النص المفهرس

صفحات 201-220

١٣٧ - (إِبَاحَةُ الطَّوَافِ فِي كُلُّ الأَوَقَاتِ) - حديث رقم ٢٩٢٤
٢٠١
رضي اللَّه تعالى عنهما، على أنه قد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛
لأن مثله لا يقال بالرأي، كما قاله الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى(١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٣٧ - (إِيَاحَةُ الْطَّوَافِ فِي كُلِّ
الأَوْقَاتِ)
٢٩٢٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهَ، عَنْ جَبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٌ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ
مَنَافٍ، لَّا تَمْتَعُنَّ أَحَدَا، طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى أَّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلِ أَوْ تَّارٍ))) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن)): هو الزهريّ الْمَخْرَميّ(٢)
البصريّ. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((أبو الزبير)): هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس
المكيّ. و((عبد الله بن باباه)) -بموحدتين، بينهما ألف ساكنة، ويقال: بتحتانيّة بدل
الألف، ويقال: بحذف الهاء- المكيّ الثقة.
والحديث صحيح، وتقدّم في كتاب الصلاة برقم ٥٨٥/٤١- باب («إياحة الصلاة في
الساعات كلها))، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، ودلالته
على الترجمة هنا واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) - ((طرح التثريب١٢٠/٥٤.
(٢) ((الْمَخْرَمِيُّ)) - بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء -: نسبة إلى جده الأعلى مَخْرَمَة
ابن نوفل.

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٣٨- (كَيْفَ طَوَافُ الْمَرِيضِ)
٢٩٢٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ عُرِوَةَ، عَنْ
زَيْتَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أَنِّي أَشْتَكِي،
فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي، إِلَى جَنْبٍ
الْبَيْتِ، يَقْرَأْ بِ﴿وَاَلُورِ وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١-٢]).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١]١٩/
٢٠ .
٢- (الحارث بن مسكين) المذكور قبل باب.
٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ، ثقة فقيه، من
كبار [١٠]٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه[٧]٧/ ٧.
٥- (محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ، يتيم عروة،
ثقة [٦]٢٧٦/١٧١ .
٦- (عروة) بن الزبير بن العوام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]٤٤/٤٠.
٧- (زينب بنت أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبيّ وَّ، ما
تت سنة (٧٣هـ)، وحضر ابن عمر جنازتها، قبل أن يحجّ، ويموت بمكة، تقدّمت في -
١٨٢/١٢٣ .
٨- (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم
المخزومية، أم المؤمنين، تزوجها النبيّ وَله بعد أبي سلمة، سنة أربع، وقيل: ثلاث،
وعاشت بعد ذلك ستين سنة، وماتت رضي الله تعالى عنها سنة اثنتين وستين، وقيل:
سنة إحدى وستين، وقيل: قبل ذلك، والأول أصح، تقدمت في -١٢٣/ ١٨٢ -. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه الحارث بن مسكين، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه

١٣٨ - (کَیْبَ طَوَافُ الْمَريض) - حديث رقم ٢٩٢٦
٢٠٣
مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة.
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّة عن صحابيّة، والبنت عن أمها. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): في الإسناد تابعيّان: محمد، وعروة، وصحابيتان: زينب،
وأمها، أم سلمة انتهى (١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في جعله محمد بن عبد الرحمن تابعيًّا نظر، إلا عند
من يكتفي في كون الشخص تابعيًّا بمجرد المعاصرة فقط، فإنه لم يثبت له رواية عن
صحابيّ، كما بينه في ترجمته من ((تهذيب التهذيب))(٢)، وجعله في ((التقريب)) من الطبقة
السادسة، وهي التي عاصرت الصحابة، ولم تَلْقَ منهم أحدًا. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمّ سَلَمَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَخَرِ أَنّي
أَشْتَكِي) بفتح همزة ((أني)) لأنه في تأويل المصدر مفعول ((شكوت))، يقال: اشتكى
عضوًا من أعضائه: إذا توجّع منه، وشكوت فلانًا: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك. وفي
الرواية الآتية في الباب التالي: «قالت: يا رسول الله، والله ما طفت طواف
الخروج ... )) تعني الوداع (فَقَالَ) ◌ِ ◌ِ (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ) أي الرجال (وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)
زاد في الروية التالية: ((على بعيرك))، والجملة الاسمية في محل نصب على الحال من
الفاعل. قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها (فَطْفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُصَلِّي) أي
صلاة الصبح، ففي رواية البخاريّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: ((إذا أقيمت
صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك، والناس يصلون)).
وجملة ((ورسول اللَّه ◌َ ﴿ الخ)) في محل نصب على الحال من الفاعل أيضًا، والرابط
الواو (إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ) أي الكعبة؛ لأن البيت علم لها بالغلبة. قال الكرمانيّ: فإن
قلت: الصلاة إلى البيت، فما فائدة ذكر الجنب؟. قلت: معناه أنه كان يصلي منها إلى
الجنب، يعني قريبًا من البيت، لا بعيدًا منه انتهى. وقال أبو عمرو: صلاته إلى جنب
البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر رضي الله تعالى عنه
من ذلك المكان إلى صحن المسجد انتهى (٣) (يَقْرَأْ بِ﴿وَطُورِ وَكِنَبٍ تَسْطُورٍ﴾
[الطور: ١-٢]) أي بسورة الطور، ولعلها لم تذكر واو القسم؛ لأن لفظ ((الطور)) كأنه
(١) - ((فتح)) ٢/ ١٣٢ ((كتاب الصلاة)) - ))باب إدخال البعير في المسجد للعلة)).
(٢) - ونقل في ((تهذيب التهذيب)) عن ابن الْبَزْقَيّ، قال: لا يُعلم له - أي لمحمد بن عبد الرحمن
هذا- رواية عن أحد من الصحابة مع أن سنه يحتمِل ذلك. انتهى.
(٣) - ((عمدة القاري)) ٤/ ٦٢.

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
صار علمًا للسورة. قاله العينيّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٩٢٦/١٣٨ و٢٩٢٧/١٣٩ و٢٩٢٨ - و(«الكبرى»٣٩٠٣/١٣٥
و ٣٩٠٤ و٣٩٤٣/١٥٧. وأخرجه (خ) في ((الصلاة))٤٦٤ و((الحج)»١٦١٩ و١٦٢٦
و١٦٣٣ و((التفسير)) ٤٨٥٣ (م) في ((الحج)) ١٢٧٦ (د) في ((المناسك)) ١٨٨٢ (ق) في
((المناسك)) ٢٩٦١ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥٩٤٦ و٢٦١٧ (الموطأ) في
((الحج)) ٨٣٢ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية طواف المريض، وهو أن
يطوف راكبًا. (ومنها): جواز الطواف للراكب، إذا كان لعذر، وأما لغير عذر، ففيه
خلاف، سيأتي بعد باب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا
يختلطن بهم؛ لأن ذلك أستر لهنّ، ولأن الطواف كالصلاة، ومن سنة الصلاة أن يتأخرن عن
صفوف الرجال، فكذا في الطواف. قال في ((الفتح)): وإنما أمرها أن تطوف من وراء
الناس؛ ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذون بدابتها انتهى (٢).
(ومنها): أن من يطوف وقت صلاة الجماعة لعذر لا يطوف إلا من وراء الناس، فلا
يطوف بين المصلين وبين البيت؛ لئلا يَشْغَل الإمام والناس، فيؤذيهم.
(ومنها): أن الراكب عليه أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة؛ لئلا
يؤذيهم.
(ومنها): جواز إدخال الدواب المسجد. قال ابن بطال رحمه اللَّه تعالى: في هذا
الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا
ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب. وتُعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز
مع عدم الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يُخشى التلويث يمتنع
الدخول. وقد قيل: إن ناقته ◌َ﴿ كانت منوّقة، أي مُدرّبة معلّمة، فيؤمن منها ما يُحذر من
(١) - ((عمدة القاري)) ٤/ ٦٢.
(٢) - ((فتح٩ ٤ / ٢٨٥.

١٣٩ - (طَوَّافُ الرَّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ) - حديث رقم ٢٩٢٧
٢٠٥
التلويث، وهي سائرة، فيحتمل أن يكون بعير أم سلمة كان كذلك. قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم في ((أبواب الطهارة)) من هذا الشرح تفصيل
مسألة طهارة أبوال الإبل، ونحوها، ونجاستها، وأن الراجح طهارتها، فراجعه تستفد.
وبالله تعالى التوفيق.
(ومنها): استحباب قرب الإمام من البيت في الصلاة. (ومنها): مشروعية الجهر
بالقراءة في صلاة الصبح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣٩- (طَوَافُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نسخ ((المجتبى))، وعبارة ((الكبرى)): ((طواف
النساء مع الرجال))، وفي نسخة: ((كيف طواف النساء مع الرجال؟))، والظاهر أن عبارة
((الكبرى)) أظهر، وغرضه بهذا بيان كيفية طواف النساء مع الرجال، وذلك أن يطفن من
وراء الرجال، ولا يختلطن بهم، كما دل عليه حديث أم سلمة رَّها المذكور في
الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٢٧- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمّ
سَلَمَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا طُفْتُ طَوَافَ الْخُرُوجِ، فَقَّالَ النَِّيُّ بِّهِ: ((إِذَا أُقِيمَتِ
الصَّلَاةُ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ، مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ)). عُزْوَةٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أُمُّ سَلَمَةَ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((محمد بن آدم)) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.
و((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ الثقة الثبت.
وقولها: (طواف الخروج)) تعني طواف الوداع. وقوله: ((إذا أقيمت الصلاة)) أي صلاة
الصبح .
وقوله: ((عروة لم يسمعه الخ)) أشار به إلى أن في هذا الإسناد انقطاعًا، وهذا الذي
قاله المصنف قاله الدارقطنيّ أيضًا في ((كتاب التتبع)). لكن قال الحافظ في ((الفتح)): وقد
أخرج الإسماعيليّ حديث الباب من طريق حسّان بن إبراهيم، وعليّ بن هاشم،
ومحاضر بن الموزّع، وعبدة بن سليمان، كلهم عن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة،
(١) - ((فتح))٢/ ١٣٢ ((كتاب الصلاة)) ((باب إدخال البعير في المسجد للعلة)).

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وهذا هو المحفوظ، وسماع عروة من أم سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين
سنة، وهو معها في بلد واحد. انتهى (١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: محل استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما
ترجم له قوله: ((إذا أقيمت الصلاة، فطوفي على بعيرك من وراء الناس))، فإنه يدلّ على
أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم، وفيه أن الاحتراز عن طواف النساء مع
الرجال مهما أمكن أحسن، حيث أجاز لها في حال إقامة الصلاة التي هي حالة اشتغال
الرجال بالصلاة، لا في حال طواف الرجال. والله تعالى أعلم.
وقد أورد البخاريّ رحمه الله تعالى على قوله: ((باب طواف النساء مع الرجال)) قصة
إنكار عطاء على ابن هشام في منعه طواف النساء مع الرجال، ونصّه:
١٦١٨ - وقال لي عمرو بن علي: حدثنا أبو عاصم، قال: ابن جريج أخبرنا، قال:
أخبرني عطاء، إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن، وقد طاف
نساء النبي ◌َّ مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب، أو قبلُ؟، قال: إي لعمري، لقد أدركته
بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟، قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي
الله عنها، تطوف حَجْرة(٢) من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم
المؤمنين، قالت: انطلقي عنك، وأبت، فكُنَّ يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع
الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت، قمن حتى يدخلن، وأخرج الرجال، وكنت آتي
عائشة أنا، وعبيد بن عمير، وهي مجاورة في جوف ثَبِير، قلت: وما حجابها؟، قال: هي
في قبة تركية، لها غشاء، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها دِرْعًا مُوَرَّدًا(٣).
وقوله: ((إذ منع ابن هشام)) قال الحافظ: هو إبراهيم، أو أخوه محمد بن إسماعيل بن
هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزوميّ، وكانا خالي هشام
ابن عبد الملك، فولَّى محمدًا إمرة مكة، وولَّى أخاه إبراهيم إمرة المدينة، وفوّض هشام
لإبراهيم إمرة الحجّ بالناس في خلافته، قال الحافظ: فلهذا قلت: يحتمل أن يكون
المرادَ، ثم عذبهما يوسف بن عمر الثقفيّ حتى ماتا في محنته في أول ولاية الوليد بن
يزيد بن عبد الملك بأمره سنة خمس وعشرين ومائة. قاله خليفة بن خياط في ((تاريخه)).
وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهيّ من طريق زائدة، عن
إبراهيم النخعيّ، قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلاً معهنّ،
فضربه بالدِّرّة. وهذا إن صحّ لم يعارض الأول؛ لأن ابن هشام منعهنّ أن يطفن حين
(١) - ((فتح))٤ / ٢٩١ - ٢٩٢.
(٢) - بفتح المهملة، وسكون الجيم، بعدها راء - : أي ناحية. يعني معتزلة من الرجال.
(٣) - ((صحيح البخاري)) ٤/ ٢٨٢ بنسخة ((الفتح)).

٢٠٧ =
١٣٩ - (طَوَّافُ الرَّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ) - حديث رقم ٢٩٢٨
يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء.
واحتجّ بعضهم بصنيع عائشة، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهيّ:
ويُذكر عن ابن عيينة أن أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله
القسريّ انتهى. وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتًا، ثم تركه، فإنه كان أمير مكة في زمن
عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
تعالى(١).
والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٢٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي
الْأَسْوَدِ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ، أَنَّا قَدِمَتْ مَكَّةَ، وَهِيَ
مَرِيضَةٌ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ الْمُصَلِّينَ، وَأَنْتِ
رَاكِبَةٌ))، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ، وَهُوَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، يَقْرَأُ وَالطُّورِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((عبيدالله
ابن سعيد)): هو أبو قدامة السرخسيّ. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((مالك)): هو
ابن أنس، إمام دار الهجرة. و((أبو الأسود)): هو محمد بن عبد الرحمن، يتيم عروة
المذكور في الباب الماضي.
وغرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذه الرواية بيان ما أشار إليه في الرواية السابقة من
عدم سماع عروة هذا الحديث عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، حيث أدخل في هذا
الإسناد بينه وبينها ((زينب بنت أم سلمة)). لكن تقدّم أنه لا مانع من أن يسمعه عن أم
سلمة بواسطة زينب، ثم يسمعه بعدُ عنها مباشرة، ولذلك أخرجه الإمام البخاريّ رحمه
الله تعالى في ((صحيحه)) في ((باب من صلى ركعتي الطواف خارجا من المسجد))
رقم ١٦٢٦ - بالطريقين؛ إشارة إلى صحتهما، وعدم إعلال إحداهما بالأخرى.
والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) - («فتح»٤ / ٢٨٢ - ٢٨٣.

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٤٠ - (الطَّوَفُ بِالْبَيْتِ عَلَى
الرَّاحِلَةِ)
٢٩٢٩- أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ -وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ- عَنْ هِشَام
ابْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((طَافَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، حَوْلَ
الْكَّعْبَةِ، عَلَى بَعِير، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عثمان) بن سعيد القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ،
صدوق [١٠]٥٣٥/٢١.
٢- (شعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ،
ثقة رُمي بالإرجاء، من كبار [٩]١٧٦٦/٦٠ .
٣- (هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما
دلّس [٥]٤٩/ ٦١.
٤- (أبوه) عروة بن الزبير المذكور قريبًا.
٥- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه
مسلسل بالمدنيين، من هشام. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي
عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ) بفتح الواو (حَوْلَ الْكَعْبَةِ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ((طاف))، وكذا قوله(عَلَى
بَعِير) بفتح الباء الموحدة، وقد تُكسر: الجمل البازل، أو الجذّع، وقد يكون للأنثى.
قاله في ((القاموس)).
وفي ((المصباح)): البعير مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبت بعيري،
والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، والبَكْرَ،
١

١٤٠- (الطَّوَفُ بِالْبَيْتِ عَلَى الرَّحِلَةِ) - حديث رقم ٢٩٢٩
٢٠٩ ===
والبَكْرةُ، مثلُ الفتى والفتاة، والْقَلُوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السكيت،
والأزهريّ، وابن جني، ثم قال الأزهريّ. هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص
أهل العلم باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ رحمه اللّه تعالى في الوصية: لو قال: أعطوه
بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة، فحمل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصيّة مبنيّة
على عرف الناس، لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ. وحكى في
(كفاية المتحفّظ)) معنى ما تقدّم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أربعا، فأما قبل
ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبكرةٌ، وَقَلُوصٌ، وجمع البعير أبعرةٌ، وأباعرٌ، وبُعْرانٌ
بالضمّ انتهى.
(يَسْتَلِمُ) أي يلمسه، يقال: استلم الحجر: إذا لمسه، إما بالقبلة، أو باليد،
كاستلأمه. قاله في ((القاموس)). وقال الفيوميّ: واستلأمت الحجر، قال ابن السّكّيت:
هَمّزَته العرب على غير قياس، والأصل استلمت؛ لأنه من السِّلَام، وهي الحجارة.
وقال ابن الأعرابيّ: الاستلام أصله مهموز، من المُلاءَمَة، وهي الاجتماع، وحكى
الجوهريّ القولين انتهى (الرُّكْنَ) أي الحجر الأسود (بِمِخجَنِهِ) زاد في ((الكبرى)) بهذا
السند: ((كراهية أن يصرف عنه الناس))، ولعل هذه الزيادة سقطت من نسخ ((المجتبى))؛
لأن سند الكتابين واحد، ويقوّي ذلك كونها ثابتة في ((صحيح مسلم)) من رواية الحكم
ابن موسى القنطريّ، عن شعيب بن إسحاق، بسند المصنّف.
و((المحجن)) -بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الجيم، وزان مِقْوَد -:
خشبة في طرفها اعوجاج، مثلُ الصَّوْلَجان. قال ابن دريد: كلّ عُود معطوف الرأس،
فهو مِحْجَنّ، والجمع المحاجن. قاله الفيوميّ.
وفي حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الآتي في - ٢٩٥٦/١٦٠ -: (( كان
يطوف على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه)). فيحمل ما دلّ عليه حديث عائشة
رضي اللّه تعالى عنها المذكور في الباب، من استلامه بالمحجن على أنه كان قريبًا،
وذلك لكونه آمنًا من إيذاء الناس، وأن ما دلّ عليه حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى
عنهما من الإشارة إليه على أنه كان بعيدًا عنه؛ خشية إيذائهم. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجّ
أخرجه هنا - ٢٩٢٩/١٤٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٩٢٣/١٤٤. وأخرجه (م) في ((الحج))
١٢٧٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو جواز الطواف بالبيت على
الراحلة. (ومنها): استحباب استلام الحجر الأسود بيده، أو بعصاه، إِذا عجز عن
تقبيله، ثم يقبّل ما استلم به، لما في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي الطّفيل رَّه،
قال: ((رأيت رسول اللّه وَ ل يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبّل
المحجن)). وبهذا يقول الجمهور، وخالف مالك - كما قال القاضي عياض- ، فقال: لا
يقبل يده. وإذا عجز عن الاستلام أشار بيده، أوبما في يده، لما تقدم في حديث ابن
عباس رضي اللّه تعالى عنهما. ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل.
(ومنها): أن في قوله: ((حجة الوداع)) ردًّا على من كره تسمية حجة رسول اللّه وَال
بذلك، وهو غلط، والصواب جوازه.
(ومنها): أنه استدلّ به أصحاب مالك، وأحمد على طهارة بول ما يؤكل لحمه،
وروثه؛ لأنه لا يؤمن ذلك من البعير، فلو كان نجسًا لما عرض المسجد له، وخالفهم
الشافعية، والحنفية، والأول هو الحقّ، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطواف راكبًا على الراحلة، أو
نحوها :
قال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا
للعذر، واختلف في طواف من لا عذر له راكبا، فأجازه قوم، منهم: ابن المنذر؛ أخذًا
بطوافه وَل# راكبًا، والجمهور على كراهة ذلك، ومنعه، متمسّكين بظاهر قوله تعالى:
﴿وَلَيَطَّوَّفُواْ بِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩]، وظاهره أن يطوف الطائف بنفسه، ومن
طاف راكبًا إنما طيف به، ولم يَطْف هو بنفسه، وبأن الصحابة * اعتذروا عن طوافه
وَلّه راكبًا، وبيّنوا عذره في ذلك، فكان دليلاً على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا
يكون راكبًا. انتهى كلام القرطبيّ(١) .
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا، ولا
يركب، إلا لعذر مرض، أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليُستفتَى، ويُقتدى
به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام الحرمين: من
(١) - ((المفهم»٣٧٩/٣ - ٣٨٠.

١٤١ - (طَوَافُ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ) - حديث رقم ٢٩٣٠
٢١١ =
أدخل البهيمة التي لا يؤمن من تلويثها المسجد بشيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك،
وإلا فإدخالها المسجد مكروه. وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير
عذر، منهم الماورديّ، والبندنيجيّ، وأبو الطيّب، والعبدريّ، والمشهور الأول،
والمرأة والرجل في ذلك سواء. والمحمول على الأكتاف كالراكب. وبه قال أحمد،
وداود، وابن المنذر. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه، ولا شيء
عليه، وإن كان لغير عذر، فعليه دم. قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد
الطواف .
فلو طاف زحفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح، لكنه يكره. وقال أبو الطيب في
((التعليقة)): طوافه زحفًا كطوافه ماشيًا منتصبًا، لا فرق بينهما.
واعتذروا عن ركوب النبيّ وَّ بأن الناس كثُرُوا عليه، وغَشُوه بحيث إن العواتق
خرجن من البيوت لينظرن إليه وَل﴿، أو لأنه يُستفتَى، أو لأنه كان يشكو، لما روى أبو
داود في ((سننه)): ((قدم النبيّ وَلّ مكة، وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على
الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ، فصلى ركعتين)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن في إسناده
يزيد ابن أبي زياد، وهو ضعيف. ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا ليس عليه دليل
صريح، وما اعتذروا به عن طوافه وَ ل# راكبًا لا يكون دليلاً على المنع؛ لأنه وَلّ ما جاء
عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يُحتاج للاعتذار عن فعله، والآية ليس فيها النهي
عنه، بل فعله وَلّ بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب الطواف مطلقًا.
فالحقّ أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذ أحدًا، وإن كان الأولى عدم الركوب. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٤١- (طَوَافُ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ)
٢٩٣٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو الْكَلْبِيُّ - عَنْ
زُهَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَيَانٌ، أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ،

٢١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ أَخْرَمْتُ بِالْحَجْ؟، قَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عَبَّاسِ، يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْنَا مِنْهُ، قَالَ: ((رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، أَخْرَمَ
بِالْحَجْ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عبدة بن عبد الله) الصفّار الخزاعيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل،
ثقة [١١]٨٠٠/١٨ .
٢- (سويد بن عمرو الكلبيّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، ثقة، من كبار [١٠]٦٧/
١٨٠٩ .
٣- (زُهير) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمى الكوفيّ، ثقة ثبت [٧]٤٢/٣٨.
٤- (بيان) بن بِشْر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقة ثبت [٥]٩٥٤/٤٦.
٥- (وَبَرَة) - بفتحتين- ابن عبد الرحمن الْمُسْلِيّ، أبو خُزيمة، أو أبو العبّاس
الكوفيّ، ثقة [٤]٥/ ١٤٥٧.
٦- (عبد الله بن عمر) بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما١٢/ ١٢. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن وَبَرَة بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى، أنه (قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ)
رضي اللَّه تعالى عنهما (وَسَأَلَّهُ رَجُلٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والسائل لم
يُسمّ. وفي رواية لمسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن وبرة، قال: ((كنت
جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجلٌ، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي
الموقف؟؟ ... (أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ أَخْرَمْتُ بِالْحَجْ؟) أي والحال أني محرم بالحج
(قَالَ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (وَمَا يَمْتَعُكَ؟) أي وأيّ شيء يمنعك من أن تبدأ
بالطواف (قَالَ) الرجل السائل (رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَنْهَى عَنْ
ذَلِكَ) أي عن الابتداء بالطواف، وفي رواية مسلم المذكورة: ((فإن ابن عباس يقول: ((لا

١٤١- (طَوَافُ مَنْ أَقْرَدَ الحَجّ) - حديث رقم ٢٩٣٠
٢١٣ =
تطف بالبيت حتى تأتي الموقف)).
(وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْتَا مِنْهُ) وفي رواية مسلم من طريق جرير، عن وبرة: ((وأنت أحبّ
إلينا منه، رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال: وأينا - أو أيكم- لم تفتنه الدنيا؟)). قال النووي:
ومعنى ((فتنته الدنيا»: لأنه تولّى البصرة، والولايات محلّ الخطر والفتنة، وأما ابن عمر
فلم يتولّ شيئًا، وأما قول ابن عمر: ((وأينا لم تفتنه الدنيا))، فهذا من زهده، وتواضعه،
وإنصافه. انتهى (١) .
(قَالَ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، أَخْرَمَ بِالْحَجِّ) مفردًا
أولاً، وإن كان أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، كما تقدّم تحقيق ذلك في محله (فَطَافَ
بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) يعني أنه ابتدأ بالطواف والسعي، قبل الخروج إلى
منى، وعرفة.
وفي رواية مسلم: ((فقال ابن عمر: فقد حجّ رسول اللَّه ◌َالهر، فطاف بالبيت قبل أن يأتي
الموقف، فبقول رسول اللّه وَ ل﴿ أحقّ أن تأخذ، أم بقول ابن عباس، إن كنت صادقًا؟)). وفي
رواية: ((فسنة رسول اللّه وَ ﴿ أحقُّ أن تتبع من سنة فلان، إن كنت صادقًا)).
قال النوويّ: قوله: ((إن كنت صادقًا)) معناه: إن كنت صادقًا في إسلامك، واتباعك
رسول اللّه وَله، فلا تعدل عن فعله، وطريقته إلى قول ابن عباس، وغيره. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ: قوله: ((إن كنت صادقًا)) ورَعْ منه لئلا يذكر ابن عباس بشيء ما ثبت
عنه. ويمكن أن يُحمل إطلاق فتيا ابن عباس على الْمُرَاهَق(٣)، فإنه لا يُخاطب بطواف
القدوم، أو يكون ابن عباس سئل عن طواف الإفاضة، فأجاب بأنه لا يفعل إلا بعد
الوقوف، وهو الحق. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، فإن الروايات التي
سنذكرها في المسألة الرابعة لا توافق التأويل المذكور، فإن ابن عباس رضي اللّه تعالى
عنهما كان يقول: إذا طاف المحرم بالبيت قبل الوقوف حلّ من إحرامه، فهذا صريح في
كونه لا يرى طواف القدوم، وقد خالف بذلك الجمهور، وقولهم الصواب، كما سيأتي
هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
(١) - ((شرح مسلم)) ٨/ ٤٤٣.
(٢) - ((شرح مسلم)) ٨/ ٤٤٢ - ٤٤٣.
(٣) - بصيغة اسم المفعول ، وهو الذي ضاق عليه الوقت بالتأخير حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة.
أفاده في ((النهاية)) ٢٧٤/٢. وهذا الحمل غير صحيح، فإن المنقول عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما صريح في الإطلاق. فتنبه.

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسائل الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه:
أخرجه هنا - ١٤١/ ٢٩٣٠ - وفي («الكبرى» ٣٩٠٥/١٣٦. وأخرجه (م) في ((الحجّ))
١٢٣٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان مشروعية طواف من أفرد الحجّ أول ما يقدم
مكة، وهو المسمى بطواف القدوم، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن عباس
رضي اللَّه تعالى عنهما. (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا أفتاه عالم بخلاف السنة
أن يتبع السنة، ويدع فتوى العالم، أيًّا كان ذلك العالم، فإن الحقّ أحقّ أن يتّبع.
(ومنها): أن العالم يخالف السنة أحيانًا، لا قصدًا للمخالفة، وإنما هو لعدم وصولها
إليه، أو لتأويله إياها على ما يراه من المعاني، ولكن لا يجوز لمن وصلت إليه،
وعلمها، بأن بيّن له عالم غيره بأن وجه الصواب كذا أن يقلّده في ذلك. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): حاصل المسألة المذكورة أن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما
كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهل بالحجّ إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من
أراد أن يستمرّ على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر
النبيّ وَّل لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، فقد أخرج البخاريّ في
(باب حجة الوداع)) في أواخر ((المغازي)) من طريق ابن جريج، حدثني عطاء، عن ابن
عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حلّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال:
من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، ومن أمر النبيّ وَّ
أصحابه أن يَحِلّوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد الْمُعَرَّف، قال: كان ابن
عباس يراه قبلُ وبعدُ. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن جريج، بلفظ: كان ابن
عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ، ولا غيره إلا حلّ، قلت لعطاء: من أين يقول
ذلك؟ ... فذكره. ولمسلم من طريق قتادة، سمعت أبا حسّان الأعرج، قال: قال
رجل من الْهُجَيم لابن عباس: ما هذه الفتيا التي تشغّفت(١)، أو تشغّبت بالناس أن من
(١) - معنى ((تشغّفت)): عَلِقت بقلوبهم، ومعنى: ((تشغّبت)): أي خلّطت عليهم أمرهم.

٢١٥ =
١٤١- (طَوَافُ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ) - حديث رقم ٢٩٣٠
طاف بالبيت، فقد حلّ؟ فقال: سنّة نبيّكم، وإن رغمتم. وله من طريق وَبَرَة بن
عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن
أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف
بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حجّ رسول اللّه وَلاتر، فطاف بالبيت قبل
أن يأتي الموقف، فبقول رسول اللَّه ي ليه أحق أن تأخذ، أو بقول ابن عباس، إن كنت
صادقًا.
وهذا الذي قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه
ناس قليل، منهم إسحاق بن راهويه.
وذهب الجمهور إلى أن من أهلّ بالحجّ مفردًا لا يضرّه الطواف بالبيت. أفاده في
((الفتح))(١) .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: سؤال السائل لابن عمر - يعني المذكور في حديث
الباب- إنما كان عن طواف القدوم، هل يؤخّر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك،
وهو الصحيح الذي لا يُعلم من مذاهب العلماء غيره. وما حكاه هذا الرجل عن ابن
عباس لا يُعرف من مذهبه، وكيف وهو أحد الرواة أن النبيّ وَلي بدأ بالطواف عند قدومه
مكة. وقد حمل بعض متأخري العلماء هذا السؤال على أنه فيمن أحرم بالحجّ من مكة،
هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة،
والشافعيّ أنه يطوف حين يُحرم، كما قال ابن عمر. قال: والمشهور من مذهب أحمد
أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى، وعرفات، ثم يرجع، ويطوف، كما قال ابن عباس
رضي اللّه تعالى عنهما، وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما.
انتهى كلام القرطبيّ(٢).
وقال النوويّ: هذا الذي قاله ابن عمر هو إثبات طواف القدوم للحاج، وهو مشروع
قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافّة، سوى ابن عباس،
وكلهم يقولون: إنه سنة، ليس بواجب، إلا بعض أصحابنا، ومن وافقه، فيقولون:
واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة، ليس بواجب، ولا دمَ في تركه، فإن وقف
بعرفات قبل طواف القدوم فات، فإن طاف بعد ذلك بنية طواف القدوم لم يقع عن
طواف القدوم، بل يقع عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف للإفاضة، فإن كان طاف
للإفاضة وقع الثاني تطوعًا، لا عن القدوم، ولطواف القدوم أسماء: طواف القدوم،
(١) - ((فتح)) ٢٨٠/٤ - ٢٨١.
(٢) - ((المفهم)) ٣٦٠٣٦١/٣.

-
٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
والقادم، والورود، والوارد، والتحيّة، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف الذي
يفعله فيها يقع ركنا لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنًا، ولغت نيته، كما لو
كان عليه حجة واجبة، فنوى حجة تطوّع، فإنها تقع واجبة. والله أعلم انتهى كلام
النوويّ(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من مشروعية طواف القدوم
للحاجّ هو الحقّ؛ لأن النبيّ وَليل، وأصحابه ه أول ما بدءوا به هو الطواف بالبيت،
كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٤٢- (طَوَافُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ)
٢٩٣١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، قَالَ: سَمِعْتُ
ابْنَ عُمَرَ، وَسَأَلْتَهُ عَنْ رَجُلٍ، قَدِمَ مُعْتَمِرًا، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطْفْ بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَزْوَةِ، أَيَأْتِي أَهْلَهُ، قَالَ: ((لُمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، فَطَّافَ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَام
رَكْعَتَيْنٍ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غیر شيخه محمد
ابن منصور الْجَوَّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
و(عمرو)): هو ابن دینار.
وقوله: ((وقد كان لكم في رسول الله الخ)) أراد به أنه لا يأتي أهله، اقتداء به وَّ في
ذلك، وإتيانًا للنسك على الوجه الذي أتى به رسول اللّه وَله .
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في ٢٧٣٢/٥٠ . ودلالته على
الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أنه وَ ل# طاف للعمرة، فيجب الاقتداء به في ذلك.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - ((شرح مسلم)) ٨/ ٤٤٢.

٢١٧
١٤٣ - (کَیْفَ يُفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ... - حديث رقم ٢٩٣٢
١٤٣- (کَيْفَ يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجْ
وَالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَذْيَ)
٢٩٣٢- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا
بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ، صِّلَى الظُّهَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجْ
وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، فَأَهْلَلْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ، وَطُّفْنَا، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَحِلُّوا،
فَهَابَ الْقَوْمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَذَ، لَأَحْلَلْتُ))، فَحَلَّ الْقَوْمُ،
حَتَّى حَلُّوا إِلَى النِّسَاءِ، وَلَمْ يَحِلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((أحمد بن الأزهر)) بن منيع، أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، فإنه تفرّد به هو وابن
ماجه، وهو صدوق يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١]٦٦/ ١٨٠٢.
و ((محمد بن عبد الله الأنصاريّ)): هو القاضي البصريّ الثقة. و((أشعث)): هو ابن
عبد الملك الحمرانيّ. و((الحسن)): هو ابن أبي الحسن البصريّ.
وقوله: ((فهاب القوم)) أي خافوا من إثم التحلّل من إحرامهم.
وقوله: ((لولا أن معي الهدي لأحللت)) يعني أن المانع من الإحلال هو سوق الهدي،
لا الجمع بين النسكين، وهذا يدلّ على أن القارن کالمتمتّع يشرع له الفسخ، ومثله في
هذا الحکم المفرد الذي لم يسق الهدي، وبه يقول الإمام أحمد، وجمهور المحدّثین،
وهو المذهب الصحيح، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفّى في باب «إباحة فسخ الحجّ
بعمرة لمن لم يسق الهدي)) رقم-٢٨٠٣/٧٧-٢٨١٥ . فراجعه تستفد.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في -٢٦٦٢/٢٥- وتقدم تمام البحث فيه، وبيان
مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٤٤- (طَوَافُ الْقَارِنِ)
وفي بعض النسخ: ((طواف القران)).
٢٩٣٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ
نَافِعٍ، أنّ ابْنَ عُمَرَ، قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَهِ يَفْعَلُهُ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وقد
مرّ قبل باب. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: ((أن ابن عمر)) هكذا في النسخة ((الهندية))، وهو الذي في ((الكبرى))، وفي
النسخ المطبوعة: ((عن ابن عمر))، والأُولى أوضح، والثانية أيضًا وجه، وهو أن يقدّر
لفظة ((أنه)) قبل قوله: ((قرن)).
وقوله: ((طوافًا واحدًا))، أراد بذلك طواف الركن، فلا ينافيه ما ثبت عنه أنه طاف
للقدوم، فتنبه. والله تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٢٧٤٦/٥٣ - باب ((إذا أهلّ بعمرة، هل يجعل
معها حجًّا))، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، وما بقي إلا البحث فيما ترجم
له المصنف رحمه الله تعالى هنا، فأقول:
[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في طواف القارن، وسعيه:
ذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إلى أن القارن يقتصر
على طواف واحد، وسعي واحد. وهو محكيّ عن ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر،
وعائشة، وعطاء، وطاوس، والحسن، والزهريّ، ومجاهد.
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يجب عليه طوافان، وسعيان، وهو رواية عن
أحمد، وبه قال سفيان الثوريّ. وحكي عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود،
والحسن بن عليّ. قال الحافظ وليّ الدين: ولم يصحّ عنهم.
وبه قال إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وأبو جعفر الباقر، والشعبيّ، والحكم،
وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن حيّ.
واحتجّ هؤلاء بما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق الحسن بن عمارة، عن
الحكم، عن مجاهد، قال: ((خرج ابن عمر، يُهُلّ بعمرة، وهو يتخوّف أيام نجدة أن
يُحبس عن البيت، فلما سار أيامًا، قال: ما الحصر في العمرة، والحصر في الحجّ إلا

١٤٤ - (طَوَافُ القَارِنِ) - حديث رقم ٢٩٣٣
٢١٩=
واحد، فضمّ إليها حجة، فلما قدم طاف طوافين، طوافًا لعمرته، وطوافًا لحجته، ثم
قال: هكذا رأيت رسول اللّه ◌َ ل﴿ فعل)).
لكن هذه رواية ضعيفة جدًّا، ومع ذلك فهي شاذة، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن
الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك. وقال البيهقيّ: الحسن بن عمارة أجمع أهل
النقل على ترك حديثه؛ لكثرة المناكير في رواياته، وكيف يصحّ هذا عن ابن عمر، وقد
ثبت أنه طاف لهما طوافًا واحدًا في هذه السنة، كما سبق. قاله الحافظ وليّ الدين رحمه
اللَّه تعالى(١) .
وقال في ((الفتح)) في شرح حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في حجة الوداع،
وفيه: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا)). وحديثٍ ابن
عمر رضي الله تعالى عنهما في حجه عام نزل الحجاج بابن الزبير، أورده البخاريّ من
وجهين في كلّ منهما أنه جمع بين الحج والعمرة، أهلّ بالعمرة أولاً، ثم أدخل عليها
الحجّ، وطاف لهما طوافًا وحدًا، كما في الطريقة الأولى، وفي الطريقة الثانية: ((ورأى
أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول)).
ما نصّه: وفي هذه الرواية رفع احتمالٍ قد يؤخذ من الرواية الأولى أن المراد بقوله:
((طوافًا واحدًا)) أي طاف لكلّ منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، والحديثان ظاهران
في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد. وقد رواه سعيد بن منصور من
وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه: عن
النبيّ وَّر قال: ((من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد، وسعيّ واحد)).
وأعله الطحاويّ بأن الدراورديّ أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسّك في تخطئته
بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة، وغير واحد، عن نافع نحو سياق ما في
الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: إن النبيّ وَّ فعل ذلك))، لا أنه روى هذا
اللفظ عن النبيّ وَّل انتهى.
قال الحافظ: وهو تعليلٌ مردود، فالدراورديّ صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما
رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين.
واحتجّ الحنفيّة بما روي عن عليّ ◌َظّه أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما
طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللّه وَ ل فعل. وطرقه عن
عليّ عند عبد الرزاق، والدارقطنيّ، وغيرهما ضعيفة. وكذا أخرج من حديث ابن
مسعود ◌َّه بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج من حديث ابن عمر بنحو ذلك، وفيه
(١) - ((طرح التثريب)١٦٢/٥ - ١٦٣.
صـ

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الحسن بن عمارة، وهو متروك، والمخرّج في ((الصحيحين))، وفي ((السنن)) عنه من
طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد.
وقال البيهقيّ: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيُحمل على طواف القدوم،
وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم: لا يصح عن النبيّ وَلقره
ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلاً.
قال الحافظ: لكن روى الطحاويّ، وغيره موقوفًا(١) عن عليّ، وابن مسعود ذلك
بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصحّ من حديثي ابن عمر، وعائشة
المذكورين في هذا الباب. وقد أجاب الطحاويّ عن حديث ابن عمر بأنه اختُلِف عليه
في كيفية إحرام النبيّ وَّر، وأن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه وَلقول أحرم أولاً
بحجة، ثم فسخها، فصيّرها عمرة، ثم تمتّع بها إلى الحجّ. كذا قال الطحاويّ، مع
جزمه قبل ذلك بأنه وَله كان قارنًا.
وهب أن ذلك كما قال، فلِمَ لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل رسول اللّه وَلِّ، أي
أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد، وحديث ابن عمر المذكور ناطق بأنه وله
كان قارنًا، فإنه مع قوله: تمتّع رسول اللّه وَله، وصف فعل القران، حيث قال: بدأ،
فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وهذا من صور القران، وغايته أنه سمّاه تمتعًا؛ لأن
الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يسمى تمتعًا.
ثم أجاب عن حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها بأنها أرادت بقولها: وأما الذين
جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى
الحج؛ لأن حجهم كانت بمكة، والحجة المكيّة لا يطاف لها إلا بعد عرفة، قال:
والمراد بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة جمع تمتع، لا جمع قران انتهى.
قال الحافظ: وإني لكثير التعجّب منه في هذا الموضع، كيف ساغ له هذا التأويل،
وحديث عائشة مفصلٌ للحالتين، فإنها صرّحت بفعل من تمتع، ثم من قرن، قالت:
((فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى))، فهؤلاء أهل
التمتع، ثم قالت: ((وأما الذين جمعوا الخ))، فهؤلاء أهل القران، وهذا أبين من أن يحتاج
إلى إيضاح، والله المستعان.
وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((لم يطف النبيّ
وَالر، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا)). ومن طريق طاوس، عن
عائشة: ((أن النبيّ وَلّ قال لها: يسعك طوافك لحجك وعمرتك)). وهذا صريح في
(١) - هكذا في بعض نسخ ((الفتح))، ووقع في معظمها بلفظ ((مرفوعًا))، والظاهر أنه غلط، فليتنبه.
والله تعالى أعلم.