نحو)) متعلّق بـ((يليه))، أي يتبعه من ناحية دور الجمحيين.
وقوله: ((دور الجُمحيين)) ((الدُّور)) بالضمّ: جمع دار، و((الْجُمَحيين)) بضم الجيم،
وفتح الميم، بعدها حاء مهملة: نسبة إلى بني جُح، بطن من قريش، وهو جُمح بن
عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قاله في
((الأنساب)) ٨٥/٢-٨٦ و ((اللباب)) ٢٩١/١.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق القول فيه مستوفّى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٥٣ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ،
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْتَيْنِ -مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ يَسْتَلِمُهُمَا: الْتَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، فِي شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((عبيدالله بن سعيد)): هو أبو قدامة السرخسيّ. و((يحيى)): هو ابن سعيد

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
القطّان. و((عبيدالله)): هو ابن عمر العمريّ.
وقوله: (اليماني، والحجر)) بالنصب بدل من قوله: ((هذين الركنين)). وقوله: ((في
شدّة، ولا رخاء)) متعلق بـ((تركت))، أو بـ((استلام)). وأراد بالشدّة، الزحام، أو المرض،
وبالرخاء خلافه.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى القول فيه مستوفّى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٥٤ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ، فِي رَخَاءِ، وَلَا شِدَّةٍ، مُنْذُ رَأَيْتُ
رَسُوَّلَ اللّهِ وَهِ يَسْتَلِمُهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((عمران بن موسى)) القزّاز البصريّ، فإنه تفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة.
و((عبد الوارث)): هو ابن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ. و«أيوب)): هو
السختيانيّ .
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٥٩- (اسْتِلَامُ الرُّكْنِ بِالْمِخْجَنِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الاستلام)): افتعال من السَّلَام - بالفتح -: وهو
التحيّة. قاله الأزهريّ. وقيل: من السِّلام -بالكسر -: وهو الحجارة.
و((المحجن)) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، بعدها نون: هو عصًا
مُنْحَنية الرأس، والْحَجْنُ: الاعوجاج، وبذلك سمي الْحَجُون. وقال الفيّوميّ رحمه الله
تعالى: ((الْمِحْجَن)) وزانُ مِقْوَدٍ: خَشَبَةٌ في طرفها اعوجاجٌ، مثلُ الصَّوْلَجَان. قال ابن
دُرَيد: كلُّ عُود مَعْطوف الرأس، فهو مِحْجَن، والجمعُ الْمَحاجن، والْحَجُون وزانُ
رسول: جَبَلٌ مُشرفٌ بمكّة. انتهى وقد تقدم بيان هذا مستوفى، فلا تنس. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٢٩٥٥- أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ:

١٥٩- (استلامُ الركن بالمخجن) - حدیث رقم ٢٩٥٥
٢٤٧
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ، طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيْرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجٍَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، سوى شيخه
سليمان بن داود أبي الربيع المصريّ، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.
و((عبيدالله بن عبد الله)): هو الهذليّ المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة.
وقوله: ((عن عبيدالله)) قال في ((الفتح)): كذا قال يونس، وخالفه الليث، وأسامة بن
زيد، وزمعة بن صالح، فرووه عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس. ولهذه النكتة
استظهر البخاريّ بطريق ابن أخي الزهريّ، فقال: تابعه الدراورديّ، عن ابن أخي
الزهريّ، وهذه المتابعة أخرجها الإسماعيليّ، عن الحسين بن سفيان، عن محمد بن
عبّاد، عن عبد العزيز الدراورديّ، فذكره، ولم يقل: ((في حجة الوداع))، ولا ((على
(١)
بعير)) انتهى (١).
وقوله: ((يستلم الركن بمحجن)) أي يومىء إلى الركن بعصاه حتى يصيبه. وزاد مسلم
من حديث أبي الطفيل: ((ويقبّل المحجن))، وله من حديث ابن عمر أنه: ((استلم الحجر
بيده، ثم قبله))، ورفع ذلك، ولسعيد بن المنصور من طريق عطاء، قال: ((رأيت أبا
سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، وجابرًا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قيل: وابن
عباس؟ قال: وابن عباس، أحسبه قال كثيرًا)). وبهذا قال الجمهور: إن السنّة أن يستلم
الركن، ويقبّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبل ذلك
الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه، واكتفى بذلك. وعن مالك في رواية لا يقبل يده،
وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية يضع يده على فمه من غير تقبيل. قاله في
(٢)
((الفتح))(٢).
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في ((كتاب
المساجد)) -باب ((إدخال البعير المسجد)) ٢١/ ٧١٣ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتِ، وإليه
أنیب)).
(١) - ((فتح)) ٤/ ٢٧٣.
(٢) - ((فتح)) ٤/ ٢٧٣ .

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٦٠ - (الإِشَارَةُ إِلَى الرُّكْنِ)
٢٩٥٦ - أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَإِذَا انْتَهَى
إِلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ») .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((عبد الوارث)): هو ابن سعيد المذكور قبل باب. و((خالد)»: هو
الحذاء.
وقوله: ((أشار إليه)) قال ابن التين رحمه الله تعالى: تقدّم أنه كان يستلمه بالمحجن،
فيدلّ على قربه من البيت، لكن من طاف راكبًا يستحبّ له أن يبعد، إن خاف أن يؤذي
أحدًا، فيحمل فعله وَلّر على الأمن من ذلك انتهى. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى:
ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا، حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته
بعيدًا، حيث خاف ذلك انتهى(١) .
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق الكلام عليه في الباب الماضي. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٦١- (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُواْ
زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
[الأعراف: ٣١])
٢٩٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ،
قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمَا الْبَطِينَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ
تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهِيَ عُزْيَانَةٌ، تَقُولُ [من الرجز]:
(١) - ((فتح)٢٧٨/٤.
٠

١٦١- (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُواْ زِينَتَرْ ... - حديث رقم ٢٩٥٧
٢٤٩
الْيَوْمَ يَبْدُو بَغْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
قَالَ: فَزَلَتْ: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسِْدٍ﴾) .
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر بُنْدار البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٢٧/٢٤.
٢- (محمد) بن جعفر الْهُذَليّ، أبو عبد الله البصريّ غُندَر، ثقة صحيح
الكتاب [٩]٢٢/٢١.
٣- (شعبة) بن الحجّاج، أبو بِسطام البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٧]٢٧/٢٤.
٤- (سلمة) بن كُهيل الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤]١٩٥/ ٣١٢.
٥- (مسلم البطين) -بفتح الموحدة، وكسر الطاء المهملة- ابن عمران، أو ابن أبي
عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٦]٩١٥/٢٦.
٦- (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣]٤٣٦/٢٨.
٧- (ابن عبّاس) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما ٢٧/٢٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها):
أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، إلا الصحابيّ رَظَلّه ، فمدنيّ،
بصريّ، مكيّ، طائفيّ. (ومنها): أن رواية سلمة عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن
الأصاغر؛ لأن سلمة من الطبقة الرابعة، ومسلمًا من السادسة، وفيه ابن عبّاس رضي الله
تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) أي
الكعبة (وَهِيَ عُزْيَانَةٌ) أي والحال أنها متعرّية من اللباس. وفي رواية مسلم عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما، قال: ((كانت امرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة، فتقول: من
يُعيرني تِطْوافًا، تجعله على فرجها ... )). و((التطواف)) بكسر التاء الفوقية: ثوب تلبسه
المرأة، تطوف به(١) .
قال القاضي عياض: وهذه المرأة هي ضُباعة بنت عامر بن قرط.
(١) - ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٨/ ١٦٢.

٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وفي ((صحيح مسلم)) من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس، والحمس قريش، وما ولدت، كانوا
يطوفون عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء،
وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات.
وفي غير مسلم: ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف
إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العرب صديق
بمكة يُعيره ثوبًا، ولا يَسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانًا،
وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسّه أحد، وكان ذلك
الثوب يسمى اللَّقَى، حتى قال شاعر العرب [من الطويل]:
كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقَى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفَيْنَ حَرِيمُ
فكانوا على تلك الجهالة، والبدعة، والضلالة، حتى بعث اللَّه نبيّه محمدًاً وَ لَره
فأنزل الله تعالى: ﴿يَبَّفِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِيَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأذْن مؤذّن
رسول اللَّه وَالر ألا يطوف بالبيت عريان(١).
وذكر ابن إسحاق أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل، أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد، ممن
يَقْدَم عليهم من غيرهم أوّل ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن
خالف، وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام، فهدم ذلك كله(٢).
(تَقُولُ) أي تنشد تلك المرأة هذا الشعر [من بحر الرجز]:
(الْيَوْمَ) أي يوم الطواف، وهو منصوب على الظرفية متعلّق بقوله (يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ)
أي ينكشف كلّ الفرج، أو بعضه، فالضمير يعود للفرج (وَمَا بَدَا مِنْهُ) أي ما ظهر من
الفرج (فَلَا أُحِلُّهُ) بضم الهمزة، أي لا أجيز لأحد أن ينظر إليه قصدًا.
وحاصل كلامها: أنها كشفت فرجها لضرورة الطواف، لا لإباحة النظر إليه،
والاستمتاع به، فليس لأحد أن يفعل ذلك.
(قَالَ) ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما (فَزَلَتْ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ) قال أبو عبد الله
القرطبيّ في ((تفسيره)): هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف
من العرب بالبيت عريانًا، فإنه عامّ في كلّ مسجد؛ لأن العبرة للعموم، لا للسبب(٣)
(خُذُوا زِينَتَكُمْ) أي ما يستر عورتكم (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) أي عند الصلاة، والطواف والله
(١) - ((المفهم) ٣٤٦/٧. و((تفسير القرطبيّ)) ١٨٩/٧.
(٢) - ((فتح)) ٤ / ٢٨٧ .
(٣) - ((الجامع لأحكام القرآن٧٤/ ١٨٩.

٢٥١
١٦١- (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلٍّ: ﴿خُذُواْ زِینَتگٌ ... - حديث رقم ٢٩٥٨
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩٥٧/١٦١- وفي ((الكبرى)) ٣٩٤٧/١٦٠ و((التفسير)) ١١١٨٢.
وأخرجه (م) في ((التفسير)) ٣٠٢٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الاستدلال بالآية على وجوب
ستر العورة في الطواف، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، وخالف في ذلك الحنفيّة،
فقالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة، فإن
خرج لزمه دم(١). (ومنها): وجوب ستر العورة في الصلاة، وبه قال الجمهور، وهو
الحقُّ، واختلف فيه عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقًا، والسنّة مطلقًا،
والفرق بين العمد، والنسيان، فيجب مع العمد، ولا يجب مع النسيان، والعذر. قاله
القرطبيّ(٢). (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية. (ومنها): بيان ما كانت عليه الجاهليّة
من الضلالات، والفسوق، وعدم المبالاة بكشف العورات. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٥٨- أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابِ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَتُهُ، فِي
الْخَجَّةِ الَِّّي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ،وَ، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ،
أَلَا، لَا يَحْجِّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُزَيَانٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (أبو داود) سليمان بن سَيْف بن يحيى بن درهم الطائيّ مولاهم، أبو داود
الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١]١٣٦/١٠٣.
٢- (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد، أبو يوسف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة
فاضل، من صغار [٩]٣١٤/١٩٦.
(١) - ((فتح))٤ / ٢٨٧.
(٢) - ((المفهم)»٣٤٦/٧ - ٣٤٧ .

=
٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٣- (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكلّم فيه بلا قادح [٨]٣١٤/١٩٦.
٤- (صالح) بن كَيْسان الغفاريّ، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤذّب أولاد
عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه [٤]٣١٤/١٩٦.
٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة المدنيّ [٤]١/١.
٦- (حُميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، عم أبي إبراهيم بن سعد
الراوي عن صالح، ثقة [٢]٧٢٥/٣٢ .
٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه
أيضًا، فإنه حرّانيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض:
صالح، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، ورواية الأولين من رواية الأقران؛
لأنهما من الطبقة الرابعة، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله تعالى عنه،
رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن حميد بن عبد الرحمن رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه
(أَخْبَرَهُ) أي أخبر حميدًا (أَنَّ أَبًا بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللَّه تعالى عنه (بَعَثَهُ) أي أرسل أبا
هريرة رضي الله تعالى عنه.
قال الطحاويّ في ((مشكل الآثار)): هذا مشكلٌ؛ لأن الأخبار في هذه القصّة تدلّ على
أن النبيّ وَليل كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا، فأمره أن يؤذّن، فكيف يبعث أبو
بكر أبا هريرة، ومن معه بالتأذين، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟.
ثم أجاب بما حاصله: إن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف،
وكان عليّ هو المأمور بالتأذين، وكأن عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى
من يُعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة، وغيره ليساعدوه على ذلك. ثم ساق
من طريق المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: ((كنت مع عليّ حين بعثه النبيّ وَلـ
ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يضحل صوتي، وکان هو ينادي قبلي
حتی یغیی)).

٢٥٣=
١٦١ - (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُواْ زِينَتَكٌ ... - حديث رقم ٢٩٥٨
فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يُلقيه إليه
عليّ مما أُمر بتبليغه. ذكره في (الفتح))(١).
(فِي الْحَجَّةِ) بالفتح المرة من الحج، وهو متعلّق ب(بعثه)) (الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم: أي
جعله أميرًا (عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وذلك سنة تسع من الهجرة. قال
السهيليّ: كان رسول اللّه وَ له حين قدم من تبوك أراد الحجّ، فذكر مخالطة المشركين للناس
في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت، وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا
كما وُلدوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها، وظلموا، فأمسك وَلّ عن الحج في ذلك العام،
وبعث أبا بكر تَّيه بسورة براءة؛ لينبذ إلى كلّ ذي عهد من المشركين عهده، إلا بعض بني
بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاصّ(٢) (فِي رَهْطِ) بفتح، فسكون: أي في جملة جماعة،
والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد
له من لفظه، ويجمع على أرهُط، وأرهاط، وأراهط جمعُ الجمع.
قال الحافظ: وقد وقفت ممن سمّي، ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على
أسماء جماعة، منهم سعد بن أبي وقّاص، فيما أخرجه الطبريّ، من طريق الحكم، عن
مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: بعث رسول اللّه وَ له أبا بكر، فلما انتهينا إلى ضَجْنَان
أتبعه عليًّا. ومنهم جابر، روى الطبريّ من طريق عبد الله بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن
جابر رَّه: ((أن النبيّ وَ لّه بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه)). انتهى(٣).
(يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ) من التأذين، أو الإيذان، وهو الإعلام، وهو اقتباس من قوله
تعالى: ﴿وَأَذَنْ مِنَ اَلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي إعلام. قاله في ((الفتح)) (٤).
وقال العينيّ: والضمير فيه راجع إلى الرهط، باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي
هريرة على الالتفات. انتهى(٥) .
(أَلَا) بفتح الهمزة، واللام المخففة، تأتي على أوجه، ولكن هنا للتنبيه، فتدلّ على
تحقق ما بعدها (لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَام) أي بعد الزمان الذي فيه الإعلام (مُشْرِكٌ) بالرفع
فاعل ((يحجّنّ)) (وَلَا يَطُوفُ) يحتمل أن يكون مرفوعًا، و((لا)) نافية، ويجوز أن يقرأ بفتح
الطاء، وتشديد الواو، مجزومًا بالعطف على محل ((يحجّنّ)) (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ((يطوف))
(١) - («فتح»٩/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) - راجع ((عمدة القاري)) ١١٢/٨.
(٣) - ((فتح٢١٢/٩٨.
(٤) - («فتح»٩/ ٢١٢ .
(٥) - ((عمدة القاري))٨/ ١١٣.

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(عُزْيَانٌ) بالرفع على الفاعلية له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٩٥٨/١٦١ و٢٩٥٩ - وفي ((الكبرى)) ٣٩٤٨٣٩٤٩/١٦٠. وأخرجه
(خ) في ((الصلاة)) ٣٦٩ و(الحج)) ١٦٢٢ و((الجزية والموادعة)) ٤٦٥٦ و٤٦٥٧
و(المغازي)) ٤٣٦٣ و((التفسير))٤٦٥٥ و٤٦٥٦ و٤٦٥٧ (م) في ((الحج»١٣٤٧ (د) في
((المناسك))١٩٤٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))٧٩١٧ (الدارمي) في ((الصلاة))
١٤٣٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب ستر العورة في
الطواف. (ومنها): تحريم دخول مكة على المشركين. (ومنها): بيان فضل أبي بكر
رضي الله تعالى عنه على بقية الصحابة، حيث قدّمه ◌َّ ليحج بالناس في تلك السنة.
(ومنها): إبطال ما كان عليه الجاهلية من الضلالات، والجهل، والسفاهة، حيث إنهم
كانوا يعتقدون أن كشف العورة أمام بيت اللَّه، وأمام الجمع العظيم قربة مما يقرّبهم إلى
الله تعالى، فما أشدّ جهلهم، وما أكثر انحرافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٥٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشّغْبِيِّ، عَنِ مُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: جِئْتُ مَعَ
عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، حِيْنَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، إِلَّى أَهْلِ مَكَّةَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ: مَا كُنْتُمْ
تُنَادُونَ؟، قَالَ: كُثَّا نُنَادِي إِنّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةً، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُزِيَانٌ،
وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ وَلِ عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ - أَوْ أَمَدُهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرِ، فَإِذَا مَضَتِ
الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، فَكُنْتُ
أُنَادِي، حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي) .
رجال هذا الإسناد : ثمانية :
١- (عثمان بن عمر) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩]١٥١/
١١١٨ .

١٦١- (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلٍّ: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ ... - حديث رقم ٢٩٥٩
٢٥٥ =
[تنبيه]: وقع في ((تحفة الأشراف)) - ٣١٨/١٠ -: ((بشر بن عمر))(١). بدل («عثمان بن
عمر))، والذي في نسخ ((المجتبى)) هنا، ونسخة ((الكبرى)) هنا، وفي ((التفسير)) كلها
((عثمان بن عمر))، وهذا هو الصواب؛ لأن الطبريّ أخرجه في ((تفسيره)) ١٤ / ١٠٥ عن
يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن المثنّى، كلاهما عن عثمان بن عمر بسند المصنّف.
والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) عثمان بن عَمْرو)) بفتح العين، وسكون
الميم، وهو غلط بلا شكّ؛ لأن عثمان بن عمرو بن وسّاج، ضعيف، أخرج له
المصنّف في ((الكبرى)) حديثًا واحدًا في صوم ستة من شوّال فقط، راجع ((تهذيب
الكمال)» ٤٦٧/١٩-٤٦٨، و(تهذيب التهذيب)) ٧٤/٣-٧٥. والله تعالى أعلم.
٢- (المغيرة) بن مقسم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ،
مدلّس [٦]٣٠١/١٨٨.
٣- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه
فاضل [٣]٦٦ /٨٢.
٤- (محرّر) براءين بوزن مُحَمَّد (ابن أبي هريرة) الدوسيّ المدنيّ، مقبول(٢) [٤].
ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: توفي بالمدينة في خلافة عمر بن
عبد العزيز، وكان قليل الحديث. انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب
حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث واحد، حديث عمر بن الخطاب: ((نهى
رسول اللَّه ول# أن يُعزل عن الحرّة إلا بإذنها)). والباقون تقدّموا في السند الماضي. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير المحرّر، فتفرّد به المصنّف، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين إلى شعبة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله
تعالى أعلم.
(١) - (بشر بن عمر)) بن الحكم الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] ستأتي ترجمته في
((كتاب الْفَرَعِ والعَتِيرة)) برقم ٤٢٥٢/٦ ترقيم أبي غدّة.
(٢) - الظاهر أن المحرر بن أبي هريرة ثقة؛ فقد روى عنه الأكابر، كالزهريّ، والشعبيّ، وعطاء،
وغيرهم، فتوثيق ابن حبّان في محلّه، وقوله في ((التقريب)): مقبول محلّ نظر. فليتأمل.

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
شرح الحديث
(عَنِ مُحَرَّر) هكذا في النسخة الهنديّة بدون ((ال))، وفي النسخ المطبوعة: ((عن
المحرّر)) بـ ((ال))، وهو جائز، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَبَغْضُ الْأَعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا لِلَمْحِ مَا قَذْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ فَذِكْرُ ذا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: جِثْتُ) وفي نسخة:
((كنت)) (مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رضي اللّه تعالى عنه (حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ إِلَى
أَهْلِ مَكّةً) أي في سنة تسع من الهجرة، سنة حجّ أبي بكر ◌َظّه بالناس. فروى الطبريّ
من طريق أبي صالح، عن عليّ رَزيه، قال: ((بعث رسول اللَّه ◌َليل أبا بكر ببراءة إلى
أهل مكة، وبعثه على الموسم، ثم بعثني في أثره، فأدركته، فأخذتها منه، فقال أبو
بكر: مالي؟، قال: خيرٌ، أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، غير أنه لا
يُبلغ عني غيري، أو رجل مني)). ومن طريق عمرو بن عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد
مثله. ومن طريق العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر كذلك. وروى الترمذي من حديث
مقسم، عن ابن عباس مثله مطوّلاً. وعند الطبرانيّ من حديث أبي رافع نحوه، لكن
قال: ((فأتاه جبريل، فقال: إنه لن يؤديها عنك إلا أنت، أو رجل منك)). وروى
الترمذيّ، وحسّنه من حديث أنس، قال: ((بعث النبيّ وَله براءة مع أبي بكر، ثم دعا
عليًّا، فأعطاه إياه، وقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي)).
قال الحافظ: وهذا يوضّح قوله في الحديث الآخر: ((لا يبلغ عني))، ويُعرف منه أن
المراد خصوص القصّة المذكورة، لا مطلق التبليغ .
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس تنثه: ((أن النبيّ ◌َّبعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ
ذا الحليفة، قال: لا يبلغها إلا أنا، أو رجل من أهل بيتي، فبعث بها مع عليّ)). قال الترمذيّ:
حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد: ((لما نزلت عشر آيات من براءة، بعث بها
النبيّ ◌َ له مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني، فقال: أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته،
فخذ منه الكتاب، فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟، فقال: لا، إلا أنه لن
يؤدّي، أو لكن جبريل قال: لا يؤدّي عنك إلا أنت، أو رجل منك)).
قال العماد ابن كثير: ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من
حجته. قال الحافظ: ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة، وأما قوله: ((عشر

٢٥٧
١٦١- (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُواْ زِینَتگم ... - حديث رقم ٢٩٥٩
آيات: فالمراد أولها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ [التوبة: ٢٨]. انتهى(١).
(بِيَرَاءَةً) قال في ((الفتح)): يجوز فيه التنوين بالرفع، على الحكاية، وبالجرّ، ويجوز
أن يكون علامة الجرّ فتحة، وهو الثابت في الروايات انتهى.
وفي قوله: ((ببراءة)) - كما قاله الحافظ- تجوّز؛ لأنه أمر أن يؤذّن ببضع وثلاثين آية،
منتهاها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، فروى الطبريّ من طريق
أبي معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال: ((بَعَث رسول اللّه وَّ أبا بكر أميرًا على
الحجّ سنة تسع، وبعث عليًّا بثلاثين آية، أو أربعين آية من براءة)). وروى الطبريّ من
طريق أبي الصهباء، قال: سألت عليًّا عن يوم الحجّ الأكبر؟، فقال: إن رسول اللّه وَالتل
بعث أبا بكر يُقيم للناس الحجّ، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة،
فخطب، ثم التفت إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأدّ رسالة رسول اللّه وَله، فقمت، فقرأت
بأربعين آية، من أول براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع الفساطيط،
أقرأها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة)). انتهى(٢).
(قَالَ) المحرّر لأبيه (مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟) ((ما)) استفهامية، وحذف منه صلة ((تنادون)) أي
به، أي أيَّ شيء كنتم تنادون به
(قَالَ) أبو هريرة رَّهِ (كُنَّا نُنَادِي إِنّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ) أي فمن أرادها،
فليؤمن (وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُزْيَانٍ) قد تقدّمٍ في الحديث الماضي ما يتعلّق به (وَمَنْ كَانَ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ بَلِ عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ - أَوْ أَمَدُهُ-) شكّ من الراوي (إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا
مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ) بالنصب عطفًا على اسم
((إن))، ويجوز الرفع عطفًا على محلّ اسمها، أو مبتدءًا خبره محذوف: أي ((بريء))،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَجَائِزْ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبٍ ((إِنَ)) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا
وظاهر هذه الرواية أن الأربعة الأشهر غاية لمن كان بينه وبين النبيّ وَّر عهد مؤقّت،
لكن المشهور أن هذا لمن لم يكن عنده عهد مؤقّتٌ، وأما من كان له عهد، فأجله إلى
انتهاء مدته .
قال الإمام أبو جعفر الطبريّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج رواية المصنّف عن
يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن عثمان بن عمر بسند المصنف: ما
نصّه: وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمّا من ناقله في الأجل؛ لأن الأخبار متظاهرة في
(١) - ((فتح)) ٤ / ٢١٣ - ٢١٥.
(٢) - ((فتح٩٩/ ٢١٤.
؟

٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الأجل بخلافه. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) بعد أن أورد الحديث من رواية الإمام
أحمد: ما نصّه: وهذا إسناد جيّد، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له
عهد، فأجله إلى أربعة أشهر. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح أن من كان له
عهد، فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية،
فله تأجيل أربعة أشهر. بقي قسم ثالث، وهو من له أمدٌ يتناهى إلى أقلّ من أربعة أشهر
من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قلّ.
ويحتمل أن يقال: إنه يؤجّل إلى أربعة أشهر؛ لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكليّة. والله
تعالى أعلم انتهى كلام ابن كثير(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى من
كون هذه الرواية وهمّا، وقاله الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى من نكارة قول الراوي:
إن كان له عهد، فأجله أربعة أشهر، وأن الصحيح أن من كان له عهد، فأجله إلى أمده
بالغًا ما بلغ هو الصواب.
فقد أخرج سعيد بن منصور، والترمذيّ، والطبريّ من طريق أبي إسحاق، عن زيد
ابن يُثيع، قال: ((سألت عليًّا بأيّ شيء بعثت؟، قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس
مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحجّ بعد عامهم
هذا، ومن كان له عهد، فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد، فأربعة أشهر)).
فهذه الرواية صريحة واضحة في أن كلّ من كان له عهد، فعهده إلى مدّته.
قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) عند قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية
[التوبة: ٢]: ما نصّه: اختلف المفسّرون ههنا اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون هذه الآية لذوي
العهود المطلقة، غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما
من كان له عهد مؤقّت، فأجله إلى مدّته، مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُدَّتِهِمّ﴾ الآية [التوبة: ٤]، ولما سيأتي في الحديث. وهذا أحسن الأقوال، وأقواها، وقد
اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى انتهى كلام ابن كثير(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استحسنه ابن کثیر، واختاره قبله ابن جرير
رحمهما الله تعالى حسنٌ جدًّا.
(١) - ((تفسير الطبري)) ١٠٥/١٤.
(٢) - ((البداية والنهاية)) ٣٤/٥.
(٣) - ((تفسير ابن كثير)) ٣٤٤/٢ - ٣٤٥ .

٢٥٩ ===
١٦١ - (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُواْ زِينَتَكٌم ... - حديث رقم ٢٩٥٩
والحاصل أن رواية المصنّف فيها نكارة، وأن الصواب أن من كان بينه وبين النبيّ وَّ
عهد، فأجله إلى مدته بالغًا ما بلغ، ومن لم يكن له عهد، أو كان له إلا أنه أقل من أربعة
أشهر، فأجله تمام أربعة أشهر. والله تعالى أعلم.
(وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام، ولو
لم يقصدوا الحجّ، ولكن لما كان الحجّ هو المقصود الأعظم، صرّح لهم بالمنع منه،
فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كلّه.
قال الحافظ: وأما ما وقع في حديث جابر رَنموّه فيما أخرجه الطبريّ، وإسحاق في
((مسنده))، والنسائيّ، والدارميّ، كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان من
طريق ابن جريج: حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن
النبيّ ◌َّر حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه، حتى إذا
كنا بالْعَرْج ثوبٍ بالصبح، فسمع رغوة ناقة رسول اللّه وَله، فإذا عليّ عليها، فقال له:
أميرٌ، أو رسولٌ؟، فقال: بل أرسلني رسول اللّه ◌َله ببراءة، أقرأها على الناس، فقدمنا
مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر، فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا
فرغ قام عليّ، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم
النفر كذلك)). فيجمع بأن عليًّا تظمفي قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر
الأوقات، فكان يؤذن بالأمور المذكورة ((أن لا يحجّ بعد العام مشرك الخ.
قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه (فَكُنْتُ أَنَادِي، حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي) بكسر الحاء
المهملة: أي ذهبت حِدّته. قال في ((القاموس)): صَحِلَ صوته، كفرح، فهو أصحل،
وصَحِلٌ: بَخَّ، أو اخْتَدَّ في بَحَح، أو الصَّحَلُ محرّكةً: خشونة في الصدر، وانشقاق في
الصوت من غير أن يستقيم انتهى.
والحديث صحيح، أخرجه المصنف هنا ٢٩٥٩/١٦١ - وفي ((الكبرى)) ١٥٩/
٣٩٤٩ و((التفسير))١١٢١٤. وأخرجه أحمد في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٩١٧. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٦٢- (أيْنَ يُصَلِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ)
٢٩٦٠ - أَخْبَرَنَا یَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَخِتَی، عَنِ ابْنٍ ◌ُرَئجٍ، عَنْ كَثِرِ بْنِ کَثِيرٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُطَّلِبٍ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ ◌َّهِ، حِينَ فَرَغَ مِنْ سُبُعِهِ، جَاءَ
حَاشِيَةَ الْمَطَافِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَلَيْسَ بَيْتَهُ وَبَيْنَ الطَّوَّافِينَ أَحَدٌ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدورقيّ. و((يحيى)): هو
القطّان. و((كثير بن كثير)) بن المطلب بن وداعة القرشيّ السهميّ المكيّ، ثقة [٦]٧٥٨/٩ .
و((أبوه)): هو كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهميّ المكيّ، مقبول [٣]٧٥٨/٩.
وقوله: ((من سبعه)) بضمتين: أي سبع الطواف، وهي الطَّوْفَةُ الأخيرة. قاله السنديّ.
ويحتمل أن يكون بفتح، فسكون، والضمير للنبيّ وَّر، أي سبعة أشواطه، وتذكير
العدد، وتأنيثه عند حذف التمييز جائز، كما بُيّن في محلّه من كتب النحو. وقوله:
((حاشية المطاف)) أي جانب محلّ الطواف.
وقوله: ((وليس بينه وبين الطوافين أحد)) فيه أنه لا حاجة إلى اتخاذ السترة في مكة،
وبه قال بعض أهل العلم، والصحيح أن الأمر باتخاذها مطلق يعم مكة وغيرها على حدّ
سواء، وأما حديث الباب فلا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، كما تقدّم، ولمعارضته
الأحاديث الصحيحة الواردة في الأمر باتخاذها مطلقًا، كما سبق تحقيقه في -٧٥٨/٩-
فراجعه تستفد.
والحديث ضعيف، للانقطاع، حيث إن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، بل إنما
سمعه عن بعض أهله، عن جدّه، كما تقدم بيانه في ((كتاب الصلاة)) برقم -٧٥٨/٩-،
وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٦١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ : - يَعْنِي - ابْنَ عُمَرَ: ((قَدِمَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَزْوَةِ، وَقَالَ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾)) [الأحزاب: ٢١]).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة . و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار.
[تنبيه]: هذا السند من رباعيات المصنف، وهو (١٥٣) من رباعيّات الكتاب. والله
تعالى أعلم.