النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
١٤٤ - (طَوَافُ القَارِنِ) - حديث رقم ٢٩٣٣
الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به، قال عبد الرزاق، عن
سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، قال: ((حلف طاوس ما طاف أحدٌ من أصحاب
رسول اللَّه ◌َ ل﴿ لحجه وعمرته إلا طوافًا واحدًا)). وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف
ما روي عن عليّ، وابن مسعود من ذلك، وقد رَوَى آل بيت عليّ عنه مثل الجماعة،
قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه أنه كان يحفظ عن عليّ: ((للقارن طواف واحد))،
خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعّف ما روي عن عليّ من ذلك أن أمثل طرقه عنه
رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحجّ أن
يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين))، والذين احتجّوا
بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحجّ، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم
لزمهم العمل بما دلّت عليه، وإلا فلا حجة فيها.
وقال ابن المنذر: احتجّ أبو أيوب(١) من طريق النضر (٢) بأنا أجزنا جميعًا للحجّ
والعمرة سفرًا واحدًا، وإحرامًا واحدًا، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنهما طواف
واحد، وسعيّ واحد؛ لأنهما خالفا في ذلك سائر العبادات. وفي هذا القياس مباحث
کثیرة، لا نُطیل بها.
واحتجّ غيره بقوله وَلير: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)). وهو صحيح،
كما سلف، فدلّ على أنها لا تحتاج بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله.
والحقّ أن المتبع في ذلك السنة الصحيحة، وهي مستغنية عن غيرها. انتهى كلام
الحافظ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى هو كلام
نفیسٌ جدًّا.
وحاصله أن ما دلّت عليه السنة الصحيحة، وهو أن القارن يكفيه طواف واحد،
وسعي واحد، هو الحقّ، ودليله هو السنة الصحيحة الصريحة فيه، ولا حاجة إلى الأدلة
العقلية؛ لأن السنة الصحيحة فيها الكفاية؛ إذ هي العمدة البالغة، والحجة الدامغة، وكلّ
قياس في مقابلتها فاسد الاعتبار، ولله درّ من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا تُجَارِي فِي مَيَّادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبّهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
(١) - لعل الصواب ((واحتج أبو ثور)) لأن في هامش بولاق: ما نصّه: في نسخة ((أبو ثور)).
(٢) - هكذا النسخة ((النضر)) بالضاد المعجمة، والظاهر أن الصواب ((من طريق النظر)) بالظاء بدل
الضاد. والله تعالى أعلم.

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٣٤ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونِ الرَّقْيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيّ،
وَأَيُوبُ بْنُ مُوسَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، فَسَارَ قَلِيلًا، فَخَشِيَ أَنْ يُصَدَّ عَنِ
الْبَيْتِ، فَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ، صَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا سَبِيلُ
الْحَجِّ، إِلَّا سَبِيلُ الْعُمْرَةِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ، مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا، فَسَارَ حَتَّى أَتَّى
قُدَيْدًا، فَاشْتَرَى مِنْهَا هَذْيَا، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ فَعَلَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه ((عليّ بن
ميمون الرقيّ)) العطّار، فقد تفرد به هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: ((أن يُصدّ)) بالبناء للمفعول، أي يمنع. وقوله: ((إن صُددت)) بالبناء للمفعول
أيضًا. وقوله: ((كما صنع رسول اللّه وَل )) أي زمن الحديبية، حيث أحرم بالعمرة، فلما
صدّه المشركون نحر هديه، وتحلل منها. وقوله: ((ما سبيل الحج الخ)) أي ليس طريق
الحجّ إلا مثل طريق العمرة، يعني أن حكمهما في التحلل بسبب الإحصار واحد.
وقوله: ((قُديد)) -بضم القاف، مصغّرًا- اسم موضع بين مكة والمدينة.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -٢٧٤٦/٥٣- وسبق تمام البحث فيه هناك،
فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٢٩٣٥- أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، أَخْبَرَنِي هَانِئُ بْنُ
أَيُّوبَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَِّيَّ وَِّ، طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:
١- (هانىء بن أيوب) الحنفيّ الكوفيّ، مقبول [٦].
روى عن طاوس، والشعبيّ، ومحارب بن دثار. وعنه ابنه أيوب، وابن مهديّ،
وحسين الجعفيّ، والوليد بن القاسم الهمدانيّ، وعبيدالله بن موسى. ذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان عنده أحاديث، وفيه ضعف. تفرّد به المصنّف بهذا
الحديث فقط .
والحديث صحيح(١)، أخرجه المصنف هنا - ٢٩٣٥/١٤٤ - وأخرجه (ق) في
(١) - لا یقال: کیف یصحّ، وفيه هانیء بن أيوب، وفيه ضعف؟ لأنه یشهد له حديث ابن عمر رضي
الله تعالى عنهما المذكور أول الباب، وغيره. والله تعالى أعلم.

٢٢٣
١٤٥ - (ذِكْرُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ) - حديث رقم ٢٩٣٦
((الحج)) ٢٩٧٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٦٦٧.
ووجه دلالته على الترجمة أنه ثبت كونه وَالتّ قارنًا، فقول جابر رَبانيه هنا: ((طاف
طوافًا واحدًا)) أي لحجه وعمرته، فدلّ على أن القارن عليه طواف واحد، لا طوافان،
كما قيل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٤٥ - (ذِكْرُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)
٢٩٣٦- أَخْبَرَنِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ:
((الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الْجُوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي
بالنصب [١١]١٧٤/١٢٢.
٢- (موسى بن داود) الضبّيّ، أبو عبد الله الطرسوسيّ، نزيل بغداد، الْخُلْقانيّ،
صدوق فقيه زاهد، له أوهام، من صغار [٩]٦٤ /٩٨٥ .
٣- (حمّاد بن سَلَمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، من كبار [٨]
٢٨٨/١٨١ .
٤- (عطاء بن السائب) بن مالك الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [٥]١٥٢/ ٢٤٣.
٥- (سعيد بن جُبير) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد[٣]٢٨/
٤٣٦ .
٦- (ابن عبّاس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس
رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (٢٦٩٦) حديثًا.
والله تعالى أعلم.

=
٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ)))
ولفظ الترمذيّ من طريق جرير، عن عطاء بن السائب: ((نزل الحجر الأسود من الجنّة، وهو
أشدّ بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم). قال في ((المرقاة)): أي صارت ذنوب بني آدم
الذين يمسحون الحجر سببًا لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته، إذ لا مانع نقلً،
ولا عقلاً. وقال بعض الشرّاح من علمائنا - يعني الحنفية- هذا الحديث يحتمل أن يراد به
المبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه
من الشرف، والكرامة، واليُمْن، والبركة شارك جواهر الجنّة، فكأنه نزل منها، وأن خطايا
بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المبيض منه أسود، فكيف بقلوبهم، أو لأنه من حيث
إنه مكفّر للخطايا مخاء للذنوب، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار کأنه ذو
بياض شديد، فسوّدته الخطايا(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله بعض الحنفيّة غير صحيح، فإن النصوص
إذا صحتّ، فالواجب حملها على ما يقتضيه ظاهرها، إلا إذا منع منه مانع، وهنا لا يوجد
مانع منقول، ولا معقول من إرادة الحقيقة، فيتعيّن الحمل عليها. والله تعالى أعلم.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: واعترض بعض الملحدين على هذا الحديث، فقال:
كيف سوّدته خطايا المشركين، ولم تبيّضه طاعات أهل التوحيد؟.
وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء اللَّه لكان ذلك، وإنما أجرى اللَّه العادة بأن السواد
يصبغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض. وقال المحبّ الطبريّ: في بقائه أسود عبرة
لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثّرت في الحجر الصّلْد، فتأثيرها في القلب أشدّ. قال:
وروي عن ابن عبّاس: ((إنما غيره بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة)). فإن
ثبت، فهذا هو الجواب. قال الحافظ: أخرجه الحميديّ في ((فضائل مكة)) بإسناد
ضعيف انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
(١) - ((تحفة الأحوذي)) ٦١٦/٣ - ٦١٧.
(٢) - ((فتح)) ٢٦١/٤.

١٤٦ - (اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الأَسْوَد) - حديث رقم ٢٩٣٧
٢٢٥
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده عطاء بن السائب، وهو ممن اختلط بآخره؟.
[قلت]: إنما صحّ لأنه من رواية حماد بن سلمة عنه، وحماد ممن سمع قبل
اختلاطه، كما قاله الحافظ في ((الفتح)) (١)، وأيضًا له طريق أخرى عند ابن خزيمة في
«صحیحه))(٢)، فيتقوّى بها.
وفي «صحيح ابن خزيمة أيضًا عن ابن عباس، مرفوعًا: ((إن لهذا الحجر لسانًا،
وشفتين، يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحقّ)). وصححه أيضًا ابن حبان(٣)،
والحاكم، وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه
الذهبيّ (٤).
والحاصل أن حديث الباب صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٩٣٦/١٤٥ - وفي ((الكبرى)) ٣٩١٦/١٤٠. وأخرجه (ت) في
(الحجّ)) ٨٧٧ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٧٩٢ و٢٥٢٧ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٤٦- (اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)
٢٩٣٧- أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ
أَبَا الْقَاسِمِ نَِّ بِكَ حَفِيًّا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة
(١) - («فتح» ٤ / ٢٦٠ لكن الصحيح أنَّ حماد بن سلمة ممن سمع في الحالتين، فلا تصح روايته، لكن
الحديث يتقوى بما عند ابن خزيمة، وغيره فهو صحيح، فتبصر. والله تعالى أعلم.
(٢) - ((صحيح ابن خزيمة)) ٤ /٢١٩ - ٢٢٠.
(٣) - ((صحيح ابن حبان)) ٢١/٩ رقم ٢٧٣٦ .
(٤) - ((المستدرك)) ٤٥٧/١ .

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
[١٠] ٣٣/ ٣٧ .
٢- (وكيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت
عابد [٩]٢٥/٢٣.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة
الثبت [٧]٣٧/٣٣ .
٤- (إبراهيم بن عبد الأعلى) الجعفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٦].
قال أحمد، والنسائيّ، والعجلي: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس، وفي رواية
ابن أبي خيثمة: صالح. وقال أبو حاتم: صالح يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان:
لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن مهديّ، عن إسرائيل: كتب إليّ
شعبة: اكتب إليّ بحديث إبراهيم بن عبد الأعلى بخطك، فبعث بها إليه. روى له
مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث
الباب فقط .
٥- (سُويد بن غفلة) الجعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ المخضرم الحجة، من كبار التابعين،
قَدِمَ المدينة يوم دُفن النبيّ وَِّ، وكان مسلما في حياته ◌َّل، ثم نزل الكوفة، ومات سنة
ثمانين، وله مائة، وثلاثون سنة، تقدّمت ترجمته في ١٦٨٦/٦٣.
٦- (عمر) بن الخطّاب بن نُفيل العدويّ، الخليفة الراشد، أمير المؤمنين ◌َظّه،
استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣)، وولي الخلامة عشر سنين ونصفًا. والله تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ،
والصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين
بالجنّة، واشتهر بلقب الفاروق، لقّبه به النبيّ وَلّهِ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) -بفتح الغين المعجمة، والفاء، واللام - (أَنَّ عُمَّرَ) بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه (قَبَّلَ الْحَجَرَ) أي الأسود (وَالْتَزَّمَهُ) أي عانقه (وَقَالَ) رضي اللَّه
تعالى عنه (رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِم ◌َلُّ بِكَ) متعلّق بما بعده (حَفِيًّا) الحفيّ فعیل بمعنی فاعل،
وهو المعتنى به البارّ، ومنه قوله: ﴿إِنَُّ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].

٢٢٧
١٤٧ - (تقبيل الحجر) - حديث رقم ٢٩٣٨
يعني أنه وَّليّ كان معتنيًا بشأن الحجر بالتقبيل، والمسح، والكلامُ وإن كان خطابًا
للحجر، فالمقصود إسماع الحاضرين ليعلموا أن الغرض الاتباع، لا تعظيم الحجر كما
كان عليه عبدة الأثان، فالمطلوب تعظيم أمر الربّ، واتباع نبيّه وَليره. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤٦/ ٢٩٣٧- وفي ((الكبرى)) في ٣٩٢١/١٤٢. وأخرجه (م) في
((الحجّ)) ٢٢٣٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٤٧ - (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ)
٢٩٣٨- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَجَرِيرٌ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسٍ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ، جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ،
فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلًا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُقَبِلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ دَنَا
مِنْهُ، فَقَبَّلَهُ) .
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠]٢/٢.
٢- (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة
مأمون [٨]٨/٨.
٣- (جرير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح
الكتاب [٨]٢/٢.
٤- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥]١٨/١٧.
٥- (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل

٢٢٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
كثيرًا [٥]٣٣/٢٩ .
٦- (عابس- بموحّدة مكسورة- ابن ربيعة) النخعيّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢].
قال الآجريّ، عن أبي داود: جاهليّ سمع من عمر. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن
سعد: هو من مَذْحِج، وكان ثقة، له أحاديث يسيرة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٩٣٧ و٤٤٣٢ و ٤٤٣٣.
٧- (عمر) بن الخطاب تَّ المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، وعمر تَظّه ،
فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن
إبراهيم، عن عابس، ورواية الأوَّلَينِ من رواية الأقران. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَابِسٍ بْنِ رَبِيعَةَ) النخعيّ رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ) رضي اللَّه
تعالى عنه (جَاءَ إِلَّى الْحَجَرِ) أي الأسود (فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي الرواية الآتية
في الباب التالي: ((إنك حجر لا تنفع، ولا تضرّ))، أي إلا بإذن الله. وقد روى الحاكم
من حديث أبي سعيد أن عمر لَمّا قال هذا، قال له عليّ بن أبي طالب: ((إنه يضرّ،
وينفع، وذكر أن اللّه لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رّقّ، وألقمه الحجر،
قال: وقد سمعت رسول الله و لو يقول: ((يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان
ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد)). وفي إسناده أبو هارون العبد، وهو ضعيف جدًّا
(وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَلْتُكَ، ثُمَّ دَنَا مِنْهُ، فَقَبَّلَهُ) قال الطبريّ: إنما
قال ذلك عمر تَظّه لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظنّ
الجهّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في
الجاهليّة، فأراد عمر أن يعلّم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول اللَّه وَالتّر، لا لأن
الحجر ينفع، ويضرّ بذاته، كما كانت الجاهليّة تعتقده في الأوثان.
وقال المهلّب: حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين اللَّه في الأرض
يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون للَّه جارحة، وإنما شرع تقبيله اختيارًا ليعلم
بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم.
وقال الخطابيّ: معنى أنه یمین الله في الأرض أن من صافحه في الأرض کان له عند

٢٢٩=
١٤٧ - (تقبيلُ الحَجَرِ) - حديث رقم ٢٩٣٨
الله عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد مولاته،
والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه. وقال المحبّ الطبريّ: معناه: أن كلّ ملك إذا
قدم عليه الوافد قبل يمينه، فلما كان الحاجّ أول ما يقدم يسنّ له تقبيله، نزل منزلة يمين
الملك، ولله المثل الأعلى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩٣٨/١٤٧ و٢٩٣٨/١٤٨ - وفي («الكبرى»٣٩١٩ و٣٩٢٠ و٣٩٢١.
وأخرجه (خ) في ((الحج)) ١٥٩٧ و١٦٠٥ (م) في ((الحج)) ١٢٧٠ و١٢٧١ (د) في
((المناسك))١٨٧٣ (ت) في ((الحج))٨٦٠ (ق) في ((المناسك))٢٩٤٣ (أحمد) في ((مسند
العشرة)) ١٠٠ و١٣٢ و١٧٧ و٢٢٧ و٢٥٥ و٢٧٦ و٣٦٣ و٣٨٢ و٣٨٣ (الموطأ) في
((الحج)) ٨٢٤ (الدارمي) في ((المناسك))١٨٦٤ و١٨٦٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فى فوائده :
(منها): ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في ترجمتي البابين: استحباب استلام
الحجر الأسود، واستحباب تقبيله. (ومنها): أن في قول عمر رضي اللّه تعالى عنه هذا
التسليمَ للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهي قاعدة
عظيمة في اتباع النبيّ وَّر فيما يفعله، ولو لم تُعلم الحكمة فيه. (ومنها): أن فيه دفع ما
وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصّة ترجع إلى ذاته. (ومنها): أن فيه
بيان السنن بالقول والفعل. (ومنها): أن على الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد
اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر، ويوضّح ذلك. (ومنها): أن فيه كراهة تقبيل ما لم يَرِد
الشرع بتقبيله، وأما قول الشافعيّ: ومهما قبّل من البيت، فحسن، فلم يُرد به
الاستحباب؛ لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين. قاله في ((الفتح))(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - ((فتح)) ٤ /٢٦٠ - ٢٦١.

٢٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٤٨ - (كَيْفَ يُقَبَّلُ؟)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا الترجمة في ((المجتبى))، وهو بالبناء للمفعول.
ولفظ ((الكبرى)): ((كم يُقبّله؟)). وهو المناسب للحديث الذي أورده في الباب، حيث
قال: ((وإن رآه خاليًا قبّله ثلاثًا)). وقال السنديّ: قلت: وكأنه راعى ههنا أنه قبّله إذا رآه
خاليًا، فعدّه كيفيّة، ولما كان دلالة الحديث على الكميّة ظاهرة، دون الكيفية صار ترجمة
الكيفية أوفق بِدَأْ به؛ لأن دأبه رحمه اللّه تعالى التنبيه على الدقائق، فليتأمل. انتهى(١).
والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٣٩- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ
طَاوُسًا، يَمُرُّ بِالرُّكْنِ، فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ زِحَامًا مَرَّ، وَلَمْ يُزَاحِمْ، وَإِنْ رَآهُ خَالِيَا، قَبَلَهُ ثَلَاثًا،
ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،
فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ، وَلَا تَضُرُّ، وَلَّوْلًا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهـ
قَبَلَكَ، مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمرو بن عثمان)) بن سعيد بن كثير الحمصيّ، ثقة
[ ١٠]٥٣٥/٢١ .
و((الوليد)): هو ابن مسلم أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس،
والتسوية [٨]٤٥٤/٥.
و((حنظلة)): هو ابن أبي سفيان الجمحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦]١٢/١٢.
وقوله: ((رأيت رسول اللَّه وَّه فعل مثل ذلك)) فيه ما يُشعِرُ بأن قوله: ((إنك حجر لا
تضرّ، ولا تنفع)) مرفوع إلى النبيّ وَّر، كما قاله الحافظ في ((الفتح))(٢) ..
والحديث بهذا الإسناد لا يصحّ؛ لأن فيه الوليد، وهو مشهور بتدليس التسوية، وقد
تقدّم في الباب كونه متّفقًا عليه بالسياق الماضي، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) - ((شرح السنديّ)٢٢٧/٥ - ٢٢٨.
(٢) - ((فتح)) ٤ /٢٦٠ .

٢٣١
١٤٩ - (كَيْفَ يَطُوفُ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، ... - حديث رقم ٢٩٤٠
١٤٩- (كَيْفَ يَطُوفُ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ،
وَعَلَى أَيِّ شِقَّيْهِ يَأْخُذُ إِذَا اسْتَلَّمَ
الْحَجَرَ)
٢٩٤٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَكَّةَ، دَخَلَ
الْمَسْجِدَ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ مَضَىٍ عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ،
فَقَالَ: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الْبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا») .
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى) الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار
[١٠]٦١٨/٥٤ .
٢- (يحيى بن آدم) بن سليمان، الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ
فاضل، من كبار[٩]٩٢ /١١٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣.
٤- (جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق،
صدوق فقيه إمام [٦]١٢٣/ ١٨٢.
٥- (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ
المعروف بالباقر، ثقة فاضل [٤]١٨٢/١٢٣.
٦- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَّمِيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي الله تعالى عنهما٣١/ ٣٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن نصفه الأول
مسلسل بالكوفيين، والثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
(ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
والله تعالى أعلم.

٢٣٢
سسـ
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
مَكَّةَ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي المسجد الحرام (فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) أي الأسود، وفي رواية
مسلم: ((فاستلم الركن)). والاستلام افتعال من السَّلام -بفتح السين- بمعنى التحيّة،
وأهل اليمن يسمّون الركن بالمحياً؛ لأن الناس يحيّونه بالاستلام. وقيل: من السِّلَام -
بكسر السين- وهي الحجارة، واحدتها سَلِمة - بكسر اللام-، يقال: استلم الحجر: إذا
لَثَمه، وتناوله، والمعنى وضع يديه عليه، وقبّله (ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ) أي أخذ في
الطواف من يمين نفسه، أو يمين البيت، يعني أنه بدأ من يمين البيت، إذ الحجر الأسود
في يمينه، فإذا بدأ به، فقد بدأ باليمين، ويمين البيت إنما يظهر للمحاذاة للباب، إذ
الباب بمنزلة الوجه، فما كان في يسار المحاذي، فهو يمين البيت على قياس من يُحاذي
وجه إنسان، فيسار المحاذي يمين من يحاذيه، والأقرب هو الأول، وهو أن المراد يمين
الطائف، قاله السنديّ.
ونقل السيوطيّ، عن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، أنه قال: يجعل الطائف البيت
عن يساره، ويبدأ بالحجر الأسود؛ لأن الحجر إذا استقبل البيت من ثنية كدى، من باب
بني شيبة يبقى في ركن البيت على يسارك، وهو يمين البيت؛ لأنك إذا قابلت شخصًا،
فیمینه يسارك، ويساره يمينك، والذي يلاقیك من البيت هو وجهه؛ لأن فيه بابه، وباب
البيت أيَّ بيت كان هو وجه لذلك البيت، والأدب أن لا يؤتى الأفاضل إلا من قبل
وجوههم، ولأجل ذلك كان الابتداء بثنيّة كدى. والأصل في كلّ قربة يصحّ فعلها
باليمين واليسار أن لا تُفعل إلا باليمين، كالوضوء، وغيره، فإذا ابتدأ بالحجر، وجعل
البيت على يساره كان قد ابتدأ باليمين والوجه معًا، فيجمع بين الفاضلين الكريمين، ولو
ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يمينه ترك الابتداء بالوجه، ويمينُ البيت جميع الحائط
الذي بعد الحائط الذي فيه الباب(١)، ويسار البيت الحائط الذي يقابله، ودُبُر البيت
الحائط الذي يقابل الحائط الذي فيه الباب انتهى(٢).
وفيه استحباب ابتداء الطواف من اليمين (فَرَمَلَ) بفتح الميم، من باب نصر، والرمَلُ
-بفتحتين -: إسراع المشي مع تقارب الْخُطّا، وهو الخبب، وهو دون
العدو، والوثوب. وفي ((المرعاة)): أي مشى بسرعة مع تقارب الْخُطَا، وهزّ كتفيه
(١) - وقع في ((شرح السيوطيّ)) ((فيه البيت))، والظاهر أنه تصحيف فن ((الباب)). والله تعالى أعلم.
(٢) - ((فتح٩ ٢٢٨/٤ - ٢٣٠.
٦

١٤٩- (كَفَ يَطُوفُ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، ... - حديث رقم ٢٩٤٠
٢٣٣ ==
(ثَلاثَا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة. زاد في رواية أحمد: ((حتى عاد إليه))
(وَمَشَى) أي على السكون والهِينَةِ (أَرْبَعًا) أي أربع مرّات من الأشواط السبعة (ثُمَّ أَتَى
الْمَقَامَ) أي مقام إبراهيم ◌َلَله، وهو موضع قيامه، وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء
البيت، وفيه أثر قدميه (فَقَالَ) أي قرأ ◌َّه قوله تعالى (﴿وَأَّخِذُواْ﴾ بكسر الخاء على الأمر،
أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة. ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿واذكروا نعمتي﴾، أو
على معنى ((مثابة))، أي ثُبوا إليه، واتخذوا. والأمر فيه للاستحباب بالاتفاق. وقرأ نافع،
وابن عامر ﴿واتَّخَذُوا﴾ بلفظ الماضي، عطفًا على ﴿جعلنا﴾، أو تقدير ((إذ))، أي إذ
جعلنا، وإذ اتخذوا(١).
وفيه إشارة إلى أن فعله ﴿ هذا تفسير لهذه الآية (مِنْ مَقَام إِبْرَاهِيمَ) هو الحجر الذي
فيه أثر قدميه على الأصحّ. وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفةُ، وَغيرُها من المناسك؛ لأنه
قام فيها، ودعا. وعن النخعيّ: الحرم كله. وكذا رواه الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن
عباس. قاله في ((الفتح))(٢) (مُصَلَّى﴾) بالتنوين، أي موضع صلاة الطواف (فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنٍ) وفي الرواية في - ٢٩٦٤/١٦٤ -: ((فقرأ فاتحة الكتاب، و﴿قُلْ يَأَيُهاَ
اَلْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾)) (وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) جملة حالية، أي والحال
أن مقام إبراهيم بينه وَّه وبين البيت (ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) قال
النوويّ: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ، وغيره، من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طوافَ
القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاتِهِ خلف المقام أن يعود إلى الحجر، فيستلمه، ثم
يخرج من باب الصفا ليسعى. واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو
سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) أي إلى جهة الصفا.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ٤٦/
٢٧١٢ فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) - ((فتح)) ٢٣١/٤.
(٢) - ((فتح)) ٢٣١/٤ - ٢٣٢.

٢٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٥٠- (كَمْ يَسْعَى؟)
٢٩٤١ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِع:
((أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَرْمُلُ الثَّلاثَ، وَيَمْشِي الْأَرْبَعَ، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ
يَفْعَلُ ذَلِكَ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و(يحيى)): هو القطّان. و((عبيدالله)): هو ابن عمر العمريّ.
والحديث متفق عليه، وقد سبق مطوّلاً في ٢٧٣٢/٥٠ - وقد استوفيت شرحه،
وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وموضع الشاهد هنا قوله: ((يرمُلُ الثلاث))؛ لأن
معناه الإسراع في الأشواط الثلاث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٥١- (كَمْ يَمْشِي؟)
٢٩٤٢- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَإِ، كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَةً يَسْعَى
ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((يعقوب)): هو ابن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، ثم الإسكندرانيّ الثقة.
وقوله: ((أول ما يقدم)) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ(طاف))، و((يقدم)) بفتح الدال،
من باب تَعِب، أي يدخل المسجد الحرام.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وهو حديث متفق عليه، وقد سبق تمام الكلام
فيه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

١٥٣- (الرَّمَلُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) - حدیث رقم ٢٩٤٤
٢٣٥ =
١٥٢- (الْخَبَبُ فِ الثَّلَاثَةِ مِنَ
السُّبْع)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الخبب)) بفتحتين: ضرب من الْعَدْو، وهو خَطْوٌ
فَسِيحٌ، دون الْعَنَق. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٤٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، وَسُلَتْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُؤِنُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِّم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِّ ◌َِّهِ حِينَ يَقْدَمُ
مَكَّةَ، يَسْتَلِمُ الزَّكْنَ الْأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، ((سليمان ابن داود))، أبي الربيع المصريّ ابن أخي رشدين بن سعد، فإنه تفرّد
به، هو وأبو داود، وهو ثقة.
و((أحمد بن عمرو)): هو ابن السرح، أبو الطاهر المصريّ.
وقوله: ((يخُبُّ)) بضم الخاء المعجمة، من باب نصر: أي يَعْدُو، ويُسْرِع.
والحديث صحيح، سبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١٥٣- (الرَّمَلُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)
٢٩٤٤- أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم، قَالَا: حَدَّثَنَا
شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ
يَخُبُّ فِي طَوَافِهِ، حِينَ يَقْدَمُ فِي حَجْ أَوْ غُمْرَةٍ ثَلَاثًا، وَيَمْشِي أَرْبَعَا، قَالَ: ((وَكَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن عبد الله بن عبد الحكم)): هو المصريّ
الفقيه الثقة [١١] ١٦٦/١٢٠. من أفراد المصنّف.

٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
و ((عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم)) بن أعين بن ليث، أبو القاسم المصريّ،
ثقة [١١].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان فقيها،
والأغلب عليه الحديث، والأخبار، وكان ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)». وقال
القُضاعيّ: كان من أهل الحديث، عالمًا بالتواريخ، صنّف ((تاريخ مصر)) وغيره. قال
أبو الحسن بن قُديد: توفّي في المحرّم سنة (٢٥٧)، وسنّه نحو السبعين. انفرد به
المصنّف، روى عنه في عشرة مواضع برقم ٢٩٤٤ و٣٤٠٩ و٣٩١٣ و٣٩٣١ و٣٩٣٢
و ٤١٣٧ و ٤٤٩٨ و ٤٦٠٨ و ٤٦٦٨ و٥٠٩٢ .
و((كثير بن فَرقد)): هو المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٧].
والحديث متفق عليه، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٥٤ - (الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى
الْحَجَرِ)
٢٩٤٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ
ابْنِ الْقَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَهِ، وَمَلَ مِنَ الْحِجْرِ إِلَى الْحِجْرِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ))) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.
وقوله: ((من الحجر إلى الحجر)) أي مبتدأ من الحجر الأسود، ومنهيًا به، يعني في
تمام دورة الطواف.
وقوله: ((ثلاثة أطواف)) منصوب على الظرفية متعلّق بـ((رمل))، أو منصوب بنزع
الخافض، أي في ثلاثة أشواط.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،

١٥٥- (العِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا سَعَى النَّبِيُّ ... - حديث رقم ٢٩٤٦
٢٣٧
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٥٥- (الْعِلَُّ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا سَعَى.
النَّبِيُّ نَّهِ بِالْبَيْتِ)
٢٩٤٦ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَِّّ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَهَنَتْهُمْ حُمَّى
يَثْرِبَ، وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِئَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ- عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ
أَنْ يَرْمُلُوا، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْتَيْنِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ، فَقَالُوا:
لَهَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن سليمان) بن حبيب الأسديّ، أبو جعفر العلّاف الكوفيّ، ثم
المصيصي، الملقّب بلُوين، ثقة [١٠]١٧١/ ١١٤٠.
٢- (حماد بن زيد) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من
كبار [٨]٣/٣.
٣- (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد[٥]٤٢/
٤٧ .
٤ - (ابن جبير) هو سعيد الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد[٣]٤٣٦/٢٨.
٥- (ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين، غير شيخه، وابن جُبير، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، وفيه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَأَضْحَابُهُ مَكَّةَ،
قَالَ الْمُشْرِكُونَ:" وَهَنَتْهُمْ) بتخفيف الهاء، وتشديدها، ويقال: أوهن بالهمز: أي
أضعفهتم (حُمَّى يَثْرِبَ) -بفتح الياء التحتيّة، وسكون الثاء المثلثة، وكسر الراء، آخره
باء موحّدة-، غير منصرف: اسم مدينة النبيّ ◌َّهَ في الجاهليّة، نهى النبيّ ◌َّ عن
تسميتها بذلك، وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين (وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا،
فَأَطْلَعَ) بقطع الهمزة، رباعيًّا، أي أعِلم (اللَّهُ نَبِيَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ - عَلَى ذَلِكَ) أي
ما تكلّم به المشركون فيما بينهم (فَأَمَرَ أَضْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا) بضم الميم، من باب نصر،
وهو في موضع المفعول الثاني ((أمر أصحابه))، يقال: أمرته كذا، وأمرته بكذا، يعني
أمرهم بأن يسرعوا ما بين الركنين الشامي والعراقيّ (وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْتَيْنِ) أي
اليمانين، وعند أبي داود من وجه آخر: «وكانوا إذا تواروا عن قريش بين الركنين مشَوْا،
وإذا طلعوا عليهم رَمَلُوا)).
زاد في رواية الشيخين: «ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلُوا الأشواط كلها إلا الإبقاء
علیهم)) .
وقوله: ((الأشواط)) بفتح الهمزة، بعدها معجمة، جمع شوط، بفتح، فسكون: وهو
الجري مرّة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة. وقوله: ((إلا الإبقاء)) بكسر
الهمزة، وبالموحّدة، والقاف: الرفق، والشفقة، وهو بالرفع على أنه فاعل ((لم يمنعه))،
ويجوز النصب. قاله في ((الفتح))(١).
وفي رواية للبخاريّ من طريق عطاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، قال:
((إنما سعى رسول اللَّه وَل بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوّته)). وفيه
بيان أن علة السعي بين الصفا والمروة هي علة الرمل في الطواف بالبيت.
وروى ابن خزيمة، والفاكهيّ من طريق أبي الطفيل، قال: سألت ابن عباس عن
السعي؟ فقال: ((لَمّا بعث اللّه جبريل إلى إبراهيمعَ لَّلُ ليريه المناسك، عرض له
الشيطان بين الصفا والمروة، فأمر الله أن يُجيز الوادي، قال ابن عباس: فكانت سنة)).
وفي ((كتاب الأنبياء)) من ((صحيح البخاري)) أن ابتداء ذلك كان من هاجر. وروى
الفاكهيّ بإسناد حسن عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: ((هذا ما أورثتكموه أم
إسماعیل)» .
(١) - ((فتح) ٢٦٩/٤.

٢٣٩
١٥٥- (الْعِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا سَعَى النَّبِيُّ ... - حديث رقم ٢٩٤٦
ولا تخالف بين هذه الروايات، إذ يمكن أن تكون هذه الأشياء سببًا للمشروعية،
فكانت أم إسماعيل أقدم، ثم إبراهيمَلَّله بعد بناء البيت، ثم النبيّ وَّل حينما تحدث
المشركون بضعفهم، وتأثير الحمى فيهم. والله تعالى أعلم.
(وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم. وفي
رواية للبخاريّ: ((والمشركون من قبل فُعَيقعان))، والمراد أن من كان هناك، يُشرف على
الركنين الشاميين، ومن كان به لا يرى من بين الركنين اليمانيين (فَقَالُوا) أي المشركون
لَمّا رأوا رَمَلَ الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم (لَهَؤُلَاءِ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء
(أَجْلَدُ مِنْ كَذَا) اسم تفضيل من الْجَلَد، وهو القوّة، أي أقوى. قال الشيخ عزّ الدين ابن
عبد السلام رحمه اللّه تعالى: فكان ذلك ضربًا من الجهاد، قال: وعّته في حقّنا تذكّر
نعمة الله تعالى على نبيّه وَ ل بالعزّة بعد الذلّة، وبالقوّة بعد الضعف، حتى بلغ عسكره
وَله سبعين ألفًا انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا٢٩٤٦/١٥٥ و٢٩٨٠/١٧٦- وفي («الكبرى»٣٩٤٢/١٥٦ و١٧٦/
٣٩٧٣. وأخرجه (خ) في ((الحج)) ١٦٠٢ و١٦٤٩ و((المغازي)» ٤٢٥٦ و٤٢٥٧ (م) في
((الحجّ)) ١٢٦٤ و١٢٦٦ (د) في ((المناسك)) ١٨٨٥ و١٨٨٦ و١٨٨٩ و١٨٩٠ (ت) في
((الحج)) ٨٦٣ (ق) في ((المناسك)) ٢٩٥٣ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٣٠٥ و٢٦٣٤
و٢٧٨١ و٣٥٢٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان العلة التي شرع من أجلها
الرمل في الطواف، وهو أن يرى المشركون الذين قالوا: سَيَقْدَم عليكم قوم وهنتهم
حمّى يثرب. (ومنها): أن فيه مشروعية إظهار القوّة بالعُدّة، والسلاح، ونحو ذلك
للكفّار إرهابًا لهم، ولا يعدّ ذلك من الرياء المذموم. (ومنها): جواز المعاريض
بالفعل، كما يجوز بالقول، وربّما كانت بالفعل أولى. (ومنها): أن في قوله:
((الأشواط)) جواز تسمية الطوفة شوطًا. ونُقل عن مجاهد، والشافعيّ كراهة تسميتها
شوطًا، أو دورًا، بل تسمّى طوفة، وهذا الحديث ظاهر في أنه لا كراهة في تسميها

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شوطًا، فالصحيح أنه لا كراهة في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٤٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ
عُمَرَ، عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ؟، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِلُهُ، فَقَالَ
الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنَّ زُحِمْتُ عَلَيْهِ، أَوْ غُلِيْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: اجْعَلْ
أَرَأَنِتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا،
سوی :
١- (الزبير بن عربيّ) -بفتح الراء، بعدها موحّدة- النَّمَريّ، أبو سلمة البصريّ،
لیس به بأس [٤].
روی عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وعنه ابنه إسماعيل، وحماد بن زيد،
وسعيد بن زيد، ومعمر. قال الأثرم، عن أحمد: أراه لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ،
والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) ((الزبير بن عديّ)) بالدال المهملة بدل الراء،
والصواب ((عربيّ)) بالراء، والموحّدة-، راجع ((تحفة الأشراف))٣٤٥/٥- والتهذيب
التهذيب)) ٦٢٦/١ .
وقال في ((الفتح)): قال أبو علي الجيانيّ: وقع عند الأصيلي، عن أبي أحمد
الجرجاني ((الزبير بن عديّ)) -بدال مهملة، بعدها ياء مشددة، وهو وَهَمّ، وصوابه
((عربي)) - براء مهملة مفتوحة، بعدها موحدة، ثم ياء مشددة- كذلك رواه سائر الرواة
عن الفربري. انتهى. وكأن البخاري استشعر هذا التصحيف، فأشار إلى التحذير منه،
فَحَكَى الفربري أنه وجد في كتاب أبي جعفر -يعني محمد بن أبي حاتم، وَرّاق
البخاري - قال: قال أبو عبد الله -يعني البخاري -: الزبير بن عربي هذا بصري، والزبير
بن عدي كوفي. انتهى. هكذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه، عن الفربري. وعند
الترمذي من غير رواية الكرخي، عقب هذا الحديث: ((الزبير)) هذا هو ابن عربي، وأما
الزبير بن عدي، فهو كوفي. قال الحافظ: ويؤيده أن في رواية أبي داود ((الزبير بن
العربي)) بزيادة ألف ولام، وذلك مما يرفع الاشكال(١). والله تعالى أعلم.
و((حماد)): هو ابن زيد.
(١) - راجع ((الفتح)) ٥٥٦/٣ طبعة دار الريان للتراث. وجـ ٤ ص ٢٧٧ طبعة دار الفكر.