النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ٩٦- (فِي الْمُخْرِمِ يُؤْذِيهِ القَمْلُ فِي رأسِهِ) - حديث رقم ٢٨٥٢ ٨- (كعب بن عُجرة)-بضم العين المهملة، وسكون الجيم، بعدها راء مهملة، ثم تاء تأنيث- الأنصاريّ المدنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، مات رَّه بعد الخمسين، وله نيف، وسبعون سنة، تقدّم في ١٠٤/٨٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَیلی) قال في ((الفتح)): صرح سيف عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن، وبأن كعبًا حدث به عبد الرحمن. قال ابن عبد البرّ في رواية حميد بن قيس: كذا رواه الأكثر عن مالك. وروه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عُفير عن مالك بإسقاط عبد الرحمن بين مجاهد، وكعب بن عجرة. قال الحافظ: ولمالك فيه إسنادان آخران في ((الموطإ)) أحدهما عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن قيس، وقد اختلف فيه على مالك أيضًا على العكس مما اختلف على طريق حميد بن قيس. قال الدارقطنيّ: رواه أصحاب ((الموطأ)) عن مالك، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن، لم يذكروا مجاهدًا، حتى قال الشافعيّ: إن مالكًا وَهِم فيه. وأجاب ابن عبد البرّ بأن ابن القاسم، وابن وهب في ((الموطا))، وتابعهما جماعة عن مالك، خارج ((الموطإ))، منهم بشر بن عمر الزهرانيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإبراهيم بن طهمان، والوليد بن مسلم أثبتوا مجاهدًا بينهما. قال الحافظ: وهذا الجواب لا يرد على الشافعيّ. وطريق ابن القاسم المشار إليها عند النسائيّ -يعني رواية الباب- وطريق ابن وهب عند الطبريّ. وطريق عبد الرحمن ابن مهديّ عند أحمد، وسائرها عن الدارقطنيّ في ((الغرائب)). والإسناد الثالث(١) لمالك فيه عن عطاء الخراسانيّ، عن رجل من أهل الكوفة، عن كعب بن عجرة. قال ابن عبد البرّ: يحتمل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى، أو عبد الله ابن معقل. ونقل ابن عبد البرّ عن أحمد بن صالح المصريّ، قال: حديث كعب ابن عجرة في الفدية سنة معمول بها، لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى، وابن معقل، قال: وهي سنة أخذها أهل المدينة، عن أهل الكوفة. قال الزهريّ: (١) - هكذا في ((الفتح)) ٤/ ٤٨٠ - والظاهر أن الصواب: والإسناد الثاني، أو لعله عده ثالثًا بالنسبة لما مضى من السند. والله تعالى أعلم. ٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ سألت عنها علماءنا كلهم، حتى سعيد بن المسيب، فلم يبيّنوا كم عدد المساكين. قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، عند الطبريّ، والطبرانيّ، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطبريّ، وفَضَالة الأنصاريّ، عمن لا يتّهَم من قومه، عند الطبريّ أيضًا. ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين أبو وائل، عند النسائيّ، ومحمد بن كعب القرظيّ عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة، عند أحمد، وعطاء، عند الطبريّ. وجاء عن أبي قلابة، والشعبيّ أيضًا، عن كعب، وروايتهما عند أحمد، لكن الصواب أن بينهما واسطة، وهو ابن أبي ليلى على الصحيح. وقد أورد البخاريّ حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأوردها أيضًا في (المغازي))، و((الطبّ))، و((كفّارات الأيمان)) من طرق أخرى، مدار الجميع على ابن أبي ليلى، وابن معقل، فيقيّد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة، فإن بقية الطرق التي ذكرتها لا تخلو عن مقال، إلا طريق أبي وائل، وسأذكر ما في هذه الطرق من فائدة زائدة، إن شاء الله تعالى انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وسأذكر أنا أيضًا في هذا الشرح ما ذكره الحافظ من الفوائد في شرحه، فإن شرحي هذا نسخة من شرحه رحمه الله تعالى مع ما يفتح الله تعالى عليّ فيه من غيره، ولذا كثيرًا ما أقول: لولا فتح الباري ثم ((فتح الباري)) (٢) ما قضيت أوطاري. (عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّهُ) فيه تجريد، أو التفات، أو نقل بالمعنى، قاله القاري. أي لأن الظاهر أن يقول: إني كنت الخ (كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ شَێِ، مُخْرِمًا) وفي رواية: ((وقف عليّ رسول اللَّه وَلّر بالحديبية))، وفي أخرى: ((أتى عليّ رسول اللَّه ◌َ ل زمن الحديبية))، وفي أخرى: ((أتيت رسول اللّه وَلّ، فقال: ادنه، فدنوت، فقال: ادنه، فدنوت))، وفي أخرى: ((حُملت إلى رسول اللَّه وَّل، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى))، وفي أخرى: ((أنه خرج مع النبيّ وَّرَ محرما، فقمل رأسه، ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ وَّ، فأرسل إليه، فدعا الحلاق، فحلق رأسه)). والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مرّ به أولاً، وهو يوقد تحت قدر، فرآه على تلك الصورة رؤية إجمالية عن بعد يسير، وقال: أتؤذيك هوامّك هذه؟، ولكنه لم يقدر (١) - ((فتح)) ٤ / ٤٧٩ - ٤٨٠ . (٢) المراد بفتح الباري الأول ما يفتحه الله تعالى على من الفهم، سواء كان بواسطة، أم بغير واسطة، وبالثاني ((شرح صحيح البخاري)) للحافظ ابن حجر ◌َّثُ والله تعالى أعلم. ٤٣ ٩٦- (فِي الْمُخرم يؤذيه القملُ فِي رأسِهِ) - حديث رقم ٢٨٥٢ قدر ما بلغ به من الوجع الشديد، ثم بلغه ما هو فيه من البلاء، وشدّة الأذى، فأرسل إليه، واستدعاه، حتى أتاه محمولا، فاستدناه، فدنا، كما في رواية ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عند الشيخين، وحكّ رأسه بإصبعه الكرية، كما في رواية أبي وائل، عن كعب، الآتية في الحديث التالي، فخاطبه، وقال له: ((ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى))، ودعا الحلّاق، فحلق رأسه بحضرته، فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر . قال الحافظ بعد ما ذكر اختلاف الروايات في ذلك مفصّلًا: ما لفظه: والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى، عن كعب أن النبيّ وَّل مرّ به، فرآه، وفي قول عبد الله بن معقل أن النبيّ وَالر أرسل إليه، فرآه أن يقال: مرّ به أوّلاً، فرآه على تلك الصورة، فاستدعى به إليه، فخاطبه، وحلق رأسه بحضرته، فنقل كلّ واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضّحه قوله في رواية ابن عون، حيث قال فيها: ((فقال: ادن، فدنوت))، فالظاهر أن هذا الاستدناء . كان عقب رؤيته إياه، إذ مرّ به، وهو يوقد تحت القدر انتهى" وقال الطبريّ: يحتمل أن يكون وقف عليه وَلير، وأمره بذلك، ثم حمل إليه لما كثر عليه، فأمره ثانيًا، فلا يكون بين قوله: ((فحُملت إلى رسول اللّه وَ له، وبين قوله: ((مرّ به)) تضادّ . وقال العينيّ بعد ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض في شيء من ذلك، ووجهه أنه مرّ به، وهو محرم في أول الأمر، وسأله عن ذلك، ثم حُمل إليه ثانيًا بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الإرسال، وأما رؤيته فلا بدّ منها في الكلّ انتهى باختصار يسير(٢). (فَاذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ) وفي رواية لأحمد، وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة: ((قملت حتى ظننت أن كلّ شعرة من رأسي فيها القمل، من أصلها إلى فرعها»، زاد سعيد: ((وكنت حسن الشعر)). وفي رواية لأحمد من وجه آخر: ((وقع القمل في رأسي، ولحيتي، حتى حاجبي، وشاربي، فبلغ ذلك النبيّ بَّةٍ فأرسل إلي، فدعاني، فلما رآني، قال: لقد أصابك بلاء، ونحن لا نشعر ... )) (فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَنْ يَخْلِقَ رَأْسَهُ) وفي رواية لأحمد: ((ادع إلي الحجام، فحلقني)). قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق، سواء كان بموسى، أو مِقَصّ، أو نُورة، أو غير ذلك. وأغرب ابن حزم، فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع الإزالات بالحلق إلا النتف. قاله في ((الفتح)). (١) - ((فتح)٤ / ٤٨١. (٢) - ((عمدة القاري)٣٣٠/٨ - ٣٣١. ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ (وَقَالَ: ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِنَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنٍ، مُدَّيْنٍ) وكذا في رواية عند أحمد، وفي رواية الشيخيّن: ((لكل مسكين نصف صاع))، وللطبرانيّ: ((لكل مسكين نصف صاع تمر))، ولأحمد: ((نصف صاع طعام))، وفي رواية: ((نصف صاع حنطة))، وفي رواية: ((يطعم فرقًا من زبيب، بين ستة مساكين)). قال ابن حزم: لا بدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنه قصّة واحدة، في مقام واحد، في حقّ رجل واحد. قال الحافظ: المحفوظ رواية شعبة أنه قال في الحديث: ((نصف صاع من طعام))، والاختلاف عليه في كونه تمرًا، أو حنطة لعله من تصرّف الرواة، وأما الزبيب، فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر، فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة، ولم يختلف فيه على أبي قلابة. وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الشعبيّ، عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ، ومن طريق أشعث، وداود عن الشعبيّ، عن كعب، وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبرانيّ. وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأن الواجب ثلاثة آصع، لكلّ مسكين نصف صاع. ولمسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، وغيره، عن مجاهد في هذا الحديث: ((وأطعم فرقًا بين ستة مساكين))، والفرق ثلاثة آصع. وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، فقال فيه: ((قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع))، فأشعر بأن تفسير الفرق مدرج، لكنه مقتضى الروايات الأخر، ففي رواية سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ عند أحمد: (لكل مسكين نصف صاع)). قاله في ((الفتح))(١). (أَوِ انْسُكْ شَاةً) وفي رواية: ((بشاة)) بزيادة الموحدة، فعلى الأول ((شاة)) مفعول به لماقبله، أي اذبح شاة، وعلى الثاني التقدير: تقرب بشاة؛ إذ النسك يطلق على العبادة، وعلى الذبح المخصوص. وفيه أن المراد بالنسك المذكورة في الآية في قوله تعالى: ﴿أَوْ شٍُ﴾ شاةٌ، وروى الطبرى من طريق مغيرة، عن مجاهد في آخر هذا الحديث: ((فأنزل الله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شٍُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، والنسك شاة)). ومن طريق محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب: ((أمرني أن أحلق، وأفتدي بشاة)). قال عياض، ومن تبعه، تبعًا لأبي عمر ابن عبد البرّ: كلّ من ذكر النسك في هذا (١) - ((فتح) ٤/ ٤٨٥ . ٤٥ ٩٦- (فِي الْمُخْرِمِ يُؤْذِيهِ القَمْلُ فِي رأسِهِ) - حديث رقم ٢٨٥٢ الحديث مفسّرًا، فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة رَّ: ((أنه أصابه أذى، فحلق، فأمره النبيّ وَلِّ أن يُهدي بقرة)). وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بُخْت(١)، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول اللَّه ◌َ ليل أن يفتدي، فافتدى ببقرة)). ولعبد بن حُميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((افتدى كعب من أذى كان برأسه، فحلقه ببقرة، قلّدها، وأشعرها)). ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن سليمان بن يسار: ((قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟، قال: ذبح بقرة)). فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصحّ منه، من أن الذي أُمِر به كعب، وفَعَلَه في النسك إنما هو شاة . وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق المقبريّ، عن أبي هريرة: ((أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه))، وهذا أصوب من الذي قبله. واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار، فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبيّ وَّر فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق، وزاد، ففيه أن من أُفتي بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها، كما فعل كعب. قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت؛ لما قدّمته. والله أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(٢). (أَيَّ ذَلِكَ) منصوب على أنه مفعول مقدم، لقوله (فَعَلْتَ) وهو فعل الشرط، وقوله (أَجْزَاَ عَنْكَ) جواب الشرط. وهذه الرواية صريحة في التخيير بين الثلاثة، وكذلك رواية أبي داود التي فيها: ((إن شئت، وإن شئت))، ووافقتها رواية عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، أخرجها مسدّد في ((مسنده))، ومن طريقه الطبرانيّ، لكن رواية عبد الله بن معقل عند البخاريّ أنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، ولفظه: ((أتجد شاة؟))، قال: لا، قال: ((فصم، أو أطعم))، ولأبي داود في رواية أخرى)) أمعك دم؟))، قال: لا، قال: ((فإن شئت، فصم))، ونحوه للطبراني من طريق عطاء، عن كعب، ووافقهم أبو الزبير، عن مجاهد، (١) - بضم الباء الموحدة، وسكون الخاء المعجة. (٢) - ((فتح٩ ٤ / ٤٨٦. ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عند الطبرانيّ، وزاد بعد قوله: ما أجد هديا: قال: ((فأطعم))، قال: ما أجد، قال: (صم)). ولهذا قال أبو عوانة في ((صحيحه)): فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم. يعني ولا يطعم. قال الحافظ: لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء، إلا ما رواه الطبريّ، وغيره، عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قُوّمت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فتصدّق به، أو صام لكلّ نصف صاع يومًا. أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، فقال: سمعت علقمة مثله. فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروایتین، وقد جمع بينهما بأوجه: (منها): ما قال ابن عبد البرّ: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه. (ومنها): ما قال النوويّ: ليس المراد أن الصيام، أو الإطعام لا يجزىء إلا لفاقدي الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي، أم لا؟، فإن كان واجده أعلمه أنه مخيّر بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخيّر بينهما. ومحصّله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم. (ومنها): ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبيّ وَّ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفّر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه بَّر، أو بوحي غير متلوّ، فلما أعلمه أنه لا يجد، نزلت الآية بالتخيير بين الذبح، والإطعام، والصيام، فخيّره حينئذ بين الصيام، والإطعام؛ لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام؛ لكونه لم يكن معه ما يطعمه. ويوضّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور، حيث قال: ((أتجد شاة؟))، قلت: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُفٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم))، وفي رواية عطاء الخراسانيّ قال: ((صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين))، قال: ((وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به))، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السرّ فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهًا بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام. وعُرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام. ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح؛ لأن لفظه: ((صم، أو أطعم، أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي، ونسكت)). وروى الطبرانيّ من طريق ضعيفة عن عطاء، عن كعب في آخر هذا ٤٧ ٩٦- (فِي المُخرم يؤذيه القملُ فِي رأسِهِ) - حديث رقم ٢٨٥٢ الحديث: ((فقلت: يا رسول الله، خِرْ لي، قال: أطعم ستة مساكين)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث كعب بن عجرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٩٦/ ٢٨٥٢ و٢٨٥٣ - وفي ((الكبرى))٣٨٣٤/٩٥ و٣٨٣٥ . وأخرجه (خ) في ((الحج))١٨١٤ و١٨١٥ و١٨١٦ و١٨١٨ و((المغازي)) ٤١٥٩ و٤١٩٠ و٤١٩١ و((التفسير))٤٥١٧ و(المرضى))٥٦٦٥ و((الطب)) ٥٧٠٣ و((كفارات الأيمان)) ٦٧٠٨ (م) في ((الحج)) ١٢٠١ (د) في ((المناسك))١٨٥٦ و١٨٥٧ و١٨٥٩ و١٨٦٠ (ت) في ((الحج))٩٥٣ و(التفسير))٢٩٧٣ و٢٩٧٤ (ق) في ((المناسك))٣٠٧٩ و٣٠٨٠ (أحمد) في (مسند الكوفيين))١٧٦٣٥ و١٧٦٤٣ و١٧٦٥٤ و١٧٦٦٥ (الموطأ) في ((الحج)) ٩٥٤ و٩٥٥ و٩٥٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم المحرم الذي يؤذيه القمل في رأسه، وهو أنه يجوز له أن يحلق رأسه، ويفدي بإحدى هذه الأشياء الثلاثة: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان، أو ذبح شاة. (ومنها): تحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل، أو غيره من الأوجاع. (ومنها): تلطّف الكبير بأصحابه، وعنايته بأحوالهم، وتفقدّه لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه، وأرشد إلى المخرج منه. (ومنها): أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن، وتقييدها بالسنة. (ومنها): أنه استنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمّ قال الشافعيّ، والجمهور: لا يتخيّر العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتجّ لهم القرطبيّ بقوله في حديث كعب: ((أو اذبح نسكًا))، قال: فهذا يدلّ على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء. قال الحافظ: لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا، أو نسيكة أن لا تسمى هدیا، أو لا تعطی حکم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية عند البخاريّ، حيث قال: ((أو تهدي شاة))، وفي رواية مسلم: ((وأهد هديًا))، وفي رواية للطبريّ: ((هل لك ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ هدي؟، قلت: لا أجد)). فظهر أن ذلك من تصرّف الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: ((أو اذبح شاة)). (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين. وقال الحسن: تتعين مكة. وقال مجاهد: النسك بمكة، ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء. وقريب منه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة: الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم. وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر بن الجهم من المالكية الإطعام بالصيام. (ومنها): أنهى استُدلّ به على أن الحجّ على التراخي؛ لأن حديث كعب دلّ على أن نزول قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَاُلْعُبْرَةَ لِلَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٦] كان ذلك بالحديبية، وهي في سنة ست. وفيه بحث. (ومنها): أنه وقع في رواية للبخاريّ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ((فأمره أن يحلق، وهو بالحديبية، ولم يتبيّن لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلون مکة)) . قال في ((الفتح)): هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالحصر، وهو واضح، قال ابن المنذر: يؤخذ أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحل، واتفقوا على أن من يئس من الوصول، وجاز له أن يحلّ، فتمادى على إحرامه، ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضي إلى البيت ليُتمّ نسكه. وقال المهلب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: ((ولم يتبيّن لهم أنهم يحلون)» أن المرأة التي تعرف أوان حيضها، والمريض الذي يعرف أوان حماه بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلاً في أول النهار، ثم انكشف الأمر بالحيض، والحمّى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم الله أنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلّ قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٥٣- أَخْبَرَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، (١) - ((فتح)) ٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧ . (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٩٧ - (غَسْلُ الْمُخرِم بِالسِّدْرِ إِذاً مَآتَ) - حديث رقم ٢٨٥٤ ٤٩ وَهُوَ الدَّشْتَكِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ عَدِيٌّ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَخْرَمْتُ، فَكْثُرَ قَمْلُ رَأْسِي، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَلِّ، فَأَتَانِ، وَأَنَا أَطْبُخُ قِدْرَا لِأَصْحَابِي، فَمَسَّ رَأْسِي بِإِصْبَعِهِ، فَقَالَ: ((انْطَلِقْ، فَاحْلِقْهُ، وَتَصَدَّقْ عَلَّى سِنَّةِ مَسَاكِينَ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سعيد الرباطيّ)): هو أبو عبد الله الأشقر المروزيّ الحافظ الثقة [١١]١٠٣٠/٩٠ . و((عبد الرحمن بن عبد الله الدَّشْتكيّ)) -بفتح الدال المهملة، وسكون المعجمة -: هو أبو محمد الرازيّ المقرىء، ثقة [١٠]٩٠/ ١٠٣٠. و((عمرو بن أبي قيس)): هو الرازيّ الأزرق الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام [٨]١٠٣٠/٩٠. و((الزبير بن عديّ)): هو الهمدانيّ الياميّ الكوفيّ، ولي قضاء الريّ، ثقة [٥]١ / ٤٥١. و((أبو وائل)): هو شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفي المخضرم التابعيّ الجليل. وقوله: ((وتصدّق)) فيه اختصار، أي افعل التصدق، أو ما يقوم مقامه، من الصيام، أو ذبح شاة. والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٩٧ - (غَسْلُ الْمُخْرِم بِالسِّدْرِ إِذَا مَاتَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ترجمة المصنف رحمه الله تعالى هذه أن الغسل بالسدر للمحرم الميت فقط، لكن الظاهر أن الحيّ مثله، إذ لا دليل على منعه منه، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: في حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافًا لمن كرهه له انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - ((فتح))٤٧٩/٣ في (كتاب الجنائز)). ٥ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ٢٨٥٤ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ◌َوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخُمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّةُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِيًا») . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((يعقوب ابن إبراهيم)): هو الدورقيّ البغداديّ الحافظ، وهو أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. و((هشيم)): هو ابن بشير الواسطيّ الثبت. و((أبو بشر)): هو جعفر بن إياس. قال المصنف في ((الكبرى)): واسمه جعفر بن أبي وحشية، وهو جعفر بن إياس(٢)، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير انتهى. وقوله: ((فوقصته)) الوقص كسر العنق. وقوله: ((ولا تمسوه بطيب)) بفتح أوله، من المسّ ثلاثيًا، والباء للتعدية، فما وقع هنا في النسخة المطبوعة من ضبطه بضمّ أوله ضبطَ قلم، فغلط، بخلافه في الرواية الآتية في الباب التالي، فإنه بضم أوله، من الإمساس رباعيًّا، فلذا تعدى بنفسه، فنصب ((طيبًا)). فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، وتقدم للمصنف في ((كتاب الجنائز)) - ((كيف يكفن المحرم إذا مات)) - ١٩٠٤/٤١ - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وتقدم أيضا بعض مباحثه في باب - ((تخمير المحرم وجهه ورأسه)) -٢٧١٣/٤٧ و٢٧١٤ -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٩٨ - (فِي كَمْ يُكَفَّنُ الْمُخْرِمُ إِذَا مَاتَ) ٢٨٥٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا مُخْرِمًا، صُرِعَ عَنْ نَاقَتِهِ، (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - ولفظ ((الكبرى)): ((وهو جعفر بن أبي إياس))، بزيادة لفظة ((أبي))، وهو غلط. ٩٩- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُحَنَّطَ الْمُخْرِمُ إِذاَ مَاتَ) - حديث ٢٨٥٦ = = ٥١ فَأُوْقِصَ، ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنٍ))، ثُمَّ قَالَ عَلَى إِثْرِهِ: ((خَارِجًا رَأْسُهُ))، قَالَ: ((وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، فَإِنَةً يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبْنَا»، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُهُ بَعْدَ عَشْرٍ سِنِينَ، فَجَاءَ بِالْحَدِيثِ، كَمَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((وَلَا تُحُمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ») . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ. وقوله: ((صُرِع عن ناقته)) بالبناء للمفعول: أي سقط عنها. وقوله: ((فأوقص)) بالبناء للمفعول، هكذا نسخ ((المجبى)) ((فأوقص)) بالهمزة، ووقع في (الكبرى)) ((فُوُقِصَ)) ثلاثيًّا، وهو الموافق لما في كتب اللغة، قال في ((القاموس)): وَقَصَ عنقَهُ، كوعد: كسرها، فَوقَصَتْ، لا زم، متعدّ، ووُقِص، کُنِي، فهو موقوص، وقَصَت به راحلته تَقِصُهُ انتهى. ونَحْوَ في ((اللسان))، و((الصحاح))، و((المصباح)) ولم أر فيها أوقص بالهمز، فليحرر. والله تعالى أعلم. وقوله: (ذُكر أنه قد مات)) بالبناء للفعل، والضمير لابن عباس، أي ذكر ابن عباس في حديثه أن ذلك الرجل الذي وقَصَتْهُ ناقته مات من ذلك الوقص. وقوله: ((ثم قال على إثره: خارجًا رأسه)) أي قال رَليل بعد قوله: ((وكفنوه في ثوبين)): ((خارجا رأسه)»، وهو منصوب على الحال، أي كفنوه حال كون رأسه خارجا من كفنه، ففيه بيان أنه لا يغطى رأسه . وقوله: ((فسألته الخ)) الضمير المرفوع لشعبة، والمنصوب لأبي بشر. والحديث متفق عليه، وتقدم الكلام عليه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٩- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُحَتَّطَ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ) ٢٨٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْعَصَهُ، أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصِّتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِذْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنٍ، وَلَا تُخْتَّطُوهُ، وَلَا تُحُمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبْيًا») . ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((حماد)): هو ابن زيد. و((أيوب)): هو السختيانيّ. وقوله: ((فأقعصه)) أي قتله قتلاً سريعًا، والتذكير باعتبار الإبل. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٥٧ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحِكْمِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَصَتْ رَجُلاً مُخْرِمًا نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، فَقَالُ: ((اغْسِلُّوهُ، وَكَفْنُوهُ، وَلَا تُغَطُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَةً يُبْعَثُ مُلُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((الحكم)) هو ابن عتيبة. وقوله: ((فأتي رسول اللّه وَ ﴿)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((ولا تُغَطُّوه رأسه)) بضم أوله، وفتح ثانيه، وضم ثالثه، وأصله: تُغَطّيُوهُ بوزن تُكلّموه، نقلت ضمة الياء إلى الطاء بعد سلب كسرتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٠٠- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُخَمَّرَ وَجْهُ الْمُخْرِمِ، وَرَأْسُهُ إِذَا مَاتَ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((يُخمّر)) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: ((وجه المحرم الخ)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٥٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ - يَعْنِي ابْنَ خَلِفَةَ - عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ حَاجًّا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّه وَأَنََّ لَفَظَهُ بَعِيرُهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((يُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنٍ، وَلَا يُغَطَّى ١٠١ - (النّھئُ عَنْ تَخْمِیر رأس ... - حديث رقم ٢٨٥٩ ٥٣ رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ، فَإِنَةُ يَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِيًّا))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن معاوية)) بن يزيد، الأنماطيّ، أبو جعفر البغداديّ، المعروف بابن مالج -بمیم، وجیم، يقال: إن أصله من واسط، صدوق ربما وهم [١٠]. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال مُطيّن: كان واقفيًّا. وروى عنه أبو بكر البزار في ((مسنده))، وقال: كان ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما وهم. انفرد به المصنف، روى عنه في ثلاثة مواضع، برقم ٢٨٥٨ و٣٩٨٦ و٤٨٤١ . و((خلف بن خليفة)): هو أبو أحمد الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر [٨]١٤٩/١١٠. والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠١- (النَّهْيُ عَنْ تَخْمِيرِ رَأْسٍ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ) ٢٨٥٩- أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامٌ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، فَخَرَّ مِنْ فَوْقٍ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ وَقْصًا، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِذْرٍ، وَأَلْبِسُوهُ ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحُمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمران بن يزيد)): هو ابن خالد بن يزيد، نُسب لجده الطائيّ الدمشقيّ، صدوق [١٠] ١٨/ ٤٢٢ من أفراد المصنف. و(شعيب بن إسحاق)): هو البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار [٩]٦٠ /١٧٦٦ . وقوله: ((حرامٌ)» هكذا بالرفع في بعض النسخ، ووقع في بعضها («حرامًا» بالنصب، ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ والأول هو الوجه؛ لأنه نعت لـ((رجل))، وهو نكرة، ولا يبعُد أن يكون الثاني أيضًا له وجه أيضًا، وهو النصب على الحال من النكرة، وهو جائز على قلة، كما أشار إليه ابن مالك في ((الخلاصة))، حيث قال: وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِيًا ذُو الْحَالِ إِنْ لَمْ يَتَأَخَّز أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ يَبْغِي امْرُؤْ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلَا مِنْ بَغْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا وقوله: ((فوُقص)) بالبناء للمفعول، و ((وقصًا)) مفعول مطلق. وقوله: ((وألبسوه)) بقطع الهمزة؛ من الإلباس. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ١٠٢- (فِيمَنْ أُخْصِرَ بِعَدُوٌ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((أُحصر)) بالبناء للمفعول، والجار والمجرور نائب فاعله. و((الإحصار)): لغة المنع، والحبس، مطلقًا، وشرعًا: المنع عن الوقوف، والطواف، فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَلُغَ اٌلْهَدْىُ مَجِلَُّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. وقال عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. نقله الإمام البخاريّ في ((صحيحه))، واقتصر عليه. فقال في ((الفتح)): وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار، وهي مسألة خلافية بين الصحابة، وغيرهم انتهى(١). قلت: والمصنّف رحمه الله تعالى يرى التعميم أيضًا حيث أورد في هذا الباب حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما الدال على الإحصار بالعدوّ، وحديث الحجاج بن عمرو رضي الله تعالى عنه الآتي بعده الدالّ على الإحصار بالعرج والكسر، وقد ترجم له في ((الكبرى)) بقوله: ((فيمن أَحصر بغير عدو))، فدلّ على أنه يرى عدم تقييد (١) - ((فتح)) ٤ / ٤٦٧. = ٥٥ ١٠٢- (فِیمَنْ أُخْصِرَ بِعَدُوم - حديث رقم ٢٨٦٠ الإحصار بالعدوّ فقط، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٦٠- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ، أَنَّمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، لَمَّا نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحَجَّ الْعَامَ، إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهِ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشِ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنْطَلِقُ، فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَعَلْتُ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ، وَأَنَا مَعَهُ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةٌ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ، أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةٌ مَعَ عُمْرَتِي، فَلَمْ يُحْلِلْ مِنْهُمَا، حَتَّى أَحَلَّ يَوْمَ النَّخْرِ وَأَهْدَى). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و((جويرية)): هو: ابن أسماء الضبعيّ البصريّ، صدوق [٧]٣١٥/١٩٧. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٢٧٤٦/٥٣ - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وبقي البحث هنا فيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو البحث في الإحصار، وفيه مسائل : (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في المراد بالإحصار في الحجّ والعمرة: ذهب کثیر من الصحابة، فمن بعدهم إلى أنّ الإحصار من كلّ حابس حبس الحاجّ، من عدوّ، ومرض، وغير ذلك، حتى أفتى ابن مسعود تَ فيه رجلاً لُدِغ بأنه محصر. أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح عنه. وإلى هذا القول ميل الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، كما بينه الحافظ في ((الفتح))(١). وهو ظاهر مذهب المصنف رَّتُهُ كما أسلفته آنفًا . وهو مذهب النخعي والكوفيين، فإنهم ذهبوا إلى أن الحصر الكسرُ، والمرضُ، والخوفُ. واحتجّوا بحديث حجاج ابن عمرو الآتي بعد هذا، وبما رواه ابن المنذر من طريق علي بن طلحة، عن ابن عباس رَّه في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: من أحرم بحجّ، أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يُجهده، أو عدوّ يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة، فلا قضاء عليه . (١) - ((فتح) ٤ / ٤٦٧. ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وبما رواه عبد بن حميد، عن أبي نُعيم، عن الثوريّ، عن ابن جريج، عن عطاء، قال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: الإحصار من كلّ شيء بحسبه . وذهب آخرون إلى أنه لا حصر إلا بالعدوّ، وصحّ ذلك عن ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الشافعيّ، عن ابن عيينة، كلاهما عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: ((لا حصر إلا مَن حَبَسَه عدوّ، فيحلّ بعمرة، وليس عليه حج، ولا عمرة)). وروى مالك في ((الموطإ)»، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: ((من حُبس دون البيت بالمرض، فإنه لا يحلّ حتى يطوف بالبيت)). وروى مالك، عن أيوب، عن رجل من أهل البصرة، قال: ((خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت بالطريق كُسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة -وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والناس- فلم يرخّص لي أحد في أن أحلّ، فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر، ثم حَلَلت بعمرة)). وأخرجه ابن جرير من طرق، وسمّى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخّير. وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: جعل اللَّه على الناس إتمام الحجّ والعمرة، وجعل التحلّل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن منع العدوّ، فلم نَعْدُ بالرخصة موضعها. وذهب آخرون إلى أنه لا حصر بعد النبيّ وَّل، رَوَى مالك في ((الموطإ)) عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: ((المحرم لا يحلّ حتى يطوف)). أخرجه في ((باب ما يفعل من أحصر بغير عدو)). وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ((لا أعلم المحرم يحلّ بشيء دون البيت)). وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما بإسناد ضعيف، قال: لا إحصار اليوم)). وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في تفسير الإحصار، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة -منهم الأخفش، والكسائيّ، والفرّاء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، وابن السّكيت، وثعلب، وابن قتيبة، وغيرهم- أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدوّ، فهو الحصر، وبهذا قطع النحاس. وأثبت بعضهم أن أُحصِرَ، وحُصِرَ بمعنى واحد، يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرّف، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدوّ إياهم. ٥٧ ١٠٢- (فِیمَنْ أُخصِرَ بِعَدُو) - حديث رقم ٢٨٦٠ وأما مالك، والشافعيّ، وأحمد، ومن تبعهم، فحجتهم في أن لا إحصار إلا بالعدوّ اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصّة الحديبية، حين صُدّ النبيّ وَّ عن البيت، فسمّى اللَّه صدّ العدوّ إحصارًا. وحجة الآخرين التمسك بعوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. انتهى من ((الفتح)) بتصرّف(١). وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: مورد النصّ في قضية الحديبية إنما هو في الإحصار بالعدوّ، فلو أحصره مرض، منعه من المضيّ في نسك، لم يتحلّل عند الجمهور، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض كالإِحصار بالعدوّ، قالوا: وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] إنما ورد في إحصار المرض؛ لأن أهل اللغة قالوا: يقال: أحصره المرض، وحصره العدوّ، فاستعمال الرباعيّ في الآية يدلّ على إرادة المرض، وما نقلوه عن أهل اللغة حكاه في ((المشارق)) عن أبي عبيد، وابن قتيبة، وقال القاضي إسماعيل المالكيّ: إنه الظاهر، وحكاه في ((الصحاح)) عن ابن السكّيت، والأخفش، قال: وقال أبو عمرو الشيبانيّ: حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني انتهى. فجعلهما لغتين بمعنى واحد. وقال في ((النهاية)): يقال: أحصره المرض، أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، فهو محصر، وحصره: إذا حبسه، فهو محصور. وحكى ابن عبد البرّ التفصيل المتقدّم عن الخليل، وأكثر أهل اللغة، ثم حكى عن جماعة أنه يقال: حصر، وأحصر بمعنى واحد في المرض، والعدوّ جميعًا، قال: واحتجَ من قال هذا من الفقهاء بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وإنما أنزلت في الحديبية انتهى. وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: لم أسمع ممن حُفظ عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبيّ وَّله، فحال المشركون بينه وبين البيت. وفي البخاريّ عن عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. وممن ذهب إلى التعميم ابن حزم الظاهريّ انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله تعالى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي قول من عمّم، كما هو مذهب الحنفية، والبخاريّ، والمصنف، وابن حزم، قال رحمه الله تعالى في كتابه ((المُحَلَّى)): وأما الإحصار، فإن كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه، أو عمرته، قارنا كان، أو متمتعًا، من عدوّ، أو مرض، أو كسر، أو خطأ طريق، أو خطأ في رؤية (١) - ((فتح)) ٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨. (٢) - ((طرح التثريب٤ ١٦٠/٥ - ١٦١. ٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الهلال، أو سجن، أو أيّ شيء کان فهو محصر، فإن کان اشترط عند إحرامه كما قدمنا أن محله حيث حبسه اللَّه عز وجل، فليحل من إحرامه، ولا شيء عليه، سواء شرع في عمل الحج، أو العمرة، أو لم يشرع بعدُ، قريبًا كان، أو بعيدًا، مضى له أكثر فرضهما، أو أقله، كلّ ذلك سواء، ولا هدي في ذلك، ولا غيره، ولا قضاء عليه في شيء من ذلك، إلا أن يكون لم يحجّ قطّ، ولا اعتمر، فعليه أن يحجّ، ويعتمر، ولا بدّ، فإن كان لم يشترط كما ذكرنا، فإنه يحلّ أيضًا، كما ذكرنا سواء سواء، ولا فرق، وعليه هدي، ولا بدّ، كما قلنا في هدي المتعة سواء سواء، إلا أنه لا يعوض من هذا الهدي صوم، ولا غيره، فمن لم یجده فهو دین حتی یجده، ولا قضاء علیه، إلا إن كان لم يحج قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحج، ويعتمر. قال: قول اللّه تعالى هو الحجة في اللغة، والشريعة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإنما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية، إذ منع الكفّار رسول اللَّه ◌َ ل من إتمام عمرته، وسمى الله تعالى منع العدوّ إحصارًا، وكذلك قال البراء، وابن عمر، وإبراهيم النخعيّ، وهو في اللغة فوق أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائيّ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، فهذا هو منع العدوّ بلا شكّ؛ لأن المهاجرين إنما منعهم من الضرب في الأرض الكفار بلا شكّ، وبيّن ذلك تعالى بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصحّ أن الإحصار، والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان على كلّ مانع، من عدوّ، أو مرض، أو غير ذلك، أيّ شيء كان؟ انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى تحقيق حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): اتفقوا على أن من أحصره العدوّ، أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًّا أو عمرة جاز له التحلل بأن ينوي ذلك، وینحر هدیًا، ويحلق رأسه، أو يقصّر، وهذا مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم، وبه قال الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سنذكرها في المسائل الآتية إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): هل يشترط في جواز التحلل ضيق الوقت بحيث ييأس من إتمام (١) - راجع ((المحلى)) ٢٠٣/٧ - ٢٠٤. ٥٩ ١٠٢- (فِیمَنْ أُخْصِرَ بِعَدُو) - حديث رقم ٢٨٦٠ نسكه إن لم يتحلّل أو لا يشترط ذلك، بل له التحلّل مع اتساع الوقت؟ لم يشترط الشافعية ذلك، وهو الذي يدلّ عليه فعله وَالر في الحديبية، فإن إحرامه إنما كان بعمرة، وهي لا يخشى فواتها، وقال المالكية: متى رَجَى زوال الحصر لم يتحلّل حتى يبقى بينه وبين الحج من الزمان ما لا يدرك فيه الحج، لو زوال حصره، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم، وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحلّ إلى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الشافعية هو الأرجح عندي؛ لأنه يؤيّده فعله وَير في الحديبية، حيث تحلل مع أن وقت العمرة متسع لا يفوت، فلم ينتظر وقتًا يتمكن فيه من الأداء، بل تحلل بمجرد تحقق الإحصار له، وهو الموافق لتيسير الشارع الحكيم، وأما القول بالانتظار حتى ييأس، ففيه إيقاع للمحرم في حرج شديد، وذلك ينافي التيسير الذي أراده تعالى لعباده، فإنه تعالى ما شَرَع التحلل للمحصر بالهدي إلا تيسيرًا عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨]، فإذا قلنا بوجوب الانتظار المذكور، فقد عاكسنا مراد الشارع الحكيم الرؤوف الرحيم، فتبصّر بالإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): لم يفرّق الشافعية، والحنابلة في جواز التحلّل بين أن يكون الإحصار قبل الوقوف بعرفة، أو بعده. وخصّ الحنفية، والمالكيّة ذلك بما إذا كان قبل الوقوف . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الأدلة التي تبيح التحلل عن تقييده بشيء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلفوا في أنه هل يجب على المحصر إراقة دم، أم لا، فقال جمهور العلماء بوجوبه، وبه قال أشهب من المالكية، وقال مالك: لا يجب، وتابعه ابن القاسم صاحبه . ثم اختلف القائلون بوجوب الدم في محلّ إراقته، فقال الشافعيّة، والحنابلة يريقه حيث أُحصر، ولو كان من الحلّ لأنه ◌َّير كذلك فعل في الحديبية، ودلّ على الإراقة في الحلّ قوله: ﴿وَالْحَدّىَ مَعْكُوْفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فدلّ على أن الكفار منعوهم من إيصاله إلى محله، وهو الحرم. ذكر هذا الاستدلال الشافعيّ. وقال عطاء، وابن إسحاق: بل نحر بالحرم، وخالفهما غيرهما من أهل المغازي، وغيرهم. وقال (١) - ((طرح التثريب))١٥٩/٥. ٦٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الحنفية: لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، فيرسله مع إنسان، ويواعده على يوم بعينه، فإذا جاء ذلك اليوم تحلّل، ثم قال أبو حنيفة: يجوز ذبحه قبل يوم النحر، وقال صاحباه يختصّ ذبحه في الإحصار عن الحجّ بيوم النحر. قاله وليّ الدين(١). وقال في (الفتح)): ما حاصله: قال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحلّ سواء كان في الحلّ، أو في الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم. وفضّل آخرون كما قاله ابن عباس: إذا كان مع المحصر هدي نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحلّ حتى يبلغ الهدي محله. وهذا هو المعتمد. وسبب اختلافهم في ذلك، هل نحر النبيّ وَّ الهدي بالحديبية في الحلّ، أو في الحرم. وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحر في الحلّ. وروى يعقوب بن سفيان، من طريق مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال: ((لما حُبس رسول اللَّه وَلَّ، وأصحابه نحروا بالحديبية، وحلقوا، وبعث اللَّه ريحًا، فحملت شعورهم، فألقتها في الحرم)). قال ابن عبد البرّ في ((الاستذكار)): فهذا يدلّ على أنهم حلقوا في الحلّ. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا يكونوا أرسلوا الهدي، مع من نحره في الحرم. وقد ورد ذلك في حديث ناجية بن جندب الأسلميّ: «قلت: يا رسول اللَّه ابعث معي بالهدي، حتى أنحره في الحرم، ففعل)). أخرجه النسائيّ من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية. وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال: ((عن ناجية، عن أبيه)). لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصّة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحلّ، وذلك دالّ على الجواز. والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بجواز التحلل في مكان الحصر، سواء كان في الحلّ، أم في الحرم إذا لم يستطع أن يبلغ به محله، فإن استطاع أن يبعث به حتى ينحر في الحرم وجب عليه أن يبعثه، كما سبق عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما؛ لآية: ﴿حَّ بَلْغَ الْهَدْىُ غِلَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): اختلفوا هل يجب القضاء على المحصر إذا تحلّل، أم لا؟: ذهب الحنفية إلى وجوبه، بل زادوا، فقالوا: إن على المحصر عن الحجّ حجة (١) - ((طرح التثريب)) ١٦٠/٥. (٢) - ((فتح)٩ ٤ / ٤٧٧ - ٤٧٨.