النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ٥٠- (التَّمَتُعُ) - حديث رقم ٢٧٣٢ أَطْوَافٍ) أي سبعة أشواط، رمل فيها بين الميلين الأخضرين (ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ، مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي بقي على إحرامه لم يحلّ له شيء من محظورات الإحرام (حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) أي أدى أكثر أعمال حجه من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة يوم النحر، وحلقه رأسه (وَتَحَرَ هَذَهُ يَوْمَ النَّخْرِ، وَأَفَاضَ) أي دفع، قال الفيّوميّ: أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، وكلّ دفعة إفاضة، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة، أي طواف الرجوع من منى إلى مكة انتهى. (فَطَافَ بِالْبَيْتِ) طواف الإضافة (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي مُنع منه، ومنه إتيان الحلائل (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ مَنْ أَهْدَى) ((مَنْ)) اسم موصول في محلّ رفع فاعل ((فَعَلَ)) مؤخّر، و((مثلَ)) مفعول مقدّم، أي فعل الذين ساقوا الهدي من الصحابة ، مثل فعله وَلِّ (وَسَاقَ الْهَذْيَ) عطف تفسير لـ((أهدى)) (مِنَ النَّاسِ) بيان لمن أهدى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧٣٢/٥٠ و٢٨٦٢/١٠٣ و٢٩٣٠/١٤٢ و٢٩٤٠/١٥٠ و١٥١/ ٢٩٤١ و٢٩٤٢/١٥٢ و٢٩٤٣/١٥٣ و٢٩٤٦/١٥٥ و٢٩٤٧/١٥٦ و٢٩٤٨ و١٥٧/ ٢٩٤٩ و٢٩٥٠/١٥٨ و٢٩٥١ و٢٩٥٢ و٢٩٥٣ و٢٩٦٠/١٦٢ و٢٩٦٦/١٦٧ و ٢٩٧٦/١٧٤- وفي ((الكبرى)) ٣٧١٢/٥٠ و٣٨٤٥/١٠٣ و٣٩١٧/١٤١ و٣٩٣٠/١٥٠ و١٥١/ ٣٩٣١ و٣٩٣٢ و٣٩٣٥/٣٩٣٣١٥٣ و٣٩٣٨/١٥٥ و٣٩٣٩ . وأخرجه (خ) في ((الوضوء))١٦٦ و((الصلاة))٣٩٦ و٤٩٢ و((الحج)) ١٥٤١ و١٥٧٣ و ١٥٧٤ و ١٦٠٣ و١٦٠٤١٦١٦ و١٦١٧ و١٦٢٤ و١٦٢٧ و١٧٤٤ و١٦٤٦ و١٦٤٧ و١٦٩٢ و١٧٩٤ (م) في ((الحج)١١٨٦ و١١٨٧ و١٢٢٧ و١٢٣٤ و١٢٥٩ و١٢٦١ و١٢٦٨ و١٢٥٧ و (د) في ((المناسك)) ١٧٧١ و١٧٧٢ و١٨٠٥ و١٨٦٥ و١٨٩١ و١٩٠٤ و((اللباس))٤٠٦٤١ و((الترجّل))٤٢١٠ و(ت) في ((الحجّ)) ٨١٨ و٨٢٤ و٨٦١ (ق) في ((المناسك))٢٩١٦ و٢٩٤٦ و٢٩٥٠ و٢٩٥٩ و٢٩٧٤ و٢٩٨٨ (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٤٤٤٨ و٤٥٧١ و ٤٦٠٤ و ٤٦١٤ و ٤٩٠٧ و٤٨٢٩ و٤٨٧٢ و ٤٩٦٣ و ٥١٧٩ و٥٢١٦ و٥٣٧٨ و٥٤٢١ و٥٧٠٣ و٥٧٢٦ و٥٨٦٠ و٥٩٠٧ و٦٠١١ و٦٢٠٢ ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ و٦٣٩٧ و٥٧٢٦ و٥٨٦٠ و٥٩٠٧ و٦٠١١ و٦٢٠٢ و٦٣٩٧ و٦٤٢٧ (الموطأ) في ((الحج)) ٧١٤ و٧٤٠ و٧٤٢ و٨١٧ و٩٢٣ و(الدارمي) في ((المناسك)) ١٨٣٨ و١٨٤١ و١٨٤٢ و١٩٢٧ و١٩٣١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية التمتع، وقد تقدّم أن التمتع يطلق على القران، وحديث الباب يكون دليلاً على التمتعين، فبالنسبة للنبيّ وَّ، والصحابة الذين ساقوا الهدي معه فهو قران، وبالنسبة للذين لم يسوقوا الهدي، فتمتّعٌ بالمعنى المعروف عند الفقهاء. (ومنها): مشروعية سوق الهدي من الميقات لمن تيسّر له. (ومنها): أن من تمتع، ولم يسق الهدي، تحلّل بعد الطواف والسعي. (ومنها): أن قوله: ((وليقصّر)) يدلّ على أن التقصير، أو الحلق نسك من مناسك الحجّ، وبه قال الجمهور، وقيل: إنه يستباح به المحظور، وليس بنسك، وهو ضعيف. (ومنها): استحباب طواف القدوم، واستحباب الرمل في الأشواط الثلاثة منه، والمشي على الهيئة في البواقي. (ومنها): استحباب استلام الحجر الأسود في أول طوافه، وكذا كلما مرّ عليه. (ومنها): استحباب صلاة ركعتي الطواف، عند مقام إبراهيمَلََّلُ. (ومنها): مشروعية السعي بين الصفا والمروة. (ومنها): مشروعية طواف الإفاضة يوم النحر، وأنه يحل به للمحرم كل شيء حرم عليه، من محظورات الإحرام، مطلقًا. (ومنها): وجوب الهدي لمن تمتع، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. (ومنها): أن قوله: ((ثم لم يحلّ من شيء حرم منه حتى قضى حجه)) يردّ قول من قال: إنه وسلّ كان متمتّعًا بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ، والإحلال منها، وإردافها بأعمال الحجّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٣٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يَقُولُ: حَجَّ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، نَى عُثْمَانُ عَنِ التَّمَتُحِ، فَقَالَ عَلَيّ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ قَدِ ارْتَحَلَ، فَارْتَحِلُوا، فَلَبَّى عَلَيٍّ، وَأَصْحَابُهُ بِالْعُمْرَةِ، فَلَمْ يَنْهَهُمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ عَلِيٍّ: أَلَمْ أَخْبَرْ أَنَّكَ تَتْهَى عَنِ التَّمَتُعِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ لَهُ عَلِيٍّ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ تَمَتَّعَ؟ قَالَ بَلَى))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((عبد الرحمن بن حرملة)) بن عمرو بن سَنَّةَ - بفتح المهملة، وتثقيل النون- ١٨٣ ٥٠- (التَّمَتُّعُ) - حديث رقم ٢٧٣٣ الأسلميّ، أبو حرملة المدنيّ، صدوق ربما أخطأ [٦]. قال يحيى بن سعيد: كنت سيء الحفظ، فرخّص لي سعيد في الكتابة. قال يحيى بن سعيد: محمد بن عمرو أحبّ إليّ من ابن حرملة، وكان ابن حرملة يُلقّن. وقال ابن خلّاد الباهليّ: سألت القطّان عنه، فضعّفه، ولم يدفعه. وقال إسحاق، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: يُکتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ : ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُخطىء. وقال ابن سعد: توفي سنة (١٤٥)، قال محمد بن عمر: وكان ثقة كثير الحديث. وقال الساجيّ: صدوق يهم في الحديث. وقال ابن عديّ: لم أر في حديثه حديثًا منكرًا. ونقل ابن خلفون عن ابن نمير أنه وثّقه. وقال الطحاويّ: لا يُعرف له سماع من أبي عليّ الهمدانيّ. روی له الجماعة سوی البخاريّ. روی له مسلم حديثًا واحدًا متابعة في القنوت. وروى له المصنّف حديث الباب فقط. وقوله: ((فلما كنا ببعض الطريق الخ)). وفي ((صحيح البخاري))، من طريق عمرو بن مرة، عن سعيد ابن المسيب، أن اختلافهما كان بعُسْفان. قال الفيّوميّ: عُسْفَان: موضع بين مكة والمدينة، ويُذكّر، ويؤنّث، ويُسمّى في زماننا مَذْرَج عثمان، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة انتهى. وقوله: ((إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا)) أي ارتحلوا معه، ملبّين بالعمرة؛ ليعلم أنكم قدّمتم السنة على قوله، وأنه لا طاعة له في مقابلة السنّة . قاله السنديّ. وقوله: ((فلم ينههم عثمان)) أي بعد أن سبق بينه وبين عليّ ما سبق ، وعَلِم أن عليًّا، وأصحابه ما انتهوا عن ذلك بقوله. وقيل: هذا رجوع من عثمان عن النهي عن المتعة . ولكن يبعده آخر الحديث. وفيه أن نهي عثمان عن التمتّع ليس نهي تحريم، وإنما هو من باب الأفضلية، إذ لولا ذلك لما سكت عن نهيهم، بل ألزمهم أن يرفضوا تمتّعهم. وقوله: ((ألم أُخبر)) بضم الهمزة على بناء الفعل للمفعول، وكأن عليًّا أراد أن يعيد معه الكلام ليرجع عن النهي. والحاصل أن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما كانا يريان أن التمتّع في وقته وَل كان بسبب من الأسباب، وتركه أفضل، وعليّ رضي الله تعالى عنه كان يرى أنه السنّة، وأنه الأفضل، وهو الصواب. والله تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في ٢٧٢٢/٤٩ . ودلالته على ما ترجم له، وهو مشروعيّة التمتّع واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢٧٣٤ - أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَوْفَلِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَّةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ، إِلَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ سَعْدٌ: بِسَمَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ الضَّخَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ نََّى عَنْ ذَلِكَ، قَالَ سَعْدٌ: ((قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧ . ٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ . ٤- (محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب) الهاشميّ النوفليّ المدنيّ، مقبول [٣]. روى عن سعد بن أبي وقّاص، وأسامة بن زيد، ومعاوية، والضحاك بن سفيان، وغيرهم. وعنه عمر بن عبد العزيز، والزهريّ. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وجزم ابن عبد البرّ بأن الزهريّ تفرّد بالرواية عنه، قال: ولا يُعرف إلا برواية الزهريّ عنه. روى له الترمذيّ، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط. ٥- (سعد بن أبي وقّاص) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إيحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رَمَى بسهم في سبيل الله، ومناقبه كثيرة، مات رَوَّه بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، تقدم في ٢٠٣٢/١٠٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رَخَّْثُ، وأن رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله كما مر آنفًا، وانه مسلسل بالمدنيين غير قتيبة فبغلاني، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وأن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة . . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَوْفَلٍ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ) الهاشميّ النوفليّ (أَنَّهُ حَدَّثَهُ) الضمير، اسم ((أنّ)) الأول لمحمد بن عبد الله، والضمير المفعول ١٨٥ == ٥٠- (التَّمَتُعُ) - حدیث رقم ٢٧٣٤ لابن شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ◌َّهِ (وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ) بن خالد بن وهب الفهريّ، أبا أنيس الأمير المشهور، صحابيّ صغير، قُتل رضي الله تعالى عنه في وقعة مرج راهط سنة (٦٤) تقدّمت ترجمته في ١٠٠/ ٢٠٣٢ (عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) رضي اللَّه تعالى عنهما. وذكر أبو جعفر الطحاويّ رحمه الله تعالى أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استُخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين. قاله في ((الفتح))(١) (وَهُمَا) أي سعد، والضحاك (يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي يذكران حكمه، وجملة ((وهما يذكران الخ)) في محلّ نصب على الحال من فاعل (سمع)) (فَقَالَ الضَّحَّاكُ) بن قيس ◌َِّ (لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي التمتع المذكور (إِلَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أي حكمه، وشرعه، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام، إلى فراغ الحجّ، ومنع التحلّل، والتمتّعُ فيه تحلّل. ويحتمل أنه قال ذلك اعتمادًا على نهي عمر رَّه، حيث إنه لا ينهى إلا عن غير المشروع، ويؤيد هذا قوله: ((فإن عمر قد نهى عن ذلك)) (فَقَالَ سَعْدٌ) بن أبي قّاص ◌َوّه (بِئْسَمَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أَخِي) ناداه به تلطّفًا، وترفْقًا (قَالَ الضَّحَّاكُ) رَّم ذاكرًا حجته على ما قال (فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي اللَّه تعالى عنه (نَهَى عَنْ ذَلِكَ) أي ونهيه لا يكون إلا عن خلاف السنّة، وخلاف حكم الشرع. قال الباجيّ: إنما نهى عنه لأنه رأى الإفراد أفضل منها، ولم ينه عنه تحريمًا. وقال عياض: إنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما في ((مسلم))، بناء على معتقده أن الفسخ خاصّ بتلك السنة. وقال النوويّ: والمختار أن عمر، وعثمان، وغيرهما إنما نهوا عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ في عامه، وهو على التنزيه للترغيب، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الخلاف في الأفضل انتهى. (قَالَ سَعْدٌ) رَِِّ (قَدْ صَنَعَهَا) أي المتعة، فتأنيث الضمير مع أنه يعود إلى ((التمتع)) بتأويله بالمتعة (رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) أراد بذلك التمتّع الذي هو القران؛ إذ التمتّع يطلق على القران، كما سبق، وقد صحّ أنه وَ ل﴿ كان قارنًا، لا متمتعًا (وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) أي تمتعنا مع رسول اللَّه وَله، والتمتّع الذي كان للصحابة فهو التمتع الحقيقيّ، لمن لم يسق الهدي، وأما من ساق الهدي، فالتمتع في حقّه هو التمتع بمعنى القران، كما سبق. وأراد سعد رضي اللّه تعالى عنه بذلك أن التمتع مما ثبت عن رسول اللّه وَ له قولًا، وفعلًا، فلا (١) -راجع ((الفتح)) ٧٧٣/٤. في ((كتاب الصوم. ١٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ يُلتفت إلى نهي من الناس عمر، أوغيره؛ حيث إن السنة هي الحجة، لا غيرها من آراء الناس كائناً من كان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. [فإن قلت]: في سنده محمد بن عبد الله بن الحارث قال عنه في ((التقريب)): مقبول، أي يحتاج إلى من يُتابعه، فكيف يكون صحيحًا؟. [قلت]: حديث سعد بن أبي وقّاص وَّلهر في المتعة أخرجه مسلم، في ((صحيحه)) دون ذكر قصة الضحاك، - ١٢٢٥ - من طريق سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص تَظّه ، عن المتعة؟، -وفي رواية عن المتعة في الحج؟- فقال: فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش - يعني بيوت مكة -. وقال في روايته: يعني معاوية . وأيضا فإن محمد بن عبد الله بن الحارث قد رَوَى عنه الزهريّ، وعمر بن عبد العزيز، كما تقدّم، فارتفعت عنه جهالة العين، وأما ما تقدم من جزم ابن عبد البرّ بأنه لم يرو عنه غير الزهريّ فغير مقبول، فقد ذكر البخاريّ في ((التاريخ الكبير)) أنه روى عنه عمر بن عبد العزيز، راجع ((التاريخ)) -١٢٥/١-١٢٦ -. وقد وثقه ابن حبّان. ولأن لحديثه أيضًا شواهدَ من حديث عمران ابن حصين، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وغيرهم رضي اللَّه تعالى عنهم. والحاصل أن حديثه هذا صحيح. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٧٣٤/٥٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٧١٤/٥٠. وأخرجه (ت) في ((الحجّ)) ٨٢٣ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٥٠٦ (الموطأ) في ((الحجّ))٧٧١ (الدارميّ) في ((المناسك)) ١٨١٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية المتعة. (ومنها): ما كان عليه السلف من المناقشة العلميّة، وإبداء كلّ دليله الذي يستند إليه. (ومنها): أن السنة هي الحجة بنفسها، ولا يضرّها مخالفة من خالفها بتأويل، وأن من خالفها يُعتذر عنه بأنه ما خالفها إلا لاجتهاد أداه إلى ذلك، ولذا لم يعنّف سعد، ولم ،ں ٥٠- (التمتعُ) - حدیث رقم ٢٧٣٥ ١٨٧ === يذمّ عمر رضي الله تعالى عنهما بأنه خالف السنة عمدًا، بل تركه ورأيه، وأظهر السنة، ودعا إليها، وهكذا واجب كلّ عالم، ألا ينتقص من أهل العلم أحدًا بمجرد مخالفته لبعض النصوص تأويلًا، ولا ينصب العداوة معه، بل يعتذر عنه بما استطاع من الأعذار، ويظهر الحقّ، ويدعو إلى السنة. (ومنها): أن في إنكار سعد على الضحاك قولَه دليلاً على أن العالم يلزمه إنكار ما سمعه من كلّ قول يُضاف به إلى العلم ما ليس بعلم إنكارًا فيه رفق، وتؤَدَة، ألا ترى قول سعد تنزي له: ((ليس ما قلت يا ابن أخي))، فلما أخبره الضحاك أن عمر رَظُنثه نهى عنها لم ير ذلك حجة؛ لما كان عنده حجة من السنة، وقال: صنعها رسول اللّه وَله، وصنعناها معه. قاله أبو عمر رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل. ٢٧٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَىٍ، أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُثْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَّنِدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِيِ، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ، حَتَّى لَقِيتُهُ، فَسَأَلْتُهُ؟، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الشَِّيَّ نَّهِ، قَدْ فَعَلَهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِنَّ، فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُوا بِالْحَجْ، تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة حافظ [١٠] ٨٠/٦٤ . ٢- (محمد بن بشار) بُنْدَار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٧/٢٤. ٣- (محمد) بن جعفر غُنْدَر البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢٢/٢١. ٤- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤ / ٤٧. ٥- (الحكم) بن عُثْبَة الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس [٥] ٨٦٪ ١٠٤ . ٦- (عمارة بن عمير) التيمي الكوفي، ثقة ثبت [٤] ٤٩/ ٦٠٨ . ٧- (إبراهيم بن أبي موسى) الأشعريّ، وُلد في حياة النبيّ وَّ، فسماه، وحنّكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عِداده في أهل الكوفة. قال ابن حبان في الصحابة: لم يسمع (١) - راجه ((الاستذكار)) ٢٠٩/١١ -٢١٠. ١٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ من النبيّ وَّر. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره جماعة في الصحابة على عادتهم فيمن له إدراك. روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، له عندهم حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف تَخْذّلهُ، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وبالكوفيين بعده، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الحكم عن عمارة عن إبراهيم، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابي الشهير، أمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحَكّمين بصفّين، مات رضي اللّه تعالى عنه سنة (٥٠) وقيل: بعدها تقدمت ترجمته في ٣/ ٣ (أَنُّ كَانَ يُقْتِي بِالْمُتْعَةِ) أي بجواز التمتّع، وستأتي القصة مطوّلة بعد حديثين (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَنِدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ) أي تمهّل عن بعض الأحكام التي تفتي الناس بها. وفي ((لسان العرب)) نقلًا عن الأزهريّ رحمه اللَّه تعالى: اعلم أن رويدًا تلحقها الكاف، وهي في موضع أَفْعِلْ، وذلك قولك: رُويدَك زيدًا، ورويدَكم زيدًا، فهذه الكاف التي ألحقت لتبيين المخاطب في رويدًا، ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست باسم، ورُويد غيرُ مضاف إليها، وهو متعدّ إلى زيد؛ لأنه اسم سمّي به الفعلُ، يعمل عمل الأفعال، وتفسير رُويدَ: مَهْلًا، وتفسير رويدَكَ: أَمْهِلْ؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أَفْعِلْ، دون غيره، وإنما حُرّكت الدال لالتقاء الساكنين، فنُصب نصبّ المصادر، وهو مصغّر، مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر أرود يُروِدُ، وله أربعة أوجه: اسم فعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رُويدَ عمرًا، أي أرود عمرًا، بمعنى أمهله، والصفة نحو قولك: ساروا سيرًا رُويدًا. والحال نحو قولك: سار القوم رُويدًا، لَمَّا اتصل بالمعرفة صار حالًا لها. والمصدر نحو قولك: رُويدَ عمرٍو بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِقَابٍ﴾، وفي حديث أنجشة رَيْهِ: ((رُويدك رفقًا بالقوارير)): أي أمهل، وتَأَنَّ، وارفُق انتهى ما في ((اللسان)). ١٨٩ == ٥٠- (التمتعُ) - حدیث رقم ٢٧٣٥ وإلى بعض ما ذُكر أشار ابن مالك رحمه اللَّه تعالى في ((الخلاصة)) بقوله: كَذَا رُوَيْدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنٍ وَيَعْمَلَانِ الْخَفْضَ مَضْدَرَيْنٍ ثم علّل ذلك الرجل أمره لأبي موسى بالتمهّل عن بعض فتياه بقوله (فَإِنَّكَ) الفاء تعليليّة، أي لأنك (لَا تَدْرِي، مَا أَخْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) عمر بن الخطّاب ◌َّه (فِي النُّسُكِ) أي شأن النسك (بَعْدُ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد ما كنت تعرفه من جواز التمتّع. (حَتَّى لَقِيتُهُ) أي أمير المؤمنين رَته (فَسَأَلْتُهُ؟) وفي الرواية الآتية بعد حديثين: ((فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ (فَقَالَ عُمَرُ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، قَدْ فَعَلَهُ) أي التمتّع، بمعنى القران، أو المراد التمتع المعروف، ومعناه أمر بفعله. وقال السنديّ: أي فلا نهي عنه لذاته، بل لأن الناس لا يؤذون حقّ الحجّ لأجله انتهى (وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا) بفتح التحتانيّة، والظاء، وتشديد اللام. قال الفيّوميّ: وظلّ يفعل كذا، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نهارًا. قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار انتهى (مُغْرِسِينَ بِهِنَّ) اسم فاعل من الإعراس، لا من التعريس، قال الفيّوميّ: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس عَمِلَ عُرْسًا، وأما عرّسَ بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأ، وإنما يقال: عرّس: إذا نزل المسافر ليستريح نزلةً، ثم يرتحل. قال أبو زيد: وقالوا: عزّس القوم في المنزل تعريسًا: إذا نزلوا أيَّ وقت كان من ليل أونهار، فالإعراس: دخول الرجل بامرأته، والتعريس: نزول المسافر ليستريح. انتهى. وضمير (بهنّ)) للنساء بقرينة المقام، وإن لم یذکرن. وقال القرطبي: ولا يصحّ أن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريس إنما هو النزول من آخر الليل، كما تقدّم، ويناقضه قوله: ((يظلون))، و((يرحون))، فإنهما إنما يقالان على عمل النهار انتهى (١). وأراد عمر رَّه وطأ النساء بعد التحلل من عمل العمرة. وقوله (فِي الْأَرَاكِ) متعلّق بقوله: ((معرسين))، وهو بفتح الهمزة: شجر معروف ((ثُمَّ يَرُوحُوا بِالْحَجْ) أي يذهبوا ملبين بالحجّ إلى منى، وعرفات (تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. وأراد بذلك أن الأفضل للحاجّ أن يتفرّق شعره، ويتغيّر حاله، والتمتع في حقّ غالب (١) - ((المفهم)) ٣٤٨/٣-٣٤٩. ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الناس صار مؤديًا إلى خلافه، فنهاهم لذلك. وقال النوويّ: معناه كرهت التمتع؛ لأنه يقتضي التحلل ووطء النساء إلى حين الخروج إلى عرفات. وقال الحافظ: وفي هذه الرواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كره التمتع، وكان من رأي عمر رَّ عدم الترفّه للحجّ بكلّ طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمرّ الميل إلى ذلك بخلاف من بَعُدَ عهده به، ومن يُفطم ينفطم. وقد أخرج مسلم من حديث جابر وَمّ أن عمر قال: ((افصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتمّ لحجكم، وأتمّ لعمرتكم)). وفي رواية: ((إن اللَّه يُحلّ لرسوله ما شاء، فأتموا الحجّ والعمرة كما أمركم اللَّه)). انتهى كلام الحافظ. ومال القرطبيّ رحمه الله تعالى إلى أن ما كرهه عمر رَّه هو فسخ الحجّ بعمل العمرة، ونصّه عند قوله: ((كرهت أن يظلّوا بهنّ معرسين)): يعني أنه كره أن يحلّوا من حجهم بالفسخ المذكور، فيطؤون نساءهم قبل تمام الحجّ الذي كانوا أحرموا به. ولا يظنّ بمثل عمر رَّه الذي جعل الله الحقّ على لسانه وقلبه أنه منع ما جوّزه رسول الله وَلّ بالرأي والمصلحة، فإن ذلك ظنُّ من لم يعرف عمر، ولا فهم استدلاله المذكور في الحديث. وإنما تمسك بقول الله عز وجل: ﴿وَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ففهم أن من تلبّس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظهر له أن ما أمر به النبيّ وَلهر أصحابه قضيّة مخصوصة على ما ذكرناه فيما تقدّم، فقضى بخصوصيّة ذلك لأولئك، ثم إنه أطلق الكراهية، وهو يريد بها التحريم، وتجنّب لفظ التحريم؛ لأنه مما أدّاه إليه اجتهاده، وهذه طريقة كبراء الأئمة، كمالك، والشافعيّ، وكثيرًا ما يقولون: أكره كذا، وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرّزٌ، وحَذَرٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلُ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦]. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: تحقيق حسنٌ، ويؤيّده ما ثبت من أن عمر رَظثم كان يضرب الناس على هذا، فلولا أنه كان يرى تحريمه لما ضرب الناس عليه. والحاصل أن تأويل ما ثبت عن عمر رَّه بما ذكر حسنٌ، ولكنه اجتهاد، خالفه فيه جلّ الصحابة، حيث خالف النصّ الصحيح الصريح، فلا يعوّل عليه، وإن اعتذر عنه بما ذُكر ففسخ الحج بعمل العمرة مشروع مستمرّ، ينبغي العمل به، كما ذهب إليّه المحققون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٥٠- (التَّمَتَّعُ) - حديث رقم ٢٧٣٦ ١٩١ = مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧٣٥/٥٠ - و٢٧٣٨ و٢٧٤٢/٥٢ - وفي ((الكبرى)) ٣٧١٥/٥٠ و٣٧١٨ و٣٧٢٢/٥٢. وأخرجه (خ) في ((الحج)) ١٥٥٩ و١٥٦٥ و١٧٢٤ و١٧٩٥ و((المغازي»٤٣٤٦ و٤٣٩٧ (م) في ((الحج))١٢٢١ و١٢٢٢ (ق) في ((المناسك))٢٩٧٩ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٢٧٥٥ و٣٥٣ و((مسند الكوفيين)) ١٩٠١١ و١٩٠٤٠ و١٩٠٥٤ و١٩١٧ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٨١٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو مشروعيّة التمتع (ومنها): ما كان عليه الصحابة · من نشر السنة. (ومنها): أن المجتهد ربما يخالف بعض السنن، مع علمه بها لتأويل يراه، ولا لوم عليه في ذلك، وإنما يذكر لعله يتذكّر. (ومنها): أن العلة التي كره عمر رَّه التمتع من أجلها هي كون حال المتمتع مخالفًا لحال الحاج من كونه أشعث، أغبر، لكن مثل هذا الرأي المخالف لصريح السنة، وإن كان صاحبه يُعذر باجتهاده لا يُلتفت إليه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم ولاة الأمور، فإن أبا مسى تَظّم ترك فتياه لما بلغه منع عمر رَزَّه عن التمتع حتى استفسره. (ومنها): أن المجتهد ينبغي له إذا بلغه من غيره خلاف ما يعتقده أن يتأنى حتى يعرف دليل ذلك المخالف، فلعل عنده حجة أقوى من حجته، فيرجع إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٣٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَنَا أَبِي، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَنََّاكُمْ عَنِ الْمُتْعَّةِ، وَإِنَّا لَفِيَ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَقَذَ فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ (وَّهِ، يَعْنِي الْعُمْرَةَ فِي الْحَجْ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه ((محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق)) المروزيّ، فإنه من أفراده هو والترمذيّ، وهو ثقة صاحب حدیث. و(«أبوه): عليّ بن الحسن بن شقيق بن دينار، أبو عبد الرحمن المروزيّ الثقة الحافظ، من رجال الجماعة. ١٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ و((أبو حمزة)): محمد بن ميمون السكّريّ المروزيّ الثقة الفاضل. و((مطرّف)): هو ابن طريف، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الفاضل، من صغار[٦]٣٢٧/٢ . و((سلمة بن كُهيل)): أبو يحيى الكوفيّ الثقة. و((طاوس)): هو ابن كيسان. وقوله: ((وإنها لفي كتاب اللَّه الخ)) أي في قوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُبْرَةِ إِلَى الَّحْ﴾ الآية. وأراد بذلك أن المتعة، وإن كانت في كتاب الله تعالى، وسنة رسول اللَّه وَلّر، إلا أنه يعلم من تأيلهما ما لا يعلمه غيره، فلذا نهاهم عنها متأوّلًا، لا قصدًا لمخالفتهما، إذ لا يُظنّ به رضي الله تعالى عنه أنه يقصد مخالفتهما، حاشا، وكلّا، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٢٧٣٦/٥٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٧١٦/٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٣٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَام بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِبْنِ عَبَّاسَ: أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسَ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، عِنْدَ الْمَزْوَةِ، قَالَ: لَا، يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسَ: هَذَا مُعَاوِيَةُ، يَتْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ، وَقَدْ تَمَتَّعَ النَِّيُّ ◌ََِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهري البصري، صدوق، من صغار [١٠] ٤٨/٤٢. ٢- (سفيان) بن عيينة المكي الحجة الثبت [٨] ١/١. ٣- (هشام بن حُجَيْر) المكي، صدوق له أوهام [٦] ١٩/ ٢٦٥٣. ٤- (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧ /٣١ ٥- (معاوية) بن أبي سفيان الخليفة روايتها ٢٩٤/٢٨٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف وَيَخْدَّثُ، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَاؤُسٍ) بن كيسان اليمانيّ، أنه (قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان الخليفة ١٩٣= ٥٠- (التَّمَتُعُ) - حديث رقم ٢٧٣٧ المشهور رَّهِ (لاِبْنِ عَبَّاسِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ) بتشديد الصاد، من التقصير. وفي نسخة: ((قد قصرت)) بزيادة ((قد)) (مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِّ) أي أخذت من شعر رأسه و ◌ّر (عِنْدَ الْمَزْوَةِ) أي عند المكان المعروف بهذا الاسم، وهو في الأصل واحدة المرو، وهي الحجارة البيض، ثم سمي به الجبل المعروف بمكة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا يشعر بأن ذلك كان في نسك، إما حج، أو عمرة، وقد ثبت أنه حلق في حجته، فتعيّن أن يكون في عمرة، ولا سيما وقد روى مسلم في هذا الحديث أن ذلك كان بالمروة، ولفظه: ((قصرت عن رسول اللّه وَليل بمشقص على المرة))، أو ((رأيته يُقَصَّر عنه بمقشقص، وهو على المروة)). وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضيّة، أو الجعرانة، لكن وقع عند مسلم من طريق أخرى عن طاوس بلفظ: ((أما علمت أني قصّرت عن رسول اللّه وَل بمشقص، وهو على المروة، فقلت له: لا أعلم هذه إلا حجة عليك))، وبين المراد من ذلك في رواية النسائيّ، فقال بدل قوله: ((فقلت له: لا الخ)): يقول ابن عباس: ((وهذه(١) على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتّع رسول اللّه وَ لات))، ولأحمد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس، قال: ((تمتع رسول اللَّه ◌َ ل﴿ حتى مات)) الحديث. وقال: أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبت منه، وقد حدثني أنه قصّر عن رسول الله ﴾﴾﴾ بمشقص انتهى. وهذا يدلّ على أن ابن عبّاس حمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع لقوله لمعاوية: ((إن هذه حجة عليك))، إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة. وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق قيس بن سعد، عن عطاء: ((أن معاوية حدّث أنه أخذ من أطراف شعر رسول اللَّه وَلّ في أيام العشر بمشقص معي، وهو محرم))(٢). وفي كونه في حجة الوداع نظر؛ لأن النبيّ ◌َلير لم يحلّ حتى بلغ الهدي محله، فكيف يقصّر عنه على المروة. وقد بالغ النوويّ هنا في الردّ على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع، فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصّر عن النبيّ وَّر في عمرة الجعرانة؛ لأن النبيّ وَّل في حجة الوداع كان قارنًا، وثبت أنه حلق بمنى، وفرّق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصحّ حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء (١) - هكذا في ((الفتح)) ولعل نسخة النسائي وقعت له هكذا، وإلا فلفظ النسائيّ الذي عندنا: ((يقول ابن عباس: هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة الخ. فليحرر. (٢) - هذه الرواية ستأتي للمصنّف برقم ٢٩٨٩/١٨٤ . ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الواقعة سنة سبع؛ لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان. هذا هو الصحيح المشهور. ولا يصحّ قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أن النبيّ وَ الأر كان متمتعًا؛ لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلم وغيره أن النبيّ وَ ◌ّ قيل له: ((ما شأن الناس حلّوا من العمرة، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟، فقال: إني لبّدت رأسي، وقّدت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر)). قال الحافظ: ولم يذكر الشيخ هنا ما مرّ في عمرة القضيّة، والذي رجحه من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند، لكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية، وكان يكتم إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) من ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضيّة، وأنه كان يُخفي إسلامه خوفًا من أبويه، وكان النبيّ وَّ لما دخل في عمرة القضيّة مكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظروه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعلّ معاوية كان ممن تخلّف بمكة لسبب اقتضاه، ولا يعارضه أيضًا قول سعد بن أبي وقّاص فيما أخرجه مسلم وغيره: ((فعلناها -يعني العمرة- في أشهر الحجّ، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش)) -بضمّتين- يعني بيوت مكة ، يشير إلى معاوية؛ لأنه يحمل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله، ولم يطّلع على إسلامه؛ لكونه كان يُخفيه. ويعكر على ما جوّزوه أن تقصيره كان في عمرة الجعرانة أن النبيّ وَ ل# ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة، ولم يستصحب أحدًا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين، فقدم مكة، فطاف، وسعى، وحلق، ورجع إلى الجعرانة، فأصبح بها كبائت، فخفيت عمرته على كثير من الناس. وكذا أخرجه الترمذيّ وغيره، ولم يعدّ معاوية فيمن صحبه حينئذ، ولا كان معاوية فيمن تخلّف عنه بمكة في غزوة حنين، حتى يقال: لعله وجده بمكة، بل كان مع القوم، وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة، مع جملة المؤلّفة. وأخرج الحاكم في ((الإكليل)) في آخر قصّة غزوة حنين أن الذي حلق رأسه وَلّ في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة. فإن ثبت هذا، وثبت أن معاوية كان حينئذ معه، أو كان بمكة فقصّر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصّر عنه أوّلًا، وكان الحلّاق غائبًا في بعض حاجته، ثم حضر، فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق؛ لأنه أفضل، ففعل. وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضيّة، وثبت أنه وَ ◌ّ ر حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه، وحصل التوفيق بين الأخبار كلها. قال الحافظ: وهذا مما فتح اللَّه عليّ به في هذا الفتح، ولله الحمد، ثم لله الحمد أبدًا. ١٩٥ == ٥٠- (التَّمَتَعُ) - حدیث رقم ٢٧٣٧ قال صاحب ((الهدي)): الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدلّ على أنه وَلّلم يحلّ من إحرامه إلى يوم النحر، كما أخبر عن نفسه بقوله: ((فلا أحلّ حتى أنحر))، وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال: ولعلّ معاوية قصّر عنه في عمرة الجعرانة، فنسي بعد ذلك، وظنّ أنه کان في حجته انتهى. قال الحافظ: ولا يعكر على هذا إلا رواية قيس بن سعد المتقدّمة لتصريحه فيها بكون ذلك في أيام العشر، إلا أنها شاذة، وقد قال قيس بن سعد عقبها: والناس ينكرون ذلك انتهى. ويعكر عليه قوله في رواية أحمد: ((قصّرت عن رسول اللَّه وَالّ عند المروة)). أخرجه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس. وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون معاوية قصر عن رأس رسول اللّه وَ ل له بقية شعر لم يكن الحلّاق استوفاه يوم النحر. وتعقّبه صاحب ((الهدي)) بأن الحالق لا يبقي شعرًا يقصر منه، ولا سيما وقد قسم رَّل شعره بين الصحابة الشعرة والشعرتين، وأيضًا فهو وَلخير لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيًا واحدًا في أول ما قدم، فماذا يصنع عند المروة في العشر. قال الحافظ: وفي رواية العشر نظر كما تقدّم. وقد أشار النوويّ إلى ترجيح كونه في الجعرانة، وصوّبه المحبّ الطبريّ، وابن القيّم. وفيه نظر؛ لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة، واستبعاد بعضهم أن معاوية قصّر عنه في عمرة الحديبية لكونه لم يكن أسلم ليس ببعيد انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي ظهر لي مما سبق كله أن الأرجح هو الذي رجحه النوويّ، والمحبّ الطبريّ، وابن القيم من أنه محمول على أنه قصر معاوية عنه وَّ في الجعرانة، ولا يبعد أن يكون في عمرة القضيّة، ولا يعكر على ذلك ما مرّ عن الحاكم أنه وَله حلق فيها، لما تقدم في كلام الحافظ من الجمع، وأما الرواية التي تدلّ على أن ذلك كان في حجة الوداع فهي غلط من بعض الرواة، أو أن معاوية تنظيمه نفسه ظن ذلك؛ حيث نسي، كما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ) ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (لَا) أي لا أعلم ذلك (يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسِ: هَذَا مُعَاوِيَةُ، يَتْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ، وَقَدْ تَمَتَّعَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: (رسول اللَّه)) (وَِّ) قد تقدّم توضيح معنى تمتّعه وََّ. وغرض ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما بهذا الإنكارُ (١) - ((فتح)) ٣٩٠/٤- ٣٩٢. ١٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ على معاوية وَظّيه في نهيه عن التمتع حيث خالف ما ثبت عن النبيّ وَّر أنه تمتّع. ويحتمل أن يكون إنكارًا منه على معاوية رضي اللّه تعالى عنهما في نهيه عن ذلك مع أنه أخبره أنه قصّر عنه وَّر، وهذا محمول على أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حمل ذلك على حجة الوداع، ولكن الصواب ما تقدّم من أنه وَ ل ﴿ لم يتحلّل في حجة الوداع إلا يوم النحر بمنى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث معاوية رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠/ ٢٧٣٧ و ٢٩٨٧/١٨٣ و ٢٩٨٨ و٢٩٨٩/١٨٤ - وفي «الكبرى»٥٠/ ٣٧١٧ و٣٩٨١/١٨١ ٣٩٨٢ و٣٩٨٣/١٨٢. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٧٣٠ (م) في ((الحجّ)) ١٢٤٦ (د) في ((المناسك)) ١٨٠٢ و١٨٠٣ (ت) في ((الحجّ)) ٨٢٢ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٤٢٨ و١٦٤٤٢ و١٦٤٥٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان مشروعيّة التمتّع (ومنها): مشروعيّة التقصير في العمرة. (ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن كان كبير القوم؛ إذ الحقّ أكبر منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٣٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْس -وَهُوَ ابْنُ مُسْلِم - عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ، وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: ((بِمَّا أَهْلَلْتَ؟، قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ بَ، قَالَ: ((هَلْ سُقْتَ مِنْ هَذْي؟))، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَزْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَمَشَطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أَقْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ، فِي إِمَارَةٍ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةِ عُمَرَ، وَإِنِّي لَّقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ، إِذْ جَاءِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَذْرِي، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فِي شَأْنِ النَّسُكِ، قُلْتُ: يَا أَّا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَقْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ، فَلْيَتَّئِذْ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَأَتَمُّوا بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَخْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، قَالَ: إِنْ تَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَإِنْ تَأْخُذْ بِسُنَّةٍ نَبِيْنَا وَّهِ، فَإِنَّ نَبِيَّنَا وَِّ، لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ). ١٩٧ ٥٠- (التمتعُ) - حدیث رقم ٢٧٣٨ رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمد بن المثنى) المذکور قريبًا . ٢- (عبد الرحمن) بن مهدي البصري الثقة الثبت [٩] ٤٩/٤٢. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الحجة الثبت الإمام [٧] ٣٧/٣٣ . ٤- (قيس بن مسلم) الْجَدَليّ - بفتح الجيم- العدوانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة رمي بالإرجاء [٦]. قال عليّ، عن يحيى: كان مرجئًا، وهو أثبت من أبي قيس. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة في الحديث. وقال أحمد، عن سفيان: كانوا يقولون: ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا، تعظيمًا لله. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو داود: كان مرجئًا. وقال النسائيّ: ثقة، وكان يرى الإرجاء. وعن أبي داود، عن شعبة أنه ذكره، فجعل يُثبّته. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال يعقوب ابن سفيان: ثقة ثقة، وكان مرجئًا. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال أبو نعيم، والبخاريّ، ومطيّن: مات سنة (١٢٠) وكذا أرخه ابن سعد، وقال: كان ثقة ثبتًا، له حديث صالح. روى له الجماعة. أخرج له المصنّف في سبعة مواضع برقم ٢٧٣٨ و٢٧٤٢ و٣٠٠٢ و ٤١٤٣ ٥٠٠٨ و٥٠٠٩ و٥٠١٢ . ٥ - (طارق بن شهاب) بن عبد شمس البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، قال أبو داود: رأى النبيّ وَلّ، ولم يسمع(١) منه، مات سنة (٢) أو (٨٣) تقدم في ٢٠٤ /٣٢٤. ٦ - (أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي المشهور ◌َّه تقدم في ٣/٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف تَخّْثُ، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وأنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، والباقيان بصريان، وأن فيه روايته صحابي عن صحابي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) أي من اليمن، وفي رواية البخاريّ: ((بعثني النبيّ بِّر إلى قومي باليمن ... )). (وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ) وفي رواية شعبة، عن قيس الآتية - ٢٧٤٢/٥٢ -: ((والنبيّ ◌ُ لّ منيخ بالبطحاء)»، من أناخ بعيره: إذا أبركه. أي وهو نازل بالبطحاء، وذلك في ابتداء قدومه إلى مكة. (١) رجح في ((الإصابة)) كونه لقي النبي ◌َّر، فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه، فروايته عنه مرسلة، وهي مقبولة على الراجح. اهـ. والحاصل أن الراجح أنه صحابي، وقد تقدم تحقيق ذلك في ٢٠٤ / ٣٢٤ . ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ (فَقَالَ) وَرِ (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) هكذا بإثبات ألف ((ما)) الاستفهامية وهي مجرورة، وهو قليل، وفي رواية البخاريّ: ((بم أهللت))، بحذفها، وهو الأكثر في الاستعمال. وفي رواية شعبة الآتية: ((أحججت؟))، قلت: نعم، قال: ((كيف قلت؟)) (قُلْتُ: أَهْلَلْتٌ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ وََِّّ) وفي رواية شعبة: ((قلت: لبيك بإهلال، كإهلال النبيّ وَّ))، زاد في رواية للبخاريّ: ((قال: أحسنت)) (قَالَ: ((هَلْ سُقْتَ مِنْ هَذي؟))، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي اسعَ بينهما (ثُمَّ حِلَّ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، أمر من حلِّ المحرم يحلّ، من باب ضرب: إذا خرج من إحرامه، وتقدّم أن فيه لغة أخرى، وهي أَحِلّ، من الإحلال رباعيًّا (فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي) وفي رواية شعبة عند البخاريّ: ((امرأة من قيس)). قال الحافظ : والمتبادر إلى الذهن من هذا الإطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ: ((امرأة من نساء بني قيس))، وظهر لي من ذلك أن المراد بقيس قيس بن سليم والد أبي موسى الأشعريّ، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإخوة أبو رُهْم، وأبو بردة، قيل: ومحمد. انتهى كلام الحافظ . (فَمَشَطَتْنِي) بالتخفيف، ويحتمل التشديد، يقال: مشَطتُ الشَّعْرَ مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة. قاله الفيّوميّ. والمعنى أنها سرّحت شعر رأس أبي موسى ◌َّ، وأصلحته (وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ) أي بجواز التمتّع (فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيقِ رَّ (وَإِمَارَةِ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َّ (وَإِنِّي لَقَّائِمٌ بِالْمَوْسِم) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة: أي في مكان اجتماع الحجّاجَ. قال الليث: موسم الحجّ، سمي موسمًا لأنه مَعْلَمْ يُجتمع إليه. وقال ابن السكّيت: كل مَجمَع من الناس كثيرٍ هو موسم، ومنه موسم منى. أفاده في («اللسان» (إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِيّ، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه (فِي شَأْنِ النُّسُكِ، قُلْتُ: يَا أَيَّهَا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَقْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ) أي من جواز المتعة (فَلْيَتَِّذْ) بمثناة فوقية مشدذدة، بعدها همزة، افتعال من التؤدة: أي ليتأنّ، ولا يتعجّل بالمضيّ على فتيانا (فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) عمر رضي اللَّه تعالى عنه (قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَأَتَمُوا بِهِ) أي فاقتدوا به، وخذوا بقوله، واتركوا قولنا، إن خالفه (فَلَمَّا قَدِمَ) عمر رَّم (قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَخْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابٍ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُْرَةَ لَِّ﴾) أي وإتمام كلّ بإتيانه بسفر جديد، أو بإحرام جديد، لا يجعل أحدهما تابعا للآخر. (وَإِنْ تَأْخُذْ) وفي نسخة: ((إن تأخذ)) بالتاء المثناة في الموضعين (بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا وَِّ، فَإِنَّ نَبِيِّنَا بِّهِ، لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَذْيَ) أي والمتمتّع يتحلّل إذا لم يسق الهدي. والحاصل ١٩٩ ٥٠- (التَّمَتِّعُ) - حديث رقم ٢٧٣٨ أن الجمع بين القرآن والسنة قد أداه إلى النهي عن التمتّع والقران جميعًا، فیحصل حينئذ الإتمام، والحلّ يوم النحر، لا قبله. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ومحصّل جواب عمر رَظّم في منعه الناس من التحلّل بالعمرة أن كتاب الله تعالى دال على منع التحلّل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأن سنة رسول الله و له أيضًا دالة على ذلك؛ لأنه لم يحلّ حتى بلغ الهدي محلّه. لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو رَله، حيث قال: ((ولو لا أن معي الهدي لأحللت))، فدلّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي. وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر رَّه في ذلك أنه منع منه سدًّا للذريعة. وقال المازريّ: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة. وقيل: العمرة في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم، بناء على مُعتقده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة. قال النوويّ: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، كما يظهر من كلامه. ثم انعقد الإجماع على جواز التمتّع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل. قال الحافظ: ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريبًا من مسلم: ((إن اللَّه يُحلّ لرسوله ما شاء)). والله أعلم. وفي قصّة أبي موسى، وعليّ رضي اللّه تعالى عنهما دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هديّ، فصار له حكم النبيّ بَ ير لو لم يكن معه هديّ، وقد قال: ((لولا الهدي لأحللت))، أي وفسخت الحجّ إلى العمرة، كما فعله أصحابه بأمره. وأما عليّ، فكان معه هديّ، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارنًا. قال النوويّ: هذا هو الصواب، وقد تأوله الخطابيّ، وعياض بتأويلين غير مرضيين انتھی . قال الحافظ: فأما تأويل الخطابيّ، فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل عليّ، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبيّ وَ له أي كما يبيّنه لي، ويُعيّنه لي من أنواع ما يُحرِم به، فأمره أن يحلّ بعمل عمرة؛ لأنه لم يكن معه هديّ. وأما تأويل عياض، فقال: المراد بقوله: ((فكنت أفتي الناس بالمتعة)) أي بفسخ الحجّ إلى العمرة. والحامل لهما على ذلك اعتقادهما أنه بَ لو كان مفردًا، مع قوله: ((لولا أن معي الهدي لأحللت))، = ٢٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ أي فسخت الحج، وجعلته عمرة، فلهذا أمر أبا موسى بالتحلّل؛ لأنه لم يكن معه هديّ، بخلاف عليّ. قال عياض: وجمهور الأئمة على أن فسخ الحجّ إلى العمرة كان خاصًّا بالصحابة انتهى. وقال ابن المنيّر في ((الحاشية)): ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلّ عليه الكتاب، ودلّت عليه السنّة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد. ثم أجاب بأنه لعله أراد إبطال وهم من توهّم أنه خالف السنّة، حيث منع من الفسخ، فبيّن أن الكتاب والسنة متوافقان على الأمر بالإتمام، وأن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة؛ لإبطال اعتقاد الجاهليّة أن العمرة لا تصحّ في أشهر الحجّ انتهى. وأما إذا قلنا: كان قارنا، على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النوويّ. والله أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الصواب أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصًا بتلك السنة، بل هو سنة مستمرة إلى يوم القيامة، كما بينه النبي وَطّر، فتنبه. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: واستُدِلّ به على جواز الإحرام المبهم، وأن المحرم به يصرفه لما شاء، وهو قول الشافعيّ، وأصحاب الحديث، ومحلّ ذلك ما إذا كان الوقت قابلًا، بناء على أن الحجّ لا ينعقد في غير أشهره. انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى. وتمام البحث في الحديث تقدّم قبل حديثين. والله تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٣٩ - أَخْبَرَنِي(١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنٍ وَاسِعٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، إِنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهِ، قَدْ تَمَثَّعَ، وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ، قَالَ فِيهَا قَائِلٌ بِرَأْيِهِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه ((إبراهيم بن يعقوب)) وهو الجُوزجانيّ، نزيل دمشق، الحافظ الثبت [١١] ١٧٤/١٢٢ فإنه من أفراد المصنف وأبي داود والترمذي. و((عثمان بن عمر)): هو العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] ١١١٨/١٥١. وقوله: ((قال فيها)) أي في النهي عن المتعة، قائل برأيه، أي فلا عبرة له في مقابلة صريح السنة. والله تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه، وقد تقدم في ٢٧٢٦/٤٩ - وتقدم تمام البحث فيه هناك، (١) -وفي نسخة: ((أخبرنا)).