النص المفهرس

صفحات 361-380

٧٨- (مَا يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨١٨
٣٦١ ==
شرح الحديث
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن عثمان رضي الله تعالى
عنه، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنه (وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ) جملة
في محل نصب على الحال (فَأَهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ) ببناء الفعل للمفعول (وَهُوَ رَاقِدٌ) جملة
حالية، أي والحال أنه نائم (فَأَكَلَ بَعْضُنَا، وَتَوَرَّعَ بَعْضُنَا) أي كفّ بعضهم عن الأكل
(فَاسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ) رضي اللَّه تعالى عنه (فَوَفَّقَ مَنْ أَكَلَّهُ) أي صوّب أكل من أكله، يقال:
وفقه الله توفيقًا: سدّده. قاله الفيّوميّ (وَقَالَ) طلحة رضي اللَّه تعالى عنه، مستدلًا على
تصويبه فعل من أكل (أَكَلْنَاهُ) أي جنس الطير، فليس المراد أنهم أكلوا الذي أهدي له
(مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَليّ) أي فهو حلال لكم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث طلحة بن عبيدالله رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٨١٧/٨٧ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٩٩/٧٧. وأخرجه (م) في ((الحج))
١١٩٧ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٣٨٦ و١٣٩٥ (الدارميّ) في ((المناسك)) ١٨٢٩.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨١٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ -
وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيِى بَنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ
بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عُنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنِ
الْبَهْزِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ خَرَجَ يُرِيدُ مََّةَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّوْحَاءِ، إِذَا
حِمَارُ وَخْشِ عَقِيرٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ: ((دَعُوهُ، فَإِنَّةُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ
صَاحِبُهُ))، فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُهُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، شَأْتَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرُفَاقِ، ثُمَّ
مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأَثَايَةِ، بَيْنَ الرُّوَيِثَةِ وَالْعَرْجِ، إِذَا ظَبْيٌّ حَاقِفٌ فِي ظِلٌّ، وَفِيهِ سَهْمٌ، فَزَعَمَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ أَمَرَ رَجُلاً، يَقِفُ عِنْدَهُ، لَاَ يُرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى يُجَاوِزَهُ) .
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة

٣٦٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ثبت [١١]٢٠/١٩.
٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي،
ثقة فقيه [١٠]٩/ ٩.
٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللّه المصريّ الفقيه، صاحب
مالك، ثقة، من كبار[١٠]٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس المذکور قبل حديث.
٥- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة
ثبت [٥]٢٣/٢٢ .
٦- (محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة، له
أفراد [٤]٦٠/ ٧٥.
٧- (عيسى بن طلحة) بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، من
كبار [٣]٧٣ / ٩٠ .
٨- (عمير بن سلمة) الضَّمْريّ -بفتح المعجمة، وسكون الميم- صحابيّ يُعدّ في
أهل المدينة. روى عن النبيّ وَّه. وقيل: عن البهزيّ، عنه قصّة الظبي الحاقف. روى
عنه عيسى بن طلحة بن عبيدالله. وقال ابن إسحاق: هو عمير بن سلمة بن منتاب بن
طلحة بن جُديّ بن ضمرة. قال ابن عبد البرّ: لم يختلفوا في صحبته. وجعل مالك في
حديثه: عن عمير بن سليم، عن البهزيّ. والصحيح أنه لعمير بن سلمة، عن النبيّ وَلقتله
والبهزيّ كان صائدًا. ويحتمل أن يكون بين الروايتين اختلاف عن البهزيّ، وإنما أخبر
عن قصّة البهزيّ، فحذف المضاف، وبقي المضاف إليه، ولذلك نظائر. وقد جزم
بذلك موسى بن هارون فيما نقله عنه الدار قطنيّ في ((العلل))، ونبّه ابن عبد البرّ على نظير
لذلك في ((التمهيد)) .
قال الحافظ: وفي هذا الاعتذار نظر، فقد رواه الداقطنيّ في ((العلل)) من طريق عبّاد
ابن العوّام، ويونس بن راشد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، فقال في روايته: إن البهزيّ
حدّثه. ويحتمل أن يكون ذلك وهمّا منهما ظنًّا أن قوله: ((عن البهزيّ)) على سبيل
الرواية، فروياه بالمعنى، فقالا: حدّثه. والاعتماد في صحة صحبته على رواية ابن
الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى، عن عمير بن سلمة، قال: بينما نحن مع
النبيّ وَله. وفي رواية عبدربّه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم: خرجت مع النبيّ
وَله. وإنما قال فيه: ((عن البهزيّ)) يحيى بن سعيد، عن محمد. والله أعلم. وإنما
اختلف فیه علی یحیی.

٧٨- (مَا يَجُوزُ لِلمُخرم أكلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨١٨
٣٦٣ ===
وفي قوله: لم يختلفوا في صحبته نظر، فقد قال ابن منده: مختلف في صحبته.
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، بعد أن ذكره في الصحابة. تفرّد به المصنّف برواية
حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير الصحابيّ، فإنه من أفراده كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين،
غير شيخيه، وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ،
إن قلنا: إنه من مسند البهزيّ، والصحيح أنه من مسند عُمير بن سلمة، وأن قوله: ((عن .-
الهزيّ)) على حذف مضاف: عن قصّة البهزيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي
بعضهم، عن بعض: يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة. (ومنها): أن
صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف فقط. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنِ الْبَهْزِيِّ) أي عن
قصته، كما أسلفته آنفًا. وهو بفتح الموحدة، وسكون الهاء، بعدها زايٌ: نسبة إلى
بهز، وهو اسم حيّ، كما في ((القاموس)). واسم البهزيّ زيد بن كعب، صحابيّ له هذا
الحديث رَّه ، على ما قيل، وهو من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى.
[تنبيه]: ظاهر رواية مالك رحمه الله تعالى هذه أنه من مسند البهزيّ، لا من مسند
عمير بن سلمة.
قال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: لم يُختَلف على مالك في إسناد هذا
الحديث، واختَلَف أصحاب يحيى بن سعيد فيه على يحيى، فرواه جماعة كما رواه
مالك. ورواه حماد بن زيد، وهُشيم، ويزيد بن هارون، وعليّ بن مُسهِر، عن يحيى،
عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن النبيّ وَل .
والقول عندي قول من جعل الحديث لعمير بن سلمة، عن النبيّ وَلير كما قال حماد
ابن زيد، ومن تابعه. ومما يدلّ على صحة ذلك أن يزيد بن الهاد، وعبد ربّه بن سعيد
رويا هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة
الضمريّ، قال: ((خرجنا مع رسول اللَّه وَالر ... )). وفي حديث ابن الهاد: ((بينما نحن
مع رسول اللّه وَلّر ... )). رواه الليث بن سعد هكذا، عن يزيد بن الهاد. وقال موسى

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ابن هارون: والصحيح عندنا أن هذا الحديث رواه عمير بن سلمة، عن النبي ◌َّر، ليس
بينه وبين النبيّ وَّر فيه أحدٌ. قال: وذلك بيّنٌ في رواية يزيد بن هارون، وعبد ربه بن
سعید. قال موسی بن هارون: ولم يأت ذلك من مالك؛ لأن جماعة رووه عن یحیی بن
سعيد كما رواه مالك، ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بن سعيد، كان يرويه أحيانًا،
فيقول فيه: عن البهزيّ، وأحيانًا لا يقول فيه: عن البهزيّ، وأظنّ المشيخة الأولى كان
ذلك جائزًا عندهم، وليس هو رواية عن فلان، وإنما هو عن قصّة فلان انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن الصواب رواية من جعله من مسند عمير
ابن سلمة، لا من مسند البهزيّ؛ لاتفاق حماد بن زيد، وهشيم، وعليّ بن مسهر،
ويزيد بن هارون، كلهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن
طلحة، عن عمير بن سلمة الضمريّ: أن رسول اللّه وَل# أقبل، أو خرج ... الحديث.
ودليل ترجيح رواية هؤلاء على رواية مالك، أن يزيد بن الهاد، وعبد ربه بن سعيد
رويا الحديث عن محمد بن إبراهيم، کروايتهم، وفيه تصريح عمير بقوله: ((خرجنا مع
رسول اللَّه وَ﴾، وفي حديث ابن الهاد: ((بينما نحن مع رسول اللّه وَالر ... )) فهذا
تصريح من عمير بن سلمة بحضوره القصة. والله تعالى أعلم.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّوْحَاءِ) بفتح
الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة، بوزن حمراء: موضع بين مكة والمدينة على
ثلاثين، أو أربعين ميلاً من المدينة. قاله في ((القاموس)) (إِذَا حِمَارُ وَخْشٍ) ((إذا)) هنا
فجائية، أي ففاجأنا وجود حمار وحش (عَقِيرٌ) أي معقور، يعني أنه مقتول بالجرح
(فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَمِ) وجود حمار وحش معقور، والظاهر أنهم استأذنوه في أكله
بدليل قوله (فَقَالَ: ((دَعُوهُ) أي اتركوه، ولا تتصرّفوا فيه بأكل، أو غيره (فَإِنّةُ يُوشِكُ) أي
يقرب (أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ) فيتصرّف بالإذن في أكله، أو المنع منه (فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ) أي
الرجل المنسوب إلى بهز، وهو كما في ((القاموس)) اسم حيّ (وَهُوَ صَاحِبُهُ) أي صاحب
ذلك الحمار المعقور (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ،
شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ) أي تصرّفوا فيه كيف شئتم، وانتصاب ((شأنكم)) على مفعول لفعل
محذوف، أي افعلوا شأنكم (فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللَّه تعالى عنه
◌ُ (فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ) بالكسر جمع رُفْقة بضم، فسكون، قال
بقسمته بين الصحابة
الفيّوميّ: الرفقة: الجماعة الذين تُرافقهم في سفرك، فإذا تفرّقتم زال اسم الرفقة، وهي
بضم الراء في لغة بني تميم، والجمع رِفَاق، مثلُ بُرْمَة وبِرَام، وبكسرها في لغة قيس،
(١) - ((التمهيد)) ٣٤١/٢٣ - ٣٤٣.

٧٨- (مَا يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨١٨
٣٦٥ =
والجمع رِفَقٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر. والرفيق: الذي يُرافقك. قال الخليل: ولا يذهب اسم
الرفيق بالتفرق. انتهى.
(ثُمَّ مَضَى) أي ذهب رسول اللَّه وَّرِ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأَثَايَةِ) بضم الهمزة، وحكي
كسرها، ومثلّثةٍ: موضع بطريق الجحفة إلى مكة(١). وفي ((القاموس)): وأُثَايةٌ بالضمّ،
ويُثُلَث: موضع بين الحرمين، فيه مسجد نَبَوِيٍّ، أو بئر، دون الْعَرْج، عليها مسجد
للنبيِّ بَّه انتهى (بَيْنَ الرُّوَيَْةِ) بضم الراء مصغّرًا: موضع بين الحَرمين. قاله في
((القاموس)) (وَالْعَزْج) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها جيم: قرية جامعة من
أعمال الْفُرع، علىَ أيام من المدينة. قاله ابن الأثير (٢) (إِذَا ظَبْيٌّ حَاقِفٌ) - بمهملة، ثم
قاف، ثم فا- قال أبو عمر: الحاقف: الواقف المنثني، والمنحنى، وكلّ منحنٍ، فهو
مُحقوقفٌ. هذا قول الأخفش. وقال غيره من أهل اللغة: الحاقف الذي يلجأ إلى
حِقْف، وهو ما انعطف من الرمل، وقال العجاج [من مشطور الرجز]:
نَاجِ طَوَاهُ الأَيْنُ مِمَّا وَجَفَا طَيِّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَّفاً
سَمَاوَةَ الْهِلَالِ حَتَّى احْقَوْقَفاً(٣)
وقال في ((اللسان)): وَظْبِي حاقف: فيه قولان: أحدهما أن معناه صار في حِقف،
والآخر أنه رَبَض، واحقوقف ظهره. وقال الأزهريّ: الظبي الحاقف يكون رابضًا في
حقف من الرمل، أو منطويًا كالحِقْف. وقال أيضًا: الظبي الحاقف: هو الذي نام،
وانحنى، وتثنّى في نومه، ولهذا قيل للرمل إذا كان منحنيًا: حِقفٌ انتهى (فِي ظِلِّ، وَفِيهِ
سَهْمٌ) يحتمل أن يكون المراد أن في ذلك الظبي سهمًا متعلقًا به، بأن رماه شخصٌ
بسهم، فبقي متعلقًا به، ولم يقتله. ويحتمل أن يكون المراد أن في ذلك الظلّ سهمًا أي
حجرًا مهيئًا للاصطياد، فقد ذكر في ((القاموس))، و((اللسان)) من معاني السهم أنه: حجرٌ
يُجعل على باب البيت الذي يُبنى للأسد ليُصاد فيه، فإذا دخله وقع الحجر على الباب،
فسدّه. والله تعالى أعلم.
(فَزَعَمَ) الظاهرِ أن الزاعم هو عمير بن سلمة الضمريّ، والزعم يُطلق على القول
الحقّ، وهذا منه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَ رَجُلًا، يَقِفُ عِنْدَهُ) أي عند ذلك الظبي (لَا يُرِيبُهُ
أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ) بفتح أوله، وضمه، من رابه يريبه ثلاثيًّا، من باب باع، أو من أرابه
يُريبه، رباعيًّا: أي لا يتعرّض له، ولا يُزعجه.
(١) - ((زهر الربی)) ١٨٣/٥.
(٢) - ((النهاية)) ٢٠٤/٣.
(٣) - ((الاستذكار)) ٢٨٥/١١ بزيادة من ((لسان العرب)). في مادّة حقف.

٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: وفي ذلك دليل على أن المحرم لا يجوز له أن
ينفّر الصيد، ولا يعين عليه، ألا ترى أن رسول اللَّه وَ ليل أمر رجلاً أن يقف عند الظبي
الحاقف حتى يُجاوزه الناس لا يريبه أحدٌ؛ يعني لا يمسّه، ولا يُهيجه انتهى(١) (حَتَّى
يُجَاوِزَهُ) ضمير الفاعل لأحد، والمفعول للظبي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمير بن سلمة الضمريّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٨١٨/٨٧ و٤٣٤٤/٣٢ - وفي «الكبرى» ٣٨٠٠/٧٧ و٤٨٥٦/٣٥.
وأخرجه مالك في (الموطإ) في ((الحج))٧٨٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو جواز أكل المحرم لحم صيد
اصطاده الحلال، لكن بشرط أن لا يعينه، ولا يشير إليه، ولا يدله عليه، كما تقدم
تفصيل الخلاف بين العلماء في ذلك. (ومنها): جواز أكل االصيد إذا غاب عنه صاحبه،
أو مات، إذا عرف أنها رميته.
وقد اختلف الفقهاء في هذا المسألة، فقال مالك: إذا أدركه الصائد من يومه أكله،
في الكلب، والسهم جميعًا، وإن کان ميتًا إذا كان فیه أثر جرحه، وإن كان قد بات عنه لم
يأكله. وقال الثوريّ: إذا غاب عنه يوما وليلةً كرهتُ له أكله. وقال أبو حنيفة،
وأصحابه: إذا توارى عنه الصيد، وهو في طلبه، فوجده، وقد قتله جاز أكله، فإن ترك
الطلب، واشتغل بعمل غيره، ثم ذهب في طلبه، فوجده مقتولاً، والكلب عنده كرهنا
أكله. وقال الأوزاعيّ: إذا وجده من الغد ميتًا، ووجد فيه سهمًا، أو أثرًا، فليأكله.
وقال الشافعيّ: القياس أن لا يأكله إذا غاب عنه؛ لأنه لا يدرى أمات من رميته، أو من
غيرها. وروي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: كل ما أصبت، ودع ما أنميت -
يريد كل ما عاينت صيده، وموته من سلاحك، أو كلبك، ودع ما غاب عنك. وفي
حديث أبي ثعلبة الخشنيّ رَالثّه عن النبيّ ◌َير في الذي يدرك صيده بعد ثلاث: يأكله ما
لم يُنتن. أخرجه مسلم. وفي حديث عديّ بن حاتم رَّه أنه سأل رسول اللَّه وَ ل عن
(١) - ((الاستذكار))٢٨٥/١١.

٧٩- (ما لا یجُوزُ لِلمُخرم اکلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حدیث رقم ٢٨١٩
٣٦٧
الصيد يغيب عن صاحبه الليلة، والليلتين؟، فقال: ((إذا وجدت فيه سهمك، ولم تجد
أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكله)). قال الترمذيّ: حسن صحيح، وسيأتي
للمصنّف ٤٣٠٠/١٩ .
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وفي حديث الباب ردّ لقول أبي حنيفة، وأصحابه في
اشتراطهم التراخي في الطلب؛ لأن رسول اللّه وَ لهولم يقل للبهزيّ: هل تراخيت في
طلبه، وأباح أكله لأصحابه المحرمين، ولم يسأله عن ذلك انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الصحيح قول من أباح أكله، لكن بشرط أن لا يُتن
كما شرطه في حديث أبي ثعلبة تَظمي ، وبشرط أن يترجح أن سهمه هو الذي قتله،
وليس فيه أثر لسبع، كما بينه حديث عدي تطوي واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه يدلّ على تحريم تنفير الصيد على المحرم، ولا يعين عليه، ألا ترى أنه
وَالله أمر رجلاً أن يقف عند الظبي الحاقف، ولا يُهُيجه أحد.
(ومنها): أن الصائد إذا أثبت الصيد برمحه، أو سهمه، وأصاب مقاتله، فقد ملكه
بذلك، إذا كان الصيد لا يمتنع من أجل فعله به عن أحد، ألا ترى قوله اليه: ((يوشك
صاحبه أن يأتي))، فجعله گآژ صاحبه يصحب ملکه له.
(ومنها): أن فيه دلالة على جواز هبة المشاع؛ لقوله البهزيّ للجماعة: ((شأنكم بهذا
الحمار))، ثم قسمه أبو بكر تَّه بينهم بأمر رسول اللّه وَ لهر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٧٩- (مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ
الصَّيْدِ)
٢٨١٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بَنِ جَثَّامَةَ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ وَه
حِمَارَ وَخْشٍ، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ
(١) - راجع ((التمهيد))٣٤١/٢٣ - ٣٤٦. و(الاستذكار)) ٢٨٢/١١ - ٢٨٧.

٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وَِّ مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: ((أَمَا، إِنْهُ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدنيّ [٧]٧/ ٧.
٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤]١/١.
٤- (عبيد الله بن عبدالله بن عُتبة) بن مسعود الْهُذَليّ المدنيّ الفقيه، ثقة
ثبت [٣]٤٥ /٥٦ .
٥- (عبد الله بن عباس) بن عبد المطّلب البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧.
٦- (الصغب بن جَثّامة) -بفتح الصاد، وسكون العين المهملتين، بعدها باء
موحّدة -، وأبوه جثّامة -بفتح الجيم، وتشديد المثلّثة- ابن قيس بن عبد الله بن يعمر
ابن الليثيّ الحجازيّ، أخو مُحَلّم. روى عن النبيّ وَلَ. وعنه عبد الله بن عباس. قال
أبو حاتم: هاجر إلى النبيّ وَّر، وكان ينزل بوَدّان، ومات في خلافة أبي بكر الصّدّيق.
قال خليفة: اسم جثّامة وهب، وأمه فاختة بنت حرب بن أميّة. وقال ابن حبان: مات
في آخر ولاية عمر بن الخطاب. وقال ابن منده: كان فيمن شهد فتح فارس انتهى.
وفارس كان فتحها زمن عثمان. ويدلّ على ذلك ما رواه ابن السكن من طريق بقية بن
الوليد، عن صفوان بن عمرو، حدثني راشد بن سعد، قال: لما فُتحت إصطخر نادى
منادٍ ألا إن الدجال قد خرج، فرجع الناس، فلقيهم الصعب بن جثّامة، فقال: لقد
سمعت رسول اللّه وَ ل يقول: ((لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى
يترك الأئمة ذكره على المنابر)). قال ابن السكن: هذا حديث صالح الإسناد.
قال الحافظ: إنما أشار بقوله: صالح الإسناد إلى ثقة رجاله، لكن راشدًا لم يُدرك
زمن الصعب، والغرض أنه عاش بعد أبي بكر. ومما يؤيّد ذلك أن يعقوب بن سفيان
قال في ((تاريخه)): حدثنا عمار، عن سلمة، عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد الله،
عن عروة، قال: لما ركب أهل العراق في الوليد -يعني ابن عقبة- كانوا خمسة منهم
الصعب بن جثامة. قال: وقد أخطأ من قال: مات الصعب في خلافة أبي بكر خطأً بينًا.
انتھی .
وقال في ((الفتح)): وهو من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان ابن أخت
أبي سفيان بن حرب، أمه زينب بنت حرب بن أمية، وكان النبيّ وَّ آخى بينه وبين
عوف بن مالك انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث ٢٨١٩
فقط، وأعاده بعده برقم ٢٨٢٠ . والله تعالى أعلم.

٧٩- (ماَ لَ يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨١٩
٣٦٩ =
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن
فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عبيدالله بن عبد الله أحد
الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) قال في ((الفتح)): لم يُختلف على مالك في سياقه معنعنّا، وأنه من
مسند الصعب رَّه، إلا ما وقع في ((موطإ ابن وهب))، فإنه قال في روايته: ((عن ابن
عباس، أن الصعب بن جثّامة أهدى))، فجعله من مسند ابن عبّاس. نبّه على ذلك
الدار قطنيّ في ((الموطّآت)). وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: ((أهدى الصعب))، والمحفوظ في حديث مالك الأول. وللبخاريّ في
((كتاب الهبة)) من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: ((أخبرني عبيدالله بن عبد الله، أن
ابن عباس أخبره، أنه سمع الصعب -وكان من أصحاب النبيّ وَلّ- يخبر أنه
أهدى ... )) (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ)
رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ الصَّغْبِ بْنِ جَثَّامَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ
اللَّهِ وَلِ حِمَارَ وَخْشٍ) قال في الفتح)): لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك، وتابعه عامّة
الرواة عن الزهريّ، وخالفهم ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال: ((لحم حمار وحش)).
أخرجه مسلم، لكن بيّن الحميديّ، صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث:
((حمار وحش))، ثم صار يقول: ((لحم حمار وحش)). فدلّ على اضطرابه فيه. وقد توبع
على قوله: ((لحم حمار وحش)) من أوجه فيها مقال، منها: ما أخرجه الطبرانيّ من
طريق عمرو بن دينار، عن الزهريّ، لكن إسناده ضعيف. وقال إسحاق في ((مسنده)) :
أخبرنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن الزهريّ، فقال: ((لحم
حمار)). وقد خالفه الواسطيّ، عن محمد بن عمرو، فقال: ((حمار وحش))، كالأكثر.
وأخرجه الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ، فقال: (رجل حمار وحش)).
وابن إسحاق حسن الحديث، إلا أنه لا يُحتجّ به إذا خولف. ويدلّ على وهم من قال فيه
عن الزهريّ ذلك أن ابن جريج قال: قلت للزهريّ: الحمار عقير؟، قال: لا أدري.
أخرجه ابن خزيمة، وأبواعنة في ((صحیحیهما)).
وقد جاء عن ابن عباس من وجه آخر أن الذي أهداه الصعب لحم حمار، فأخرجه
مسلم من طريق الحَكَم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((أهدى الصعب إلى

٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
النبيّ وَطير رجل حمار)). وفي رواية عنده: عجز حمار وحش، يقطر دمًا)). وأخرجه
أيضًا من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، قال تارة: ((حمار وحش))، وتارةً ((شقّ
حمار)). ويقوّي ذلك ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق طاوس، عن ابن عباس، قال:
قدم زيد بن أرقم، فقال له عبد الله بن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد
أُهدي لرسول اللَّه وَلَّ، وهو حرام؟، قال: أهدي له عضو من لحم صيد، فردّه، وقال:
((إنا لا نأكله، إنا حُرُم)) .
وأخرجه أبو داود، وابن حبان من طريق عطاء، عن ابن عباس، أنه قال: ((يا زيد بن
أرقم، هل علمت أن رسول اللّه وَلَ))، فذكره.
واتفقت الروايات كلها على أنه ردّه عليه، إلا ما رواه ابن وهب، والبيهقيّ من طريقه
بإسناد حسن، من طريق عمرو بن أُميّة: ((أن الصعب أهدى للنبيّ وَلّر عجز حمار
وحش، وهو بالجحفة، فأكل منه، وأكل القوم)). قال البيهقيّ: إن كان هذا محفوظًا،
فلعله رَدَّ الحيّ، وقبل اللحم.
قال الحافظ: وفي هذا الجمع نظر؛ لما بينته، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله
رذه حيًّا؛ لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة؛ لذلك، وقبله تارة أخرى، حيث علم أنه
لم يصده لأجله. وقد قال الشافعيّ في ((الأمّ)): إن كان الصعب أهدى له حمارًا حيًّا،
فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيّ، وإن كان أهدى له لحمًا، فقد يحتمل أن
یکون علم أنه صید له.
ونقل الترمذيّ عن الشافعيّ أنه رده لظنه أنه صيد من أجله، فتركه على وجه التنزه.
ويحتمل أن يُحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال
رجوعه وي طهر من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة، وفي غيرها من
الروايات بالأبواء، أو بودان.
وقال القرطبيّ: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثم قطع منه عُضوًا
بحضرة النبيّ وَّ، فقدّمه له، فمن قال: أهدى حمارًا، أراد بتمامه مذبوحًا، لا حيًّا،
ومن قال: لحم حمار، أراد ما قدّمه للنبيّ وَلّر. قال: ويحتمل من قال: حمارًا أطلق،
وأراد بعضه مجازًا. قال: ويحتمل أنه أهداه له حيًّا، فلما رّه عليه ذكّاه، وأتاه بعضو
منه، ظانًا أنه إنما ردّه عليه لمعنى يختصّ بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من
الصيد حكم الكلّ. قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات.
وقال النوويّ: ترجم البخاريّ بكون الحمار حيًّا، وليس في سياق الحديث تصريح
بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك، وهو باطلٌ؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم
1

٧٩- (مَا لاَ يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨١٩
٣٧١ =
صريحة في أنه مذبوح انتهى.
قال الحافظ: وإذا تأملت ما تقدّم لم يحسن إطلاق بطلان التأويل المذكور، ولا
سيما في رواية الزهريّ التي هي عمدة هذا الباب. وقد قال الشافعيّ في ((الأم)): حديث
مالك أن الصعب أهدى حمارًا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار. وقال
الترمذيّ: روى بعض أصحاب الزهريّ في حديث الصعب ((لحم حمار وحش))، وهو
غير محفوظ. انتهى (١).
(وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ) جملة في محل نصب على الحال، من الفاعل، أو المفعول.
و((الأبواء)) -بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، وبالمدّ -: جبل من عمل الْفُرُع - بضم
الفاء، وسكون الراء، بعدها مهملة (٢) -. قيل: سمي الأبواء لوبائه على القلب. وقيل:
لأن السيول تتبوّؤه: أي تحمله. وقال الفيّوميّ: و((الأبواء)) على أفعال -بفتح الهمزة -:
منزل بين مكة والمدينة، قريب من الجحفة، من جهة الشمال، دون مرحلة. انتهى.
(أَوْ بِوَدَّانَ) شكّ من الراوي، وهو بفتح الواو، وتشديد الدال، آخره نون: موضع
بقرب الجحفة. وقد سبق في حديث عمرو بن أميّة أنه كان بالجحفة، وودان أقرب إلى
الجحفة من الأبواء، فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلاً،
ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال. وبالشك جزم أكثر الرواة. وجزم ابن إسحاق،
وصالح بن كيسان، عن الزهريّ بودان. وجزم معمر، وعبد الرحمن بن إسحاق،
ومحمد بن عمرو بالأبواء.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الشكّ فيه من ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما؛
لأن الطبرانيّ أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشكّ أيضًا انتهى.
(فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بَ لْهَ) أي ردّ ذلك الحمار على الصعب بن جثّامة رَّهِ (فَلَمَّا
رَأَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ مَا فِي وَجْهِي) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: ((ما في وجهه)). كما
هو في رواية البخاريّ عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، ولفظه: ((فلما رأى ما في
وجهه)). وفي رواية الليث، عن الزهريّ، عند الترمذيّ: ((فلما رأى ما في وجهه من
الكراهية»، وكذا لابن خزيمة من طريق ابن جريج المذكورة.
(قَالَ) ◌َِّ (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، بمنزلة ((ألا)) (إِنّةً) الضمير للشأن، وفي نسخة:
((إنا)) وعلى النسختين، فهمزة ((إنّ)) مكسورة للابتداء (لَمْ نَرُدُهُ عَلَيْكَ) قال عياض:
(١) - ((فتح)) ٤/ ٥٠٣ - ٥٠٤
(٢) - في ((المصباح المنير)): و((الفُرْعُ)) وزان قُفْل عمل من أعمال المدينة، والصفراءُ، وأعمالها من
الفرع، وكانت من ديار عاد انتهى.

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ضبطناه في الروايات ((لم نردّه)) بفتح الدال، وردّه محقّقو مشايخنا من أهل العربيّة،
وقالوا: «لم نردُّهُ)) بضم الدال، وهكذا وجدته بخطّ بعض الأشياخ أيضًا، وهو الصواب
عندهم، على مذهب سيبويه في مثل هذا في المضاعف، إذا دخله الهاء أن يُضمّ ما قبلها
في الأمر، ونحوه من المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها، لخفاء
الهاء، فكأن ما قبلها ولي الواو ، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا. قال: وليس
الفتح بغلط، بل ذكره ثعلب في ((الفصيح)). نعم تعقّبوه عليه بأنه ضعيف، وأوهم صنيعه
أنه فصيح. وأجازوا أيضًا الكسر، وهو أضعف الأوجه.
هذا في المذكر، وأما في المؤنث، مثل ((لم تردها)) مفتوح الدال، مراعاة للألف.
وقال العينيّ: في مثل هذه الصيغة قبل دخول الهاء عليها أربعة أوجه: الفتح؛ لأنه
أخف الحركات. والضمّ؛ إتباعًا لضمة عين الفعل. والكسر؛ لأنه الأصل في تحريك
الساكن. والفكّ. وأما بعد دخول الهاء فيجوز فيه غير الكسر انتهى(١).
قال الحافظ: ووقع في رواية الكشميهنيّ بفك الإدغام: ((لم نردُدْهُ)) بضمّ الأولى،
وسكون الثانية، ولا إشكال فيه. انتهى (٢).
(إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) همزة ((أنا)) مفتوحة، على تقدير لام التعليل، أي لأنا. و((حُرُم))
بضمتین: جمع حرام، أي محرمون.
وفي رواية صالح بن كيسان الآتي بعد هذا: ((إنا حرم، لا نأكل الصيد)). وفي رواية
شعيب، وابن جريج عند البخاريّ: ((ليس بنا ردّ عليك)). وفي رواية عبد الرحمن بن
إسحاق، عن الزهريّ، عند الطبرانيّ: ((إنا لم نردّه عليك كراهية له، ولكنا حُرُم)). وفي
رواية سعيد، عن ابن عباس: ((لولا أنا محرمون لقبلناه منك)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الصعب بن جَثّامة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٨١٩/٧٩ و٢٨٢٠ و٢٨٢١ و٢٨٢٢ و٢٨٢٣ - وفي ((الكبرى)) ٧٨/
٣٨٠١ و٣٨٠٢ و٣٨٠٣ و٣٨٠٤ و٣٨٠٥ و٣٨٠٦. وأخرجه (خ) في ((الحج)) ١٨٢٥
-
(١) - ((عمدة القاري)) ٣٥٨/٨. و((الفتح)) ٥٠٤/٤ .
(٢) - ((فتح)) ٤ / ٥٠٤ .

٣٧٣ =
٧٩- (مَا لَ يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨٢٠
و((الهبة)) ٢٥٧٣ و٢٥٩٦ (م) في ((الحج))١١٩٣ و١١٩٤ (ت) في ((الحج))٨٤٩ (ق) في
((المناسك)) ٣٠٩ (أحمد) في ((مسند المدنيين)»١٥٩٨٧ و١٥٩٨٨ و١٦٢٢١ و١٦٢٣٥
و٢٧٨١٢ (الموطأ) في ((الحج))٧٩٣ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٨٢٨. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما لا يجوز للمحرم أكله
من الصيد، وهو الذي صاده الحلال لأجل المحرم. وبهذا تجمع الأحاديث في هذا
الباب، فيحمل حديث أبي قتادة الماضي الدالّ على الإباحة على ما إذا لم يصده الحلال
للمحرم، وحديث الصعب هذا على أنه قصد المحرم بصيده، وتحمل الآية الكريمة:
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] على الاصطياد، وعلى لحم ما
صيد للمحرم، للأحاديث المذكورة المبيّنة للمراد من الآية. وهذا مذهب الشافعي،
وجماعة، كما تقدّم، وهو الراجح، وقد تقدم تفاصيل المذاهب في مسائل حديث أبي
قتادة رضي اللَّه تعالى عنه الماضي.
وحمل البخاريّ حديث الصعب على أنه كان حيًّا، حيث ترجم في ((الصحيح))
بقوله: ((باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيا لم يقبل)). لكن روايات حديث
الصعب لا تؤيّد هذا التأويل.
قال النوويّ: وحكي هذا التأويل أيضًا عن مالك، وغيره، وهو تأويل باطل، وهذه
الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وإنما أهدى بعض لحم صيد، لا كله
انتهى (١) .
(ومنها): أن النبيّ وَ لَ كان يقبل الهدية، وإنما الممنوع عليه قبول الصدقة. (ومنها):
استحباب قبول الهديّة، إذا لم يكن هناك مانع من قبولها. (ومنها): جواز ردّها بعد
القبول لسبب اقتضى ذلك. (ومنها): جواز الحكم بعلامة، لقوله: «فلما رأى ما في
وجهي الخ)). (ومنها): الاعتذار عن ردّ الهدية؛ تطييبًا لقلب المهدي. (ومنها): أن
الهدية لا تدخل في الملك إلا بالقبول. (ومنها): تحريم الاصطياد على المحرم.
(ومنها): تحريم تملكه، بشراء، أو هدية، أو نحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف.
(ومنها): أن المحرم إذا ملك صيدًا وجب عليه إرساله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٢٠ - أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ
(١) - ((شرح مسلم)) ٣٤٤/٨.

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا
كَانَ بِوَدَّنَ، رَأَى حِمَّارَ وَحْشٍ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: ((إِنَّا حُرُمٌ، لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح.
وقوله: ((عن صالح، عن عبيدالله الخ)) هكذا في رواية المصنّف من طريق حماد بن
زيد، عن صالح. وفي رواية مسلم من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن صالح، قال: عن
الزهريّ، عن عبيدالله الخ، والظاهر أن صالح بن كيسان يرويه بالطريقين، فلا اختلاف
بين الروايتين. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((أقبل)) أي من المدينة متوجها إلى مكة. وقوله: ((لا نأكل الصيد)) أي الصيد
الذي صاده محرم، أو حلال لأجله، وبهذا أول المحققون جمعًا بين الأحاديث، كما
سبق قريبًا. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٢١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
قَالَ: أَنْبَأَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ أَهْدِيَ لَهُ عُضْوُ صَيْدٍ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ؟، قَالَ: نَعَمْ) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١]٣٨/
٤٢ .
٢- (عفّان) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقة ثبت،
ربما وهِم، من كبار [١٠]٤٢٧/٢١.
٣- (حمّاد بن سلمة) بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت،
وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨]٢٨٨/١٨١.
٤- (قيس بن سعد) أبو عبد الملك، أو أبو عبد الله المكيّ، ثقة [٦]١١٥/ ١٠٦٦.
٥- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فيقه فاضل،
كثير الإرسال [٣]١٥٤/١١٢.
٦- (زيد بن أقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، نزل
الكوفة رضي اللَّه تعالى عنه، تقدّم في -١٣/١٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. والله تعالى أعلم.

٧٩- (مَا لَ يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨٢٢
٣٧٥
شرح الحديث
عن عطاء رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ)
رضي الله تعالى عنه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر هذا السياق أن عطاء كان حاضرًا حين سأل ابن
عباس زيد بن أرقم رضي اللّه تعالى عنهم، وكذا سياق الرواية التالية، لكن قال الحافظ
في ((النكت الظراف)) ١٩٧/٣ -: سياق النسائيّ يقتضي أن يكون من رواية عطاء عن ابن
عباس، عن زید. انتھی.
ولم يظهر لي وجه استدلاله بسياق المصنّف، فإن ظاهره على العكس، حيث يدل
على أنه عن عطاء، عن زيد. والله تعالى أعلم.
(مَا عَلَمْتَ) بتقدير همزة الاستفهام، أي أما علمت؟ ويدلّ له رواية أبي داود بلفظ:
((هل علمت؟ الخ)).
وفي رواية طاوس الآتيه بعد هذا: ((قال: قدم زيد بن أرقم، فقال له ابن عباس،
يستذكره، كيف أخبرتني عن لحم صيد، أُهدي لرسول اللَّه ◌ِّله، وهو حرام؟، قال:
نعم أهدى له رجل عضوًا من لحم صيد، فردّه)) (أَنَّ النَّبيَّ نَّهِ أَهْدِيَ لَهُ) بالبناء للمفعول،
ونائب فاعله قوله (عُضْوُ صَيْدٍ، وَهُوَ مُخْرِمٌ) جملة حالية، أي والحال أنه وَ﴿ محرم (فَلَمْ
يَقْبَلْهُ؟) زاد في رواية أبي داود من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد: ((وقال: إنا
حرم)). يعني إنما ردّه لكونه محرما، لا يحلّ له أكل لحم الصيد، لكن تقدّم أن الراجح
أنه ذلك الرجل الذي أهداه إنما صاده لأجله وَلهر، ولأصحابه، وهم محرمون، جمعًا بين
الأحاديث، فتنبه. (قَالَ) زيد رضي اللَّه تعالى عنه (نَعَمْ) أي علمتُ ذلك. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٢١/٧٩ و٢٨٢٢ - وفي ((الكبرى)) ٣٨٠٣/٧٨ و٣٨٠٤ . وأخرجه
(م) في ((الحج)) ١١٩٥ (د) في ((المناسك))١٨٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٢٢- (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتِى، وَسَمِعْتُ أَبَاعَاصِم، قَالَا:
حَدِّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَسْتَذْكِرُهُ، كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ، أُهْدِيَ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ، وَهُوَ حَرَامٌ؟، قَالَ: نَعَمْ، أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ، عُضْوًا مِنْ لَخَ صَيْدٍ، فَرَدَّهُ،
وَقَالَ: ((إِنَّا لَا تَأْكُلُ، إِنَّا حُرُمٌ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((عمرو بن
عليّ)): هو أبو حفص الفلاس البصريّ. و(يحيى)): هو ابن سعيد القطّان.
وقوله: ((وسمعت أبا عاصم)) معطوف على ((سمعت يحيى))، فعمرو بن علي سمع
من كليهما، وكان الأولى أن يعطفه بدون إعادة الفعل؛ لأنه لا حاجة إلى إعادة العامل
في مثل هذا. والله تعالى أعلم.
و((أبو عاصم)): هو الضحاك بن مخلد النبيل. و((الحسن بن مسلم)): هو ابن يَنّاق
المكيّ الثقة .
وقوله: ((قدم زيد بن أرقم)) بفتح القاف، وكسر الدال المهملة، ولم يظهر لي من
أين، وإلى أين قدومه رضي اللّه تعالى عنه، فالله تعالى أعلم.
وقوله: ((وهو حرام)) بالفتح، أي محرم، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول.
وقوله: ((حُرُم)) بضمتين: جمع حرام. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث
فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٨٢٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ رِجْلَ
حِمَارِ وَحْشٍ، تَقْطُرُ دَمَا، وَهُوَ مُخْرِمٌ، وَهُوَ بِقُدَيْدٍ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد
ابن قدامة الهاشميّ المصّيصيّ، فإنه انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. و((جرير)): هو
ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((الحكم)): هو ابن عتيبة.
[تنبيه]: كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى تقديم هذا الحديث، والذي بعده
على حديثي زيد بن أرقم رضي اللّه تعالى عنه الماضيين، لتكون أحاديث الصعب في
موضع واحد. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((رِجْل حمار وحش)) ولفظ مسلم: ((عجز حمار وحش)). وقوله: ((تقطر دما))
بالتاء، وإنما أنثها؛ لأن الرُّجْل مؤنثة، قال الفيّوميّ: رِجْل الإنسان التي يمشي بها من
أصل الفخذ إلى القدم، وهي أنثى، وجمعها أرجل، ولا جمع لها غير ذلك انتهى. ووقع
في النسخة ((الهندية)) ((يقطر)) بالياء التحتانية، ويُوَجَّهُ بأنه إنما ذكرَّه لإضافته إلى مذکر،
وهو ((حمار))، فاكتسب التذكير منه، كما أشار إليه ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال:

٧٩- (مَا لاَ يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٢٨٢٤
٣٧٧ ==
وَرُبَّمَا أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا تَأْنِيثًا آَنْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوهَلَا
أي وتذکیرًا. والله تعالى أعلم.
ولا تخالف بين رواية المصنف بلفظ ((رجل)) وبين رواية مسلم بلفظ ((عجز))؛ لأن
العجز هو المؤخّر فمعناهما متقارب.
ويحتمل أن يكون معنى الرِّجْل هنا بمعنى ((الطائفة))، فإن من معاني ((الرِّجْل)) في
((القاموس)): الطائفة من الشيء، فيكون بمعنى قوله: ((عجز حمار))، وقوله: ((عضو
حمار)). والله تعالى أعلم.
وقوله: ((بقديد)) الروايات السابقة بالأبواء، أو بودّان، بالشك، أو بالجزم بأحدهما،
كما تقدم بيانه، ولعله للتقارب، أو نحو ذلك عبر به. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ظاهر رواية سعيد بن جبير هذه، والتي بعدها أن الحديث من مسند ابن
عباس، وتقدّم أن الصحيح أنه من مسند الصعب، لا من مسند ابن عباس، كما هو
ظاهر رواية عبيدالله بن عبد اللَّه السابقة. فتنبه.
والحديث صحيح، وقد تقدم تخريجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٢٤ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ الْمَعْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنِ الْحَكَمِ، وَحَبِيبٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
الضَّعْبَ بْنَّ جَثَّامَةَ، أَهْدَى لِلنَّبِيِّ وَِّ حِمَارًا، وَهُوَ مُخْرِمٌ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يوسف بن حماد)): هو أبو يعقوب البصريّ،
ثقة [١٠]٢٥ / ١٧٨٣ .
وقوله: (الْمَعنيّ)) - بفتح الميم، وسكون المهملة، بعدها نون -: نسبة إلى مَغْنٍ بطن
من الأزد، ومن قيس عَيْلان، ومن طيّء. قاله في ((لب اللباب))(١).
و ((سفيان بن حبيب)): هو أبو محمد البزاز البصريّ، ثقة [٩]٦٧ /٨٢.
وقوله: ((وحبيب)) بالجرّ عطفًا على الحكم، فشعبة يروي عنهما، وكلاهما يرويان عن
سعيد بن جبير، فما وقع في بعد النسخ من ضبطه بالرفع بالقلم فغلط، فلْيُتَبَّه. والحديث
صحيح تقدم الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - ((لب اللباب)) ٢٦٧/٢.

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٨٠- (إِذَا ضَحِكَ الْمُخْرِمُ، فَفَطِنَ
الْحَلَالُ لِلصَّيْدِ، فَقَتَلَهُ، أَيَأْكُلُهُ، أَمْ
لَا؟)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((أيأكله)) الضمير للمحرم، لا للحلال،
والمعنى أنه إذا رأى المحرم الصيد، فضحك منه، لا ليدل الحلال عليه، بل تعجّبًا منه
حيث ظهر له في وقت لا يستطيع أن يصطاده فيه، فانتبه الحلال، والتفت، فرأى
الصيد، فقتله، فهل يأكل ذلك المحرم من ذلك الصيد، أم يحرم عليه أكله؛ لكون
الحلال تفطّن له بسبب ضحكه؟، والجواب أنه يجوز أن يأكل منه؛ لحديث قصّة أبي
قتادة رَّ المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٢٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْتِی
بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ،
فَأَحْرَمَ أَضْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمُ، فَبَيْتَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِي، ضَحِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَتَظَرْتُ،
فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، فَطَعَنْتُهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ
تُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ، أُرَفْعُ فَرْسِي شَأْوًا، وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ غِفَارٍ، فِي
جَوْفِ اللَّيِلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ إِ؟، قَالَ: تَرَكْتُهُ، وَهُوَ قَائِلٌ بِالسُّقْيَا،
فَلَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ
خَشُوا(١)، أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ، فَانْتَظَرَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ
حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: ((كُلُوا))، وَهُمْ مُخْرِمُونَ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و((خالد)): هو
ابن الحارث الْهُجَيْميّ البصريّ الحافظ الثبت. و((هشام)): هو ابن أبي عبد الله الدستوائيّ
البصريّ الحافظ الحجة. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ،
ورواية الابن، عن أبيه. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((انطلق أبي)) هكذا ساقه مرسلاً هنا، وقد وصله في الرواية التالية، من طريق
معاوية بن سلّام، عن يحيى، فقال: ((أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه أخبره، أنه
(١) - بضم الشين المعجمة، كما سيأتي ضبطه، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبطه بالقلم بفتح
الشين، فغلط، فليُتنبه.

٨٠- (إِذَاَ ضَحِكَ الْمُخْرِمُ، فَقَطِنَ ... - حديث رقم ٢٨٢٥
٣٧٩ ===
غزا غزوة الحديبية ... )) الحديث.
وقوله: ((عام الحديبية)) فيه أن ترك أبي قتادة الإحرام، ومجاوزته الميقات بلا إحرام،
كان قبل أن تقرّر المواقيت، فإن تقريرها كان عام حجة الوداع سنة عشر، كما تقدم، فلا
حاجة إلى الاستشكال بأنه كيف جاز له تأخير الإحرام عن الميقات؟، وقد تقدم غير هذا
من التأويلات، وهذا أحسنها.
وقوله: ((فبينما أنا مع أصحابي الخ)) هذا يدلّ على أن عبد اللَّه رواه عن أبيه، كما
تقدم. ولفظ البخاريّ: ((فبينا أبي مع أصحابه الخ)).
وقوله: ((ضحك بعضهم إلى بعض)) وفي رواية عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي
كثير، عند البخاريّ: ((فبصُر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى
بعض))، زاد في رواية أبي حازم: ((وأحبّوا لو أني أبصرته)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: هكذا في جميع الطرق، والروايات. ووقع في رواية
العذريّ في مسلم: ((فجعل بعضهم يضحك إليّ))، فشدّدت الياء من ((إليّ)). قال
عياض: وهو خطأ، وتصحيف، وإنما سقط عليه لفظة ((بعض))، ثم احتجّ لضعفها بأنهم
لو ضحكوا إليه، لكانت أكبر إشارة، وقد قال لهم النبيّ وَلّ: ((هل منكم أحد أمره، أو
أشار إليه؟))، قالوا: لا. وإذا دلّ المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقًا، وإنما
اختلفوا في وجوب الجزاء انتهى.
وتعقّبه النوويّ بأنه لا يمكن ردّ هذه الرواية لصحّتها، وصحة الرواية الأخرى، وليس
في واحدة منهما دلالة، ولا إشارة، فإن مجرّد الضحك ليس فيه إشارة.
قال بعض العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد لهم، ولا قدرة لهم
عليه؛ لمنعهم منه (١).
قال الحافظ: قوله: فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة صحيح، ولكن لا يكفي في
ردّ دعوى القاضي، فإن قوله: ((يضحك بعضهم إلى بعض)) هو مجرّد الضحك. وقوله:
(يضحك بعضهم إليّ)) فيه مزيد أمر على مجرّد الضحك. والفرق بين الموضعين أنهم
اشتركوا في رؤيته، فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لم يكن رآه،
فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثًا له على التفطّن إلى رؤيته.
ويؤيد ما قال القاضي ما وقع في رواية أبي النضر، عن مولى أبي قتادة، بلفظ: ((إذ
رأيت الناس متشوفين لشيء، فذهبت أنظر، فإذا حمار وحش، فقلت: ما هذا؟،
فقالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالوا: هو ما رأيت)).
(١) - ((شرح مسلم))٣٤٧/٨.

٣٨٠
=
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ووقع حديث أبي سعيد عند البزار، والطحاويّ، وابن حبان في هذه القصّة: ((وجاء
أبو قتادة، وهو حِلٌّ، فنكسوا رؤوسهم، كراهية أن يُحِدُّوا أبصارهم له، فيفطن، فيراه))
انتھی .
فكيف يُظنّ بهم مع ذلك أنهم ضحكوا إليه؟، فتبيّن أن الصواب ما قاله القاضي. وفي
قول الشيخ: قد صحّت الرواية نظر؛ لأن الاختلاف في إثبات هذه اللفظة، وحذفها لم
يقع في طريقين مختلفين، وإنما وقع في سياق إسناد واحد مما عند مسلم، فكان مع من
أثبت لفظ ((بعض)) زيادة علم سالمة من الإشكال، فهي مقدّمة.
وبيّن محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي أوفى، كما عند
البخاريّ في ((الهبة)) أن قصّة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبيّ وَالتّر، وأصحابه،
ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه: ((كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبيّ ◌َّو
في منزل في طريق مكة، ورسول اللّه وَ ليل نازل أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير
محرم)). وبيّن في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم إياه، دون أبي قتادة بقوله:
((فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني
أبصرته، والتفت، فأبصرته)). ووقع في رواية أبي سعيد المذكورة أن ذلك وقع، وهم
بعسفان، وفيه نظر، والصحيح ما في رواية البخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن
أبي محمد، مولى أبي قتادة، عنه، قال: ((كنا مع النبيّ بَّر بالقاحة، ومنا المحرم، وغير
المحرم، فرأيت أصحابي، يتراءون شيئًا، فنظرت، فإذا حمار وحش ... )) الحديث.
و((القاحة)) -بقاف، ومهملة خفيفة، بعد الألف -: موضع قريبٌ من السقيا انتهى(١).
وقوله: ((وخشينا أن نقتطع)) بالبناء للمفعول: أي نصير مقطوعين عن النبيّ وَل
منفصلين عنه؛ لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا: ((وخَشُوا أن يقتطعوا دونك))، وبيّن
ذلك رواية علي بن المبارك، عن يحيى، عند أبي عوانة بلفظ: ((وخشينا أن يقتطعنا
العدو)). وللبخاريّ: ((وأنهم خشوا أن يقتطعهم العدوّ دونك)). وهذا يُشعر بأن سبب
إسراع أبي قتادة لإدراك النبيّ وَلّ خشية على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم. وفي
رواية أبي النضر عند البخاريّ في ((الصيد)): ((فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف
لكم النبيّ ◌َ الهر، فأدركته، فحدثته الحديث)). ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن
قصّة أكل الحمار. ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين. قاله في ((الفتح))(٢).
وقوله: ((أرفع الخ)) بالتخفيف، والتشديد: أي أكلّفه السير السريع. و((شأوا)) بالشين
(١) - ((فتح)) ٤ / ٤٩٢ - ٤٩٣.
(٢) - ((فتح) ٤ / ٤٩٤.