النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ١٠٧- (دُخُولُ مکةَ بِغیْرِ إِخرام) - حديث رقم ٢٨٦٨ أبو العباس العشاب كان متعصبًا على ابن العربيّ؛ لكونه كان متعصّبًا على ابن حزم، فالله أعلم. كذا قال وليّ الدين(١). وعبارة الحافظ في ((الفتح)): وأطال ابن مسدي في هذه القصّة، وأنشد فيها شعرًا، وحاصلها أنهم اتهموا ابن العربيّ في ذلك، ونسبوه إلى المجازفة. ثم شرع ابن مسدي يقدح في أصل القصّة، ولم يصب في ذلك، فراوي القصّة عدل متقن، والذين اتهموا ابن العربيّ في ذلك هم الذين أخطئوا؛ لقلّة اطلاعهم، وكأنه بخل عليهم بإخراج ذلك؛ لما ظهر له من إنكارهم، وتعنّتهم. وقد تتبّعت طرقه حتى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربيّ -ولله الحمد- فوجدته من رواية اثني عشر نفسًا، غير الأربعة التي ذكرها الحافظ العراقيّ، وهم: عُقِيلٌ في ((معجم ابن جميع))، ويونس بن يزيد في ((الإرشاد)) للخليليّ، وابن أبي حفص في ((الرواة عن مالك)) للخطيب، وابن عيينة في ((مسند أبي يعلى))، وأسامة بن زيد في ((تاريخ نيسابور))، وابن أبي ذئب في ((الحلية))، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي الموالي في ((أفراد الدارقطنيّ))، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد العزيز الأنصاريان في ((فوائدعبد الله بن إسحاق الخراسانيّ))، وابن إسحاق في ((مسند مالك)) لابن عديّ، وبحر السقاء، ذكره جعفر الأندلسيّ في تخريجه للجيزيّ -بالجيم، والزاي-، وصالح ابن أبي الأخضر، ذكره أبو ذرّ الهرويّ عقب حديث يحيى بن قَزَعَة، عن مالك، المخرّج عند البخاريّ في ((المغازي)). فتبيّن بذلك أن إطلاق ابن الصلاح متعقّبٌ، وأن قول ابن العربيّ صحيح، وأن كلام من اتهمه مردود، ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصحيح إلا طريق مالك، وأقربها رواية ابن أخي الزهريّ، فقد أخرجها النسائيّ في ((مسند مالك))، وأبو عوانة في ((صحيحه))، وتليها رواية أبي أويس، أخرجها أبو عوانة أيضًا، وقالوا: إنه كان رفيق مالك في السماع عن الزهريّ، فيحمل قول من قال: انفرد به مالك، أي بشرط الصحّة، وقول من قال: توبع -أي في الجملة. وعبارة الترمذيّ سالمة من الاعتراض، فإنه قال -بعد تخريجه -: حسن صحيح غريب، لا يُعرف كثير أحد رواه غير مالك، عن الزهريّ. فقوله: ((كثير)) يشير إلى أنه توبع في الجملة انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - ((طرح التثريب))٨٣/٥- ٨٤. (٢) - (فتح)٩ ٤ / ٥٣٧ - ٥٣٨. ٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز دخول مكة بغير إحرام، وذلك لمن لم يرد الحجّ، أو العمرة، وفي ذلك خلاف، سيأتي تحقيقه في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على أنه بَّر فتح مكة عَنْوةً. وأجاب النوويّ بأنه ◌َّليل كان صالحهم، لكن لما لم يأمن غدرهم دخل متأهبًا. قال الحافظ: وهذا جواب قويّ، إلا أن الشأن في ثبوت كونه صالحهم، فإنه لا يعرف في شيء من الأخبار صريحًا. (ومنها): أنه استُدِلُ بقصّة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة. قال ابن عبد البرّ: كان قتل ابن خطل قَوَدًا من قتله المسلم. وقال السهيليّ: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا، ولا تمنع من إقامة حدّ واجب. وقال النوويّ: تأول من قال: لا يُقتل فيها على أنه وَّر قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب عنه الشافعية بأنها إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها، وأذعن أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك انتھی. وتُعُقّب بأن المراد بالساعة التي أحلّت له ما بين أول النهار، ودخول وقت العصر، وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعًا؛ لأنه قيّد في الحديث بأنه كان عند نزعه وَليد المغفر، وذلك عند استقراره بمكة. وقد قال ابن خزيمة: المراد بقوله في حديث ابن عباس: ((ما أحلّ اللّه لأحد فيه القتل غيري)) أي قتل النفر الذين قُتلوا يومئذ: ابن خطل، ومن ذكر معه، قال: وكان اللَّه قد أباح له القتال، والقتل معًا في تلك السنة، وقتل ابن خطل وغيره بعد تقضي القتال. (ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا على جواز قتل الذميّ إذا سبّ رسول اللّه وَله. وفيه نظر، كما قال ابن عبد البرّ؛ لأن ابن خطل كان حربيًّا، ولم يُدخله رسول اللّه وَ لّ في أمانه لأهل مكة، بل استثناه مع من استثنى، وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجًا واحدًا، فلا دلالة فیه لما ذکر انتهى. ويمكن أن يتمسّك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه ذميًّا، لكن ابن خطل علم بموجبات القتل، فلم يتحتّم أن سبب قتله السبّ. ذكره في ((الفتح)). (ومنها): أنه استَدلّ به البخاريّ وغيره على جواز قتل الأسير صبرًا، وهو استدلال واضح؛ لأن القدرة على ابن خطل صيّرته كالأسير في يد الإمام، وهو مخيّرٌ فيه بين القتل وغيره. لكن قال الخطابيّ: إنه وَّر قتله بما جناه في الإسلام. وقال ابن عبد البرّ: = ٨٣ ١٠٧- (دُخُولُ مکة بغير إِخرام) - حديث رقم ٢٨٦٨ قتله قوَدًا من دم المسلم الذي غدر به، وقتله، ثم ارتدّ، كما تقدّم. (ومنها): أنه استدلّ به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام، ترجم بذلك أبو داود. (ومنها): مشروعية لبس المغفر، وغيره من آلات الحرب حال الخوف من العدوّ، وأنه لا ينافي التوكّل. وقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بن أبي أو فى رضي اللَّه تعالى عنه: «اعتمر رسول الله و لير فلما دخل مكة طاف، وطفنا معه، ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد ... )) الحديث. وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذ محرمًا، فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيء يؤذيه، فكانوا حوله، يسترون رأسه، ويحفظونه من ذلك. (ومنها): جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمور، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة، ولا النميمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ظاهر حدیث الباب أنه ﴾﴾ لما دخل مكة يوم الفتح لم یکن محرمًا، وقد صرّح بذلك مالك راوي الحديث، كما ذكره البخاريّ في ((كتاب المغازي)» عن يحيى ابن قَزَعَة، عن مالك عقب هذا الحديث: ((قال مالك: ولم يكن النبيّ وَّ فيما نرى - والله أعلم- يومئذ محرمًا)) انتهى. وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، جازمًا به، أخرجه الدار قطنيّ في ((الغرائب)). ووقع في ((الموطإ)) من رواية أبي مصعب وغيره، قال مالك: ((قال ابن شهاب: ولم يكن رسول اللَّه وَ ل يومئذ محرمًا)). وهذا مرسل، ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: ((دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام)). وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن طاوس، قال: ((لم يدخل النبيّ وَّر مكة إلا محرما، إلا يوم فتح مكة)). قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ أنه وَّرَ، وأصحابه رضي اللّه تعالى عنهم دخلوا مكة يوم الفتح غير محرمين، فهو دليل واضح للمذهب الصحيح أن دخولها بغير إحرام لمن لم يرد الحج، أو العمرة جائز، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في دخول مكة بغير إحرام: ذهب أصحاب الشافعيّ: إلى أن الأصحّ إن لم يتكرّر دخوله عدم وجوب الإحرام علیه، وهذا قول أكثرهم، فإن تكررکالحطابین، ونحوهم، فهو أولى بعدم الوجوب، وهو المذهب. (١) - ((فتح)) ٤ / ٥٣٩ - ٥٤٠. ٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وذهب الحنابلة إلى وجوب الإحرام إلا على الخائف، وأصحاب الحاجات المتكرّرة، هذا هو المشهور عندهم، ولم يوجبه بعضهم. وعن أحمد ما يدلّ عليه. وذهب المالكية في المشهور عنهم إلى وجوبه على غير ذوي الحاجات المتكررة. قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا الخائف، والظاهر أنهم لا ينازعون في استثنائه، فهو أولى بعدم الوجوب من ذوي الحاجات المتكررة. وذهب أبو مصعب إلى عدم وجوبه، وهو رواية ابن وهب عن مالك. وَرُوِيَ عنه أيضًا مثل رواية غيره من أصحابه. حكاه ابن عبد البرّ. وذهب الحنفية إلى وجوبه مطلقًا. قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا من ذلك إلا من كان داخل الميقات، فلم يوجبوا عليه الإحرام، والظاهر أنهم أيضًا لا ينازعون في الخائف، بل ولا في ذوي الحاجات المتكرّرة، وإن لم يصرّحوا باستثنائهم، فإنهم علّلوا منع الوجوب فيمن هو داخل الميقات بأنه يكثر دخولهم مكة، وفي إيجاب الإحرام عليهم كلّ مرّة حرج بيْنٌ، فصاروا كأهل مكة، حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام، لكن مقتضى كلام ابن قدامة في ((المغني)) منازعتهم في هاتين الصورتين أيضًا. وقد تحرّر من ذلك أن المشهور من مذهب الشافعيّ عدم الوجوب مطلقًا. ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب، إلا فيما يستثنى، وحكاه ابن عبد البرّ، والقاضي عياض عن أكثر العلماء. وعدمُ الوجوب محكيٍّ عن عبد الله بن عمر، وبه قال الزهريّ، والحسن البصريّ، وزعم ابن عبد البرّ انفرادهما بذلك من بين السلف، وأن المشهور عن الشافعيّ الوجوب، وليس كما قال، وذهب إلى عدم الوجوب أيضًا داود، وابن حزم، فقد نصره في كتابه ((المحلّى))، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة، وأبو البقاء ابن عقيل، قال ابن مفلح في ((الفروع)): وهي ظاهرة(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أنّ دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد الحج، أو العمرة جائزٌ؛ لحديث الباب، فقد دخل وَله، وأصحابه * غير محرمين، ولصريح قوله ﴿ عند تحديده المواقيت: ((هن لهنّ، ولمن أتى عليهنّ، من غير أهلهنّ، ممن كان يريد الحج، والعمرة)). متفق عليه، فقد صرّح بأن وجوب الإحرام من المواقيت المحدّدة لمن أراد الحج، أو العمرة، فدلّ على أن من لم يردهما، أو أحدهما لا يجب عليه الإحرام منها. وأيضًا فقد كان المسلمون في عهده وَل و يترددون إلى مكة في حوائجهم، فلم ينقل عنه أنه أمر أحدًا بأن يدخل محرمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، (١) - ((طرح التثريب)٨٤/٥ - ٨٦. و((المرعاة )) ٣٥٥/٨. ٨٥ ١٠٧- (دُخُولُ مَّ بغیر إِخرام) - حديث رقم ٢٨٧٠ = = وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٦٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسِ: ((أَنَّ النَّبِيّ ◌َهِ دَخَلَ مَكَّةً، عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، ((عبيدالله بن فَضَالة بن إبراهيم))، أبو قُديد النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة ثبت. و((عبد الله بن الزبير)) بن عيسى بن عبيدالله بن أسامة بن عبد الله بن حُميد بن نصر بن الحارث بن أسد بن عبد العزى. وقيل: في نسبه غير ذلك. أبو بكر القرشيّ الأسديّ الحميديّ المكيّ، ثقة حافظ فقيه، أجلّ أصحاب ابن عيينة [١٠]. قال أحمد: الحميديّ عندنا إمام. وقال أبو حاتم: هو أثبت في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميديّ، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. وقال محمد بن عبد الرحمن الهرويّ: دخلت مكة عقب وفاة ابن عيينة، فسألت عن أجلّ أصحابه؟، فقالوا: الحميديّ. وقال ابن عديّ: ذهب مع الشافعيّ إلى مصر، وكان من خيار الناس. وقال الحاكم: ثقة مأمون، قال: ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، فقال: صاحب سنة وفضل ودين. وقال ابن سعد: مات بمكة سنة (٢١٩)، وكان ثقة كثير الحديث. وكذا أرّخه البخاريّ، وأرخه غيرهما سنة (٢٢٠). روى له البخاريّ، ومسلم في ((المقدمة))، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وأخرج له ابن ماجه في ((التفسير)). [تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) ((عبد الله بن نمير)) بدل ((عبد الله بن الزبير))، وهو غلط فاحش، والصواب ((ابن الزبير))، وهو الحميدي المترجم آنفًا، وقد صرح به في ((الكبرى)) جـ ٢ ص ٣٨٢ رقم (٣٨٥١)، وصرح به أيضًا في ((تحفة الأشراف)) جـ ١ ص ٣٨٩ رقم (١٥٢٧). والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِبَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكْيُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنَّ الثَّبِيَّ وَِّ، دَخَلَ يَوْمَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، بِغَيْرِ إِخْرَامٍ)») . ٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتیبة) بن سعید المذکور قبل حدیث. ٢- (معاوية بن عمار) بن أبي معاوية الدُّهْنيّ - بضم الدال المهملة، وسكون الهاء، ثم نون- البجليّ الكوفيّ، صدوق [٨]. وهو ولد عمار الدُّهني المذكور في الباب الماضي . قال ابن معین، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث برقم - ٢٨٧٠ و٥٣٤٤ . وقال في ((تهذيب التهذيب)): له في ((صحيح مسلم))، والنسائيّ حديث واحد متابعةً في دخوله وَّل مكة بغير إحرام. انتهى (١). ٣- (أبو الزبير) محمد بن مسلم المذكور في الباب الماضي. ٤- (جابر بن عبد الله) رضي الله تعالى عنهما المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٤٨) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا وَّه من المكثرين السبعة روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَِّيَّ نَّهِ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةً) أي دخل مكة يوم فتح مكة (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) جملة في محل نصب على الحال. وفيه جواز لباس الثياب السُّود. وفي حديث عمرو بن حريث رَّه، عند مسلم: ((أن رسول اللَّه ◌َ ل﴿ل خطب الناس، وعليه عمامة سوداء)). قال النوويُّ: فيه جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: ((خير لباسكم البياض))، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز انتهى " (٢) (١) - (تهذيب التهيهذيب)) ٤ / ١١٠ - ١١١. (٢) - ((شرح مسلم)) ج٩ ص ١٣٣. ٨٧ ١٠٧- (دُخُولُ مکَّةَ بِغیْرِ إِخرام) - حديث رقم ٢٨٧٠ (بِغَيْرِ إِخْرَام) هذا محلّ الترجمة، فإنه صريح في كون النبيّ ◌ُّ دخل مكة يوم الفتح هو، وأصحابه وَلّ غير محرمين، فدلّ على جواز دخولها بغير إحرام لمن لا يريد حجًّا، ولا عمرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه : أخرجه هنا-١٠٧/ ٢٨٧٠ وفي ((كتاب الزينة)) ٥٣٤٤/١٠٩ ٥٣٤٥ - وفي ((الكبرى)) ١٠٧/ ٣٨٥٢ وفي ((كتاب الزينة)) ١٩٧٥٥/١٠٨ و٩٧٥٦. وأخرجه (م) في ((الحج)) ١٣٥٨ (د) في ((اللباس)) ٤٠٧٦ (ت) في ((اللباس)) ١٧٣٥ (ق) في ((الجهاد)) ٢٨٢٢ وفي (اللباس)) ٣٥٨٥ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٤٨٨ و١٤٧٣٧ (الدارميّ في ((المناسك)) ١٩٣٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): زعم الحاكم في ((الإكليل)) أن بين حديث أنس رَّه الذي قبل هذا في المغفر، وبين حديث جابر وظّه هذا في العمامة السوداء معارضة. وتعقّبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله، ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه. ويؤيّده أن في حديث عمرو بن حُريث: ((أنه خطب الناس، وعليه عمامة سوداء)). أخرجه مسلم أيضًا. وكانت الخطبة عند باب الكعبة، وذلك بعد تمام الدخول. وهذا الجمع لعياض. وقال غيره: يُجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه وَ لجر من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم. وبهذا يدفع إشكال من قال: لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام؛ لاحتمال أن يكون رسول اللَّه وَ ل كان محرمًا، ولكنه غطى رأسه لعذر، فقد اندفع ذلك بتصريح جابر رَّه بأنه لم يكن محرمًا. وأما دعوى أن دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبيّ بَّر، فغير صحيحة، إذ لم يكونوا محرمين مثله، الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ومما يبطلها أن الصحابة فبطل ما ادّعوه انتهى من ((الفتح)) باختصار، وتصرّف(١). والله تعالى أعلم بالصواب، (١) - ((فتح ٥٤٠/٥١. ٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٠٨- (الْوَقْتُ الَّذِي وَافَى فِيهِ النَّبِيُّ مَلِ مَكَّةَ) وسلم ٢٨٧١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّنٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ وَأَضْحَابُهُ، لِصُبْحِ رَابِعَةٍ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَنْ يَحِلُوا))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا . و(محمد بن معمر)): هو القيسيّ البحرانيّ(١) البصريّ، أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، كما تقدّم غير مرّة، من كبار [١١]١٨٢٩/٥ . و((حبّان)) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة -: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ الثقة الثبت [٩]٥٩٠/٤٤ . و((وُهيب)): هو ابن خالد الباهليّ البصريّ الحافظ الثقة الثبت [٧]٤٢٧/٢١. و((أيوب)): هو ابن أبي تميمة كيسان السخياتيّ البصريّ الثبت الحجة الفقيه[٥]٤٢/ ٤٨ . و((أبو العالية البرّاء)) - بتشديد الراء- زياد بن فيروز، وقيل: في اسمه غير ذلك البصريّ الثقة [٤]٢/ ٧٧٨. و((البرّاء)) لقبه؛ لكونه كان يبري النبل. وقوله: «لصبح رابعة)): أي في صبح ليلة رابعة لشهر ذي الحجة، وكان ذلك صباح يوم الأحد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، وفي مسائله في ٧٧/ ٢٨١٣ . (١) - [تنبيه]: وقع في ((برنامج موسوعة الحديث الشريف)) للكتب التسعة غلط، وذلك أنه ترجم هنا لمحمد بن معمر الحضرميّ، والصواب أنه محمد بن معمر القيسي البحرانيّ، كما صرح به النسائيّ في ((الكبرى)). فتنبّه. ٨٩ ١٠٨- (الوقتُ الذِّي وآفی فیهِ النّئُّ ◌َٹِ مڪت) - حديث رقم ٢٨٧٣ ودلالته هنا على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، عَنْ يَحْتَى بْنِ كَثِيرٍ، أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، لِأَرْبَعِ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ أَهَلَّ بِالْحَجَّ، فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، وَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنَّ يَجْعَلَهَا عُمْرَةٌ، فَلْيَفْعَالْ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((يحيى بن كثير، أبو غسّان)): هو العنبريّ البصريّ، ثقة [٩]٤٣/ ٢٢٣ . وقوله: ((أبو غسّان)) هكذا نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ برفع ((أبو))، وله وجه صحيح ، وهو أن يكون خَبَرًا لمحذوف: أي هو أبو غسّان. والله تعالى أعلم. وقوله: ((لأربع مضين الخ)) أي لأربع ليال مضين من شهر ذي الحجة. [تنبيه]: وقع في ((الكبرى)): ((لأربع بقين من ذي الحجة))، وهو غلط، والصواب ((مضين))، كما هو في ((المجتبى))؛ لأنه يكون المعنى عليه في آخر شهر ذي الحجة، وذلك غلط فاحش. فتنبه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٧٣- أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: عَطَاءٌ، قَالَ جَابِرٌ: ((قَدِمَ الشَّبِيِّ وَِّ مَكَّةَ، صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ))) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((شعيب)): هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفى في - ٢٧٤٠/٥١. ودلالته على الترجمة هنا واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ١٠٩- (إِنْشَادُ الشِّعْرِ فِي الْحَرَمِ، وَالْمَشْيُ بَيْنَ يَدَي الإِمَامِ) ٢٨٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتْ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ دَخَلَ مَكَّةَ، فِي عُمْرَةٍ الْقَضَاءِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمَ تَضْرِبْكُمْ عَلَى تَثْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَطِّ، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَقُولُ الشّعْرَ؟ قَالَ النَِّيُّ وََّ: ((خَلُ عَنْهُ، فَلَهُوَ أَسْرَعُ فِيهِمْ، مِنْ نَضْحِ الََّبْلِ») . رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (أبو عاصم، خُشيش -بمعجمات مصغرًا- ابن أصرم) بن الأسودالنسائيّ، ثقة حافظ [١١]٥٩٠/٤٤ . ٢- (عبد الرزاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف مشهور، تغير بآخره، وكان يتشيّع [٩]٧٧/٦١. ٣- (جعفر بن سليمان) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق زاهد، يتشيع [٨]١٤/١٤. ٤- (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٥٣/٤٥. ٥- (أنس بن مالك الصحابيّ الخادم الشهير رضي الله تعالى عنه ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من جعفر. (ومنها): أن فيه ثابتًا ألزم الناس لأنس تنظيم لزمه أربعين سنة، وفيه أنس وظلّيه من المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. ٩١ ١٠٩ - (إِنْشَادُ الشّعْرِ فِي الْحَرَم، ... - حديث رقم ٢٨٧٤ شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيِّنَِّ دَخَلَ مَكَّةَ، فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) اختلف في سبب تسميتها بهذا الاسم، فقيل: المراد ما وقع من المقاضاة بين المسلمين، والمشركين، من الكتاب الذي كُتب بينهم بالحديبية، فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصلح، ولذلك يقال لها: عمرة القضيّة. قال أهل اللغة: قاضى فلانًا: عاهده، وقاضاه: عاوضه. فيحتمل تسميتها بذلك للأمرين. قاله عياض. ويرجّح الثاني تسميتها قصاصًا، قال الله تعالى: ﴿الشَّهُ الْحَمُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَالْخُرُمَثُ قِصَاصٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]. قال السهيليّ: تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها . قال الحافظ: كذا رواه ابن جرير، وعبد بن حُميد بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيميّ في («مغازيه)). وقال ابن إسحاق: بلغنا عن ابن عباس، فذكره. ووصله الحاكم في ((الإكليل)) عن ابن عباس، لكن في إسناده الواقديّ. وقال السهيليّ: سميت عمرة القضاء؛ لأنه قاضى فيها قريشًا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صُدّ عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامّة، ولهذا عدّوا عُمَرَ النبيّ وََّ أربعًا . وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعُدّت عمرة الحديبية في العُمَر؛ لثبوت أجرها، لا لأنها كملت. وهذا الاختلاف مبنيّ على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر، فصُدّ عن البيت، فقال الجمهور: يجب عليه الهدي، ولا قضاء عليه، وهو الصحيح، وعن أبي حنيفة عكسه. وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هديّ، ولا قضاء، وأخرى يلزمه الهدي والقضاء. وقد تقدّم البحث في هذا مُسْتَوْفَى قبل ستة أبواب في باب ((فيمن أُحصر بعدو))، فراجعه تستفد. والحاصل أنه تحصّل من أسمائها أربعة: القضاء، والقضيّة، والقصاص، والصلح. قاله في ((الفتح))(١) . (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةً) بن ثعلبة بن امرىء القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الشاعر، أحد السابقين، واستشهد بمؤتة رضي الله تعالى عنه، وكان ثالث الأمراء بها، في جمادى الأولى، سنة ثمان من الهجرة (يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ) وَ (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حالية، كسابقتها، إما متداخلة، أو مترادفة، والبيتان من بحر الرجز، الذي أجزاؤه مستفعلن ست مرّات. (١) - ((فتح)) ٢٨٥/٨ - ٢٨٦ في ((كتاب المغازي))- ((باب عمرة القضاء)). ٩٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ (خَلُّوا) فعل أمر من التخلية، أي تنخوا، وابتعدوا (بَنِي الْكُفَّارِ) منادی بحذف حرف النداء، أي يا بني الكفّار، أو منصوب على الاختصاص، أي أخصّ بني الكفّار (عَنْ سَبِيلِهِ) متعلق بـ((خلّوا))، والضمير المجرور للنبيّ وَّهِ (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفية، متعلّق بقوله (نَضْرِبْكُمْ) بسكون الباء، للوزن، قال ابن الأثير في ((النهاية)): سكون الباء من ((نضربكم)) من جائزات الشعر، وموضعها الرفع. قال السنديّ: نبّه على ذلك لئلا يُتوهّم أن جزمه لكونه جواب الأمر، فإن جعله جوابًا فاسدٌ معنىّ. ولعل المراد نضربكم إن نقضتم العهد، وصددتموه عن الدخول، وإلا فلا يصحّ ضربهم لمكان العهد انتهى (١) (عَلَى تَنْزِيلِهِ) أي لأجل تنزيل النبيّ بَله بمكة، أي نضربكم حتى نُنزله بمكة. وقيل: المراد تنزيل القرآن، أي نضربكم لأجل نزوله بضربكم إن لم تستجيبوا له. وفي الرواية الآتية - ٢٨٩٤/١٢١ -: ((على تأويله)) بدل ((تنزيله))، أي نضربكم حتى تذعنوا إلى تأويله، أو نضربكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه (ضَرْبًا) مفعول مطلق لنضربكم (يُزِيلُ الْهَامَ) بتخفيف الميم. قال في ((النهاية)): الهام جمع هامة، وهي أعلى الرأس (عَنْ مَقِيلِهِ) بفتح الميم: أي موضعه، مستعار من موضع القائلة، أي النوم نصف النهار (وَيُذْهِلُ) بضم أوله، من الإذهال، أي يجعله ذاهلاً يقال: ذَهلَ عن الشيء يَذْهَلُ من باب تعب ذُهُولًا: غَفَلَ، وقد يتعدى بنفسه، فيقال: ذَهَلَته من باب دخل، والأكثرُ أن يتعدى بالألف، فيقال: أذهلني فلان عن الشيء، وقال الزمخشري: ذَهَلَ عن الأمر: تناساه عَمْدًا، وشُغِلَ عنه. أفاده في ((المصباح)) (الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ) أي الصَّدِيق عن صديقه (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَقُولُ الشِّعْرَ؟) كأن عمر رضي اللّه تعالى عنه رأى أن الشعر منكر، فلا ينبغي أن يقال بين يدي رسول اللَّه وَلل في حرمه تعالى، ولم يلتفت إلى تقرير النبيّ وَلغيره؛ لاحتمال أن يكون قلبه مشتغلاً بما منعه عن الالتفات إلى الشعر (قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: خَلِّ عَنْهُ) أي تخلّ عن ابن رواحة، واتركه يقول فيهمُ الشعر (فَلَهُوَ) أي شعره. وفي ((الكبرى)): ((فهي))، أي كلماته (أَسْرَعُ فِيهِمْ) أي في التأثير في قلوبهم (مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ) -بنون، وضاد معجمة، وحاء مهملة- يقال: نضح فلانًا بالنبل، من باب نفع: إذا رماه به. و((النبل)): السهام العربيّة، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سهم، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى. قاله الفيوميّ. يعني أن الشعر أسرع تأثيرًا، وأقوى إقناعًا للمشركين من رميهم بالسهام، فهو أولى ما يواجهون به في مثل هذه الساعة، وفي هذا الحرم المحترم. (١) - ((شرح السنديّ» ٢٠٢/٥. ٩٣ .. - حديث رقم ٢٨٧٤ ١٠٩ - (إِنْشَادُ الشِّعْرِ فِي الْحَرَمِ، وفي الرواية الآتية في - ٢٨٩٤/١٢١ -: ((فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشدّ عليهم من وقع النّبْلِ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٨٧٤/١٠٩ و٢٨٩٤/١٢١- وفي ((الكبرى)) ٣٨٥٦/١٠٩ و١٢٠/ ٣٨٧٦ . وأخرجه (ت) في ((الأدب)) ٢٨٤٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز إنشاد الشعر في الحرم، وجواز المشي بين يدي الإمام بإذنه. (ومنها): مجاهدة الكفار، والمنافقين بالكلام، كما يجاهدون بالسهام. (ومنها): أن الجهاد بالكلام يكون أشد من وقع السهام، كما قاله اَلر، ولذا قال الشاعر: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِثَامُ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللَّسَانُ (ومنها): إنكار المنكر بحضرة من هو أولى منه علمًا، وفضلاً؛ لاحتمال أن يكون الأعلم غفل عنه. (ومنها): بيان خطإ من أخطأ في أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، مع بيان سبب خطئه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أخرج الترمذيّ رحمه الله تعالى حديث أنس ◌َّ هذا عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق بسند المصنف، ثم هذا حديث حسن غريب صحيح(١) من هذا الوجه. وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضًا عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس نحو هذا. ورُوي في غير هذا الحديث: ((أن النبيّ وَّ دخل مكة في عمرة القضاء، وكعبُ بن مالك بين يديه)). وهذا أصحّ عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد الله بن رواحة قُتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك انتهى (٢). (١) - هكذا في نسخة ((تحفة الأحوذيّ)) زيادة لفظة ((صحيح))، وذكره الحافظ في ((الفتح)) بدونها. والله أعلم. (٢) - راجع ((جامع الترمذيّ)) بسخة الشرح ١٣٨/٨ - ١٤٠. ٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ واعترض الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) بعد نقل كلام الترمذيّ المذكور: بما حاصله: وهو ذهول شديدٌ، وغلطً مردود، وما أدري كيف وقع الترمذيّ في ذلك، مع وفور معرفته، ومع أن في قصّة عمرة القضاء اختصام جعفر، وأخيه عليّ، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قُتل هو، وزيد، وابن رواحة في موطن واحد؟، وكيف يخفى عليه -أعني الترمذيّ- مثل هذا؟. ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذيّ من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخطّ الكروخيّ، راوي الترمذيّ ما تقدّم. والله أعلم. وقد صححه ابن حبان من الوجهين، وعجيب من الحاكم كيف لم يستدركه، مع أن الوجه الأول على شرطهما، ومن الوجه الثاني على شرط مسلم؛ لأجل جعفر بن سليمان. انتهى. كلام الحافظ بتصرّف يسير(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أخرج عبد الرزاق حديث أنس رضي هذا من وجهين: [أحدهما]: طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، الذي أخرجه المصنف منه هنا، والترمذيّ في الأدب. [والثاني]: روايته عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس رَّم: ((أن النبيّ وَّر دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يُنشد بين يديه: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنِ سَبِيلِهِ قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ بِأَنَّ خَيْرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ أخرجه أبو يعلى من طريقه. وأخرجه الطبرانيّ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الرزاق. وقد أخرجه الطبرانيّ أيضًا عاليًا عن إبراهيم بن أبي سويد، عن عبد الرزاق. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقيّ في ((الدلائل)). وأخرجه من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، فذكر القسم الأول من الرجز، وقال بعده: ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ يَارَبِ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ قال الدارقطنيّ في ((الأفراد)) تفرّد به معمر، عن الزهريّ، وتفرّد به عبد الرزّاق، عن معمر. قال الحافظ: وقد رواه موسى بن عقبة في ((المغازي)) عن الزهريّ أيضًا، لكن لم يذكر أنسًا، وعنده بعد قوله: (١) - ((فتح)) ٢٨٧/٨ - ٢٨٨. ((كتاب المغازي))- ((باب عمرة القضاء)). ٩٥ ١١٠- (حُرمةُ مگۆ) - حدیث رقم ٢٨٧٥ قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ فِي صُحُفِ تُثْلَى عَلَى رَسُولِهِ وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: بلغني ... فذكره، وزاد بعد قوله : يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنْ بِقِيلِهِ إِنِّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ وزعم ابن هشام في ((مختصر السيرة)) أن قوله: ((نحن ضربناكم على تأويله)) إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر، قاله يوم صفّين. قال: ويؤيده أن المشركين لم يقرّوا بالتنزيل، وإنما يقاتل على التأويل من أقرّ بالتنزيل انتهى. قال الحافظ: وإذا ثبتت الرواية، فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: ((نحن ضربناكم على تأويله)): أي حتى تُذعنوا إلى ذلك التأويل. ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه. وإذا كان كذلك محتملاً، وثبتت الرواية سقط الاعتراض. نعم الرواية جاء فيها، فاليوم نضربكم على تأويله يظهر أنها قول عمّار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب، ولا قتال، وصحيح الرواية : نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا ضَرَيْنَاكُمْ عَلَى تَثْزِيلِهِ يشير بكلّ منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمّار بن ياسر بهذا الرجز، ويقول هذه اللفظة، ومعنى قوله: ((نحن ضربناكم على تنزيله)) أي في عهد الرسول فيما مضى. وقوله: ((واليوم نضربكم على تأويله)) أي الآن، وتسكين الباء لضرورة الشعر، بل هي لغة قرىء بها في المشهور. قاله في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١١٠- (حُزْمَةُ مَكَّةُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْحُزْمة)) -بضم الحاء المهملة، وسكون الراء -: اسم من الاحترام، وهو الْمَهَابة، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الحُرْمة بالضمّ: ما لا يَحِلّ انتهاكه، والحرمة: المهابة، وهذه اسم من الاحترام، مثلُ الْفُرْقة من الافتراق، (١) - ((فتح)) ٢٨٦/٨ - ٢٨٧. ٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ والجمع حُرُمات، مثلُ غُرْفة وغُرُفات. انتهى. والمعنى هنا: احترام مكة، وتعظيمها، يعني أن هذا الباب يُذكر فيه الحديث الدالّ على وجوب تعظيم مكّة شرّفها الله تعالى، وحَرَسَها. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٧٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ الْفَتْحِ: ((هَذَا الْبَلَدُ حَرَّمَهُ اللَّهُ، يَوْمَ خَلَقَ الشَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُزْمَةِ اللَّهِ، إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَّا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَىَ خَلَاهُ))، قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا، (إِلَّا الْإِذْخِرَ))) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، هو ثقة [١٠] ٢١٤/١٣٧ . ٢- (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره بِهِم من حفظه [٨]٢/٢. ٣- (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]٢/٢. ٤- (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]٣١/٢٧. ٥- (طاوس) بن كيسان الحميريّ موهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]٣١/٢٧. ٦- (ابن عبّاس) عبد الله البحر الحبر رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في ((الفتح)): كذا رواه منصور موصولاً، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ وَلّز، مرسلاً، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلًاً، ٩٧ ١١٠- (حزمة مكة) - حدیث رقم ٢٨٧٥ ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله انتهى(١). (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ الْفَتْحِ) الظرف متعلّق بقالَ (هَذَا الْبَلَدُ) يعني مكة، أو أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللَّهُ) أي حكَم بتحريمه، وقضاه، وظاهره أن حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتَلَ أهلها، ويؤمّن من استجار بها، ولا يتعرّض له، وهو أحد أقول المفسّرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنًا﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧] (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) يعني أن تحريمه أمر قديم، وشريعة سالفة مستمرّة، فليس تحريمه مما أحدثه الناس، أو اختصّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله وَّي في حديث جابر عند مسلم، وحديث أنس عند البخاريّ: ((إن إبراهيم حرّم مكة)). لأن إسناد التحريم إليه من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام هو الله تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف إلى الله تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم، وتبيّن على ألسنتهم. والحاصل أنه أظهر تحريمها، مبلّغًا عن اللَّه تعالى بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأه. وقيل: إنه حرّمها بإذن الله تعالى. يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة بأمر الله تعالى. كذا في ((إرشاد الساري)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأخير ضعيف، يضعفه قوله ◌َّ: ((ولم يحرمها الناس)). والله تعالى أعلم. وقال العينيّ رحمه الله تعالى: معنى قوله: ((إن إبراهيم حرّم مكة)): أعلن بتحريمها، وعرّف الناس بأنها حرام بتحريم اللَّه إياها، فلما لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَّ اُلْأَنفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، فإنه أضاف إليه التوفّي، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَنَوَقَّكُم مَّلَكُ اَلْمَوْتِ﴾ الآية [السجدة: ١١]، فأضاف إلى الملك التوفّي، وقال في آية أخرى: ﴿ الَّذِينَ نَّهُمُ اُلْمَلَبِكَةُ﴾ الآية [النحل: ٣٢] فأضاف إليهم التوفّي، وفي الحقيقة المتوفّي هو الله عز وجل، وأضافه إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم انتهى. فلا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: ((إِنّ إبراهيم حرّم مكة)) أي بأمر الله تعالى، لا باجتهاده، أو أن اللَّه قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله (١) - ((فتح)) ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢. == ٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان. وقال القرطبيّ: معناه إن اللَّه حرّم مكة ابتداء، من غير سبب ينسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكّد المعنى بقوله: ((ولم يحرمها الناس))، والمراد بقوله: ((ولم يحرّمها الناس)) أن تحريمها ثابتٌ بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرّمات اللَّه، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرّمات الناس، يعني في الجاهلية، كما حرموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل: معناه أن حرمتها مستمرّة من أول الخلق، وليس مما اختصّت به شريعة النبيّ وَلّر انتهى (١). (فَهُوَ) أي البلد (حَرَامٌ) أي محرّمٌ محترمٌ (بِحُزْمَةِ اللَّهِ) أي بسبب حرمة الله تعالى، فالباء للسببية. ويجوز أن تكون للملابسة، فيكون متعلّقًا بمحذوف، أي متلبّسًا بحرمة اللَّه، وهو تأكيد للتحريم (إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ) متعلق بحرام، وفيه إيماء إلى أن النسخ لا يلحقه. وقال الحافظ: قوله: ((بحرمة الله)) أي بتحريمه تعالى. وقيل: الحرمة الحقّ، أي حرامٌ بالحقّ المانع من تحليله. (لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يقطع. وفي حديث أبي شُرَيح: ((ولا يعضدُ بها شجر)) قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث يقولون: ((يعضد)) بضم الضاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله: الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد: الممتهن من السيوف في قطع الشجر. وقال الطبريّ: أصله من عَضَدَ الرجل: إذا أصابه بسوء في عضده. ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ: ((لا يخضد)) بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه، فإن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في القطع. (وَلَا يُتَفَّرُ صَيْدُهُ) بضم أوله، وتشديد الفاء المفتوحة، مبنيًّا للمفعول، أي لا يصاح عليه، فينفر. وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون في ظلّ الشجرة، فلا ينفّر ليجلس مكانه، ويستظلّ. قال الطبريّ: لا خلاف أنه لو نفّره، وسلم فلا جزاء عليه، لكنه يأثم بارتكابه النھي، فلو أتلفه، أو تلف بتنفيره وجب جزاؤه. وقال النوويّ: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفّره عصى، سواء تلف، أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سکونه ضمن، وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى انتهى (٢). وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد. وقيل: هو على ظاهره. وفي ((صحيح البخاريّ)) عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال: هل تدري ((ما لا ينفّر صيدها؟)) (١) - ((المرعاة) ١٠/ ٤٦٣ - ٤٦٤. (٢) - ((المرعاة)) ١٠ /٤٦٨ - ٤٦٩. = ٩٩ ١١٠- (حُرمُ مگۆ) - حدیث رقم ٢٨٧٥ هو أن ينخيه من الظلّ ينزل مكانه. قيل: نبه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف، وسائر أنواع الأذى، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى. وقد خالف عكرمةَ عطاءً، ومجاهد، فقالا: لا بأس بطرده ما لم يُفض إلى قتله. أخرجه ابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق الحكم، عن شيخ من أهل مكة أن حمامًا كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده، فطار، فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حيّة، فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة. وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه(١). (وَلَا يَلْتَقِطُ) بالبناء للفاعل (لُقَطَتَّهُ) بالنصب على أنه مفعول مقدّم، والفاعل قوله: ((إلا من عزّفعها)). و((اللقطة)) الشيء الذي يُلتقط، وهو بضم اللام، وفتح القاف على المشهور، عند أهل اللغة، والمحدّثين. وقال عياض: لا يجوز غيره. وقال الزمخشريّ في ((الفائق)): اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكّنها. كذا قال. وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط. وقال الأزهريّ: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سُمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللغة، والحديث الفتح. وقال ابن برّيّ: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس. وفيها لغتان أيضًا: لُقَاطة بضم اللام، ولَقطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك حيث قال: لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطْ قَذْ لَقَطَةْ ووجّه بعض المتأخّرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى فيها اختصّت به، وهو أن كلّ من يراها يميل لأخذها، فسميت باسم الفاعل لذلك. قاله في ((الفتح)) (٢) . (إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا) بتشديد الراء، من التعريف: أي من أراد تعريفها، وإشهارها، ثم يحفظها لمالكها، ولا يتملّكها، بخلاف لقطة غير الحرم، فإنه يلتقطها ليتصرّف فيها بعد التعريف سنة . وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: قيل: أي إلا من عرّفها على الدوام ليحصل به الفرق بين الحرم وغيره، وإلا لايحسن ذكره ههنا في محل ذكر الأحكام المخصوصة بالحرم الثابتة له بمقتضى التحريم. ومن لا يقول بوجوب التعريف على الدوام يرى أن تخصيصه كتخصيص الإحرام بالنهي عن الفسوق في قوله تعالى: ﴿فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ (١) - ((فتح)) ٤ / ٥٢٠ - ٥٢١ . (٢) - ((فتح)) ٣٦١/٥ ((كتاب اللقطة)). : شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ١٠٠ وَلَا فُوقََ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَيْ﴾ [البقرة: ١٩٧] مع أن النهي عامٌ. وحاصله زيادة الاهتمام بأمر الإحرام، وبيان أن الاجتناب عن الفسوق في الإحرام آكد، فكذا التخصيص ههنا لزيادة الاهتمام بأمر الحرم، وأن التعريف في لقطته متأكد.(١) . وقال في ((الفتح)): والمعنى لا تحلّ لقطتها إلا لمن يريد أن يعرّفها فقط، فأما من أراد أن يعرّفها، ثم يتملّکها فلا. (وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ) ببناء الفعل للمفعول. أي لا يُجزّ، ولا يُقطع نباته الرطب. و((الخلا)) بالخاء المعجمة، والقصر، وحكي فيه المدّ(٢): النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش. واختلاؤه: قطعه. قاله ابن الأثير(٣). وقال الفيوميّ: والخلا بالقصر: الرطب من النبات، الواحدة خلاة، مثل حصّى وحصاة. قال في ((الكفاية)): الخلا: الرَّطْب، وهو ما كان غَضًّا من الكلأ، وأما الحشيش فهو اليابس. واختليتُ الخلاءَ اختلاءً: قطعته، وخليته خَلْيًا، من باب رمى مثله، والفاعل مُخْتَلٍ، وخالٍ. وفي الحديث: ((لا يُختلى خلاها)): أي لا يُجَزُّ انتهى. (قَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطلب عم رسول اللّهِ وَّر. زاد في الرواية الآتي- ١٢٠] ٢٨٩٣ -: ((وكان رجلاً مجرّبًا)) (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الْإذْخِرَ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع، فعلى البدل مما قبله، وأما النصب فلكونه استثناء واقعًا بعد النفي. قال ابن مالك: المختار النصب؛ لكون الاستثناء وقع متراخيّا عن المستثنى منه، فبعدت المشاكلة بالبدليّة، ولكون الاستثناء أيضًا عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا. زادفي الرواية الآتية - ٢٨٩٣/١٢٠ -: ((فإنه لبيوتنا، وقبورنا)). و((الإذخر)): بكسر الهمزة، والخاء المعجمة، بينهما ذال معجمة ساكنة: نبت معروف طيّب الريح، له أصل مُنْدَفِنْ، أي ماضٍ في الأرض، وقضبان دقاق، ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه، فيما قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يسقّفون به البيوت بين الْخُشُب. يعني يجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب؛ ليسدّ الخلل، فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور، يعني يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، وكانوا يستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس: ((فإنه لقينهم)). و((القين)) بفتح القاف، وسكون التحتانيّة، بعدها نون: الحدّاد، (١) - ((شرح السنديّ)) ٢٠٤/٥. (٢) - وحكاية المد ذكره السيوطيّ، والسنديّ في شرحيهما. (٣) - ((النهاية)) ٢/ ٧٥.