النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ٥١- (تركُ التَّنمِیة عِندَ الإِهلالِ) - حدیث رقم ٢٧٤٠ فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٥١- (تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الإِهْلَالِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى أشار بهذه الترجمة إلى أن تسمية الحج، أو العمرة في أول الإهلال ليست واجبة، ووجه الاستدلال عليه بحديثي الباب أن قوله: ((لا ننوي إلا الحجّ)) صريح في أنهم حينما أنشأوا الإحرام أنشأوه بنية الحجّ، ثم أمرهم رسول اللَّه ◌َله بفسخه بعمل العمرة، فتحللوا بذلك، فدلّ على أن تسمية النسك المعيّن حال الإحرام غير واجبة؛ لأنه لو كان واجبًا لما جاز أداء العمرة دون أن يسموها في وقت الإهلال، وهو استدلال واضح. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٤٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ابْنُ مُحَمَّدٍ: قَالَ: حَذْثَنِي أَبِي، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ، تِسْعَ حِجَجٍ، ثُمَّ أَذِّنَ فِي النَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ حَاجٌّ فِي هَذَا الْعَامِ، فَتَزَلَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ (١) اللَّهِ وَلّهِ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بَه لِخَمْسٍ بَقِينَ، مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، قَالَ جَابِرٌ: وَرَسُولُ اللَّهِ وَهَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، عَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ(٢)، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ(٣)، وَمَا عَمِلَ بِهِ، مِنْ شَيْءٍ، عَمِلْنَا، فَخَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجّ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((يعقوب ابن إبراهيم»: هو الدورقيّ. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. وقوله: ((تسع حجج)) بكسر الحاء المهملة، وبجيم مكرّرة: أي تسع سنين. وقوله: (ثم أذن)) بتشديد الذال المعجمة، من التأذين، وهو الإعلام. أو بمدّ الهمزة، من الإيذان، وهو بمعناه: أي نادى، وأعلم، والمراد أنه أمر بالنداء، فنادى المنادي. ويحتمل أن يكون الفعل بضبطيه السابقين مبنيًّا للمفعول. أي أُعلم بذلك. والله تعالى أعلم. وقوله: ((حاجّ في هذا العام))، وفي بعض النسخ: ((في حاجّ هذا العام)) بإضافة ((حاجٌ)) (١) -وفي نسخة: ((يأتمّ رسول اللَّه)) بإسقاط الباء. (٢) - وفي نسخة: ((الوحي)). (٣) -وفي نسخة: ((بتأويله))، ولعل الباء زائدة. ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ إلى اسم الإشارة، ومعناه: أنه خارج في جملة من يحجّ في هذه السنة. وقوله: ((فنزل المدينة الخ)) أي جاء إلى المدينة من خارجها حتى يخرج منها إلى مكة مع رسول اللّه وَله، يتعلم أحكام النسك منه بالقول والفعل. وفي ((الكبرى)): ((فترك)) بالتاء، والراء، والكاف، بدل ((نزل))، وهو إن لم يكن تصحيفًا، فمعناه: أن خلقًا كثيرًا من أهل المدينة تركوها خارجين إلى الحجّ معه وَله. والظاهر أنه تصحيف. وقله: ((يلتمس)) أي يقصد، ويطلب، وإنما أفرد الضمير، باعتبار إفراد لفظة (كل)). وقوله: ((يأتمّ)) بتشديد الميم: أي يقتدي به. وقوله: ((ويفعل ما يفعل)) تفسيرٌ للاقتداء، والمراد يفعل مثل ما يفعله بَلّ، كما في رواية أبي داود. وقوله: ((ينزل عليه القرآن الخ)) هو حثّ على التمسّك بما أخبر به عن فعله وَلقوله من الله تعالى. حيث إنه ما يفعل شيئًا إلا عن وحي وقوله: ((لا ننوي إلا الحجّ)) أي لا نقصد إلا أداء الحجّ. قال السنديّ: أي في أول الأمر وقت الخروج من البيوت، وإلا فقد أحرم بعض بالعمرة، أو هو خبر عما كان عليه غالبهم، أو المراد أن المقصد الأصليّ من الخروج كان الحجّ، وإن نوى بعض العمرة انتهى. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في ٤٦/ ٢٧١٢- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٤١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَّخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((أَحِضْتِ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((إِنَّ هَذَا شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْمُخْرِمُ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عبد الله بن يزيد)): هو المقرىء المكيّ. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الحديث في ((أبواب الطهارة» - ٢٩٠/١٨٣ - وتقدّم شرحه هناك، وتقدم أيضًا تخريجه في ١٦/ ٢٦٥٠. وقوله: ((بسرف)) بفتح، فكسر: موضع قريب من مكة، ممنوع من الصرف، وقد يُصرف، وهو الموضع الذي تزوّج به رسول اللَّه ◌َلير ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها، وبه توفیت، ودنت. وقوله: ((غير أن لا تطوفي بالبيت)) بنصب ((غير)) على الاستثناء، و ((أن)) يجوز أن / تكون مخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن، و((تطوفي)) مجزوم بـ((لا)) الناهية. والمعنى ٥٢- (الحج بغیر نِێ بقصِدُهُ المُخرم) - حدیث رقم ٢٧٤٢ ٢٠٣= لا تطوفي ما دمت حائضًا. ويجوز أن تكون ((أن)) ناصبة، و((لا)) زائدة، والفعل منصوب بـ((أن))، وهو مؤول بالمصدر، أي غير طوافك. وقال السنديّ: كلمة ((لا)) زائدة، أو هو استثناء مما يُفهم، أي لا فرق بينك، وبين المحرم غير أن لا تطوفي انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٢- (الْحَجُّ بِغَيْرِ نِيَّةِ (٢) يَقْصِدُهُ الْمُحْرِمُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف أشار بهذه الترجمة إلى جواز تعليق نية الحج بنيّة غيره. ووجه الاستدلال بالأحاديث الآيتة أن أبا موسى وعليّا رضي اللّه تعالى عنهما أهل كلّ منهما بما أهلّ به رسول اللَّه وَ لّر، فانعقد إحرامهما بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٤٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قَيْسُ ابْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابِ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ مِنَ الْيَمَنِ، وَالنَّبِيُّ وََّ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، حَيْثُ حَجَّ، فَقَّالَ: ((أَحَجَجْتَ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النِّيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً، فَقَلَتْ رَأْسِي، فَجَعَلْتُ أُقْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ، حَتَّى كَانَ فِ خِلَافَةٍ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى، رُوَيِدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ، قَالَ: أَبُو مُوسَى: يَا أَنَّا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ، فَلْيَتَئِذٍ(٣)، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمُ عَلَيْكُمْ، فَأَتَمُّوا بِهِ، وَقَالَ عُمَرُ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَةٌ يَأْمُرُنَا بِالثَّمَامِ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَِّّ نَِّ، فَإِنَّ النَِّيَّ ◌َِّ، لَمْ يَحِلَّ، حَتَّى بَلَغَ(٤) الْهَذْيُ مَحِلَّهُ»). (١) - ((شرح السنديّ)) ١٥٦/٥. (٢) -وفي نسخة: ((بغير النيّة)). (٣) -وفي نسخة: ((فليتّئده)). (٤) - وفي نسخة: ((حتى يبلغ الهدي محله)). ٢٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجّ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحديث متفق عليه، وقد تقدم قبل باب - ٥٠٪ ٢٧٣٨- وتقدم البحث فيه مستوفّى هناك، ولنوضّح هنا بعض ما يُستشكلُ: فـ((خالد)»: هو ابن الحارث الهجيميّ. وقوله: ((منيخ)) اسم فاعل من أناخ: إذا أبرك. وقوله: ((حيث حجّ)) قال السنديّ: كأنه بمعنى ((حين حجّ)) من استعارة ظرف المكان للزمان. انتهى. وقوله: ((أحججت)) أي أأحرمت بالحج؟. وقوله: (ففلت رأسي) بالتخفيف: أي أخرجت ما فيه من القمل. وقوله: (حتی کان في خلافة عمر)) اسم ((كان)) ضمير يعود إلى الوقت، والجاز والمجرور خبرها: أي إلى أن كان الوقت كائنا في خلافة عمر رتمثّه. وتمام الشرح تقدم بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٤٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ عَلِيًّا، قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ بِهَذِي، وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مِنَ الْمَدِينَةِ هَذْيًا، قَالَ لِعَلِيٍّ: ((بِمَا أَهْلَلْتَ؟))، قَالَ: قُلَّتُ: أَللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، وَمَعِيَ الْهَذْيُ، قَالَ: ((فَلَا تَحِلَّ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في - ٢٧١٢/٤٦ - وقد استوفيت شرحه، والكلام على مسائله هناك. وموضع الاستدلال هنا قوله: ((اللّهم إني أهلّ بما أهلّ به رسول اللّه وَ﴿))، حيث إنه أهلّ بما نواه غيره، وهو النبيّ وَّرَ، فأداه بذلك، فدلّ على جواز تعليق النية بنية غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٤٤ - أَخْبَرَنِي(١) عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ عَطَاءٌ : قَالَ جَابِرٌ: قَدِمَ عَلِيٍّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيِّنَّهِ: ((بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟))، قَلَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ وَّةِ، قَالَ: ((فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا، كَمَا أَنْتَ))، قَالَ: وَأَهْدَى عَلِيٍّ لَهُ هَذْيًا). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو عمران بن خالد بن يزيد، نُسب لجده، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((شعيب)): هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن البصريّ، ثم الدمشقيّ. وقوله: ((عن ابن جُريج، قال عطاء الخ)) يقدّر قبل قوله: ((قال عطاء)) ((أنه قال))، أي قال ابن جريج: قال عطاء الخ. فجملة ((قال عطاء)) مقول القول المقدّر. وجملة: ((قال (١) -وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٥٢- (الحجُ بغیر نِیق یقْصِدُهُ المُخرم) - حديث رقم ٢٧٤٥ ٢٠٥ - جابر الخ)) مقول ((قال عطاء)). وقوله: ((من سعایته)) بكسر السين، أي من عمله. وقوله: ((وامكث حرامًا كما أنت)). قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: أي ابْقَ محرمًا على ما أنت عليه من الإحرام. قيل: ما فائدة قوله: ((كما أنت))، وقوله: ((وامكث محرمًا)) يغني عنه. قلت: كأنه صرّح بذلك تنبيهًا على أن ما عليه إحرام ليتبيّن بذلك أن الإحرام المبهم إحرام شرعًا، وهذا مطلوب مهم، فيحتاج إلى زيادة التنبيه. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر ابن هشام الأنصاريّ رحمه الله تعالى في كتابه ((مغني اللبيب)) إعراب قوله: ((كن كما أنت)): قيل: إن المعنى: على ما أنت عليه، وللنحويين في هذا المثال أعاريب : (أحدها): هذا، وهو أن ما موصولة، وأنت مبتدأ، حُذف خبره. (والثاني): أنها موصولة، وأنت خبر حُذف مبتدؤه، أي كالذي هو أنت، وقد قيل بذلك في قوله تعالى: ﴿أَجْعَل لَّا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾، أي كالذي هو لهم آلهة. (والثالث): أن ((ما)) زائدة ملغاة، والكاف أيضًا جارّة، و((أنت)) ضمير مرفوع، أنيب عن المجرور، كما في قولهم: ما أنا كأنت، والمعنى كن فيما يُستقبَلُ مماثلًا لنفسك فيما مضى. (والرابع): أن ((ما)) كافّة، و((أنت)) مبتدأ، حُذف خبره، أي ((عليه))، أو ((كائن)) انتهى المقصود من كلام ابن هشام رحمه الله تعالى(١). والحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٤٥ - أَخْبَرَنِ(٢) أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٌّ، حِينَ أَمْرَهُ النَّبِيُّ وَهِ عَلَى الْيَمَنِ، فَأَصَبْتُ مّعَهُ، أَوَاقِي، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٍّ، عَلَى النَّبِّ وََّ، قَالَ عَلِيٍّ: وَجَدْتُ فَاطِمَةَ، قَدْ نَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ، قَالَ: فَتَخَطَّيْتُهُ، فَقَالَتْ لِي: مَا لَكَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَأَحَلُّواَ، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَ لِي: ((كَيْفَ صَنَعْتَ؟))، قُلْتُ: إِنِّي أَهْلَلْتُ بِمَا أَهْلَّلْتَ، قَالَ: ((فَإِنِّي قَدْ سُقْتُ الْهَذْيَ، وَقَرَنْتُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن محمد بن جعفر)) الطَّرَسُوسيّ، صدوق [١٢]. روى عن يحيى بن معين، وعاصم بن النضر الأحول. روى عنه المصنّف حديث (١) -راجع ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١٧٧/١ -١٧٨. (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). = ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الباب فقط، وجاء عنه منسوبًا في ((الكبرى))، فقال: ((طرسوسي)). وقال ابن عساكر: إنما هو محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعيّ، فقد ذكره النسائيّ في جملة شيوخه. وسماه مسلمة بن قاسم أحمد أيضًا، ووثقه. قال الحافظ: وهو وهم، ولم يذكر ابن يونس إلا محمد بن أحمد انتھی. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لم يظهر لي توهيم الحافظ المذكور؛ فإن المصنّف أدرى بمشايخه، وقد سماه هنا، وفي ((الكبرى)) أحمد بن محمد بن جعفر)). فما هو سبب الوهم؟. والله تعالى أعلم. و((حجاج)): هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ. والحديث صحيح، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٢٧٢٥/٤٩ . وقوله: ((قد نضحت البيت)) أي طيبته. وقوله: ((بنضوح)) بفتح النون: ضرب من الطيب، تفوح رائحته. وقوله: ((فتخطيته)): أي تجاوزته، وإنما تخطّاه؛ لئلا يتلطخ به، وهو محرم. وقوله: ((فقالت لي: مالك؟)) أي قالت فاطمة رضي اللّه تعالى عنها: أي شيء دعاك لتخطيه، وإنما قالت له ذلك لظنها أنه ممن تحلّل كغيره ممن لم يُهُد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٥٣- (إِذَا أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ هَلْ يَجْعَلُ مَعَهَا حَجًّا) ٢٧٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَرَادَ الْحَجَّ، عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْهُ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَأَنَا أَخَافُ (١) أَنْ يَصُدُّوكَ، قَالَ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ﴾، إِذَا أَصْنَعَ، كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ﴾ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ، أَنِّي قَدْ أَوْ جَبْتُ عُمْرَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ، قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجْ وَالْعُمْرَةِ، إِلَّ وَاحِدٌ، أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا، مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَذْيًا، اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا (١) -وفي نسخة: ((وإنا نخاف أن يصدّوك)). ٥٣- (إِذاَ اهَلَّ بِعُمْرةٍ هَلْ يَجْعَلُ مَعَهَا حَجًّا) - حديث رقم ٢٧٤٦ = ٢٠٧ وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْحَرِ، وَلَمْ يَخْلِقْ، وَلَمْ يُقَصِّزْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ، وَحَلَقَ، فَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجْ وَالْعُمْرَةِ، بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي الثقة الثبت [١٠] ١/١ . ٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصري [٧] ٣٥/٣١. ٣- (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢. ٤- (ابن عمر) عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف رََّهُ، وهو (١٤١) من رباعيات الكتاب، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ نَافِعِ) العدويّ ◌َخْذَتُ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما. هذا السياق يُشعر بأن الحديث عن نافع، عن ابن عمربغير واسطة، لكن رواية جويرية الآتية في - ٢٨٥٩/١٠٢ - تقتضي أن نافعًا حمل ذلك عن عبد الله، وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، حيث قال فيها: عن جويرية، عن نافع، أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر ... فذكر القصّة، والحديث. قال الحافظ رحمه الله تعالى: هكذا قال البخاريّ عن عبد الله بن محمد بن أسماء، ووافقه الحسن بن سفيان، وأبو يعلى عن عبد اللَّه، أخرجه الإسماعيليّ عنهما، وتابعهم معاذ بن المثنّى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء. أخرجه البيهقيّ. لكن في رواية موسى بن إسماعيل، عن جُويرية، عن نافع أن بعض بني عبد الله بن عمر، قال له ... فذكر الحديث. وظاهره أنه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة. وقد عقّب البخاريّ رواية عبد الله برواية موسى لينبه على الاختلاف في ذلك، واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد، وساقه في ((المغازي)) بتمامه. وقد رواه يحيى القطّان عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، كذلك، ولفظه: ((أن عبد الله ابن عبد اللَّه، وسالم بن عبد الله كلّما عبد اللَّه))، فذكر الحديث. أخرجه مسلم. وقد أخرجه البخاريّ في ((المغازي)) عن مسدّد، عن يحيى، مختصرًا، قال فيه: عن نافع، ٢٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عن ابن عمر، أنه أهلّ، فذكر بعض الحديث. وفي قوله: عن نافع، عن ابن عمر دلالة على أنه لا واسطة بين نافع، وابن عمر فيه، كما هو ظاهر سياق مسلم. وأخرجه البخاريّ من طريق عمر بن محمد، عن نافع، مثل سياق يحيى، عن عبيدالله سواء. وأخرجه من طريق فُليح من طريق أيوب، والليث، كلهم عن نافع. وأعرض مسلم عن تخريج طريق جويرية، ووافق على طريق تخريج الليث، وأيوب، عن عبيدالله بن عمر. وكذا أخرجه النسائيّ من طريق أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أميّة كلهم عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة. قال: والذي يترجّح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعًا بما كلّما به أباهما، وأشارا عليه به من التأخير ذلك العام، وأما بقيّة القصّة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر، فقد عُرف الواسطة بينهما، وهي ولدا عبد الله بن عمر، سالم، وعبد الله، وهما ثقتان، لا مطعن فيهما. ولم أر من نبه على ذلك من شُرّاح البخاريّ. ووقع في رواية جويرية المذكورة عبيدالله بن عبد الله بالتصغير، وفي رواية يحيى القطّان المذكورة عبد الله بالتكبير، وكذا في رواية عمر بن محمد، عن نافع، قال البيهقيّ: عبد الله -يعني مكبرًا- أصحّ. قال الحافظ: وليس بمستبعد أن يكون كلّ منهما كلّم أباه في ذلك، ولعلّ نافعًا حضر كلام عبد الله المكبّر مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيداللّه المصغّر مع أخيه سالم أيضًا، بل أخبراه بذلك، فقصّ عن كلّ ما انتهى إليه علمه انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((ووقع في رواية جويرية عبيدالله مصغرًا الخ)) هكذا في رواية البخاريّ من رواية محمد بن عبد الله بن أسماء، عن جويرية، وإلا فرواية جويرية عند النسائيّ من طريق عبد الله بن يزيد المقرىء عنه ((عبد الله بن عبد الله)) مكبرًا. وهذا الاختلاف يدلّ على أن المكبر أصحّ كما قاله البيهقيّ. والله تعالى أعلم. (أَرَادَ الْحَجَّ) وفي رواية البخاريّ من طريق مالك عن نافع: ((أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما حين خرج إلى مكة معتمرًا ... )). قال الحافظ: لا اختلاف بينهما، فإنه خرج أوّلا يريد الحجّ، فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحدًا، فأضاف إليها الحجّ، فصار قارنًا انتهى(٢). (عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ) أي جاء ليقاتله من قبل مروان بن الحكم. وفي رواية (١) - ((فتح)) ٤٦٩/٤-٤٧٠. (٢) - المصدر المذكور. ٥٣- (إِذا اهلّ بعُمْرةٍ هَلْ يَجْعَلُ مَعَهَا حَجًّا) - حديث رقم ٢٧٤٦ ٢٠٩ جويرية الآتية: ((لما نزل الجيش بابن الزبير قبل أن يُقتل)). وفي رواية للبخاريّ: ((ليالي نزل الجيش بابن الزبير))، وفي رواية له: ((في الفتنة))، وفي رواية له: ((أراد ابن عمر الحجّ عام حجّ الحروريّة)). قال الحافظ: قوله في هذه الرواية: ((عام حجة الحرورية))، وفي رواية الكشميهني: ((حج الحرورية في عهد ابن الزبير)) مغاير لقوله في ((باب طواف القارن)) من رواية الليث، عن نافع: ((عام نزل الحجاج بابن الزبير))؛ لأن حجة الحرورية كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية، سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمّى ابن الزبير بالخلافة، ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين، وذلك في آخر أيام ابن الزبير، فإما أن يُحمل على أن الراوي أطلق على الحجاج، وأتباعه حرورية؛ لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحقّ، وإما أن يُحمل على تعدّد القصّة. انتهى(١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وكان من شأن ابن الزبير أنه لما مات معاوية بن يزيد ابن معاوية، ولم يستخلف، بقي الناس لا خليفة لهم جمادين، وأيامًا، من رجب، من سنة أربع وستين، فاجتمع من كان بمكة من أهل الحل والعقد، فبايعوا عبد الله بن الزبير لتسع ليال بقين من رجب من السنة المذكورة، واستوسق له سلطان الجحاز، والعراق، وخراسان، وأعمال المشرق، وبايع أهل الشام، ومصر مروان بن الحكم في شهر رجب المذكور، ثم لم يزل أمرهما كذلك إلى أن توفي مروان، وولي ابنه عبد الملك، فمنع الناس من الحجّ لئلا يبايعوا ابن الزبير، ثم إنه جيّش الجيوش إلى الحجاز، وأمّر عليهم الحجّاج، فقاتل أهل مكة، وحاصرهم إلى أن تغلّب عليهم، وقتل ابن الزبير، وصلبه، وذلك يوم الثلاثاء، لثلاث ليال، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعین انتھی(٢). (فَقِيلَ لَهُ) أي لابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما. وقع في رواية البخاريّ من طريق أيوب، عن نافع، أن القائل هو ولده عبد الله بن عبد الله، ولفظه: ((قال عبد الله بن عبد الله بن عمر رَزيقتنا لأبيه: أقم، فإني لا آمن أن ستُصدّ عن البيت ... )). وفي رواية جويرية، عن نافع: أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد اللَّه أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ليالي نزل الجيش بابن الزبير، فقالا: لا يضرّك أن لا تحجّ العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت ... (إِنَةً كَائِنٌ بَيْتَهُمْ) أي بين جيش ابن الزبير وجيش الحجاج (قِتَالٌ) بالرفع على أنه فاعل ((كائن)) (وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ) أي يمنعوك عن الوصول إلى البيت، وأداء نسكك (قَالَ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾) بضم الهمزة، وكسرها، وقد (١) - ((فتح) ٤ / ٣٧٢. (٢) - ((المفهم)) ٣٥٥/٣-٣٥٦ . ٢١٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قرىء بهما في الآية المذكورة. قاله القرطبيّ. أي قدوة حسنة (إِذَا أَصْنَعَ) بالنصب بـ((إذن))؛ لوجود شروط عملها التي أشار إليها ابن في ((الخلاصة)) بقوله: وَنَصَبُوا بِـ((إِذَنٍ)) الْمُسْتَقْبَلَا إِنْ صُدِّرَتْ وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلَا أَوْ قَبْلَهُ الْتَمِينُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا إِذَا ((إِذَنْ)) مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا (كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿) ((ما)) اسم موصول، أي كالذي صنعه وَلَه أو حرف مصدريّ، أي كصنعه وَّر، يعني أنه إن صُدّ عن البيت حلّ من إحرامه، كما حلّ رسول اللَّه ◌َلّ، حين أُحصر بالحديبية؛ إذ صدّه المشركون عن البيت. وقال النوويّ: وأما قوله: ((صنعنا كما صنعنا مع رسول اللَّه ◌َ ليل الخ)): فالصواب في معناه أنه أراد إن صددت، وحُصرت تحللت كما تحللنا عام الحديبية مع النبيّ وَّ. وقال القاضي: يحتمل أنه أراد أُهِلّ بعمرة كما أَهلّ النبيّ وَّ بعمرة في العام الذي أُحصر. قال: ويحتمل أنه أراد الأمرين، قال: وهو الأظهر. وليس بظاهر كما ادعاه، بل الصحيح الذي يقتضيه سياق كلامه ما قدّمناه انتهى. وفي رواية جويرية: ((فقال: ((خرجنا مع رسول اللَّه وَ ليل، فحال كفّار قريش دون البيت، فنحر رسول اللّه وَ ل هديه، وحلق رأسه، وأشهدكم أني قد أوجبت العمرة إن شاء الله، أنطلق، فإن خُلّي بيني وبين البيت طُفت، وإن حِيل بيني وبين البيت فعلت ما فعل رسول اللَّه ◌ِ لَ، وأنا معه ... )). (إِنّي) بكسر الهمزة (أُشْهِدُكُمْ، أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً) أي ألزمت نفسي ذلك، والإيجاب هنا معناه الإلزام، وإنما قال ذلك لتعليم من أراد الاقتداء به، فإن الإشهاد في مثل هذا لا يحتاج إليه، ولا التلفظ بذلك، والنية كافية في صحة الإحرام. قاله وليّ الدین . وفي رواية جويرية عند البخاريّ: ((فأهلّ بالعمرة من ذي الحليفة)»، وفي رواية أيوب: ((فأهل بالعمرة من الدار)). والمراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة. ويحتمل أن يُحمل على الدار التي بالمدينة، ويُجمع بأنه أهلّ بالعمرة من داخل بيته، ثم أعلن بها، وأظهرها بعد أن استقرّ بذي الحليفة. قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني ضعيف، بل باطل، لأن رواية المصنف الآتية ٢٩٣٣/١٤٤ من طريق أيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وعبيدالله كلهم، عن نافع، مصرّحة بما يرّده، ولفظه: ((قال: خرج عبد الله بن عمر، فلما أتى ذا الحليفة، أهلّ بالعمرة، فسار قليلًا ... ))، فظهر بهذا أن الاحتمال الذي ذكروه في تفسير ٢١١ = ٥٣- (إِذاَ اهَلَّ بِعُمْرةٍ هَلْ يَجْعَلُ مَعَهَا حَجًّا) - حديث رقم ٢٧٤٦ الدار بداره في المدينة غير صحيح، بل الصواب أنه المنزل الذي نزله بذي الحليفة. ولأن ابن عمر تَّه معروف بشدة اتباعه للنبيّ وَلّ فلا يمكن أن يخالفه في الإحرام قبل الميقات الذي حدّده وال﴿ قولًا وفعلًا، وقد قدّمنا أن الأرجح أنه لا يجوز الإحرام قبل الميقات، فالمعنى الأول هو المتعيّن هنا. فتبصّر. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ خَرَجَ) أي من المدينة (حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ) وفي رواية جويرية: ((ثم سار ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد ... ))، قال الحافظ: وهو يؤيّد الاحتمال الأول الماضي في أن المراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة. وقال أيضًا: ولو كان إيجابه العمرة من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البيداء أكثر من ساعة انتهى. (قَالَ) ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما (مَا شَأْنُ الْحَجْ وَالْعُمْرَةِ، إِلَّا وَاحِدٌ) أي فيما يتعلّق بالإحصار، والإحلال. وقال القرطبيّ: أي في حكم الصدّ، يعني أنه من صُدّ عن البيت بعدوّ، فله أن يحلّ من إحرامه، سواء كان محرمًا بحجّ، أو عمرة، وإن كان النبيّ ﴿ليه إنما صُدّ عن عمرة؛ لكن لما كان الإحرام بالحجّ مساويًا للإحرام بالعمرة في الحكم حمله علیه انتهى. وقال النووي: فيه صحة القياس، والعمل به، وأن الصحابة * كانوا يستعملونه، فلهذا قاس الحجّ على العمرة؛ لأن النبيّ وَله إنما تحلّل من الإحصار بعمرة عام الحديبية من إحرامه بعمرة وحدها انتهى(١). قال الحافظ وليّ الدين: ما ذكره في معنى كلام ابن عمر لا يتعيّن، فقد يكون معناه: ما أمرهما إلا واحد في إمكان الإحصار عن كلّ منهما، فكأنه كان أولًا رأى الإحصار عن الحجّ أقرب من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحجّ، وكثرة أعماله، بخلاف العمرة، ويدلّ لهذا قوله في رواية عبيدالله بن عمر، عن نافع بعد قوله: ((ما أمرهما إلا واحد)): ((إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحجّ))، وهو في ((الصحيح)) (٢) انتھی(٢). (أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا، مَعَ عُمْرَتِي) يعني أنه أدرف الحجّ على عمرته المتقدّمة، فصار قارنا. وفيه حجة على جواز إدخال الحج على العمرة، وهو مذهب الجمهور (وَأَهْدَى) بفتح الهمزة، فعل ماض من الإهداء (هَذْيًا، اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ) بضم القاف مصغّرًا: موضع بين مكة والمدينة. يعني أنه قّده هناك، وأشعره، ويعني به الهدي الذي وجب عليه لأجل قرانه. (١) - ((شرح مسلم ٤٣٩/٨٤. (٢) - ((طرح التثريب)) ١٦٢/٥. == ٢١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وروى علي بن عبد العزيز، عن القعنبيّ، عن مالك في هذا الحديث: ((وأهدى شاة»، فزاد ذكر الشاة، قال ابن عبد البرّ: وهو غير محفوظ عن ابن عمر، والدليل على غلطه أن ابن عمر كان مذهبه فيما استيسر من الهدي بقرة دون بقرة، أو بدنة دون بدنة. ذكره عبد الرزّاق عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عنه. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: البدنة، والبقرة. وروي عن عمر، وابن عبّاس، وعليّ، وغيرهم: ما استيسر من الهدي شاة، وعليه العلماء انتهى (١). (ثُمَّ انْطَلَقَ يِهِلُ بِهِمَا جَميعًا) أي ذهب إلى البيت يرفع صوته بالحج والعمرة معًا (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ) يعني طواف القدوم، فقد حصل له ما أراده، ولم يقع له شيء مما توهّمه من الصدّ (وَبِالصَّفَا وَالْمَزْوَةِ) أي سعى بينهما (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْخَرْ) هديه (وَلَمْ يَحْلِقْ) رأسه (وَلَمْ يُقَصِّرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّخِرِ) ((كان)) هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها: أي حتى جاء يوم النحر (فَتَحَرَ، وَحَلَقَ، فَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، بِطَوَافِ الْأَوَّلِ) قال القرطبيّ: يعني الطواف بين الصفا والمروة، وأما الطواف بالبيت، فلا يصحّ أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بدّ منه للمفرد، والقارن، ولا قائل بأن طواف القدوم يُجزىء عن طواف الإفاضة بوجه انتهى (٢). وقال ابن عبد البرّ: فيه حجة لمالك في قوله: إن طواف القدوم إذا وُصل بالسعي يُجزىء عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلًا، أو نسيه، حتى رجع إلى بلده، وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحدًا قاله غيره، وغير أصحابه. انتهى(٣). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب ما قاله القرطبيّ، من أن المراد بالطواف السعي، لا الطواف بالبيت، فإنه لا يكفى الطواف الأول عن الإفاضة، بدليل حديث جابر رَّه الصحيح، قال: ((لم يطف النبيّ وَّر، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول)). فإن هذا صريح في كون المراد بالطواف الأول في حديث ابن عمر المذكور هو السعي بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، فإن جابرًا، وغيره قد نصّوا على أنه وَلير، وأصحابه أفاضوا يوم النحر. والله تعالى أعلم بالصواب. وأما ما أطال به السنديّ نفسه، فلا أرى لنقله هنا وَجْهًا ؛ لأن ما سبق يغني عنه، وأما استبعاده إطلاق الطواف على السعي، فعجيب منه، فإن هذا الحدیث نفسه يُبطل ذلك، (١) -راجع ((التمهيد)) ١٩٠/١٥. (٢) - ((المفهم)) ٣٥٧/٣-٣٥٨ . (٣) -راجع ((الاستذكار))١٢ /٨٥ . = ٢١٣ ٥٣- (إذاَ اهَلَّ بِعُمْرةٍ هَلْ يَجْعَلُ مَعَهَا حَجًّا) - حديث رقم ٢٧٤٦ فإنه قال: («فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة))، وما أكثر مثل هذه العبارة في الأحاديث. فتبصّر، ولا تتحيّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿) يعني أنه اكتفى بالطواف بين الصفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يُعِد السعي. وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة: إذ قال: إن القارن لا يكتفي بعمل واحد، بل لا بدّ من عمل كلّ واحد من الحجّ والعمرة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في محله، باب ((طواف القارن)) - ٢٩٣٢/١٤٤ - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧٤٦/٥٣ و٢٨٥٥/١٠٢ و٢٩٣٢/١٤٤ و٢٩٣٣ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٢٧/٥٣ ٣٨٤٢/١٠١ و٣٩١٣/١٣٩ و٣٩١٤. وأخرجه (خ) في ((الحج)) ١٦٣٩ و١٦٤٠ و١٦٩٣ و١٧٠٨ و١٧٢٦ و١٧٣٢ و١٨٠٦ و١٨٠٨ و١٨١٠ و١٨١٢ و١٨١٣ و((المغازي)» ٤١٨٣ و٤١٨٤ و٤١٨٥ (م) في ((الحج))١٢٣٠ و١٣٠١ و١٣٠٤ (ت) في ((الحج))٩١٣ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٦٦ و٤٥٨١ و٤٥٨٢ و٤٩٤٤ و ٥١٤٣ و٥٢٧٦ و٥١٣٠٠ ٦١٨٨ و٦٢٣٢ و٦٣٥٥ (الموطأ) في ((الحجّ)) ٨٠٨ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٨٩٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز إدخال الحج على العمرة. (ومنها): أن من أحصره العدوّ، أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًا أو عمرة، جاز له التحلّل بأن ينحر هديه، ويحلق رأسه، أو يقصّر. والتحلّل بإحصار العدوّ مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم، وبه قالت الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سيأتي توضيحها في مَحَلّها، باب ((فيمن أُحصر بعدو)) - ٢٨٥٩/١٠٢ - إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه يجوز للحاج أن يخرج في الطريق المخوف إذا لم يتيقّن بالسوء، ورجى السلامة، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة. (ومنها): أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد، وبه قال الجمهور، وخالف الحنفية في ذلك، فأوجبوا ٢١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عليه طوافين، وسعيين، وسيأتي تحقيق فيه في محله إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن القارن يهدي كالمتمتع، وبه قال العلماء، من فضّل منهم القران على غيره، ومن جعله مرجوحًا، ومن قال بإتيان القارن بأعمال النسكين، ومن قال بالاقتصار على عمل واحد. وخالف في ذلك ابن حزم، فقال: لا هدي على القارن. والراجح قول الجمهور، لأن التمتع والقران معناهما واحد في اللغة، وعرف السلف، فتشلمهما آية ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْخَذْيَّ﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في إدخال الحج على العمرة، وعكسه: ذهب جمهور السلف والخلف إلى جواز إدخال الحج على العمرة، وهو قول الأئمة الأربعة، لكن شرطه عندأكثرهم أن يكون قبل طواف العمرة، ثم اختلفوا، فقالت الشافعيّة، والحنابلة: الشرط في صحّته أن يكون قبل الشروع في الطواف، وبه قال أشهب من المالكية، وصوّبه ابن عبد البرّ. وقالت الحنفيّة: الشرط أن يكون قبل مضيّ أكثر الطواف، فمتى كان إدخاله الحجّ على العمرة بعد مضيّ أربعة أشواط لم يصحّ. وقال ابن القاسم: يصحّ ما لم يكمل الطواف. وعنه رواية أخرى ما لم يركع ركعتي الطواف. وقال القاضي أبو محمد من المالكيّة: يصحّ ما لم يكمل السعي. فهذا مع ما تقدّم عن أشهب أربعة أقوال عند المالكية. وشذّ بعض الناس فمنع إدخال الحجّ على العمرة، وقال: لا يُدخل إحرام على إحرام، كما لا تُدخل صلاة على صلاة. وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي ثور، ثم نقل الإجماع على خلافه . وأما إدخال العمرة على الحجّ فمنعه الجمهور، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد. وجوّزه أبو حنيفة، وهو قول قديم للشافعيّ. قاله وليّ الدين(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من جواز إدخال الحجّ على العمرة هو الحقّ عندي؛ لأن النبيّ ◌َّل فعله، ولم يرد نصّ يمنع عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنیب)). (١) - ((طرح التثريب)) ١٦٢/٥. ٢١٥ ٥٤- (كَيفَةُ التلبية) - حديث رقم ٢٧٤٧ ٥٤- (كَيْفَيَّةُ التَّلْبيَّةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((التلبية)): مصدر لَبِى: إذا قال: لبيك. قال الفيّوميّ: وألبّ بالمكان إلبابًا: أقام، ولبّ لبًّا، من باب قتل لغة فيه، وثُنّي هذا المصدر، مضافًا إلى كاف المخاطب، وقيل: لبيك، وسعديك: أي أنا ملازم طاعتك لزومًا بعد لُزوم. وعن الخليل أنهم ثنّوه على جهة التأكيد، وقال: اللبّ: الإقامة، وأصل لبيك: لبين لك، فحُذفت النون للإضافة. وعن يونس أنه غير مثنى، بل اسم مفرد، يتصل به الضمير بمنزلة ((على))، و(لدى))، إذا اتّصل به الضمير. وأنكره سيبويه، وقال: لو كان مثل ((على))، و((لدى)) ثبتت الياء مع المضمر، وبقيت الألف مع الظاهر، وحكي من كلامهم: ((لبّيْ زيد)) بالياء مع الإضافة إلى الظاهر، فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدلّ على أنه ليس مثل ((على))، و((لدى)). ولبّى الرجل تلبية: إذا قال: لبيك، ولّى بالحجّ كذلك. قال ابن السكّيت: وقالت العرب: لبّأْتُ بالحجّ بالهمز، وليس أصله الهمز، بل الياء. وقال الفرّاء: وربّما خرجت بهم فصاحتهم حتى هَمَزُوا ما ليس بمهموز، فقالوا: لبّأْتُ بالحجّ، ورثأتُ الميت، ونحو ذلك، كما يتركون الهمز إلى غيره فصاحة، وبلاغة انتهى كلام الفيّوميّ(١). وقال في ((الفتح)): ((التلبية: مصدر لبّى: أي قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرًا. وهو لفظ مثنى عند سيبويه، ومن تبعه. وقال يونس بن حبيب: هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير، كـ((لديّ))، و((عليّ)). وردّ بأنها تقلب ياء مع المظهر. وعن الفرّاء: هو منصوب على المصدر، وأصله لبًّا لك، فثُنّ على التأكيد، أي إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية، بل هي للتكثير، أو المبالغة، ومعناه: إجابةً بعد إجابة، أو إجابةً لازمةً. قال ابن الأنباريّ: ثنّوا (لبيك)) كما ثنّوا ((حَنَانيك))، أي تحنثًا بعد تحنّن. وقيل: معنى (لبيك)): اتجاهي، وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي تواجهها. وقيل: معناها: مَحَبَّتِي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لّة: إذا كانت محبّةً ولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها: إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حسبٌ لباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لبّ الطعام، ولُبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبَّ الرجلُ بالمكان، (١) - ((المصباح المنير)) في مادة لبّ. ٢١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وألبّ: إذا أقام فيه، ولزمه. قال ابن الأنباريّ: وبهذا قال الخليل، والأحمر، وقال إبراهيم الحربيّ: معنى ((لبيك)) قربًا منك، وطاعة، والإلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا مُلب بين يديك، أي خاضع. حكى هذه الأقوال القاضي عياض، وغيره. قال الزمخشريّ في ((الفائق)): وهو منصوب على المصدر، للتكثير، ولا يكون عامله إلا مضمرًا، كأنه قال: أُلِبُّ إلبابًا بعد إلباب. قال ابن عبد البرّ: ومعنى ((التلبية)): إجابة اللَّه فيما فرض عليهم من حجّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء اللَّه إياه في إيجاب الحجّ عليه، ومن أجل الاستجابة - والله أعلم- لبى؛ لأن من دُعي، فقال: لبيك، فقد استجاب. ثم قال: وقال جماعة، من أهل العلم: إن معنى التلبية إجابة إبراهيمَ لََّلُ حين أذن في الناس بالحجّ. وقال القاضي عياض: قيل: وهذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيمعليَّلِ: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالحَجّ﴾ انتهى. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في ((تفاسيرهم)) عن ابن عبّاس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قويّة، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في ((مسنده))، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عنه، قال: ((لما فرغ إبراهيم عَلَّل من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحجّ، قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟، قال: أذْن، وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض، يُلبّون)). ومن طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، وفيه: ((فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فليس حاجٌ يحجّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ)). قال ابن المنير في ((الحاشية)): وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى انتهى ما في ((الفتح)) بزيادة من ((طرح التثريب))(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٤٧ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّه ◌ِهِلُّ، يَقُولُ: (١) - («فتح» ٤ / ١٩١- ١٩٢. ((طرح التثريب)) ٨٩/٥-٩٠. ٢١٧ ٥٤- (کھةُ التلبية) - حديث رقم ٢٧٤٧ (َبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ بَهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عيسى بن إبراهيم) ابن عيسى بن مَثْرود، أبو موسى المصري، ثقة من صغار [١٠] ٣١ / ٨١٩ . ٢- (ابن وهب) عبد الله، أبو محمد المصري ثقة ثبت [٩] ٩/٩. ٣- (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة [٧] ٩/ ٩. ٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الحجد الثبت [٤] ١/١ . ٥- (سالم) بن عبد الله بن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣ /٤٩٠. ٦- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رَّلُهُ، وأن رجاله رجال الصحيح، غیر شیخه، فإنه من أفراده وأبي داود، والترمذي، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر توريثها من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي، أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِ لَهِ يُهِلُ) بضمّ أوله، من الإهلال، أي يرفع صوته (يَقُولُ) بدل من ((يُهُلَ))، أو في محلّ نصب حال من الفاعل (لَبَّيْكَ) تقد الكلام في اشتقاقها، ومعناها قريبًا (اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أي يا أللّه أنا مقيم ببابك إقامة بعد إقامة، ومجيب نداءك إجابة بعد إجابة، فتثنية ((لبيك)) تفيد التكرار والتأكيد، كما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْصَرَ كُرََّنِ﴾ الآية [الملك: ٤] أي كرات كثيرة، وتكرار (لبيك)) لزيادة التأكيد، كما أن دخول جملة ((اللَّهم)) بين المؤكّد والمؤكّد لذلك أيضًا (لَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ) قيل: إنه استئناف، فيستحسن الوقف على ((لبيك)) الثانية، كما يستحسن على الرابعة. قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهيّة، ٢١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجْ وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندّيّة، والمثليّة في الذات والصفات انتهى (١) (إِنَّ الْحَمْدَ) روي بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه الزمخشريّ عن أبي حنيفة، وابن قدامة عن أحمد بن حنبل. وحكاه ابن عبد البرّ عن اختيار أهل العربيّة. وقال الخطابيّ: الفتح رواية العامّة. وحكاه الزمخشريّ عن الشافعيّ. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد، والنعمة لك على كلّ حال، ومن فتح قال: معناه: لبيك لهذا السبب. وكذا رجّح الكسر ابن دقيق العيد، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معلّلة، وأن الحمد، والنعمة لله على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعمّ، وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه، ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استئناف الثناء، وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجيّ إلى أنه لا مزيّة لأحد الوجهين على الآخر. وقال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد، لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد لبيك لأن الحمد على كلّ حال، والملك لك، والنعمة وحدك، دون غيرك، حقيقة، لا شريك لك. وتعقّب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا، غير معلّل، ولا مقيّد، فهو أبلغ في الاستجابة لله. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن هذا التعقّب فيه نظر؛ لأن التقييد والإطلاق هنا سواء في المعنى؛ لأن ما قُيّد بما لا حصر له، ولا نهاية، مثل الإطلاق، ولا فرق، فثبوت الحمد لله تعالى لا نهاية، ولا حصر له، فالتلبية المقيدة به، كالتلبية المطلقة في المعنى، فما قاله ابن عبد البرّ لا غبار عليه. والحاصل أنه لا فرق في الحقيقة هنا بين الكسر، والفتح. والله تعالى أعلم بالصواب. (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب. قال عياضك ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا والتقدير: إن الحمد لك، والنعمةُ مستقرّة لك. قال ابن الأنباريّ: إن شئت جعلت خبر ((إنّ)) محذوفًا، والموجود خبر المبتدإ تقديره: إن الحمد لك، والنعمة (١) -راجع ((المرعات)) ٤٤٣/٨. 1 ٥٤- (کیفُ التلبية) - حدیث رقم ٢٧٤٧ ٢١٩ === مستقرّة لك (وَالْمُلْكَ) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك. قاله الحافظ. وقال الحافظ وليّ الدين: فيه وجهان أيضًا، أشهرهما النصب عطفًا على اسم ((إنّ))، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على (الحمد))، ولذا يستحبّ الوقف عند قوله: ((والملك)). قال ابن المنير: قرن الحمد والنعمة، وأفرد ((الملك))؛ لأن الحمد متعلَّق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فيجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقلّ بنفسه، ذُكر لتحقيق أن النعمة كلها للَّه؛ لأنه صاحب الملك. قال القاري: ولا مانع من أن يكون ((الملك)) مرفوعًا، وخبره قول (لَا شَرِيكَ لَكَ) أي فيه. (وَأَنَّ) بفتح همزة ((أنّ)) لكونه معطوفًا على ((أنّ أباه))، أي وأخبرني أن (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ) رضي الله تعالى عنهما (كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ) أي يصلي ركعتين، والظاهر أنهما صلاة الظهر. قال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: لم يُنقل عنه وَلّ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. وقال: المحفوظ أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر، وقال أيضًا: قد قال ابن عمر: (( ما أهلّ رسول اللّه وَلَه إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وقد قال أنس: إنه صلى الظهر، ثم ركب. والحديثان في ((الصحيح))، فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبيّن أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر انتهى مخلصًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه اللّه تعالى في ((مناسكه)): يستحبّ أن يُحرم عقب صلاة، إما فرض، وإما تطوّع، إن كان وقت تطوّع، في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلّي فرضًا أحرم عقبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما رجّحه شيخ الإسلام رحمه اللَّه تعالى هو الذي يظهر لي. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ، إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً) أي اعتدلت قائمة من بروكها (عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ) أي رفع صوته (بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أي بكلمات التلبية السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه. ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧٤٧/٥٤ و٢٧٤٨ و٢٧٤٩ و٢٧٥٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٢٨/٥٤ و٣٧٢٩ و٣٧٣٠ و٣٧٣١ . وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٥٤٩ و((اللباس)) ٥٩١٥ (م) ١١٨٤ في ((الحجّ)) (د) في ((المناسك)) ١٨١٢ (ت) في ((الحج)) ٨٢٥ (ق) في ((المناسك))٢٩١٨ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٤٣ و٤٨٠٦ و٤٨٧٧ و٤٩٧٧ و٤٩٩٩ و٥٠٥١ و٥٠٦٧ و٥١٣٢ و٥٤٨٤ و٥٩٨٥ و٦١١١ (الموطأ) في ((الحج))٧٣٨ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٨٠٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية التلبية. (ومنها): أن فيه دلالة على أن مشروعيّة الحجّ لإظهار الفاقة، والتضرع إلى الله تعالى، والابتهال، والثناء، والتوحيد، والتمجيد. (ومنها): استحباب الإحرام بعد أداء ركعتين؛ لأنه وَلتر أحرم بعدهما. (ومنها): أن وقت الإهلال حينما يركب دابته، أو سيارته، أو نحو ذلك. (ومنها): أن الإحرام يكون عند الميقات المحدّد، لا قبله، ولا بعده؛ إذ لم ينقل عنه وَليه التقديم عليه، ولا التأخير عنه، فما قاله بعض أهل العلم من استحباب الإهلال من دُويرة أهله مخالف للسنة قولًا، وفعلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم الزيادة على التلبية المذكورة: قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ رحمه اللّه تعالى بعد أن أخرج أحاديث التلبية من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معديكرب: أجمع المسلمون على هذه التلبية، غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحبّ، وهو قول محمد، والثوريّ، والأوزاعيّ، واحتجّوا بحديث أبي هريرة - يعني الذي أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم - قال: ((كان من تلبية رسول اللّه وَ له لبيك إله الحقّ لبيك))(١). وبزيادة ابن عمر الآتي برقم - ٢٧٥٠ - . وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي ان يزاد على ما علمه رسول اللَّه وَ له الناس، كما في حديث عمرو بن معديكرب، ثم فعله هو، ولم يقل: لبّوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علّمهم كما علمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئًا (١) -هو الآتي للمصنف برقم - ٢٧٥٢.