النص المفهرس

صفحات 161-180

١٢٥- (بناء الكعبة) - حدیث رقم ٢٩٠٤
١٦١=
الحديث المذكور أولَ الباب، وأذكر هنا بعض المسائل المكملة لما مضى، فأقول:
(المسألة الأولى): قوله: ((وقد شهدت ابن الزبير حين هدمه إلخ)). قال في ((الفتح)):
هكذا ذكره يزيد بن رومان مختصرًا. وقد ذكره مسلم، وغيره واضحًا، فروى مسلم من
طريق عطاء بن أبي رباح، قال: ((لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل
الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم، يريد أن
يُجَرِّئهم، أو يُحَرِّبَهم(١) على أهل الشام، فلما صدر الناس، قال: يا أيها الناس أشيروا
علي في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهَى منها، قال ابن عباس: فإني
قد فُرِق لي(٢) رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها، وتَدَع بيتا أسلم الناس عليه،
وأحجارا أسلم الناس عليها، وبُعث عليها النبي وَّرَ، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم
احترق بيته، ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف بيت ربكم، إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم
على أمري، فلما مضى الثلاث، أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس، أن ينزل
بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم
يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه، حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير
أعمدة، فستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه ... )) الحديث.
وللفاكهيّ في ((كتاب مكة)) من طريق أبي أويس، عن يزيد بن رومان وغيره: ((قالوا:
لما أحرق أهل الشام الكعبة، ورموها بالمنجنيق، وَهَت الكعبة)). ولابن سعد في
((الطبقات)) من طريق أبي الحارث بن زمعة، قال: ((ارتحل الحصين بن نمير -يعني الأمير
الذي كان يقاتل ابن الزبير من قبل يزيد بن معاوية- لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في
ربيع الآخر، سنة أربع وستين، قال: فأمر ابن الزبير بالخُصَاصَ(٣) التي كانت حول
الكعبة، فهدمت، فإذا الكعبة تنفض -أي تتحرّك- متوهّنة، ترتج من أعلاها إلى
أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق)).
وللفاكهيّ من طريق عثمان بن ساج: ((بلغني أنه لما قدم جيش الحصين بن نمير،
أحرق بعض أهل الشام على باب بني جُمَح، وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق
حتى أخذ في البيت، فظن الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت، حتى إن الطير
لیقع علیه، فتتناثر حجارته)).
ولعبد الرزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَخبيل أنه حضر ذلك، قال: ((كانت الكعبة
(١) - بالحاء المهملة، والموحدة: أي يُغيظهم بما يرونه.
(٢) - بضم الفاء، وكسر الراء: أي كشف، وبيْن لي.
(٣) - الخصاص بالضم جمع خصاصة: ما يبقى في الكرم بعد قِطافه، والنَّبْذ اليسير. انتهى ق.

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قد وَهَت من حريق أهل الشام، قال: فهدمها ابن الزبير، فتركه ابن الزبير حتى قدم
الناس الموسم، يريد أن يحزبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس، قال: أشيروا عليّ
في الكعبة ... )) الحديث.
ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة، قال: ((لم يَيْن ابن الزبير الكعبة حتى حجّ الناس
سنة أربع وستين، ثم بناها حين استقبل سنة خمس وستين)). وحكى عن الواقدي أنه ردّ
ذلك، وقال: الأثبت عندي أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا. وجزم
الأزرقيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت،
وامتدّ أمده إلى الموسم ليراه أهل الآفاق ليشنع بذلك على بني أميّة.
ويؤيّده أن في تاريخ المسبّحي أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين.
وزاد المحبّ الطبريّ أنه كان في شهر رجب. والله أعلم.
وإن لم يكن هذا الجمع مقبولاً، فالذي في ((الصحيح)) مقدّم على غيره.
وقال ابن عيينة في ((جامعه))، عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال: ((خرجنا إلى
منى، فأقمنا بها ثلاثًا ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه،
فهدم)). وفي رواية ابن أبي أويس المذكورة: ((ثم عزل ما كان يصلح أن يعاد في البيت،
فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يبنى به، فأمر به أن يحفر له في جوف
الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحِجر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شقّ على
ابن الزبير، ثم أدركوها بعد ما أمعنوا، فنزل عبد الله بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد
إبراهيم، وهي صخر، أمثال الخَلِفِ (١) من الإبل، فأنفضوا له، أي حرّكوا تلك القواعد
بالعَتَل(٢)، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد الله،
وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم، وأشرافهم، حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا
بنيانًا متصلاً، فأشهدهم على ذلك)).
وفي رواية عطاء: ((وكان طول الكعبة ثمان عشرة ذراعًا، فزاد ابن الزبير في طولها
عشرة أذرع)). وقد تقدم من وجه آخر أنه كان طولها عشرين ذراعًا، فلعل راويه جبر
الكسر. وجزم الأزرقيّ بأن الزيادة تسعة أذرع، فلعل عطاء جبر الكسر أيضًا.
وروى عبد الرزاق من طريق ابن سابط عن زيد: ((أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا
(١) - الخَلِفُ: بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام هي الحامل من الإبل، واحدها خَلِفَة.
(٢) - العَتَلَة محركة: حديدة كأنها رأس فأس، أو العصا الضخمة من حديد، لها رأس مُفَلْطَحْ، يُهُدم
بها الحائط .

١٢٥ - (بناء الكعبة) - حدیث رقم ٢٩٠٤
١٦٣=
الحجر مثل الخَلِفَةِ، والحجارة مشتبكة بعضها ببعض)). وللفاكهيّ من وجه آخر عن
عطاء، قال: ((كنت في الأمناء الذين جمعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا
على حجارة، لها عروق، تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت،
فكبّر الناس، فبنى عليه)). وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: ((فكشف عن ربض(١) في
الحجر آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام، ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك
الربض مثل خَلِفِ الإبل، وجهٌ حجرٌ، ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العَتَلَة،
فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر)). قال مسلم في رواية عطاء: ((وجعل
له بابين، أحدهما يُدْخَلُ منه، والآخر يُخرج منه)). وفي رواية الأسود: ((ففعله عبد الله
ابن الزبير)). وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيليّ: ((فنقضه عبد الله بن الزبير،
فجعل له بابين في الأرض))، ونحوه للترمذيّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق.
وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة: ((أنه دخل الكعبة بعد ما بناها ابن
الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب، ويخرجون من آخر)). انتهى
ما في ((الفتح)) ببعض تصرّف (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): لم يُذكر في رواية المصنف، والبخاريّ قصّة تغيير الحجاج لما
صنعه ابن الزبير، وقد ذكرها مسلم في (صحيحه)) في رواية عطاء بن أبي رباح، قال:
((فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن
ابن الزبير، قد وضع البناء على أَسّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه
عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما
زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه، وسُدّ الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه)).
وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن هشام بن عروة: ((فبادر - يعني الحجاج-
فهدمها، وبنى شِقّها الذي يلي الحجر، ورفع بابها، وسدّ الباب الغربيّ، قال أبو أويس:
فأخبرني غير واحد، من أهل العلم أن عبد الملك نَدِم على إذنه للحجاج في هدمها،
ولَعَنَ الحجاج)). ولابن عيينة عن داود بن سابور، عن مجاهد: ((فردّ الذي كان ابن
الزبير أدخل فيها من الحجر، قال: فقال عبد الملك: وددنا أنا تركنا أبا خُبيب، وما
تولّی من ذلك».
وقد أخرج قصة نَدَم عبد الملك على ذلك مسلم من وجه آخر، فعنده من طريق
الوليد بن عطاء: ((أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وَفَدَ على عبد الملك في خلافته،
(١) - بضم، فسكون، وقيل: بضمتين: أساس البناء.
(٢) - ((فتح)) ٢٣٨/٤ - ٢٤٠.

١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
فقال: ما أظنّ أبا خُبيب - يعني ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها،
فقال الحارث: بلى سمعته منها))، زاد عبد الرزاق، عن ابن جريج فيه: ((وكان الحارث
مصدّقًا، لا يكذب، فقال عبد الملك: أنت سمعتها تقول ذلك؟، قال: نعم، فتَكّتَ
ساعة بعصاه، وقال: وددت أني تركته وما تحمّل)). وأخرجها أيضًا من طريق أبي قَزَعَةَ،
قال: ((بينما عبد الملك يطوف بالبيت، إذ قال: قاتل الله ابن الزبير، حيث يكذب على
أم المؤمنين -فذكر الحديث- فقال له الحارث: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا
سمعت أم المؤمنين تحدّث بهذا، فقال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على بناء
ابن الزبير)).
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة
على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده علی سمته،
وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غيّره الحجاج الجدار الذي من جهة الحِجر، والباب
المسدود الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليمانيّ، وما تحته عتبة الباب
الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في الروايات المذكورة، لكن
المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله،
ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لا صقًّا بالأرض،
فيحتمل أن يكون لا صقًا كما صرّحت به الروايات، لكن الحجاج لما غيّره رفعه، ورفع
الباب الذي يقابله أيضًا، ثم بدا له، فسدّ الباب المجدّد، لكن لم أر النقل بذلك
صريحًا .
وذكر الفاكهيّ في ((أخبار مكة)) أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة
ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا
في أعلاه كلاليب ثلاثة كما في الباب الموجود سواء. فالله أعلم انتهى(١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): حكى ابن عبد البرّ، وتبعه عياض، وغيره، عن الرشيد، أو
المهديّ، أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في
ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه.
قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى
عنهما، فأشار على ابن الزبير لَمّا أراد أن يهدم الكعبة، ويجدّد بناءها بأن يَرُمّ ما وَهَى
منها، ولا يتعرّض لها بزيادة، ولا نقص، وقال له: ((لا آمن أن يجيء من بعدك أمير،
(١) - ((فتح)) ٢٣٩/٤ - ٢٤٠.

١٦٥ =
١٢٥ - (بناءُ الخَغْبةِ) - حديث رقم ٢٩٠٤
فيغيّر الذي صنعت)). أخرجه الفاكهيّ من طريق عطاء عنه. وذكر الأزرقيّ أن سليمان بن
عبد الملك همّ بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك ذلك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه
عبد الملك.
قال الحافظ: ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من
دونهم غيّر من الكعبة شيئًا مما صنعه الحجاج إلى الآن، إلا في الميزاب، والباب،
وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرّة، وفي سقفها، وفي سلّم سطحها، وجدّد
فيها الرخام، فذكر الأزرقيّ عن ابن جريج: ((أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن
عبد الملك))، ووقع في جدارها الشاميّ ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في
شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في
سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة .
وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها
ما يحتاج إلى ترميم، فاهتمّ بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيّد، وأرجو من الله تعالى
أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم
أجده في تلك البشاعة، وقد رُّم ما تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى
أن نُقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقفًا، ورخم
السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى دخل الكعبة أشدّ
مما كان أوّلاً، فأداه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرّة أخرى، وسدّ ما كان في السطح
من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل
صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو
ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف
ذلك، فتعصّب للأول بعض من جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا
بأنه ما فعل شيئًا إلا عن ملأ منهم، وأن كلّ ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان،
وغطى عنه الأمر.
[تنبيه]: قد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ -وهو بالتحتانية قبل الألف،
وبعدها معجمة- عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظّموا هذه الحرمة
-يعني الكعبة-حقّ تعظيمها، فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا)). أخرجه أحمد، وابن ماجه،
وعمر بن شبّة في ((كتاب مكة))، قال الحافظ: وسنده حسن. فنسأل الله تعالى الأمن من
الفتن بحلمه وكرمه.
ومما يتعجّب منه أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما صنعه

١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الحجاج، إما الجدارِ الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم الذي جدّده للسطح،
والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة، كالرخام، أو لتحسينٍ، كالباب
والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهيّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد الله بن بكر السهميّ،
عن أبيه، قال: ((جاورت بمكة، فعابت -أي بالعين المهملة، وبالباء الموحدة- أسطوانة
من أساطين البيت، فأخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها، فطالت عن الموضع،
وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلاً، فتركوها ليعودوا من غد ليصلحوها، فجاءوا من
غد، فأصابوها أقدم(١) من قدح)). أي بكسر القاف، وهو السهم، وهذا إسناد قويّ،
رجاله ثقات.
وبكر هو ابن حبيب، من كبار أتباع التابعين، وكأن القصّة كانت في أوائل دولة بني
العباس، وكانت الأسطوانة من خشب. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٠٥- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو
السُّوَيْقَتَيْنِ، مِنَ الْحَبَشَةِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مطابقة حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا
لباب ((بناء الكعبة)) المقابلة، والضدّية، إذ الشيء يناسب ضدّه، وأيضًا فإن فيه إشارةً إلى
أن متاع الدنيا، وزينتها، وإن كانت فاخرة آئلة إلى الخراب والدَّمَار، حتى إن أشرف
البنيان في الدنيا، وهي الكعبة المشرّفة ستهدم على أيدي أراذل الناس. والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة المكيّ [٨]١/١.
٣- (زياد بن سعد) الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثم اليمنيّ، قال ابن عيينة: كان أثبت
أصحاب الزهريّ [٦]٥١/ ٦٤.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤]١/ ١.
٥- (سعيد بن المسيّب) بن حزن المخزوميّ المدنيّ، الثقة الثبت الفقيه، من
كبار [٣]٩/٩.
٦- (أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب ((أقوم)) بالواو، فليحرر، والله تعالى أعلم.
(٢) - ((فتح)) ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
-

١٢٥ - (بناء الكعبة) - حدیث رقم ٢٩٠٥
١٦٧ =
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين
السبعة، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: ((يُخَرِّبُ) بضم
أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة، من التخريب، أو بضم، فسكون، وتخفيف
راء مكسورة، من الإخراب، قال الفيوميّ: خَرِب المنزل - بكسر الراء، من باب تعب-،
فهو خَرَابٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أخربته، وخرّبته انتهى. وهذا التخريب
عند قرب القيامة، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: اللَّه، اللَّه (الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيِقَتَيْنِ)
بضم السين المهملة، وفتح الواو تثنية سويقة، وهي تصغير الساق، وهي مؤنثة، فلذا
ظهرت التاء في تصغيرها؛ لأن التصغير، والتكسير، والضمير ترد الكلمات إلى أصولها،
كما أشار إليه ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَيُعْرَفُ الثَّقْدِيرُ بِالضَّمِيرِ وَنَحْوِهِ كَالرَّدٌ فِي التَّصْغِيرِ
وإنما صغّر الساقين لأن الغالب على سُوق الحبشة الدقّة، والحُمُوشة، أي له ساقان
دقيقتان .
قال الطيبيّ: سرّ التصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظّمة يَهتك حرمَتَها مثل
هذا الحقير الذميم الخلقة. ويحتمل أن يكون الرجل اسمه ذلك، أو أنه وصف له، أي
رجل دقيق الساقين، رقيقهما جدًّا، والحبشة، وإن كان شأنهم دقة السوق، لكن هذا
يتميّز بمزيد من ذلك. انتهى.
(مِنَ الْحَبَشَةِ) -بفتحات- قال في ((القاموس)): الْحَبَشُ، والْحَبَشَةُ، والأُخْبُش بضم
الباء جنس من السودان، والجمع حُبْشَان، وأحابيش. انتهى. قال الرشاطيّ: وهم من
ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة
للحبش. وقال أبو حنيفة الدينوريّ: كان أولاد حام سبعة إخوة، كأولاد سام: السند،
والهند، والزنج، والقبط، والحبش، والنوبة، وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب،
والدبور، والصبا (١).
(١) - ((عمدة القاري))٨/ ٧٣.

== ١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجِّ
وقد وقع هذا الحديث عند أحمد - ٣٥١/٢- من طريق سعيد بن سمعان، عن أبي
هريرة رضي الله تعالى عنه بأتمّ من هذا السياق، ولفظه: ((يُبايَعُ لرجل بين الركن
والمقام، ولم يستحلّ هذا البيت إلا أهلُهُ، فإذا استحلّوه، فلا تسأل عن هَلَكَة العرب،
ثم تأتي الحبشة، فيخربونه خَرَابًا لا يُعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه)).
ولأبي قرّة في ((السنن)) من وجه آخر عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((لا يستخرج كنز
الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة))، ونحوه لأبي داود من حديث عبد الله عمرو بن
العاص. وزاد أحمد، والطبرانيّ من طريق مجاهد، عنه: ((فيسلبها حليتها، ويجرّدها
من كسوتها، كأني أنظر إليه أصيلع، أفيدع، يضرب عليها بمسحاته، أو بمعوله)).
وللفاكهيّ من طريق مجاهد نحوه، وزاد: ((فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر إليه
هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها))(١).
قال القرطبيّ: قيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك
بعد موت عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو الصحيح. انتهى.
ووقع عند أحمد - ٢/ ٣١٠- من طريق ابن المسيّب، عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة))، قال:
حسبت أنه قال: ((فيهدمها)).
قال الحافظ: قيل: حديث أبي هريرة ◌َظّيه يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا
حَرَمًا ءَاِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، ولأن اللَّه حبس عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه
من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلّط عليها الحبشة، بعد أن صارت
قبلة للمسلمين.
وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان، قرب قيام الساعة، حيث لا
يبقى في الأرض أحدٌ يقول: اللَّه، اللَّه، كما ثبت في ((صحيح مسلم)): ((لا تقوم الساعة
حتى لا يقال في الأرض: اللَّه الله)). ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: ((لا يعمر
بعده أبدًا)). وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن
معاوية، ثم من بعده في وقائع كثيرة، من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا
من المسلمين في المطاف من لا يُحصى كثرةً، وقلعوا الحجر الأسود، فحوّلوه إلى
بلادهم، ثم أعادوه بعد مدّة طويلة، ثم غُزي مرارًا بعد ذلك. وكلّ ذلك لا يعارض قوله
تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَاِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي
المسلمين، فهو مطابق لقوله وَ له: ((ولن يستحلّ هذا البيت إلا أهله)). فوقع ما أخبر به
(١) - ((فتح ٩ ٢٥٩/٤.

١٦٩ =
١٢٥- (بناءُ الكعبة) - حديث رقم ٢٩٠٥
وَالر، وهو من علامات نبوّته، وليس في الآية ما يدلّ على استمرار الأمر المذكور فيها
انتهى كلام الحافظ(١).
وقال العينيّ: ما ملخّصه: لا يلزم من قوله: ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾ أن يكون ذلك دائمًا في
كلّ الأوقات، بل إذا حصل له حرمة، وأمن في وقت ما صدق عليه هذا اللفظ، وصحّ
المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر. وقال: والحكم بالحرمة، في
قوله وَ الر: ((وقد عادت حرمتها إلى يوم القيامة)) لا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع
الخوف فيها، وترك الحرمة، فقد وجد ذلك في أیام یزید وغيره كثيرًا.
وقال عياض: ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾ أي إلى قرب القيامة. وقيل: يختصّ منه قصّة ذي السويقتين.
وقال ابن الجوزيّ: إن قيل: ما السرّ في حراسة الكعبة من الفيل، ولم تحرس في
الإسلام مما صنع بها الحجاج، والقرامطة، وذو السويقتين؟.
فالجواب أن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لرسول اللّه وَلّر، ودلائل رسالته لتأكيد
الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم
الحبس أيضًا دلالة على وجود الناصر. ذكره العينيّ(٢).
وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بابا بقوله: ((باب قول الله
تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهَرَ الْحَرَمَ وَاَلْهَدْىَ وَاَلْقَبِدَّ﴾ الآية
[المائدة: ٩٧]، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة رضي عنه هذا.
قال الحافظ: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله ﴿قِيمًا﴾ أي قواما، وأنها ما دامت
موجودة فالدين قائم، فلهذه النكتة أورد في الباب قصّة هدم الكعبة في آخر الزمان.
وقال العينيّ: أشار به إلى أن قيام أمور الناس، وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة،
يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿قِيًَا لِلنَّاسِ﴾، فإذا زالت الكعبة على يدي ذي السويقتين تختلّ
أمورهم ، فلذلك أورد حديث أبي هريرة فيه انتهى.
ثم ترجم البخاريّ ((باب هدم الكعبة))، وذكر فيه طرف حديث عائشة رضي الله تعالى
عنها المتقدم: قال النبيّ وَل: (يغزو جيش الكعبة، فيخسف بهم ... ))، وأورد حديث
أبي هريرة ◌َّه المذكور في الباب، وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن
النبيّ بَ لّه قال: ((كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا).
قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع(٣)، فمرة يهلكهم الله قبل الوصول
(١) - ((فتح٩ ٢٥٩/٤.
(٢) - ((عمدة القاري)) ٧٤/٨ - ٧٥.
(٣) هكذا عبارة ((الفتح)) ((سيقع))، والظاهر أنه سقط منه لفظ ((مرتين)) كما هو ظاهر السياق، وكما وقع
في عبارة العيني. والله أعلم.

١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
إليها، وأخرى يمكّنهم، والظاهر أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأول(١).
وقال العينيّ: غزو الكعبة المذكور في حديث عائشة مقدمة لهدمها؛ لأن غزوها يقع
مرتين، ففي الأولى هلاكهم، وفي الثانية هدمها. انتهى(٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٩٠٥/١٢٥- وفي («الكبرى»٣٨٨٧/١٢٥. وأخرجه (خ) في
((الحج))١٥٩١ و١٥٩٦ (م) في ((الفتن)) ٢٩٠٩ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)»٨٠٣٣
و٩١٣٣ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٢٦ - (دُخُولُ الْبَيْتِ)
٢٩٠٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَبِلَالٌ،
وَأُسَامَةُ ابْنُ زَيْدٍ، وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ، فَمَكَثُوا فِيهَا مَلِيًّا، ثُمَّ فَتَحَ
الْبَابَ، فَخَرَجَ النَِّيُّ ◌َّهِ، وَرَكِبْتُ الدَّرَجَةَ، وَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ
وَلِِّ، قَالُوا: هَا هُنَّا، وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ، كَمْ صَلَّى النّبِيُّ نَّهِ فِي الْبَيْتِ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ. و((ابن عون)): هو عبد الله.
وقوله: ((وأجاف الخ)): أي ردّ عليهم الباب.
وقوله: ((مليًّا)) -بفتح الميم، وكسر اللام، وتشديد الياء -: أي زمنًا طويلاً.
(١) - ((فتح)٩ ٢٥٨/٤.
(٢) - ٨ / ٨٠ .

١٢٦ - (دُخُولُ البَيْتِ) - حديث رقم ٢٩٠٧
١٧١ =
وقوله: ((وركبت الدرجة)) أي صَعِدت عليها.
وقوله: ((ههنا)) تفسيره في الحديث الآتي قوله: ((ما بين الأسطوانتين))، وفي رواية:
((بين الساریتین)).
وقوله: ((ونسيت أن أسأله كم صلّى الخ)) فيه تعارض مع ما يأتي في الباب التالي
قال: ((نعم ركعتين)).
وأجيب بأجوبة، وأحسنها ما أجاب به الحافظ، حيث قال: يحتمل أن ابن عمر
رضي اللّه تعالى عنهما اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين على القدر المحقّق له،
وذلك أن بلالا أثبت له أنه صلّى، ولم يُنقل أن النبيّ بَّ تنفّل في النهار بأقلّ من
ركعتين، فكانت الركعتان، متحقّقًا وقوعهما؛ لما عرف بالاستقراء من عادته، فعلى
هذا، فقوله: ((ركعتين)) من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال، وقد وجدت ما يؤيّد هذا،
ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شَبّة في ((كتاب مكة)) من
طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الحديث، فاستقبلني
بلال، فقلت: ما صنع رسول اللّه وَ لقر ههنا، فأشار بيده، أي صلى ركعتين بالسبابة،
والوسطى، فعلى هذا فيحمل قوله: (نسيت أن أسأله كم صلّى)) على أنه لم يسأله لفظًا،
ولم يُجبه لفظًا، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه، وأما قوله في الرواية
الأخرى ((نسيت أن أسأله كم صلّى))، فيحمل على أن مراده أنه لم يتحقّق هل زاد على
رکیتین أولا؟. انتهى.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنف في ((الصلاة)) - باب ((الصلاة في الكعبة)) -
٦٩٢/٥- وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٠٧- أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأْنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ الْبَيْتَ، وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ، وَأُسَامَةُ
ابْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلَالٌ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَمَكَثَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ
خَرَجَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ بِلَالاً، قُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النّبِيُّ نَ؟، قَالَ: مَا
بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((يعقوب
بن إبراهيم)): هو الدورقيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٢٧ - (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ)
٢٩٠٨- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ،
قَالَ: حَدَّثَنِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِ الْكَعْبَةَ، وَدَنَا
خُرُوجُهُ، وَوَجَدْتُ شَيْئًا، فَذَهَبْتُ، وَجِئْتُ سَرِيعًا، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ خَارِجًا،
فَسَأَلْتُ بِلَالاً، أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ بِهِ فِي الْكَعْبَةِ؟، قَالَ: نَعَمْ رَكْعَتَيْنٍ، بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير:
١- (السائب بن عمر) بن عبد الرحمن بن السائب المخزوميّ، حجازيّ ثقة[٧].
قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال النسائيّ: ليس به
بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود،
والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان، برقم٢٩٠٨ و ٢٩١٨ .
و((يحيى)): هو ابن سعيد بن فرّوخ القطّان.
و ((ابن أبي مليكة)): هو عبد الله بن عُبيدالله بن عبد الله بن أبي مليكة زُهير التيميّ
المكيّ الثقة الفقيه.
وقوله: ((ووجدت شيئا، فذهبت الخ)) يعني أنه وجد حاجةً أخرته عن متابعة ما يفعله
النبيّ وَّر، مع شدّة حرصه على ذلك، فذهب إليها، فرجع مسرعًا.
والحديث أخرجه البخاريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٠٩- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أَتِيَ ابْنُ عُمَرَ فِي مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ عِه
قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَأَقْبَلْتُ، فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالاً، عَلَى الْبَابِ قَائِمًا،
فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِي الْكَعْبَةِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيْنَ؟، قَالَ: مَا بَيْنَ
هَاتَيْنِ الْأُسْطُوَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ
المصنّف أحمد بن سليمان، أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ، فإنه من أفراده.

١٢٧- (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ) - حديث رقم ٢٩١٠
١٧٣ =
و ((أبو نُعيم)): الفضل بن دُكين الكوفيّ الحافظ المشهور.
و(سيف بن سليمان)): هو المخزوميّ المكيّ، الثقة الثبت رمي بالقدر، سكن البصرة
أخيرًا[٦]١٩٠/ ١١٧١.
وقوله: ((أتي ابن عمر الخ)) بالبناء للمفعول، قال الحافظ: لم أقف على اسم الذي
أخبره بذلك.
وقوله: ((فأجد)) بعد قوله: ((فأقبلت)) وكان المناسب للسياق أن يقول: ووجدت،
وكأنه عدل عن الماضي إلى المضارع استحضارًا لتلك الصورة حتى كأن المخاطب
يشاهدها(١).
وقوله: ((في وجه الكعبة)) أي مواجه باب الكعبة.
والحديث أخرجه البخاريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩١٠- أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَنْبِجِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الْكَعْبَةَ، فَسَبَّحَ فِي
نَوَاحِيْهَا، وَكَبَّرَ، وَلَمْ يُصَلِّ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذِهِ
الْقِبْلَةُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (حاجب بن سليمان الْمَنْبِجِيّ) أبو سعيد، صدوق يهم [١٠]٧/ ٦٣٤ من أفراد
المصنّف .
[تنبيه]: قوله: ((الْمَنْبِجي)) -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحّدة،
فجيم -: نسبة إلى مَنْبج مدينة بالشام. أفاده في ((لبّ اللباب))٢٧٦/٢.
٢- (ابن أبي روّاد) هو: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد - بفتح الراء، وتشديد
الواو - الأزديّ مولى المهلّب، أبو عبد الحميد المكيّ، صدوق يخطىء، وكان
مرجئًا أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩].
قال أحمد: ثقة، وكان فيه غلوّ في الإرجاء، وكان يقول: هؤلاء الشُكَّاك. وقال
عبد الله بن أحمد، عن ابن معين ثقة، ليس به بأس. وقال الدوريّ، عن ابن معين:
ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة، كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم
الناس بحديث ابن جريج، وكان يُعلن بالإرجاء، قال: ولم يكن يبذل نفسه للحديث.
(١) - ((فتح)) ٢/ ٥٧ ((كتاب الصلاة)).

١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وقال إبراهيم بن الجنيد: ذكر يحيى بن معين عبد المجيد، فذكر من نُبْله، وهيئته، وكان
صدوقًا، ما كان يرفع رأسه إلى السماء، وكانوا يعظّمونه. وقال البخاريّ: كان يرى
الإرجاء، كان الحميديّ يتكلّم فيه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، حدثنا عنه
أحمد، ويحيى بن معين، قال يحيى: كان عالمًا بابن جريج. قال أبو داود: وكان مرجئًا
داعية في الإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه، وأهل خراسان لا يُحدّثون عنه.
وقال النسائيّ: ثقة. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ
يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: لا يُحتجّ به، يُعتبر به، وأبوه أيضًا ليّنّ، والابن أثبت،
والأب يُترك. وروى له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: كلها غير محفوظة، على
أنه ثبت في حديث ابن جريج، وله عن غير ابن جريج، وعامة ما أنكر عليه الإرجاء.
وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق، فجاءنا موت عبد المجيد بن عبد العزيز،
وذكر وفاته سنة (٢٠٦) فقال عبد الرزاق: الحمد لله الذي أراح أمة محمد وَل من
عبد المجيد. وقال الدارقطنيّ في ((العلل)): كان أثبت الناس في ابن جريج. وقال
المرّوذيّ، عن أحمد: كان مرجئًا، قد كتبت عنه، وكانوا يقولون: أفسد أباه، وكان
منافرًا لابن عيينة. قال المرّوذيّ: وكان أبو عبد الله يحدّث عن المرجىء إذا لم يكن
داعية، ولا مخاصمًا. وقال العقيليّ: ضعفه محمد بن يحيى. وقال أبو أحمد الحاكم:
ليس بالمتين عندهم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئًا ضعيفًا. وقال الساجيّ :
روى عن مالك حديثًا منكرًا عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد:
((الأعمال بالنيات)). وروى عن ابن جريج أحاديث لم يتابع عليها. وقال ابن عبد البرّ:
روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها خطأ حديث ((الأعمال)). وقال أبو حاتم:
ليس بالقويّ. وقال الحاكم: هو ممن سكتوا عنه. وقال الخليليّ: ثقة لكنه أخطأ في
أحاديث. وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحقّ
الترك. وقال الدارقطنيّ في ((الأفراد)): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا عليّ بن مسلم،
ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ((كلام القدرية كفر،
وكلام الحرورية ضلال، وكلام الشيعة تلطخ بالذنوب، والعصمة من اللَّه، واعلموا أن
كلَّا بقدر الله)). قال الدار قطنيّ: تفرد به عبد المجيد. قال الحافظ: وبقية رجاله ثقات.
روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث،
برقم ٢٩٠٩ و٤٠٠٣ و٥٣١٧ و٥٥٨٥ .
٣- (ابن جُريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، يدلّس ويرسل [٦]٣٢/٢٨.

١٢٧ - (مَوْضِعُ الصَّلاَةِ فِي الْبَيْتِ) - حديث رقم ٢٩١٠
١٧٥ ==
٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل،
يرسل [٣]١٥٤/١١٢.
٥- (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شراحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، وأبو زيد،
الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، مات بالمدينة سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥)
وتقدّم في ٩٦/ ١٢٠ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فمَنْبِجِيّ، وأسامة وَظَّه
فمدنيّ. (ومنها): أن أسامة صحابيّ ابن صحابيّ، حِبّ رسول اللّه وَّل، وابن حِبّه
رضي اللَّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْكَعْبَةَ)
حرسها الله تعالى (فَسَبَّحَ فِي نَوَاحِيهَا) جمع ناحية، وهي الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛
لأنك نحوتها، أي قصدتها (وَكَبَّرَ، وَلَمْ يُصَلِّ) هذا يعارض ما تقدّم في الحديث الماضي
من إثبات بلال رضي اللَّه تعالى عنه صلاته بَّر في الكعبة.
وقد اختلف العلماء في وجه الجمع بينهما، فمنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجّح
رواية بلال ◌َّه من جهة أنه مثبت، وأسامة رَّ ناف، والمثبت مقدّم على النافي،
ومن جهة أنه لم يُختَلف على بلال في الإثبات، وقد اختلف على أسامة، فقد روى ابن
عمر رضي الله تعالى عنهم عنه إثبات صلاته رو چين فيها، رواه أحمد، وغيره.
وقال النوويّ وغيره: يُجمع بين إثبات بلال، ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة
اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبيّ وَلّه يدعو، فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبيّ
وَ ل* في ناحية، ثم صلى النبيّ وَّ فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده، واشتغاله،
ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملًاً
بظنه .
وقال المحبّ الطبري: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم
یشهد صلاته انتهى.
ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)) عن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن

5
١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ابن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: ((دخلت على رسول اللَّه وَل
في الكعبة، فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور)). فهذا الإسناد
جيّد. قال القرطبيّ: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده. انتهى.
قال الحافظ: وهو مفرّعٌ على أن هذه القصّة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد
رَوَى عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) من طريق عليّ بن بَذِيمة - وهو تابعيّ، وأبوه بفتح
الموحدة، معجمة، وزان عظيمة- قال: ((دخل النبيّ ◌َّالهر الكعبة، ودخل معه بلال،
وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلّها ... ))
الحديث. فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها،
مستصحبًا للنفي لقصر زمن احتبائه. وفي كلّ ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس
الأمر.
ومنهم من جمع بين الحديثين بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجه:
[أحدها]: حمل الصلاة المثبتة على اللغويّة، والمنفيّة على الشرعيّة، وهذه طريقة
من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضًا ونفلاً، وقد تقدّم البحث فيه في ((كتاب المساجد))
-٥/ ٦٩٢ - ويردّ هذا الحمل ما تقدّم في بعض طرقه من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن
المراد بها الشرعيّة، لا مجرّد الدعاء.
[ثانيها]: قال القرطبيّ: يمكن حمل الإثبات على التطوّع، والنفي على الفرض،
وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدّم البحث فيها.
[ثالثها]: قال المهلّب شارح البخاريّ: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرّتين،
صلّى في إحداهما، ولم يصلّ في الأخرى.
وقال ابن حبّان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين، فيقال: لما
دخل الكعبة في الفتح صلّى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال. ويجعل نفي ابن عباس
الصلاة في الكعبة في حجته التي حجّ فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة،
وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، وإلى أسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما
وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ: وهذا جمع حسنٌّ.
لكن تعقّبه النوويّ بأنه لا خلاف أنه وَ ل ◌ّ دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع،
ويشهد له ما روى الأزرقيّ في ((كتاب مكة)) عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه
وَ﴿ إنما دخل الكعبة مرّة واحدةً، عام الفتح، ثم حجّ، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر
كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرّتين، ويكون المراد بالواحدة التي في
خبر ابن عيينة وحدة السفر، لا الدخول.

١٢٧ - (مَوْضِعُ الصَّلاَةِ فِي الْبَيْتِ) - حديث رقم ٢٩١٠
١٧٧ ==
وقد وقع عند الدراقطنيّ من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. والله أعلم.
ويؤيّد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) من طريق حماد، عن
أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟، قال: كما تصلي
في الجنازة، تسبح، وتکېّر، ولا ترکع، ولا تسجد، ثم عند أرکان البيت سبح، وکبر،
وتضرّع، واستغفر، ولا تركع، ولا تسجد. وسنده صحيح. قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الجمع الذي تقدم عن ابن حبان هو
الأرجح، كما استحسنه الحافظ. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامَ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذِهِ الْقِْلَةُ))) قال الخطّابِيّ رحمه
الله تعالى: معناه أن أمر القبلة قد استقرّ على استقبال هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم،
فصلّوا إليه أبدًا. قال: ويحتمل أنه علّمهم سنة موقف الإمام، وأنه يقف في وجهها دون
أركانها، وجوانبها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: ويحتمل معنى ثالثًا، وهو أن معناه هذه الكعبة هي
المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله، لا كلّ الحرم، ولا مكة، ولا كلّ المسجد الذي
حول الكعبة، بل الكعبة نفسها فقط. انتهى.
وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: الإشارة إلى الكعبة المشرّفة، أو جهتها، وعلى
الثاني الحصر واضح، وعلى الأول باعتبار من كان داخل المسجد، أو من كان بمكة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أسامة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٩١٠/١٢٧ و٢٩١٥/١٣١ و٢٩١٦/١٣٢ و٢٩١٧/١٣٣ و٢٩١٨-
وفي ((الكبرى)) ٣٨٩٢/١٢٨ و٣٨٩٧/١٣٢ و٣٨٩٨/١٣٣ و٣٨٩٩/١٣٤ و٣٩٠٠.
وأخرجه (م) في ((الحج)) ١٣٣٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أُنیب)).
(١) - ((فتح)) ٤ / ٢٦٧ - ٢٦٨.

١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٢٨ - (الْحِجْرُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هو - بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم -: حطيم
مكّة، وهو الْمُدَار بالبيت من جهة الميزاب. وقال في ((اللسان)): قال الأزهريّ:
و((الْحِجْر)): خَطِيم مكّة، كأنه حُجْرة مما يلي الْمَثْعَب(١) من البيت. وقال الجوهريّ:
الْحِجْر حِجر الكعبة، وهو ماحواه الحَطِيمِ الْمُدَار بالبيت جانب الشَّمَال، وكلُّ ما
حَجَرته من حائط، فهو حِجْرٌ. وفي الحديث ذكر الحجر في غير موضع، قال ابن
الأثير: هو اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربيّ. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب .
٢٩١١- (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ،
عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: ابْنُ الزُّبَيْرِ، سَمِعْتُ عَائِشَةً تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيِّ نَ قَالَ: (لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ
حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوْبِنِي عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ
الْحِجْرِ، خَمْسَةَ أَذْرُعِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا، يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و((هناد بن
السريّ)): هو أبو السريّ التميميّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣. و((ابن أبي زائدة)): هو
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدنيّ الكوفي، ثقة ثبت، من كبار[٩]٢٢٦/١٤٤.
و ((ابن أبي سليمان)): هو عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزميّ الكوفيّ، صدوق له
أوهام[٥] ٤٠٦/٧. و(اعطاء)): هو ابن أبي رباح.
وقوله: ((حديث عهدهم)) برفع ((عدهم)) على الفاعلية لما قبله.
وقوله: ((وليس عندي من النفقة)) أراد أن كُلَّا من الأمرين مانع من ذلك.
وقوله: ((ما يُقوّيني على بنائه)) بضمّ أوله، من التقوية، أي يجعلني قويًّا، بمعنى
يشجّعني على بنائه على قواعد إبراهيم عمالَلهُ. وفي بعض النسخ: ((ما يُقَوِّي على بنائه)»
بحذف المفعول، وهو الذي في ((صحيح مسلم)). والله تعالى أعلم.
وقوله: ((خمسة أذرع)) هكذا في رواية عطاء، عن ابن الزبير، هنا، وعند مسلم
أيضًا. وفي رواية لمسلم من طريق أبي قَزَعَة، عن الحارث بن عبد اللّه، عن عائشة:
«فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة
(١) - ((الْمَثْعَب)) بفتح، فسكون: مَسِيل الماء.

١٧٩=
١٢٨ - (الْحِجْرُ) - حديث رقم ٢٩١١
أذرع)). وله من طريق سعيد بن ميناء، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة في هذا
الحديث: ((وزدت فيها من الحجر ستة أذرع)). وللبخاريّ من طريق جرير بن حازم، عن
يزيد بن رُومان، قال: ((وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر،
وقد رأيت أساس إبراهيم، كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال:
أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ههنا، قال جرير: فحزرت
من الحجر ستة أذرع، أو نحوها)).
ولسفيان بن عيينة في ((جامعه))، عن داود بن شابور، عن مجاهد: ((أن ابن الزبير زاد
فيها ستة أذرع مما يلي الحجر)). وله عن عبد الله بن أبي يزيد، عن ابن الزبير: ((ستة
أذرع وشبر)). وهكذا ذكر الشافعيّ عن عدد لقيهم من أهل العلم من قريش، كما أخرجه
البيهقيّ في ((المعرفة)) عنه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة، ودون
السبعة. وأما رواية عطاء عند مسلم -يعني رواية النسائيّ هنا- عن عائشة مرفوعًا:
((لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع))، فهي شاذة، والرواية السابقة أرجح؛ لما
فيها من الزيادة عن الثقات الحفّاظ.
ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحِجر،
فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا عند الفاكهيّ
من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء: ((أن النبيّ وَلّ قال لعائشة في هذه القصّة:
((ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع))، فيحمل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على
جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك. قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك(١).
وقال عند شرح قول جرير بن حازم: ((فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها»: ما
نصّه: قد ورد هذا مرفوعًا إلى النبيّ وَلّ كما تقدم في الطريقة الثانية، وأنها أرجح
الروايات، وأن الجمع بين المختلف ممكن كما تقدّم، وهو أولى من دعوى
الاضطراب، والطعن في الروايات المقيّدة؛ لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن
الصلاح، وتبعه النوويّ؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذّر
الترجيح، أو الجمع، ولم يتعذّر ذلك هنا، فيتعيّن حمل المطلق على المقيّد، كما هي
قاعدة مذهبهما. ويؤيّده أن الأحاديث المطلقة والمقيّدة متواردة على سبب واحد، وهو
أن قريشًا قصروا على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأن الحجاج أعاده على بناء
قريش، ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت.
(١) - ((فتح)) ٢٣٦/٤.

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال المحبّ الطبريّ في ((شرح التنبيه)) له: والأصحّ أن القدر الذي في الحجر من
البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة، فيحمل
المطلق على المقيّد، فإن إطلاق اسم الكلّ على البعض سائغ مجازًا. وإنما قال النوويّ
ذلك نصرة لما رجحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعيّ نصّ
على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا
يعرف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة، ومن بعدهم أنه طاف من
داخل الحجر، وكان عملاً مستمرًّا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت.
وهذا متعقّبٌ، فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد
نصّ الشافعيّ أيضًا - كما ذكره البيهقيّ في ((المعرفة)) أن الذي في الحجر من البيت نحو
من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم، كما تقدّم، فعلى هذا
فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء البيت احتياطًا.
وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعلّ النبيّ وَّ، ومن بعده فعلوه استحبابًا
للراحة من تسوّر الحجر، لا سيما والرجال والنساء يطوفون جميعًا، فلا يؤمن من المرأة
التكشّف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة.
وأما ما نقله المهلّب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيًّا في زمن النبيّ
وَير، وأبي بكر حتى كان عمر، فبناه، ووسعه قطعًا للشكّ، وأن الطواف قبل ذلك كان
حول البيت. ففيه نظر. وقد أشار المهلّب إلى أن عمدته في ذلك ما في البخاريّ في
(باب بنيان الكعبة)) في أوائل السيرة النبويّة بلفظ: ((لم يكن حول البيت حائط، كانوا
يصلّون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصيرة، فبناه ابن الزبير)).
انتھی .
وهذا إنما هو في حائط المسجد، لا في الحجر، فدخل الوهم على قائله من هنا.
ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبيّ ◌َّ كما صرّح به كثير من الأحاديث الصحيحة،
نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر، وخلى بينه وبين البيت سبعة أدرع نظر،
وقد قال بصحّته جماعة من الشافعية، كإمام الحرمين، ومن المالكيّة، كأبي الحسن
اللخميّ.
وذكر الأزرقيّ أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا، وثلث
ذراع، منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا،
فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه. والله أعلم.
وأما قول المهلّب: إن الفضاء لا يسمّى بيتًا، وإنما البيت البنيان؛ لأن شخصًا لو