النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
٦٢- (إِشْعَارُ الهدي) - حديث رقم ٢٧٧١
تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها، إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي
وَلّر: ((اكتب باسمك اللَّهم))، ثم قال: ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله))، فقال
سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن
اكتب، محمد بن عبد اللّه، فقال النبي وَله: ((والله إني لرسول اللّه، وإن كذبتموني،
اكتب محمد بن عبد اللَّه))، قال الزهري: وذلك لقوله: ((لا يسألوني خطة، يعظمون فيها
حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها))، فقال له النبي ◌َّر: ((على أن تخلوا بيننا وبين البيت،
فنطوف به))، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب، أنا أخذنا ضَغْطَةً، ولكن ذلك من
العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك،
إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء
مسلما، فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يَرْسُفُ في قيوده،
وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه، بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا
محمد، أول ما أقاضيك عليه، أن ترده إليّ، فقال النبي وَلّ: ((إنا لم نقض الكتاب
بعدُ))، قال: فواللَّه إذًا لم أصالحك على شيء أبدا، قال النبي ◌َّ -: ((فأجزه لي))، قال:
ما أنا بمجيزه لك، قال: ((بلى فافعل))، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه
لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين، وقد جئت مسلما، ألا
ترون ما قد لقيت، وكان قد عُذِّب عذابا شديدا في اللَّه، قال: فقال عمر بن الخطاب:
فأتيت نبي اللَّه وَله، فقلت: ألست نبي الله حقا؟، قال: ((بلى))، قلت: ألسنا على
الحق، وعدونا على الباطل، قال: ((بلى))، قلت: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا، إذًا؟،
قال: ((إني رسول الله، ولست أَعصيه، وهو ناصري))، قلت: أوليس كنت تحدثنا، أنا
سنأتي البيت، فنطوف به؟، قال: ((بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟))، قال: قلت: لا،
قال: ((فإنك آتيه، ومطوف به))، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي
الله حقا؟، قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟، قال: بلى،
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟، قال: أيها الرجل، إنه لرسول اللّه وَّته، وليس
يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان
يحدثنا، أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟، قال: بلى، أفأخبرك، أنك تأتيه العام؟، قلت:
لا ، قال: فإنك آتيه، ومطوف به، قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال:
فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول اللّه وَالتّر لأصحابه: ((قوموا، فانحروا، ثم
احلقوا))، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم
أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله،

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أتحب ذلك، اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك،
فيحلقك، فخرج، فلم يكلم أحدا منهم، حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه
فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم
يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَ كُمُ
الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]فطلق عمر يومئذ
امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان
ابن أمية، ثم رجع النبي ◌َّل إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو
مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين،
فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد
الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا، يا فلان جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل واللّه،
إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه،
فضربه، حتى برد، وفَرّ الآخر، حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول
اللّهِ وَ لّ حين رآه: (لقد رأى هذا ذُعْرًا))، فلما انتهى إلى النبي وَلّ قال: قُتل والله
صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى اللَّه ذمتك،
قد رددتني إليهم، ثم أنجاني اللَّه منهم، قال النبي وَله: ((ويلُ أمه مِسْعَر حرب، لو كان
له أحد))، فلما سمع ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال:
وینفلت منهم أبو جندل بن سهیل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قریش رجل،
قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير،
خرجت لقريش إلى الشأم، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت
قريش إلى النبي ◌َّل، تناشده بالله والرحم، لَمّا أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي
وَلَه إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةً مِنْ بَعْدِ
أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمّ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَميَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] وكانت حميتهم أنهم
لم يُقِرّوا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت،
قال أبو عبد الله: ﴿مَّعَرَّةٌ﴾ العر الجرب ﴿تَزَيَّلُواْ﴾ تميزوا، وحميت القوم: منعتهم
حماية، وأحميت الحمى: جعلته حمى، لا يُدخل، وأحميت الحديد، وأحميت
الرجل: إذا أغضبته إحماء، وقال عقيل، عن الزهري: قال عروة: فأخبرتني عائشة، أن
رسول اللَّه وَ لَّه كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل اللَّه تعالى أن يَرُدُّوا إلى المشركين ما
أنفقوا، على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين، أن لا يمسكوا بعصم
الكوافر، أن عمر طلق امرأتين: قُرَيبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة

٢٨٣
٦٢- (إِشْعَارُ الهدي) - حديث رقم ٢٧٧١
معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار، أن يُقرّوا بأداء ما أنفق المسلمون
على أزواجهم، أنزل اللَّه تعالى ﴿وَإِن فَتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقُّ﴾
[الممتحنة: ١١] والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن
يعطى من ذهب له زوج، من المسلمين، ما أنفق من صداق نساء الكفار، اللائي
هاجرن، وما نعلم أن أحدا من المهاجرات، ارتدت بعد إيمانها، وبلغنا أن أبا بصير بن
أسيد الثقفي، قدم على النبي ◌َّر مؤمنا، مهاجرا في المدة، فكتب الأخنس بن شَرِيق
إلى النبي ◌َّير، يسأله أبا بصير، فذكر الحديث. انتهى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه
البخاريّ .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٧٧١/٦٢ - وفي ((الكبرى))٣٧٥٢/٦١. وأخرجه (خ) في ((الحجّ))
١٦٩٥ و١٨١١ و((الشروط))٢٧١٣ و٣٧١٤ و((المغازي)) ٤١ ٥٨ و٤١٨١ و٤١٨٢ (د)
في ((الجهاد)) ٢٧٦٥ و٢٧٦٦ و((السنة)) ٤٦٥٥ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٤٣٠
و١٨٤٤١ و٨٤٤٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية استحباب إشعار
الهدي .
(ومنها): أن فائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هدیًا؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك،
وحتى لو اختلطت بغيرها تميّزت، أو ضلّت عرفت، أو عطبت عرفها المساكين
بالعلامة، فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحثّ الغير عليه. قاله
الحافظ. وقال الشاه وليّ اللَّه الدهلوي: السرّ في الإشعار التنويه بشعائر الله، وأحكام
الملة الحنيفية، يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا بفعل
ظاهر انتھی.
(ومنها): استحباب تقليد الهدي. (ومنها): مشروعية الإحرام بالعمرة المفردة. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): دل حديث الباب على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الأئمة الثلاثة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإشعار بدعة مكروه؛ لأنه مثلة، وتعذيب
للحيوان، وهو حرام، وإنما فعله النبيّ ◌َل ير لأن المشركين لا يمتنعون عن التعرّض
للهدي إلا بالإشعار.
وردّ عليه بأن قوله هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار، وليس هو
مثلة، بل هو كالفصد، والحجامة، والختان، والكيّ؛ للمصلحة، وأيضًا إن تعرض
المشركين في ذلك الوقت بعيد لقوة الإسلام. وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة له إنما كان
من أهل زمانه، فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة، وفساد العضو.
كذا في ((اللمعات))(١) .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وبمشروعية الإشعار قال الجمهور، من السلف
والخلف. وذكر الطحاويّ في ((اختلاف العلماء)) كراهته عن أبي حنيفة. وذهب غيره
إلى استحبابه للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف، ومحمد، فقالا: هو حسن. قال: وقال
مالك: يختصّ الإشعار بما لها سنام. قال الطحاويّ: ثبت عن عائشة، وابن عباس
التخيير في الإشعار وتركه، فدلّ على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن
النبيّ وَّ، قال الحافظ: وأبعد من منع الإشعار، واعتلّ باحتمال أنه كان مشروعًا قبل
النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع،
وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان.
وقال الخطابيّ وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو باب
آخر كالكيّ، وشقّ أذن الحيوان؛ ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم، وكالختان،
والحجامة، وشفقةُ الإنسان على المال عادةً، فلا يخشى ما توهّموه من سريان الجرح
حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده الذي كرهه به، كأن يقول:
الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه، فكان قريبًا.
وقد كثر تشنيع المتقدّمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار، وانتصر له
الطحاويّ في ((المعاني))، فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يُفعل
على وجه يخاف منه هلاك البُذن، كسراية الجرح، ولا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد
سدّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يُراعون الحدّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في
ذلك فلا .
وفي هذا تعقّب على الخطابيّ حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإشعار إلا أبا حنيفة،
(١) - راجع ((المرعاة)) ٩/ ١٩٢.

٦٢- (إِشْعَارُ الھَدي) - حديث رقم ٢٧٧١
٢٨٥
وخالفاه صاحباه، فقالا بقول الجماعة انتهى.
وروي عن إبراهيم النخعيّ أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذيّ، قال: سمعت
أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعيّ أنه قال:
الإشعار مثلة، فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول اللّه وَله، وتقول قال إبراهيم؟ ما
أحقّك بأن تحبس انتهى.
وفيه تعقّب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف. وقد بالغ ابن
حزم في هذا الموضع، ويتعيّن الرجوع إلى ما قال الطحاويّ، فإنه أعلم من غيره بأقوال
أصحابه انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن مشروعية الإشعار هو
الحقّ، ومن قال بأنه بدعة، فيعتذر عنه بأنه لم تبلغه السنة، أو بلغته عن طريق غير
مرضيّ عنده، أو تأوله بتأويل أخطأ فيه.
والحاصل أن الإشعار سنة ثابتة عن رسول اللّه بَّ لته، وعن أصحابه الكرام رضي الله
تعالى عنهم، وعمن تبعهم بإحسان. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك
بالإبل، إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر؛ لضعفها، ولكون صوفها،
أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نقل عن مالك، فلكونها ليست من ذات
أسنمة. والله أعلم انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في ذکر باب جامع لمسائل الهدي:
(اعلم): أنه قد عقد العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى في كتابه («بداية المجتهد،
ونهاية المقتصد)) بابًا جامعًا لأقوال العلماء فيما يتعلّق بالهدي، أحببت إيراده هنا؛ لكونه
يجمع شتات الأقوال التي سأذكر كثيرًا منها في الأبواب الآتية، إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه، وعلى معرفة
جنسه، وعلى معرفة سِنِّهِ، وكيفية سَوْقه، ومن أين يساق؟، وإلى أين يُنْتَهَى بسوقه؟
وهو موضع نحره، وحكم لحمه بعد النحر.
فنقول: إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب، ومنه
تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه
العبادة، ومنه ما هو واجب لأنه كفارة.
(١) - ((فتح)) ٤ / ٣٦٤ - ٣٦٥.
(٢) - ((فتح)) ٤ /٣٦٥.

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، فهو هدي المتمتع باتفاق، وهدي القارن
باختلاف، وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على مذهب من يشترط فيه الهدي، وهدي
كفارة الصيد، وهدي إلقاء الأذى والتفث، وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء
في الإخلال بنسك نسك منها على المنصوص عليه.
فأما جنس الهدي، فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج
الثمانية التي نص اللّه عليها، وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم ، ثم
المعز، وإنما اختلفوا في الضحايا.
وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقه يجزي منها ، وأنه لا يجزىء الجذع من
المعز في الضحايا والهدايا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بردة: ((تجزي عنك، ولا
تجزي عن أحد بعدك))(١)، واختلفوا في الجذع من الضأن، فأكثر أهل العلم يقولون
بجوازه في الهدايا والضحايا، وكان ابن عمر يقول: لا يجزي في الهدايا إلا الثني من
كل جنس، ولا خلاف في أن الأغلى ثمنا من الهدايا أفضل، وكان الزبير يقول لبنيه: يا
بَنِيَّ لا يُهُدينّ أحدكم للَّه من الهدي شيئا يستحي أن يهديه لكريمه، فإن اللَّه أكرم
الكرماء، وأحق من اختير له، وقال رسول اللَّه ◌َليل في الرقاب - وقد قيل له: أيها
أفضل؟-فقال: ((أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها))(٢). وليس في عدد الهدي حد
معلوم، وكان هدي رسول اللَّه وَل مائة(٣).
وأما كيفية سوق الهدي، فهو التقليد والإشعار بأنه هدي؛ لأن رسول اللّه بَل خرج
عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قَلَّد الهدي، وأشعره وأحرم(٤)، وإذا كان الهدي
من الإبل والبقر، فلا خلاف أنه يُقَلِّد نعلا أو نعلين، أو ما أشبه ذلك لمن لم يجد
النعال .
واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال الشافعي،
وأحمد، وأبو ثور، وداود: تقلد؛ لحديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن
عائشة، أن النبي ◌َّرَ أهدى إلى البيت مَرّةً غنما، فقلده(٥). واستحبوا توجيهه إلى القبلة
في حين تقليده، واستحب مالك الإشعار من الجانب الأيسر؛ لما رواه عن نافع، عن
ابن عمر، أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده، وأشعره بذي الحليفة، قلده قبل أن
(١) - متّفقٌ عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما.
(٢) - متفقٌ عليه.
(٣) - متّفقٌ عليه.
(٤) - حدیٹ صحیح.
(٥) - متّفقٌ عليه، وسيأتي للمصنف برقم ٧٢/ ٢٧٩٧ .

٦٢ - (إِشْعَارُ الھَدي) - حديث رقم ٢٧٧١
٢٨٧ =
يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة، يقلده بنعلين، ويشعره من الشق
الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، وإذا
قَدِم منى غداة النحر نحره قبل أن يَحلِقِ أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يَصُفُّهُنْ
قياما، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل، ويطعم.
واستحب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور الإشعار من الجانب الأيمن؛ لحديث ابن
عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه وَالر، صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا
ببدنه، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سَلَتَ الدم عنها، وقلدها بنعلين، ثم
ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج(١) .
وأما من أين يساق الهدي؟ فإن مالكا يرى أن من سنته أن يُساق من الحل، ولذلك
ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة، ولم يُدخله من الحل أن عليه أن يَقِفه بعرفة، وإن
لم يفعل فعليه البدل، وأما إن كان أدخله من الحل، فيستحب له أن يَقِفه بعرفة، وهو
قول ابن عمر، وبه قال الليث. وقال الشافعي ، والثوري ، وأبو ثور: وقوف الهدي
بعرفة سنة، ولا حرج على من لم يقفه كان داخلا من الحل أو لم يكن. وقال أبو
حنيفة: ليس توقيف الهدي بعرفة من السنة.
وحجة مالك في إدخال الهدي من الحل إلى الحرم، أن النبي عليه الصلاة والسلام
كذلك فعل، وقال: ((خذوا عني مناسككم)). وقال الشافعي: التعريف سنة مثل التقليد.
وقال أبو حنيفة: ليس التعريف بسنة، وإنما فعل ذلك رسول اللَّه وَالر؛ لأن مسكنه كان
خارج الحرم، وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو لا تعريفه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال باستحباب التعريف؛
اتباعًا لفعل النبيّ وَلّر، وأما القول بالوجوب فيحتاج إلى دليل، وليس حديث: ((خذوا
عنّي مناسككم)) دليلاً على الوجوب؛ لأنهم متفقون في أشياء على أنها مستحبّة مع أن
الحديث يشملها. والله تعالى أعلم.
وأما محله فهو البيت العتيق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
[الحجّ: ٣٣]، وقال: ﴿هَدْيَّا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمع العلماء على أن الكعبة
لا يجوز لأحد فيها ذبح، وكذلك المسجد الحرام، وأن المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَلِغَ
اُلْكَعْبَةِ﴾ أنه إنما أراد به النحر بمكة؛ إحسانا منه لمساكينهم وفقرائهم. وكان مالك
(١) - سيأتي في الباب التالي أن هذا المذهب هو الأصحّ؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
وأما أثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فموقوف، لا يعارض المرفوع، فتنبه. والله تعالى
أعلم.

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدِيًا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾ مكة. وكان لا يجيز لمن نحر هديه في
الحرم إلا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم
أجزأه. وقال الطبري: يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي، إلا هدي القران، وجزاء
الصيد، فإنهما لا ينحران إلا بالحرم.
وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلا ما اختلفوا فيه من نحر
المحصر. وعند مالك إن نحر للحج بمكة، والعمرة بمنى أجزأه، وحجة مالك في أنه
لا يجوز النحر بالحرم إلا بمكة قوله و 98: ((وكل فجاج مكة وطرقها منحر))(١). واستثنى
مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة.
وأما متى ينحر؟، فإن مالكا قال: إن ذبح هدي التمتع، أو التطوع قبل يوم النحر لم
يجزه، وجوّزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر،
ولا خلاف عند الجمهور أن ما عُدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء؛ لأنه لا
منفعة في ذلك، لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة، وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن
الهدي، فجمهور العلماء على أنها لمساكين مكة والحرم؛ لأنها بدل من جزاء الصيد
الذي هو لهم، وقال مالك: الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة.
وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها؛ لأنها ذكاة،
ومنهم من استحب مع التسمية التكبير.
ويستحب للمهدي أن يلي نحر هديه بيده، وإن استخلف جاز، وكذلك فعل رسول
اللَّهُ وَ لّ في هديه، ومن سنتها أن تُنحَر قياما؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهَا صَوَآَفَّ﴾ [الحجْ: ٣٦].
وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه، فإن في ذلك مسائل مشهورة:
(أحدها): هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع، فذهب أهل الظاهر إلى أن
ركوبه جائز، من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك، وكره جمهور فقهاء
الأمصار ركوبها من غير ضرورة، والحجة للجمهور ما أخرجه أبو داود (٢) عن جابر
رَعليه، وقد سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول اللّه ما له يقول: «اركبها
بالمعروف، إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهرا))، ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قُصد به
القربة إلى الله تعالى منعه مفهوم من الشريعة، وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك، عن
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ◌َ له، رأى رجلا يسوق بدنة،
(١) - حديث صحيح.
(٢) - بل أخرجه مسلم، فكان الأولى أن يعزوه إليه، وسيأتي للمصنّف برقم ٧٦/ ٢٨٠٢.

٢٨٩
٦٢ - (إِشْعَارُ الْهَدي) - حديث رقم ٢٧٧١
فقال: ((اركبها))، فقال: يا رسول الله إنها هدي، فقال: ((اركبها ويلك)) في الثانية، أو
الثالثة .
وأجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس، وأنه
إذا عطب قبل أن يبلغ محله خَلَّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، وزاد داود: ولا يطعم
منه شيئا أهل رفقته؛ لما ثبت أن رسول اللَّه وَ لزلهل بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي، وقال
له: إن عَطِب منها شيءٍ، فانحره، ثم اصبُغْ نعليه في دمه، وخل بينه وبين الناس))(١)،
ورُوي عن ابن عباس هذا الحديثُ، فزاد فيه: ((ولا تأكل منه أنت، ولا أهل رفقتك))،
وقال بهذه الزيادة داود، وأبو ثور.
واختلفوا فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله،
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه
قيمة ما أكل، أو أمر بأكله، طعاما يتصدق به، ورُوي ذلك عن علي، وابن مسعود،
وابن عباس، وجماعة من التابعين.
وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة، فهل بلغ محله أم لا؟ فيه الخلاف مبني على
الخلاف المتقدم، هل المحل هو مكة ، أو الحرم؟.
وأما الهدي الواجب، إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه؛ لأن عليه
بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به في البدل، وكَرِه ذلك مالك.
واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله، فقال الشافعي: لا يُؤكل من
الهدي الواجب كُلِّهِ، ولحمُهُ كُلُّهُ للمساكين، وكذلك جُلُّه إن كان مُجَلَّلا، والنعل الذي
قلد به، وقال مالك: يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد، ونذر المساكين،
وفدية الأذى، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة، وهدي
القران .
وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة، وأما من فرق، فلأنه
يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة، والثاني: أنه كفارة، وأحد المعنيين
في بعضها أظهر، فمن غَلَّب شبهه بالعبادة على شبهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي،
كهدي القران، وهدي التمتع، وبخاصة عند من يقول: إن التمتع والقران أفضل، لم
يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي عنده هو فضيلة، لا كفارة تدفع العقوبة، ومن غَلَّب
شبهه بالكفارة قال: لا يأكله؛ لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة من الكفارة.
(١) - حديث صحيح، أخرجه أبو داود وغيره.

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن الرأي الأول هو الأقرب؛ لظهور مُتمسّكه،
والله تعالى أعلم.
قال: ولَمّا كان هدي جزاء الصيد، وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة، لم
يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منهما. انتهى المقصود من كلام العلامة ابن رُشد
رحمه اللّه تعالى، وهو بحث نفيس يجمع أقوال أهل العلم في موضع واحد بحيث
يمكنني الإحالة عليه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَِّ، أَشْعَرَ بُدْنَهُ))).
قالَّ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((أفلح بن
حُميد)) بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقة
[٦]١٩/ ٢٦٥٣ .
وقولها: ((أشعر بدنه)) بضمتين، أو بضم، فسكون جمع بدنة بفتحتين، سيأتي تفسيرها
في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام البحث فيه، وتخريجه بعد بابين، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب» .
٦٣ - (أيُّ الشِّقَّيْنِ يُشْعَرُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أيّ)) استفهامية مبتدأ، خبره جملة (يُشْعَر))، وهو
بالبناء للمفعول، والمعنى: أي جانب من جانبي الهدي يستحبّ إشعاره؟، وإنما أورد
الترجمة بالاستفهام، للاختلاف في ذلك، وإن كان الظاهر أنه يرجّح قول من قال
باستحباب اليمين، حيث أورد دليله، وهو حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما،
وبه يقول جمهور العلماء، وهو الراجح، كما سيأتي في المسألة الثالثة، إن شاء الله
(١) - راجع ((بداية المجتهد، ونهاية المقتصد))١/ ٣٧٦ - ٣٧٨٠.

٦٣ - (أَيَّ الشِّقَیْنِ يُشْعَرُ) - حديث رقم ٢٧٧٣
٢٩١
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٧٣ - أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ
الْأَفرَجِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ أَشْعَرَ بُدْنَهُ، مِنَ الْجَانِبِ الْأَئِمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ
عَنْهَا، وَأَشْعَرَهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد ثقة [١٠]١٠٢/٨٥ .
٢- (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية ابن أبي خازم
الواسطيّ، ثقة ثبت، لكنه كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧]١٠٩/٨٨.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧]٢٧/٢٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدودسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤]٣٤/٣٠.
٥- (أبو حسّان الأعرج) مسلم بن عبد اللَّه البصريّ، مشهور بكنيته، صدوق رُمي
برأي الخوارج [٤]١٤/ ٤٧٣ .
٦- (ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي اللّه تعالى عنهما٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من شعبة. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ: قتادة، عن أبي حسّان، وهو من رواية الأقران أيضًا، وفيه ابن
عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ أَشْعَرَ بُدْنَهُ) بضمتين، أو
بضم، فسكون جمع بَدَنَة.
قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: البدَنَة قالوا: هي ناقة، أو بقرة. وزاد الأزهريّ: أو
بعير ذَكَرٌ، قال: ولا تقع البدنة على الشاة. وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّة،
ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحجّ: ٣٦]. سميت بذلك لِعِظَم
بدنها، وإنما أُلحقت البقرة بالإبل بالسنّة، وهو قوله وَله: ((تجزىء البدنة عن سبعة،
والبقرة عن سبعة))، ففرّق الحديث بينهما بالعطف ، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق

٢٩٢
E
شرح سنن النسائي - کِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه. وفي الحديث ما يدلّ
عليه، قال: ((اشتركنا مع رسول اللَّه ◌َ له في الحجّ، والعمرة، سبعة منا في بدنة، فقال
رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟، فقال: ما هي إلا من البدن)».
والمعنى في الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البدن لما جهلها أهل اللسان،
ولَفُهِمَت عند الإطلاق أيضًا.
والجمع بَدَنَات، مثل قَصَبَة وقصَبَات، وبُدُن، أيضًا بضمتين، وإسكانُ الدال
تخفيفٌ، وكأن البُدُن جمع بَدِين تقديرًا، مثل نذير ونُذُر، قالوا: وإذا أُطلقت البدنة في
الفروع، فالمراد البعير ذكرًا كان، أو أنثى انتهى كلام الفيّومي(١).
(مِنَ الْجَانِبِ الْأَئِمَنِ) وفي الرواية الآتية في الباب التالي: فأشعر في سنامها من الشقّ
الأيمن))، وفي -٦٧ / ٢٧٨٢ -: ((أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن)). وفي رواية
مسلم: ((فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن)).
و((الصفحة)): الجانب، و((السنام)): أعلى ظهر البعير، و((الأيمن)) صفة ((صفحة))،
وذكّره لمجاورته لـ((سنام))، وهو مذكّر، أو على تأويل ((صفحة)) بجانب. وبه جزم
النوويّ، حيث قال: وصف لمعنى صفحة، لا للفظها. ثم قال: وأما محلّ الإشعار،
فمذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ الإشعار في صفحة
السنام اليمنى. وقال مالك: في اليسرى. وهذا الحديث يرد عليه انتهى كلام النوويّ
رحمه اللَّه تعالى(٢).
(وَسَلَتَ) بمهملة، ولام، ثم مثناة (الدَّمَ عَنْهَا) أي مسحه، وأماطه، وأزاله عن صفحة
سنامها. زاد في رواية أبي داود: ((بيده)). وفي أخرى عنده: ((بأصبعه)). قال الخطابيّ
رحمه الله تعالى: سلت الدم بيده: أي أماطه بإصبعه، وأصل السلت: القطع، يقال:
سلت اللّه أنف فلان -أي من باب قتل -: أي جدعه انتهى (وَأَشْعَرَهَا) هكذا نسخ
((المجتبى)) ((وأشعرها))، والذي في ((الكبرى)): ((وقلّدها)). والظاهر أن الذي في
((المجتبى)) خطأ، والصواب ما في ((الكبرى))؛ لأمرين:
[أحدهما]: أنه مكرّر مع قوله: ((أشعر بدنه))، فلا فائدة فيه.
[والثاني]: أن الذي في ((الكبرى)) موافق لما في الباب التالي، ولما يأتي في ٦٧/
٢٧٨٢-، وهو الموافق لما في ((صحيح مسلم))، ففي كلها: ((وقلّدها نعلين)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) - راجع ((المصباح المنير)) في مادة بدن.
(٢) - ((شرح مسلم٨٤/ ٤٥٢.

٢٩٣
٦٣ - (أَيِّ الشّقین یُشْعَرُ) - حدیث رقم ٢٧٧٣
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧٧٣/٦٣ و٢٧٧٤/٦٤ و٦٧ /٢٧٧٢ و٢٧٩١/٧٠ - وفي ((الكبرى))
٣٧٥٤/٦٢ و٣٧٥٥/٦٤ و٣٧٦٣/٦٦. وأخرجه (م) في ((الحجّ)) ١٢٤٣ (د) في
((المناسك)) ١٧٥٢ (ت) ٩٠٦ (ق) في ((المناسك)) ٢٠٩٧ (أحمد) في ((مسند بني
هاشم)١٨٥٨٨ و٢٢٩٦ و٢٥٢٤ و٣١٣٩ و٣١٩٦ و٣٢٣٤ و٣٥١٥ (الدارميّ) ١٩١٢ .
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في محل الإشعار:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف
أنه يستحبّ الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك في اليسرى، وهذا الحديث
يردّ علیه انتهى.
وقال ابن قدامة: السنة الإشعار في صفحاتها اليمنى، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو ثور،
وقال مالك، وأبو يوسف: بل تُشعر في صفحاتها اليسرى. وعن أحمد مثله؛ لأن ابن
عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبيّ ◌َ ليل صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة،
وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن ... الحديث. رواه مسلم.
وأما ابن عمر فقد روى عنه كمذهبنا رواه البخاريّ، معلّقًا، ثم فعلُ النبي ◌َّ أولى
من قول ابن عمر، وفعله بلا خلاف؛ ولأن النبيّ وَّر: ((كان يعجبه التيمن في شأنه
کله)). انتھی.
وقال البخاريّ في صدر ((باب من أشعر، وقّد بذي الحليفة، ثم أحرم)): وقال نافع
كان ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما إذا أهدى من المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة،
يطعن في شقّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووَجْهُهَا قِبَل القبلة، باركةً.
قال الحافظ: وصله مالك في ((الموطا))، قال: عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه
كان إذا أهدى هديًا من المدينة -على ساكنها الصلاة، والسلام- قلّده، وأشعره بذي
الحليفة، يقّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة، يقلّده
بنعلين، ويشعره من الشقّ الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم
يُدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منی غداة النحر نحره. وعن نافع، عن ابن عمر، كان
إذا طعن في سنام هديه، وهو يشعره، قال: ((بسم اللَّه، والله أكبر)). وأخرج البيهقيّ -

٢٩٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢٣٢/٥- من طريق ابن وهب، عن مالك، وعبد الله بن عمر، عن نافع، أن عبد الله
ابن عمر كان يشعر بدنه من الشقّ الأيسر، إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يُدخل
بينها أشعر من الشقّ الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة.
وتبيّن بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة، وفي الأيسر أخرى بحسب ما يتهيّأ
له ذلك. انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من التحقيقات أن الأرجح أن السنة
الإشعار في الصفحة اليمنى؛ لحديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، ولا حجة في
فعل ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما مع صحة المرفوع. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر
بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)» .
٦٤- (بَابُ سَلْتِ الدَّمِ عَنِ الْبُذْنِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السَّلْت)) -بفتح السين المهملة، وسكون اللام،
آخره تاء مثناة -: هو التنحية والإزالة، يقال: سَلَتت المرأةُ خِضَابها من يدها سَلْتًا من
باب نصر: إذا نَحَّتُهُ وأزالته. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٧٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةً،
عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ، لَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، أَمَرَ
بِبَدَنَتِهِ، فَأَشْعِرَ فِي سَتَّامِهَا، مِنَ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنٍ، فَلَمَّا
اسْتَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عمرو بن
عليّ)): هو الفلّاس. و((يحيى)): هو القطّان.
وقوله: ((ثم سَلَت)) من باب نصر: أي أزاله بإصبعه.
وقوله: ((فلما استوت به)) أي راحلته، وهي غير التي أشعرها. والحديث أخرجه
(١) - ((فتح)) ٤ /٣٦٦ - ٣٦٧.

٦٤ - (بَأَبُ سَلْتِ الدَّمِ عَن البُذْنِ) - حديث رقم ٢٧٧٤
٢٩٥
مسلم، ودلالته على الترجمة واضحة، تقدم تمام البحث فيه في الباب الماضي. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٦٥ - (فَتْلُ الْقَلَائِدِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الفتل)) -بفتح، فسكون -: مصدر فَتَلَ الحبل
وغيره، من باب ضرب: إذا لواه، فهو مفتول، وفَتِيل. أفاده في ((القاموس)).
و((القلائد)»: جمع قلادة، وهي ما يُجعل في العنق، يكون للإنسان، والفرس،
والكلب، والبدنة التي تُهُدَى، ونحوها. أفاده في ((اللسان)). والله تعالى أعلم
بالصواب .
٢٧٧٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّا قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ يَهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَقْتِلُ
قَلَائِدَ هَذْبِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُخْرِمُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧]٣٥/٣١.
٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ تقدّم قريبًا.
٤- (عروة) بن الزبير المتقدّم قريبًا.
٥- (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّة، ثقة [٣]٢٠٣/١٣٤.
٦- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ، وتابعية. والله تعالى أعلم.

=
٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَّا قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ شَهْدِي) بضم
أوله، من الإهداء رباعيّا، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف : بعثتُ به إليه إكرامًا، فهو
هديّة بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهدي إلى الحرم: سقتُهُ. قاله الفيّوميّ (مِنَ الْمَدِينَةِ،
فَأَقْتِلُ) من باب ضرب، يقال: فَتَله: لواه، كفتّله بالتشديد (قَلَائِدَ هَذِهِ) جمع قلادة: وهو
ما يجعل في العنق (ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُخْرِمُ) من محظورات الإحرام،
تعني أنه وَلّ كان يبعث هديًا إلى مكة، مقلّدةً، ثم يقيم بالمدينة حلالاً، لا يجتنب شيئًا
مما يجتنبه المحرم، وأرادت بذلك الردّ على ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، وغيره
حيث إنهم يرون ذلك، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٥/ ٢٧٧٥ و٢٧٧٦ و٢٧٧٧ و٢٧٧٨ و٢٧٧٩ و٢٧٨٠/٦٦ و٦٨/
٢٧٨٣ ٢٧٨٤ و٢٧٨٥/٦٩ و٢٧٨٦ و٢٧٨٧ و٢٧٨٨ و٢٧٨٩ و٢٧٩٠ و٧٢/ ٢٧٩٣
و ٢٧٩٤ و٢٧٩٥ و٢٧٩٦ و٢٧٩٧- وفي («الكبرى»٣٧٥٦/٦٤ و٣٧٥٧ و٣٧٥٨
و٣٧٥٩ و٣٧٦٠ و٦٥/ ٣٧٦١ و٣٧٦٤/٦٧ و٣٧٦٥ و ٣٧٦٦/٦٨ و٣٧٦٧ و ٣٧٦٨
و٣٧٦٩ و٣٧٧٠ و٣٧٧١ و٣٧٧٤/٧١ و٣٧٧٥ و٣٧٧٦ و٣٧٧٧ و٣٧٧٨ و٣٧٧٩ .
وأخرجه (خ) في ((الحجّ))١٦٩٦ و١٦٩٨ و١٦٩٩ و١٧٠٠ و١٧٠١ و١٧٠٢ و١٧٠٣
و ١٧٠٤ و١٧٠٥ و(الوكالة)) ٢٣١٧ و((الأضاحي))٥٥٦٦ (م) في ((الحج)) ١٣٢١ (د) في
((المناسك))١٧٥٥ و١٧٥٧ و١٧٥٨ و١٧٥٩ (ت) في ((الحجّ)) ٩٠٩ (ق) في ((المناسك))
٣٠٩٤ و٣٠٩٥ و٣٠٩٦ و٣٠٩٨ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)» ٢٣٥٤ و٢٣٥٦٤
و ٢٣٨٧١ و٢٤٠٠٣ و٢٤٠٣٦ و٢٤٠٨٢ و٢٤١٨٩ و٢٤٤٣٥ و٢٤٨٨٣
و ٢٤٩٣٧ و٢٥٠٤٩ و٢٥١٣ و ٢٥٢٠٨ و٢٥٢٤٧ و ٢٥٢٨٩ و٢٥٣٠٤ و٢٥٣٤٤
و٢٥٣٤٦ و٢٥٣٥٩ و٢٥٤٦٠ (الدارميّ) في («المناسك))١٩١١ و١٩٣٥ و١٩٣٦.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:

٢٩٧
٦٥- (فتلُ القلائِدِ) - حدیث رقم ٢٧٧٥
(منها): مشروعيّة فتل القلائد (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في
عنقه ما يُستدلّ به على أنه هديّ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد
الغنم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ٦٩ / ٢٧٨٥ - إن شاء الله تعالى. (ومنها): استحباب
بعث الهدي إلى الحرم، وإن لم يسافر معه مرسله، ولا أحرم في تلك السنة.
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: قولها رضي اللّه تعالى عنها،
من رواية مسروق، عنها: ((فَتَلت لهدي النبيّ وَّر -يعني القلائد- قبل أن يحرم،.
يقتضي أنه أحرم بعد ذلك، وهذا اللفظ في ((صحيح البخاريّ)).
[قلت]: يحتمل أن مرادها قبل السنة التي أحرم فيها. ويحتمل أنها أخبرت في هذه
الرواية عن حاله في سنة إحرامه. وفي الرواية الأخرى عن حاله في سنة أخرى، ويصرّح
بأنه فعل ذلك في السنة التي لم يحرم فيها قولها رضي اللّه تعالى عنها من رواية عمرة،
عنها (ثم بعث بها مع أبي (١)))، وهو في ((الصحيحين))، والمراد أنه بعث بها مع
أبيها، أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه في حجته سنة تسع. وفي ((الصحيح))
أيضًا: ((ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة))، وهي صريحة فيما ذكرناه. والله أعلم.
انتھی .
(ومنها): جواز استخدام الإنسان زوجته في فتل القلائد، ونحوه من الخدمة التي
تقوم بها المرأة. (ومنها): أنه يستحب إذا أرسل الهدي أن يشعره، ويقلّده من بيته، وأما
إذا أخذه معه، فيستحبّ أن يؤخر ذلك إلى الميقات حين يُحرم، كما فعل النبيّ وَّ، في
عمرة الحدبية، وحجة الوداع. (ومنها): ما قاله وليّ الدين: هذا الذي ذكرناه من
استحباب تقليد الهدي إنما رأيت أصحابنا -يعني الشافعية- ذكروه في الهدي المتطوع
به، والمنذور. وقسم المالكية دماء الحجّ إلى هَذي، ونسك، وقالوا: إن الهدي جزاء
الصيد، وما وجب لنقص في حج، أو عمرة، كدم القران، والتمتع، والفساد،
والفوات، وغيرها، وقالوا: إن النسك ما وجب لإلقاء التفث، وطلب الرفاهية من
المحظور، المنجبر، وجعلوا التقليد من سنة الهدي. وقال الحنفية: إن التقليد إنما
يكون في هدي المتعة، والتطوع، والقران، دون دم الإحصار، والجماع، والجنايات.
وفرقوا بينها، بأن الأول دم نسك، وفي التقليد إظهاره، وتشهيره، فيليق به. والثاني فإن
سببه الجناية، والستر أليق بها. قالوا: ودم الإحصار جائز، فألحق بها. وذكر ابن حزم
هذا التفصيل عن أبي حنيفة، ثم قال: وقال مالك، والشافعيّ: يقلّد كلّ هدي، ويشعر.
(١) - سيأتي في رواية المصنف رحمه الله تعالى في ٢٧٩٣/٧٢.

٢٩٨
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
قال: وهذا هو الصواب؛ لعموم فعل النبيّ وَله، ونُقِلَ عن أبي حنيفة
وتعقبه ولي الدين، فقال:" وفيما ذكره نظر؛ فإنه لا عموم في فعل النبيّ وَّر، والهدي
الذي ساقه إنما كان متطوعا به، ولم يكن عن شيء من الدماء الواجبة المذكورة،
والدماءُ الواجبة لا تُساق مع الحاجّ من الأول؛ لأنه لا يدري هل يحصل له ما يوجبها،
أم لا؟، ولم أر أصحابنا - يعني الشافعية- تعرّضوا لذلك كما تقدم، فينبغي تحقيقه. والله
(١)
أعلم انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن التقليد والإشعار إنما نقلا في هدي
التطوع، والقران، والتمتع، وأما الجنايات، فلم يُنقَلْ فيها ذلك، فما قاله الحنفية أظهر.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٦- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٣)
يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كُنْتُ أَقْتِلُ
فَلَائِدَ هَذِي رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ّهِ، فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ
مَحِلَّهُ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدموا غير مرّة. و((يزيد)): هو ابن هارون. و((يحيى بن سعيد)): هو الأنصاريّ.
وقولها: ((قبل أن يبلغ الهدي محله)) التقييد بذلك لكونه محلّ الخلاف، وأما بعد
بلوغ الهدي محله، فلا يخالف ابن عباس، ولا غيره ببقاء الحرمة.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدَّم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((إِنْ كُنْتُ لَأَفْتِلُ فَلَائِدَ هَذِيٍ رَسُولِ اللَّهِ
وَلِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ، وَلَا يُخْرِمُ») .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا غير
مرة. ((عمرو بن علي)): هو الفلاس. و(يحيى)): هو ابن سعيد القطان. و((إسماعيل)):
هو ابن أبي خالد البجليّ الكوفيّ. و((عامر)): هو ابن شراحيل، أبو عمرو الشعبيّ.
وقولها: ((إن كنت الخ)) ((إن)) مخففة من الثقيلة، أي إني كنت الخ. وقولها: ((ولا
(١) - ((طرح التثريب)) ١٥٢/٥.
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٢٩٩
٦٥- (فتلُ الفلائِدِ) - حديث رقم ٢٧٧٧
يُحرم)) بضم أوله، من الإحرام، أي لا يتصف بصفة المحرم، من اجتناب محظورات
الإحرام، بل يبقى حلالاً، كما هو، وهو بمعنى قولها التالي: ((لا يجتنب شيئًا مما
يجتنبه المحرم)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وتمام البحث فيه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الضَّعِيفُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كُنْتُ أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ، لِهَذْي رَسُولِ
اللَّهِ وَِّ، فَيُقَلْدُ هَذْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يُقِيمُ، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمّ») .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: عبد الله
ابن محمد بن يحيى الطرسوسيّ، أبي محمد المعروف بالضعيف؛ لكثرة عبادته، وقيل:
لكونه نحيفًا. وقيل: لشدّة إتقانه، تسمية بالضدّ، وهو ثقة [١٠] ٢٢٢/٤٣، فإنه من
أفراد المصنّف، وأبي داود.
و((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير.
وقولها: ((ثم يبعث بها)) هكذا نسخ ((المجتبى))، والذي في ((الكبرى)): ((ثم يبعث به))
بتذكير الضمير، وهو الظاهر؛ لأنه للهدي، والأول أيضًا له وجه صحيح، وهو أن
التأنيث باعتبار أنه هديّة. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٩ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُِّ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((لَقَدْ رَأَيْتُنِي، أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَم، لِهَذْىٍ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ﴾
ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً)) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و«عَبيدة)) :
-بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة- هو ابن حُميد -مُصَغّرًا- ابن صُهيب، أبو
عبد الرحمن المعروف بالحذّاء التيميّ، أو الليثيّ، أو الضبيّ الكوفيّ النحويّ، صدوق،
ربما أخطأ [٨]١٣ /١٣.
و((منصور)): هو ابن المعتمر.
وقولها: ((قلائد الغنم)) فيه أن الغنم تقلد كالإبل، والبقر، وهو قول جمهور العلماء،
وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، فقالوا: لا تقلد الغنم، والحديث يردّ عليهم،
وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في -٢٧٨٥/٦٩ - إن شاء الله تعالى.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.

٣٠٠
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٦٦- (مَا يُفْتَلُ مِنْهُ الْقَلَائِدُ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الشيء الذي يُقتل منه قلائد البدن، فالفعل مبنيّ
للمفعول، من فتل الشيءَ يَقتله، من باب ضرب، كفتّله بالتشديد: إذا لواه، فهو فَتيلٌ،
ومفتول. كما مرّ بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٨٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِي ابْنَ حَسَنٍ-
عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ، مِنْ عِهْنِ،
كَانَ عِتَدَنَا، ثُمَّ أَضَبَحَ فِينَاً، فَيَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدموا، غیر:
١- (الحسين بن الحسن) بن يسار -بتحتانية، ومهملة- ويقال: ابن مالك بن يسار.
ويقال: ابن بشر بن مالك بن يسار، أبو عبد الله البصريّ، من آل مالك بن يسار،
ثقة[٨].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: الحسين بن الحسن من أصحاب ابن عون، من
المعدودين من الثقات، دلّهم عليه ابن مهديّ، كان يحفظ عن ابن عون، وكان حسن
الهيئة، ما علمته ثقة (١)، كتبنا عنه. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال الساجيّ: ثقة صدوق، مأمون، تكلّم فيه أزهر بن سعد، فلم يُلتَفت إليه، ومثله
يُجلّ عن هذا الموضع -يعني كتاب الضعفاء. وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٨).
روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و ((ابن عون)): هو عبد الله بن عون بن أرطبان الحافظ الحجة البصريّ.
و((القاسم)): هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق.
وقولها: ((من عِهْن)). قال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: قد اختلف في العهن
(١) - هكذا نسخة ((تهذيب الكمال))٣٦٣/٦ - ٣٦٥، و((تهذيب التهذيب)) ٤٢١/١: ((ماعلمته ثقة)).
وظاهر السياق يقتضي أن الصواب: ((ما علمته إلا ثقة)). والله تعالى أعلم.