النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١=
٣٩- (التّلْبِيدُ عِنْدَ الإخرام) - حديث رقم ٢٦٨٢
مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابية،
والأخ عن شقيقته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ) بنت
عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما، أنها (قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ نَّهِ: يَا رَسُولَ اللّهِ،
مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) زاد في الرواية الآتية -٦٧ /٢٧٨١ - من طريق مالك، عن نافع:
(بعمرة))، أي بجعل نسكهم عمرة بأمره وليس لهم بذلك، كما سيأتي.
وحكى الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى عن ابن وهب أنه رواه عن مالك بهذه
الزيادة، وأنه رواه بدونها القعنيّ، ويحيى بن بُكير، وأبو مصعب، وعبد الله يوسف،
ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال: والمعنى واحد عند أهل العلم، قال: ولم يختلف الرواة عن مالك في قوله:
((ولم تحلّ أنت من عمرتك))، قال: وزعم بعض الناس أنه لم يقل أحدٌ في هذا الحديث
عن نافع: ((ولم تحلّ أنت من عمرتك)) إلا مالك وحده. قال: وقد رواها غير مالك
عبيدالله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، وهؤلاء هم حفّاظ أصحاب نافع، والحجة فيه
على من خالفهم. ورواه ابن جريج، عن نافع، فلم يقل: ((من عمرتك))، وزيادة مالك
مقبولة؛ لحفظه، وإتقانه، لو انفرد بها، فكيف وقد تابعه من ذكرنا. قال: وما أعلم أحدًا
في قديم الدهر، ولا حديثه ردّ حديث حفصة هذا بأن مالكًا انفرد بقوله: ((من عمرتك))
إلا هذا الرجل انتهى كلام ابن عبد البرّ بمعناه.
قال الحافظ وليّ الدين: وذكر بعضهم أن هذا الذي أشار إليه ابن عبد البر هو
الأصيليّ، ورواية عبيدالله بن عمر هذه رواها مسلم، وابن ماجه، وفيها: ((من
عمرتك))، ورواها البخاريّ بدون قولها: ((من عمرتك))، ولفظ الشيخين فيها: ((فلا أحلّ
حتى أحلّ من الحجّ))، وفي لفظ لمسلم: ((حتى أنحر))، كرواية مالك، وكذا في رواية
ابن ماجه. وروايةُ ابن جريج أخرجها مسلم، وأخرج البخاريّ مثلها من طريق موسى بن
عقبة، عن نافع. وذكر البيهقيّ رواية موسى بن عقبة، ثم قال: وكذلك رواه شعيب بن
أبي حمزة، عن نافع، لم يذكر فيه العمرة. والله أعلم.
وفيه إشارة إلى الاختلاف في ذكر هذه اللفظة، ففيه ميلٌ لما تقدّم من الأصيليّ. وفي
رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن حفصة
قالت ... فجعله من مسند ابن عمر، وكذا في ((صحيح مسلم)) من طريق عبيدالله بن
عمر. وفي حديث الباقين عن ابن عمر، عن حفصة. وفي رواية موسى بن عقبة، وابن

٨٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
جريج حدثتني حفصة انتهى كلام وليّ الدين(١).
وقال في ((الفتح)): ولم يقع في رواية مسلم قوله: ((بعمرة))، وذكر ابن عبد البرّ أن
أصحاب مالك ذكرها بعضهم، وحذفها بعضهم.
واستُشكل كيف حلّوا بعمرة مع قولها: ((ولم تحلّ من عمرتك))؟.
والجواب أن المراد بقولها: ((بعمرة)) أي إن إحرامهم بعمرة كان سببًا لسرعة حلّهم.
(٢) .
انتھی
وقال وليّ الدين: [إن قلت]: ما معنى قوله: ((بعمرة))، وكيف يلتئم هذا مع قوله
بعده: ((من عمرتك))، كيف يحلّ بعمرة، ويحلّ منها؟ .
حلّوا بعمرة، فإنهم فسخوا الحجّ إليها، فأتوا بأعمالها،
[قلت]: الصحابة
وتحلّلوا منها، ولولا ذلك لاستمرّوا على الإحرام، حتى يأتوا بأعمال الحجّ، فكان
إحرامهم بعمرة سببًا لسرعة حلّهم، وأما هو ◌َّ، فإنه أدخل العمرة على الحجّ، فلم
يُفده الإحرام بالعمرة سرعةً الإحلال؛ لبقائه على الحجّ، فشارك الصحابة في الإحرام
بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجّ، وفسخهم له، وهذا الذي ذكرته من إدخاله العمرة
على الحجّ هو المعتمد. وعكس الخطّابيّ ذلك، فقال في الكلام على هذا الحديث:
هذا يُبيّن لك أنه كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها الحجّ، فصار قارنًا. ثم حكى
الاتفاق على جواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، والخلاف في إدخالها على
الحجّ، منعه مالك، والشافعيّ، وأجازه أصحاب الرأي. هذا كلامه.
ومن يمنع إدخال العمرة على الحجّ يُجيب عن هذا الحديث على ما قرّرته أوّلًا بأن
هذا من خصوصيّات هذه الحجّة، فقد وقعت فيها أمورٌ غريبة. والله أعلم انتهى كلام
وليّ الدین(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: منع إدخال العمرة على الحجّ بعد صحته منه وَل لا
وجه له، وسيأتي تحقيق القول فيه، إن شاء الله تعالى.
(وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟) يجوز في ((تحلّ))، وفي قوله الآتي: ((فلا أحلّ)) فتح أوّله،
وضمّه، على أنه ثلاثيّ، ورباعيّ، وهما لغتان فيه، والفتح أوفق لقولها: ((حَلُّوا)). قاله
وليّ الدين(٤). وفي ((المصباح)): وحلّ المحرمُ حِلًا بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ
(١) - ((طرح التثريب)) ٣٦/٥-٣٧.
(٢) - ((فتح)٤٩ / ٢١٤.
(٣) - ((طرح التثريب)) ٣٨/٥.
(٤) - ((طرح التثريب)) ٣٩/٥.

=
٨٣=
٣٩- (التّلْبِيدُ عِنْدَ الإخرام) - حديث رقم ٢٦٨٢
بالألف مثلُهُ، فهو مُحلّ، وحِلِّ أيضًا تسميةً بالمصدر، وحلالٌ أيضًا انتهى.
ولفظ البخاريّ: ((ولم تحلل)) بالفكّ، قال في ((الفتح)): بكسر اللام الأولى، أي لم
تحلّ، وإظهار التضعيف لغة معروفة انتهى.
(قَالَ) بَرِ (إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي) -بتشديد الباء الموحدة، وبالدال المهملة - أي شعر
رأسي، وتلبيد الشعر أن يُجعَل فيه شيء من صمغ، أو نحوه عند الإحرام لينضمّ الشعر،
ويلتصق بعضه ببعض؛ احترازًا عن تعطّفه، وتقمّله، وإنما يَفعل ذلك من يطول مكثه في
الإحرام. وفي هذا الحديث استحبابه، والمعنى فيه الإبقاء على الشعر، وقد نصّ عليه
الشافعيّ، وأصحابه(١).
(وَقَلَّدْتُ هَذيي) بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان.
وتقليده أن يُعلّق عليه شيئًا يُعرف به كونه هديًا، فإن كان من الإبل والبقر استُحبّ تقليده
بنعلين، من النعال التي تُلبس في الرجلين، في الإحرام، ويستحبّ التصدّق بهما عند
ذبح الهدي، وإن كان من الغنم استُحبّ تقليده بخُرَب القِرَب - بضمّ الخاء المعجمة،
وفتح الراء- وهي عراها، وآذانها، وبالخيوط المفتولة، ونحوها.
وقد اتفق العلماء على استحباب سوق الهدي، وعلى استحباب تقليد الإبل، والبقر،
واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، والجمهور، وقال مالك،
وأبو حنيفة: لا يستحبّ(٢). وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
(فَلَا أُحِلُّ) تقدّم ضبطه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، أو من الإحلال، ثلاثيًّا،
ورباعيًّا (حَتَّى أُحِلَّ مِنَ الْحَجِّ) وفي رواية مالك الآتية: ((حتى أنحر)). أي فلا أتحلل من
الإحرام حتى أفرغ من عمل الحجّ بنحر الهدي يوم النحر. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حفصة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٨٢/٤٠ و٢٧٨١/٦٧ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٦٢/٤٠ و٣٧٦٢/٦٦.
وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٥٦٦ و١٦٩٧ و١٧٢٥ وفي ((المغازي)) ٤٣٩٨ وفي ((اللباس))
(١) -المصدر المذكور.
(٢) - ((طرح التثريب)) ٣٩/٥.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجُ
٥٩١٦ (م) في ((الحجّ)) ١٢٢٩ (د) في ((المناسك)) ١٨٠٦ (ق) في ((المناسك)) ٣٠٤٦
(أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥٨٩٣ و٢٥٩٨٧ (الموطأ) في ((الحجّ)) ٨٩٧. والله
تعالى أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب التلبيد، وقد
سبق معناه. (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وقد سبق معناه أيضًا. (ومنها): مشروعية
سؤال الرعية رئیسهم عن فعله، إذا خفي علیهم وجهه.
(ومنها): أنه يدلّ على أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته حتى يحلّ من الحجّ،
ويفرغ منه؛ لأنه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وأخبر أنه لا يحلّ حتى
ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما، ويؤيّده قوله في حديث
عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((فأمر من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ))، والأحاديث
بذلك متضافرة.
وأجاب بعض المالكيّة، والشافعيّة عن ذلك بأن السبب في عدم تحللَّه من العمرة كونه
أدخلها على الحجّ. وهو مشكل عليه؛ لأنه يقول: إن حجه كان مفردًا. وقال بعض
العلماء: ليس لمن قال: كان مفردًا عن هذا الحديث انفصال؛ لأنه إن قال به استشكل
عليه كونه علّل عدم التحلّل بسوق الهدي؛ لأن عدم التحلّل لا يمتنع على من كان قارنًا
عنده. قاله في ((الفتح)) (١).
(ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه ◌َ لتر كان في حجة الوداع متمتعًا لكونه أقرّ
على أنه محرم بعمرة، والتمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ. وطَعْنُ من طعن في
قوله: ((من عمرتك)) غيرُ ملتفت إليه كما تقدّم، لكن هذا التمسّك ضعيف، فإنه لو لم
يكن إلا هذا اللفظ لاحتمل التمتّع، والقران، فتعيّن بقوله {وَ لّ في رواية عبيدالله بن
عمر: ((حتى أحلّ من الحجّ)) أنه كان قارنًا، وهو في ((الصحيحين)) كما تقدّم. قاله وليّ
الدین(٢).
(ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه وَ ﴿ كان قارنًا، وهو متمسّكٌ قويّ. قال
الحافظ وليّ الدين: وما أدري ما يقول من ذهب إلى التمتّع، هل يقول: استمرّ على
العمرة خاصّةً، ولم يُحرم بالحجّ أصلاً، فيكون لم يحجّ في تلك السنة، وهذا لا يقوله
أحد، أو أدخل عليها الحجّ، فصار قارنا، وصحّ ما قاله هؤلاء، فإن للقران حالتين:
(١) - ((فتح)) ٤ /٢١٤.
(٢) - ((طرح ٤ ٣٧/٥.

٨٥
٣٩- (التّكْبِيدُ عِندَ الإخرام) - حديث رقم ٢٦٨٣
إحداهما: أن يحرم بالنسكين ابتداء. والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ،
وقوله في رواية عبيدالله بن عمر: ((حتى أحلّ من الحجّ)) صريح في أنه كان قارنًا،
وقولها: ((من عمرتك)) أي العمرة المضمومة إلى الحجّ.
قال النوويّ في ((شرحٍ مسلم): هذا دليل للمذهب الصحيح المختار أنه ◌ِّے کان قارنا
في حجة الوداع انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: الذاهبون إلى الإفراد أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
(أحدها): أنها أرادت بالعمرة مطلق الإحرام. روى البيهقيّ بإسناده عن الشافعيّ أنه
قال: فإن قيل: فما قول حفصة للنبيّ وَله: ((ما شأن الناس حلّوا، ولم تحلل من
عمرتك؟)). قيل: أكثر الناس مع النبيّ وَلّ لم يكن معه هديّ، وكانت حفصة معهم،
فأمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة، ويحلّوا، فقالت: لم تحلل الناس، ولم تَحَلِل من
عمرتك، يعني إحرامك الذي ابتدأته، وهم بنيّة واحدة -والله أعلم- فقال: ((لبّدت
رأسي، وقلّت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر بدني))، يعني -والله أعلم- حتى يحل
الحاجّ؛ لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًّا، وهذا من سعة
لسان العرب الذي یکاد یعرف بالجواب فيه انتهى كلامه.
(ثانيها): أنها أرادت بالعمرة الحجّ؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصدًا. (ثالثها): أنها
ظنّت أنه معتمر. (رابعها): أن معنى قولها: ((من عمرتك)) أي لعمرتك بأن تفسخ حجّك
إلى عمرة كما فعل غيرك. قال النوويّ في ((شرح مسلم)) بعد ذكره هذه الأجوبة: وكلّ
هذا ضعيف، والصحيح ما سبق -يعني القران. ذكره وليّ الدين(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله النووي رحمه اللّه تعالى حسن جدًّا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا
أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِيَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ
أَبِيِهِ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِهِ يِهِلُّ مُلَبْدًا»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((يهلّ ملبّدً)) - بضمّ الياء، من الإهلال، وهو
رفع الصوت بالتلبية. و((التلبيد) أن يُجعل في رأسه صمغًا، أو غيره ليتلبّد شعره، أي
يلتصق بعضه ببعض، فلا يتخللَّه غبار، ولا يصيبه الشعث، ولا القمل، وإنما يفعله من
يطول مكثه في الإحرام.
(١) - ((شرح مسلم)) ٨/ ٤٣٧.
(٢) - ((طرح التثريب)) ٣٨/٥-٣٩ .

٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
فجملة ((يُهُلّ)) حال من المفعول، و((ملبّدًا)) حال من فاعل ((يهلّ)).
ولأبي داود، والحاكم من طريق نافع، عن ابن عمر ((أنه وَ لّ لبّد رأسه بالعسل)). قال
ابن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين. ويحتمل أنه بكسر المعجمة، وسكون
المهملة، وهو ما يُغسل به الرأس، من خطميّ، أو غيره. قال الحافظ: ضبطناه في
روايتنا في ((سنن أبي داود)) بالمهملتين انتهى (١).
والحديث أخرجه المصنّف هنا-٢٦٨٣/٤٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٦٣/٤٠. وأخرجه
(خ) في ((الحجّ)) ١٥٤٠ و١٥٤٩ و((اللباس))٥٩١٤ و٥٩١٥ (د) في ((المناسك)»١٧٤٧
(ق) في ((المناسك)) ٣٠٤٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٥٩٧٨ و٦١١١ .
ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٤٠- (إِبَاحَةِ الطَّيبِ عِنْدَ الإِخْرَامِ)
٢٦٨٤- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: ((طَئِيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِمَ، وَعِنْدٌ إِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ
يُحِلَّ بِيَدَيَّ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨]
٢/٢ .
٣- (عمرو) بن دينار الجمحي الأثرم، أبو محمد المكّي، ثقة ثبت [٤]١٥٤/١١٢.
٤- (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [٣]
٤٩٠/٢٣ .
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها ٥/٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف ◌َخّْثُ، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه رواية
(١) - ((فتح)) ١٨٠/٤.

٨٧
=
=
٤٠- (إِيَاحَةِ الطِّيبِ عِنْدَ الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٨٤
تابعي عن تابعي، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة تعطلفيها
من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: ((طَئِيْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِ).
وفي رواية عروة عنها: (كنت أطيّب رسول اللَّه وَآت).
قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: حقيقة قولها: ((كنت أطيب الخ)) تطييب بدنه، ولا
يتناول ثيابه، وقد دلّ على اختصاص ذلك ببدنه الرواية التي فيها: ((حتى أجد وبيص
الطيب في رأسه، ولحيته)). وقد اتفق الشافعيّة على أنه لا يستحبّ تطييب الثياب عند
إرادة الإحرام، وشذّ المتولي، فحكى قولًا باستحبابه، وصححه في ((المحرّر))،
و((المنهاج)). وفي جوازه خلاف عندهم، والأصحّ الجواز، فإذا قلنا بجوازه، فنزعه، ثم
لبسه، ففي وجوب الفدية وجهان، صحح البغويّ وغيره الوجوب انتهى كلام وليّ
الدین.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا دليل على منع تطييب الثياب عند الإحرام،
والأعجب تصحيح البغويّ وجوب الفدية؛ فأين الدليل على ذلك من الكتاب، أو
السنة، أو الإجماع؟ والله تعالى أعلم.
(عِنْدَ إِحْرَامِهِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِمَ) أي وقت إرادته الإحرام (وَعِنْدَ إِخْلَالِهِ) أي عند إرادة
إحلاله (قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ) بضم أوله، وفتحه، من الإحلال، أو الحِلّ، كما تقدّم. أي قبل
أن يحلّ كلّ الحلّ بالطواف، والمراد قبل أن يطوف بالبيت، ففي رواية القاسم عنها:
((قبل أن يطوف بالبيت)). وفي رواية عروة: ((بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف
بالبيت)) (بِيَدَيَّ) متعلّق بـ((طيّبتُ)). زاد في رواية عروة: ((طيبًا لا يُشبه طيبكم)). وفي
رواية له: ((بأطيب ما أجد))، وفي أخرى: ((بطيب فيه مسك)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متّفق عليه.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: ما حاصله: هذا الحديث لم يُختلف
فيه عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، والأسانيد متواترة به، وهي صحاح. وقال الإمام
ابن حزم رحمه اللّه تعالى بعد ذكر ◌ُمل من طرقه عن عائشة: ما نصّه: فهذه آثار

شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
متواترة، متظاهرة، رواه عنها عروة، والقاسم، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن
عبد الله بن عمر، وعمرة، ومسروق، وعلقمة، والأسود، ورواه عن هؤلاء الناسُ
الأعلام انتهى(١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه في ((كتاب الغسل-)) ٤١٧/١٣ و٢٦٨٥/٤١ و٢٦٨٦ و٢٦٨٧ و٢٦٨٨
و ٢٦٨٩ و ٢٦٩٠ و٢٦٩١ و ٢٦٩٢ و ٢٦٩٣ و٢٦٩٤ و٢٦٩٥ و٢٦٩٦ و٢٦٩٧ و٢٦٩٨
و٢٦٩٩ و٢٧٠٠ و٢٧٠١ و٢٧٠٢ و٢٧٠٣ و٤٢ /٢٦٩٥ و٢٦٩٦ و٢٦٩٧ و٢٦٩٨
٢٦٩٩ و٢٦٧٠٠ و٢٧٠١ و٢٧٠٢ و٢٧٠٣ و٢٧٠٤ و٢٧٠٥ - وفي ((الكبرى))٤١/
٣٦٦٤ و٣٦٦٥ و٣٦٦٦ و٣٦٦٧ و٣٦٦٨ و٣٦٦٩ و٣٦٧٠ و٣٦٧١ و٣٦٧٢ و٤٢/
٣٦٧٣ و٣٦٧٤ و٣٦٧٥ و٣٦٧٦ و٣٦٧٧ و٣٦٧٨ و٣٦٧٩ و٣٦٨٠ و٣٦٨١ و٣٦٨٢
و ٣٦٨٣ و٣٦٨٤ و٣٦٨٥ .
وأخرجه (خ) في ((الغسل))٢٦٧ و٢٧٠ و٢٧١ وفي ((الحجّ)) ١٥٣٨ و١٥٣٩ وفي
((اللباس)) ٥٩١٨ و٥٩٢٣ و(م) في ((الحجّ))١١٨٩ و١١٩٠ و١١٩١ و١١٩٢ و(د) في
((المناسك)) ١٧٤٥ و١٧٤٦ و(ت) في ((الحج)) ٩١٧ (ق) في ((المناسك)» ٢٩٢٦ و ٢٩٢٧
و٢٩٢٨ و٣٠٤٢ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٩١ و٢٣٦١٤ و٢٤٢٤٠
و ٢٤٢٦٠ و٢٤٤١٣ و٢٤٤٤٥ و٢٤٤٦٢ و٢٤٧٥٩ و٢٤٨٧٤ و ٢٤٨٩٣ و٢٤٩٤٨
و ٢٤٩٩٥ و٢٥٠٥٨ و٢٠٠٧٤ و٢٥١٩٥ و٢٥٢٢٤ و٢٥٢٤٧ و٢٧٦٥٦ و٢٥٢٨٩
و ٢٥٣٢٤٦ و ٢٥٤٠٢ و ٢٥٤٧٥ و ٢٥٤٨٦ و ٢٥٥٤٦٧ و٢٥٥٤٩ و ٢٥٥٩٨ و ٢٥٦٣٠
و٢٥٧٧٤٠ و٢٥٨٦٤ (الدارميّ)) في المناسك)) ١٨٠١ و١٨٠٢ و١٨٠٣ (الموطأ) في
((الحجّ)) ٧٢٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إباحة الطيب للمحرم عند إرادة
إحرامه (ومنها): أنه لا بأس باستدامة الطيب بعد الإحرام، ولا يضرّ بقاء لونه،
ورائحته، وإنما يحرم في الإحرام ابتداؤه، وهو قول الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي
تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): استحباب الطيب بعد التحلّل الأول قبل الطواف. وقد نصّ عليه الشافعيّ،
وتابعه أصحابه. (ومنها): استحباب الطيب مطلقًا؛ لأنه إذا فُعل في هذه الحالة التي من
-
(١) -راجع ((طرح التثريب)) ٧٤/٥ - ٧٥ .

۔
٤٠- (إِيَاحَةِ الطِّيبِ عِندَ الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٨٤
٨٩
شأنها الشعث، فغيرها أولى. (ومنها): مشروعيّة خدمة المرأة زوجها.
(ومنها): أنه استُدلّ بقولها: ((كنت أطيّب)) على أن ((كان)) لا تقتضي التكرار؛ لأنها لم
يقع منها ذلك إلا مرّة واحدة، وقد صرّحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة
الوداع. كذا استدلّ به النوويّ في ((شرح مسلم)). وتُعُقّب بأن المدّعَى تكراره إنما هو
التطيّب، لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرّر التطيّب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرّة
واحدة، ولا يخفى ما فيه. وقال النوويّ في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكرارًا،
ولا استمرارًا. وكذا قال الفخر في ((المحصول)). وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه،
قال: ولهذا استفدنا من قولهم: ((كان حاتم يقري الضيف)) أن ذلك كان يتكرّر منه.
وقال جماعة من المحقّقين: إنها تقتضي التكرار ظهورًا، وقد تقع قرينة تدلّ على
عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى أنها كانت تكرر
فعل التطيّب لو تكرّر منه فعل الإحرام لما اطّلعت عليه من استحبابه لذلك، على أن هذه
اللفظة لم تتفق الروايات عنها عليها، فقد حُذفت في أكثر الطرق(١). والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استُدلّ به على حلّ الطيب وغيره، من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة
العقبة، ويستمرّ امتناع الجماع، ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دالٌ على أن للحجّ
تحلّلين، فمن قال: إن الحلق نسك، كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعيّة
يوقّف استعمال الطيب وغيره من المحرّمات المذكورة عليه. ويؤخذ ذلك من كونه وله
في حجته رمى، ثم حلق، ثم طاف، فلو لا أن الطيب بعد الرمي، والحلق لما اقتصرت
على الطواف في قولها: ((قبل أن يطوف بالبيت)). قال النوويّ في ((شرح المهذّب)):
ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهي رواية
عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف. والله تعالى أعلم.
(ومنها): طهارة المسك، وهو مجمع عليه، إلا في قول شاذْ، لا يُعتدّ به. (٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطيب عند الإحرام:
ذهب الجمهور إلى استحباب التطيّب عند إرادة الإحرام، ولو بقي لونه ورائحته بعد
الإحرام.
وممن قال بذلك الأئمةُ: أبو حنيفة، والشافعيّ، ، وأبو يوسف، وأحمد بن حنبل،
وحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقّاص، وابن الزبير، وابن عبّاس، وإسحاق، وأبي
(١) -راجع ((الفتح)) ١٧٨/٤.
(٢) - ((طرح التثريب)) ٨٣/٥.

٩٠
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ثور، وأصحاب الرأي. وحكاه الخطّابيّ عن أكثر الصحابة. وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي
سعيد الخدريّ، وعبد الله بن جعفر، وعائشة، وأمّ حبيبة، وعروة بن الزبير، والقاسم
ابن محمد، والشعبيّ، والنخعيّ، وخارجة بن زيد، ومحمد بن الحنفيّة، قال: واختلف
في ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير. وقال به الثوريّ، والأوزاعيّ،
وداود. وحكاه النوويّ عن جمهور العلماء من السلف والخلف، والمحدّثين، والفقهاء،
وعدّ منهم غير من قدّمنا معاوية، وحكاه ابن قدامة عن ابن جريج. قال ابن المنذر: وبه
أقول .
وذهب مالك إلى منع أن يتطيّب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن
فعل فقد أساء، ولا فدية عليه. وحكى الشيخ أبو الظاهر قولًا بوجوب الفدية، وعلّله
بأن بقاء الطيب كاستعماله. وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيّب قبل الإحرام بما
تبقى عينه بعده. وحكاه صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة عن الشافعيّ، ولا يُعرف ذلك في
مذهبه. وحكى ابن المنذر عن عطاء كراهة الطيب قبل الإحرام. وحكاه النوويّ عن
الزهريّ. قال القاضي عياض: وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة، والتابعين.
وقال ابن عبد البرّ: وممن كره الطيب للمحرم قبل الإحرام عمر بن الخطّاب،
وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاصي، وعطاء، وسالم بن
عبد الله، على اختلاف عنه، والزهريّ، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، على
اختلاف عنهم. وهو اختيار أبي جعفر الطحاويّ؛ إلا أن مالكًا كان أخفّهم في ذلك
قولًا، ذكر ابن عبد الحكم عنه، قال: وترك الطيب عند الإحرام أحبّ إلينا انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): والذي في ((الصحيح)) عن ابن عمر أنه
قال: ما أحبّ أن أُصبح محرمًا أنضخ طيبًا))، وليس في هذا التصريح بالمنع منه انتهى.
وتأول هؤلاء حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا على أنه تطيّب، ثم اغتسل
بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، قالوا: ويؤيّد هذا قولها في الرواية الأخرى في
((صحيح مسلم)): ((طيّبتُ رسول اللَّه ◌َ لير عند إحرامه، ثم طاف على نسائه، ثم أصبح
محرمًا)). فظاهره أنه إنما تطيّب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، لا سيّما، وقد
نُقل أنه كان يتطهّر من كلّ واحدة قبل الأخرى، فلا يبقى مع ذلك طيب، ويكون قولها:
(ثم أصبح ينضخ طيبًا))، أي قبل غسله. وقد ثبت في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان
ذَرِيرةً، وهي فُتاةُ قصب طيب، يُجاء به من الهند، وهي مما يذهبه الغسل. قالوا:
وقولها: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول اللّه وَّل، وهو محرم))، المراد
منه أثره، لا جرمه. هذا كلام المالكية.

٩١
٤٠- (إِيَاحَةِ الطِّيبِ عِنْدَ الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٨٤
قال النوويّ: ولا يوافق عليه، بل الصواب ما قاله الجمهور: إن الطيب مستحبّ
للإحرام؛ لقولها: ((طيبته لحرمه))، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام، لا للنساء،
ويعضده قولها: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب)). والتأويل الذي قالوه غير مقبول
لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه انتهى.
وقال ابن عبد البرّ على لسان الذاهبين إلى استحباب الطيب للإحرام: لا معنى
لحديث ابن المنتشر -يعني الذي فيه: ((ثم طاف على نسائه))- لأنه ليس ممن يعارض به
هؤلاء الأئمة، لو كان ما كان في لفظه حجة؛ لأن قوله: ((طاف على نسائه)) يحتمل أن
يكون طوافه لغير جماع؛ ليعلّمهنّ كيف يُحرمن، وكيف يعملن في حجّهنّ، أو لغير
ذلك، والدليل على ذلك ما رواه منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي
الله تعالى عنها، قالت: ((كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول اللّه بَ له بعد ثلاث،
وهو محرم)). قالوا: والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة عنه، عن أبيه، عن
عائشة، فقال فيه: ((فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا، ينضخ طيبًا)). قالوا: والنضخ
في كلام العرب: اللطخ، والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾
[الرحمن: ٦٦] ذكر هذا كله وليّ الدين رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: واحتجّ المالكية بأمور:
(منها): أنه وَ لّ اغتسل بعد أن تطيّب، لقوله في رواية ابن المنتشر المتقدّمة في
((الغسل)): ((ثم طاف بنسائه، ثم أصبح محرمًا)). فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من
عادته وَّلر أن يغتسل عند كلّ واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر. ويردّه
قوله في الرواية الماضية أيضًا: ((ثم أصبح محرمًا، ينضخ طيبًا))، فهو ظاهر في أن نضخ
الطيب -وهو ظهور رائحته- كان في حال إحرامه. ودعوى بعضهم أن فيه تقديمًا
وتأخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه، ينضخ طيبًا، ثم أصبح محرمًا خلافُ الظاهر،
ويرذه قوله في رواية الحسن بن عبيدالله، عن إبراهيم عند مسلم: ((كان إذا أراد أن يُحرم
يتطيّب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه، ولحيته بعد ذلك)). وللنسائيّ(١)، وابن
حبّان: ((رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث، وهو محرم)).
وقال بعضهم: إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيّب الذي تطيّب به، فزال، وبقي
(١) -سيأتي للمصنّف في ٢٧٠٢/٤٢ بلفظ: ((لقد رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول اللّه وَ ل بعد
ثلاث)). وفي ٢٧٠٣/٤٢ (كنت أرى وبيص الطيب في مفرق رسول اللَّه وَله بعد ثلاث)).

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أثره، من غير رائحة. ويردّه قول عائشة: ((ينضخ طيبًا)). وقال بعضهم: بقي أثره، لا
عينه، قال ابن العربيّ: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت انتهى. وقد
روى أبو داود، وابن أبي شيبة، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: ((كنّا
نضمّخ وجوهنا بالمسك المطيّب قبل أن نحرم، ثم نحرم، فنعرق، فيسيل على
وجوهنا، ونحن مع رسول اللّه وَ لهار، فلا ينهانا)). فهذا صريحٌ في بقاء عين الطيب، ولا
يقال: إن ذلك خاصّ بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم
استعمال الطيب إذا كانوا محرمين.
وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة له، تمسّكًا برواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ،
عن عروة، عن عائشة: ((بطيب لا يشبه طيبكم))، قال بعض رواته: تعني لا بقاء له.
أخرجه النسائيّ - ٢٦٨٨/٤١ -. ويرد هذا التأويل ما في الذي قبله. ولمسلم من رواية
منصور بن زاذان، عن عبد الرحمن بن القاسم: ((بطيب فيه مسك))، وله من طريق
الحسن بن عبيدالله، عن إبراهيم: ((كأني أنظر إلى وبيص المسك)). وللشيخين من
طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه: ((بأطيب ما أجد)). وللطحاويّ، والدارقطنيّ
من طريق نافع، عن ابن عمر، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: (( بالغالية الجيّدة)).
وهذا يدلّ على أن قولها: ((بطيب، لا يُشبه طيبكم)) أي أطيب منه، لا كما فهمه القائل:
تعني ليس له بقاء.
وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه وَلتر، قاله المهلّب، وأبو الحسن القصّار، وأبو
الفرج من المالكيّة. قال بعضهم: لأن الطيب من دواعي النكاح، فنَھی الناس عنه،
وكان هو أملك الناس لإربه، ففعله. ورجحه ابن العربيّ بكثرة ما ثبت له من الخصائص
في النكاح. وقد ثبت عنه أنه قال: ((حُبّب إليّ النساء والطيب)). أخرجه النسائيّ من
حديث أنس ◌َُّه .
وتُعُقّب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس. وقال المهلّب: إنما خُصّ بذلك لمباشرته
الملائكة لأجل الوحي. وتُعقّب بأنه فرع ثبوت الخصوصيّة، وكيف بها؟. ويردها
حديث عائشة بنت طلحة المتقدّم. ورَوَى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة
رضي اللّه تعالى عنها، قالت: ((طيّبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم))، وبقولها:
(طيّت رسول اللّه وَل بيديّ هاتين)). أخرجه الشيخان من طريق عمر بن عبد الله بن
عروة، عن جده، عنها، وعند البخاريّ من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم،
بلفظ: ((وأشارت بیدیها)).
واعتذر بعض المالكيّة بأن عمل أهل المدينة على خلافه. وتُعُقّب بما رواه النسائيّ،

٩٣
٤٠- (إِيَاحَةِ الطِّيبِ عِنْدَ الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٨٤
من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لَمّا
حجّ، جمع ناسًا من أهل العلم، منهم القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم،
وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث، فسألهم عن التطيّب قبل الإفاضة، فكلّهم أمر به.
فهؤلاء فقهاء أهل المدينة، من التابعين، قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدّعي مع ذلك
العمل على خلافه انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من التحقيقات أن ما ذهب إليه
الجمهور، من جواز استعمال الطيب عند إرادة الإحرام، ولو كان يبقى أثره بعد الإحرام
هو الحق؛ لكونه سنة ثابتة عن رسول اللّه وَ له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): دلّ الحديث على إباحة التطيّب بعد رمي جمرة العقبة، والحلق،
وقبل طواف الإضافة، وهو المراد بالطواف هنا، وإنما قلنا: بعد رمي جمرة العقبة
والحلق؛ لأنه ◌َ لي رتّب هذه الأفعال يوم النحر هكذا، فرمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا
أن التطيّب كان بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: ((قبل أن يطوف
بالبيت)) .
قال النوويّ في ((شرح مسلم)): وهذا مذهب الشافعيّ، والعلماء كافّة، إلا مالكًا،
فكرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث، وكذا حكاه القاضي عياض
عن عامّة العلماء.
وقال الترمذيّ في ((جامعه)): رُوي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: حَلّ كلّ شيء إلا
النساء، والطيب. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، من أصحاب النبيّ وَلآه،
وغيرهم، وهو قول أهل الكوفة انتهى.
وهذا الذي حكاه عن أهل الكوفة ليس بمعروف عنهم، وفي كتب الحنفية
كـ(«الهداية»، وغيرها الجزم بحلّ الطيب قبل الطواف.
ثم إن مالكًا مع قوله باستمرار تحريم الطيب يقول: إنه لا فدية عليه لو تطيّب،
بخلاف الصيد، فإنه ممنوع منه عنده قبل الطواف كالطيب عنده، ومع ذلك فيقول بلزوم
الفدية لو اصطاد، وهو محتاج إلى الفرق بينهما.
وحُكي عن بعض أهل الكوفة القول بتحريم الطيب قبل الطواف، وبلزوم الفدية لو
(١) - ((فتح)) ٤ /١٧٨ - ١٨٠.
/

٩٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
تطيّب، وهو القياس، أعني لزوم الفدية على القول بالتحريم، وبالفدية يقول الشافعية
تفريعًا على قول شاذ، حكاه بعضهم أن الطيب يستمرّ تحريمه إلى أن يطوف، وأنكر
جماعة منهم هذا القول، وقطعوا بجوازه. والله أعلم. قاله وليّ الدين(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من جواز الطيب قبل
الطواف؛ لصحّة حديث الباب بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): استدلّ بقولها: ((لحِلّه قبل أن يطوف)) على أنه حصل له التحلّل
قبل الطواف. قال النوويّ في ((شرح مسلم)): وهذا متّفق عليه، ويوافقه كلامه في ((شرح
المهذّب)»، فإنه أورد فيه من ((سنن أبي داود)» حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها،
مرفوعًا: ((فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صِرْتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا
الجمرة، حتى تطوفوا به)). وقال: إنه حديث صحيح. ثم حكى عن البيهقيّ أنه قال: لا
أعلم أحدًا من الفقهاء قال به. ثم قال النوويّ: فيكون الحديث منسوخًا، دلّ الإجماع
على نسخه، فإن الإجماع لا يَنسخ، ولا يُنسخ، لكن يدلّ على ناسخ.
قال وليّ الدين: وكذا قال البيهقيّ في ((الخلافيّات)): يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار
صار منسوخًا، ويستدلّ بالإجماع في جواز لبس المخيط بعد التحلّل الأول على نسخه
انتھی .
لكن الخلاف في ذلك موجود، قال ابن المنذر في ((الإشراف)) لَمّا حكى الخلاف
فيما أُبيح للحاجّ بعد الرمي، وقبل الطواف: وفيه قول خامس، وهو أن المحرم إذا رمى
الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. وقال عروة بن الزبير:
من أخر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفر، فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة.
وقد اختلف فيه عن الحسن البصريّ، وعطاء، والثوريّ انتهى كلام وليّ الدين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها الذي أشار إليه
هو ما أخرجه أبو داود في ((سننه))، ولفظه:
١٩٩٩ - حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين -المعنى واحد- قالا: حدثنا ابن
أبي عدي، عن محمد بن إسحق، حدثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أبيه، وعن
أمه زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، يحدثانه جميعا ذاك عنها، قالت: كانت ليلتي
التي يصير إليّ فيها رسول اللّه وَّر، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن
زمعة، ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمِّصَين، فقال رسول اللَّه ◌ِّ لوهب: ((هل
(١) - ((طرح التثريب)).

٩٥
٤٠- (إِيَاحَةِ الطِّيبِ عِنْدَ الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٨٤
أفضت أبا عبد الله؟))، قال: لا، والله يا رسول اللَّه، قال وَله: ((انزع عنك القميص))،
قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول الله؟،
قال: ((إن هذا يوم رُخْصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن ◌َِّلُّوا -يعني من كل ما حُرِمتُم
منه، إلا النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن
ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، فإن رجاله كلهم، معرفون،
قد أخرجوا لهم في الصحيح، فابن إسحاق من رجال البخاريّ، وأبو عبيدة روى عنه
جماعة، وهو من رجال مسلم، والباقون لا يسأل عنهم، وابن إسحاق، وإن كان مدلّسًا،
إلا أنه صرّح هنا بالتحديث، فزالت العلّة، فوجب القول به.
والذين لم يقولوا بهذا الحديث لم يتعلّقوا بشيء يُعتدّ به، وغاية ما تعلّقوا به هو
دعوى النسخ بالإجماع، وقد عرفت أن هذه الدعوى باطلة، حيث ثبت خلاف جماعة،
كأبي قلابة، وابن الزبير، والحسن البصريّ، وعطاء، والثوريّ، على خلاف عن هؤلاء
الثلاثة، فأين الإجماع المزعوم؟ .
والحاصل أنه ليس لترك العمل بهذا الحديث عذرٌ مقبولٌ، فالحقّ أن من أمسى، قبل
أن يطوف بالبيت عاد محرمًا، فيجب عليه أن لا يتلبّس بشيء من محظوراة الإحرام حتى
يطوف بالبيت، كما قال النبيّ ◌َ ليل لهذين الصحابيين: ((صرتم حرمًا، كهيئتكم قبل أن
ترموا الجمرة، حتى تطوفوا بالبيت))، وهذا مما غفل عنه كثير من أهل العلم، فضلًا عن
العوام، فينبغي إفشاؤه حتى يعلمه العوامّ، فيعملوا به. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قال وليّ الدين: وإذا قلنا بقول الجمهور، فاختلف العلماء في
كيفيّة ذلك التحلّل، فقال ابن حزم الظاهريّ: حلّ من كلّ وجه، وليس للحجّ إلا تحلّل
واحد، فيباح له سائر المحرّمات على المحرم، إلا الجماع، فإنه مستمرّ التحريم إلى أن
يطوف طواف الإفاضة، وليس ذلك لأنه بقي عليه شيء من إحرامه، بل انقضى إحرامه
كلّه، ولكن الجماع محرّم على من هو في الحجّ، وإن لم يكن مُخرِمًا.
وسبقه إلى ذلك الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين، من الشافعيّة، فقال: ليس للحجّ إلا
تحلّل واحد، فإذا رمى جمرة العقبة زال إحرامه، وبقي حكمه حتى يحلق، ويطوف، كما
أن الحائض إذا انقطع دمها زال الحيض، وبقي حكمه، وهو تحريم وطئها، حتى
تغتسل. حكاه عنه صاحبه القاضي أبو الطيّب، وقال: هذا غلطً؛ لأن الطواف أحد
أركان الحجّ، فكيف يزول الإحرام، وبعض الأركان باق، وهذان القائلان، وإن اتفقا

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
على تحلّل واحد، فقد اختلفا في ذلك التحلّل، فقال الشيخ أبو حامد: هو بما سنحكيه
بعد هذا عن الشافعيّة. وقال ابن حزم: هو دخول وقت الرمي بطلوع الشمس يوم
النحر، فإذا دخل وقت الرمي حلّ المحرم، سواء رمى، أو لم يرم؛ لأنه يَّ صحّ عنه
جواز تقديم الطواف، والذبح، والرمي، والحلق بعضها على بعض، فإذا دخل وقتها
بطل الإحرام، وإن لم يفعل شيئًا منها، وسبقه إلى ذلك أبو سعيد الإصطخريّ، من أئمّة
الشافعيّة، فقال: إذا دخل وقت الرمي حصل التحلّل الأول، وإن لم يرم. وحكى
صاحب ((التقريب)) وجهًا شاذًا أنا إذا لم نجعل الحلق نسكًا حصل التحلّل الأول بمجرّد
طلوع الفجر يوم النحر، وقائلا هذين القولين لا يوافقان ابن حزم على أن للحجّ تحلّلاً
واحدًا، فمقالته مركّبة من أمرين، قال بكلّ منهما بعض الشافعيّة، ولا نعلم له سلفًا في
مجموع مقالته. والله أعلم.
وقال جمهور الفقهاء، من أصحاب المذاهب الأربعة: للحج تحلّلان، ثم اختلفوا في
أمرین :
(أحدهما): فيما يحصل به التحلّل الأول، فقالت الشافعيّة: إن قلنا: إن الحلق
نسك، وهو الصحيح المشهور، حصل التحلّل الأول بفعل أمرين من ثلاثة أمور: وهي
رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف
القدوم، فإذا فعل اثنين منها، أيّ اثنين كانا، حصل التحلّل الأول.
وإن قلنا: إن الحلق ليس نسكًا، حصل التحلّل الأول بواحد من الرمي، والطواف،
فأيهما فعله أوّلًا حلّ التحلّل الأول، وعند أصحابنا يجوز تقديم بعض هذه الأمور على
بعض، وترتيبها بتقديم الرمي، ثم الحلق، ثم الطواف(١) مستحبّ فقط، قالوا: ولو لم
يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فات الرمي، ولزمه دم، ويصير كأنه رمى
بالنسبة لحصول التحلّل به، والأصحّ عند الرافعيّ، والنوويّ أنه يتوقّف تحلّله على
الإتيان ببدله، لكن نصّ الشافعيّ على خلافه. وحكى الرافعيّ وجهًا شاذًا أنه يحصل
التحلّل الأول بالرمي وحده، أو الطواف وحده، ولو قلنا: الحلق نسك.
وقالت الحنابلة: يحصل التحلّل الأول بالرمي، والحلق. وقالت المالكية: للحجّ
تحلّلان، يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة، والآخر بطواف الإفاضة، ولو قدّم طواف
الإفاضة على جمرة العقبة، قال مالك، وابن القاسم: يجزئه، وعليه هدي. وعن مالك
أيضًا: لا يجزئه، وهو كمن لم يُفِضْ. وقال أصبغ: أحبّ إليّ أن يعيد الإفاضة، وهو
(١) -رمز لها بعضهم بقوله: ((رذحط))، الراء الرمي، والذال الذبح، والحاء الحلق، والطاء الطواف.

٩٧
٤٠- (إِيَاحَةِ الطِّيبِ عِنْدَ الإخرام) - حديث رقم ٢٦٨٤
في يوم النحر آكد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول مالك، وابن القاسم المذكور مما لا يلتفت إليه؛
لمخالفته النصّ الصحيح الصريح، حيث إنه ول# سئل عن تقديم بعض هذه الأفعال على
بعضها، فقال: ((افعل ولا حرج))، فكيف يقال: لا يجزئه، أو يجزئه، ولكن عليه
هديّ، هذا شيء عجيب. والله تعالى أعلم.
وقالت الحنفيّة: إن التحلّل الأول بالحلق خاصّة، دون الرمي، والطواف، فليسا من
أسباب التحلّل، وفرقوا بأن التحلّل هو الجناية في غير أوانها، وذلك مختصّ بالحلق،
وأما ذبح الهدي، فليس مما يتوقّف عليه التحلّل، إلا أن الحنفية، والحنابلة قالوا: إن
المتمتع إذا كان معه هديّ لا يحلّ من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد خالفهم
الجمهور في ذلك.
وقال الترمذيّ في ((جامعه)) في الكلام على هذا الحديث: والعمل على هذا عند أكثر
أهل العلم، من أصحاب النبيّ وَّ، وغيرهم، يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم
النحر، وذبح، وحلق، أو قصر، فقد حلّ له كلّ شيء، حرم عليه إلا النساء، وهو قول
الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): فيه نظر من
حيث إن المذكورين لا يتوقّف عندهم التحلّل الأول بالذبح، ثم حكى مقالة أبي حنيفة،
وأحمد في المتمتع الذي ساق الهدي، وقد تقدّمت انتهى.
وقال الإسنويّ في («المهمّات)): اتفق الأصحاب على أنه لا مدخل للذبح في
التحلّل.
قال وليّ الدين: يشكل على ذلك ما أجاب به أصحابنا من حديث عائشة رضي الله
تعالى عنها في ((الصحيح)): من أحرم بعمرة، وأهدى، فلا يحلّ حتى ينحر هديه،
فقالوا: تقديره: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فلیھل بالحجّ، ولا يحلّ حتی ینحر هديه.
قال: وممن ذكره النوويّ، وقال: ولا بدّ من هذا التأويل انتهى. ومقتضاه أن الحاجّ لا
يحلّ حتی ینحر هديه.
وفي سنن الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قالت:
قال رسول اللَّه وَله: ((إذا رميتم، وحلقتم، وذبحتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا
النساء)). لكنه حديث ضعيف، مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومع ذلك
فاضطرب في إسناده، ولفظه، ورواه أبو داود بلفظ: ((إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد
حلّ له كلّ شيءٍ، إلا النساء)). ومقتضى كلام النوويّ في ((شرح المهذّب)) أن في رواية
أبي داود ذكر الحلق أيضًا، وليس كذلك.

=
٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(الأمر الثاني): فيما يحلّ بالتحلّل الأول، وقد اتفق هؤلاء على أنه يحلّ به ما عدا
الجماع، ومقدّماته، وعقد النكاح، والصيد، والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحلّ
الجماع، واختلفوا في بقيّة هذه الأمور:
فقال الشافعيّة يحلّ الصيد، والطيب، واختلفوا في عقد النكاح، والمباشرة فيما دون
الفرج، وفيه قولان للشافعيّ، أصحّهما التحريم، كذا صححه النوويّ، ونقله عن
الأكثرين، وذكر الرافعيّ أن القائلين به أكثر عددًا، وقولهم أوفق لظاهر النصّ في
((المختصر))، لكنه صحّح في ((الشرح الصغير)) الحلّ، واقتضى كلامه في ((المحرّر))
التفصيل بين المسألتين، فصرّح بإباحة عقد النكاح بالأول، وجعل المباشرة داخلة فيما
يحلّ بالثاني. وكلام الحنابلة موافق للمرجّح عندنا، وعبارة الشيخ مجدالدين ابن تيمية
في ((المحرّر)): ثم قد حلّ من كلّ شيء، إلا النساء، وعنه يحلّ إلا الوطء في الفرج.
وكذا مذهب الحنفيّة، قال صاحب ((الهداية)): وقد حلّ له كلّ شيء، إلا النساء، ثم
قال: ولا يحلّ الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافا للشافعيّ، فنصب الخلاف معه على
أحد قوليه. وأما عقد النكاح فهو جائزٌ عندهم في الإحرام.
وقال المالكية: يستمرّ تحريم النساء، والصيد، والطيب، إلا أنهم أوجبوا في الصيد
الجزاء، ولم يوجبوا في الطيب الفدية، كما تقدّم.
قال ابن حزم: وهذا عجيب، فإن احتجّوا بالأثر الوارد في تطييب النبيّ وَلّ قبل أن
يطوف بالبيت قلنا: لا يخلو هذا الأثر من أن يكون صحيحًا، ففرض عليكم ألا تخالفوه،
وقد خالفتموه، أو غير صحيح، فلا تراعوه، وأوجبوا الفدية على من تطيّب، كما
أوجبتموه على من تصيّد.
وقال ابن عبد البرّ: راعى مالك الاختلاف في هذه المسألة، فلم ير الفدية على من
تطيّب بعد رمي جمرة العقبة، وقبل الإفاضة. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: اعتذر أصحابنا
عن هذا الحديث بادّعاء خصوصيّة النبيّ وَّ بذلك.
والجواب عنه: الأصل التشريع، وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص يحتاج إلى
دلیل، وليس ثَمّ دليل على ذلك.
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاجّ بعد رمي جمرة العقبة قبل
الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد الله،
وطاوس، والنخعيّ، وعبد الله بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء. وروينا ذلك عن
ابن عباس. وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء، إلا النساء، والطيب.

٩٩
٤٠- (إباحة الطِّيب عِندَ الإخرام) - حديث رقم ٢٦٨٧
وقال مالك: له كلّ شيء، إلا النساء، والطيب، والصيد. وقد اختلف فيه عن إسحاق،
فذكر إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ
شيء، إلا النساء، والصيد. ثم قال: وفيه قول خامس، فذكر كلامه المتقدّم، وهو أن
المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت. ذكره وليّ الدين رحمه الله
تعالى بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن القول الخامس الذي ذكره ابن المنذر هو
الراجح ؛ لصحة حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها المتقدّم، فقد تقدّم أن الحديث
صحيح كما قال النوويّ وغيره، ولكنهم اعتلوا لعدم العمل به بعلة غير مقبولة، فوجب
العمل به، كما أوضحته سابقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٥ - أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ بنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((طَئِيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِه لِإِخْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِمَ، وَلَّحِلْهِ قَبْلَ أَنْ
يَطُوفَ بِالْبَيْتِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وهذا
الإسناد هو أصح أسانيد عائشة رضي اللّه تعالى عنها، والحديث متّفق عليه، وقد سبق
تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٢٦٨٦- أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
نُمَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَثَ: (طَئِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِمَ، وَلِحِلّهِ حِينَ أَحَلّ(٢))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و(يحيى بن سعيد)): هو الأنصاريّ المدنيّ، والحديث مُتَّفق عليه، كما سبق آنفًا،
وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٧- أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((طَئِّيْتُ رَسُولَ اللّهِ وََّهْ لِحُزْمِهِ
جِينَ أَخْرَمَ، وَلِحِلَّهِ بَعْدَ مَا رَمَى جْرَةَ الْعَقَبَةِ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
(١) - ((طرح التثريب)) ٧٨/٥-٨٢.
(٢) - وفي نسخة: ((حين حلّ)).

١٠٠
-
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شيخه، وهو ثقة، فإنه من رجال الترمذيّ، والمصنّف.
و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: «لحرمه، ولحِلْه)): أي لإحرامه، وإحلاله.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: يقال: حرمه: بضمّ الحاء، وكسرها لغتان، ومعناه
لإحرامه. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيّدناه عن شيوخنا بالوجهين، قال:
وبالضمّ قيّده الخطّابيّ، والهرويّ، وخطّأ الخطّابيّ أصحاب الحديث في كسره، وقيّده
ثابت بالكسر، وحكى عن المحدّثين الضمّ، وخطّأهم فيه، وقال: صوابه الكسر، كما
قال ((لِحِلّه)) انتهى. كلام النوويّ(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي في ((النهاية)) لابن الأثير، و((لسان العرب)) لابن
منظور: أن الحُزْم بالضم بمعنى الإحرام، وأما الحِزْم بالكسر، فهو الرجل المحرم، ولم
يذكروا جواز الكسر بمعنى الإحرام فليُحَرَّز. والحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٨٨ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو عُمَيْرٍ، عَنْ ضَمْرَةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((طَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ لإِخْلَالِهِ، وَطَئِيْتُهُ
لِإِحْرَامِهِ، طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا))، تَعْنِي لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عيسى بن محمد)) بن إسحاق، أبو عُمير ابن النحاس
- بمهملتين- الرَّمْليّ، ويقال: اسم جدّه عيسى، ثقة فاضل، من صغار [١٠].
قال إبراهيم بن الجنيد: سئل ابن معين عن أبي عمير ابن النحاس؟ فقال: ثقة، من
أحفظ الناس لحديث ضمرة. وقال أبو زرعة: كان ثقة، رِضًا. وقال أبو حاتم: كان من
عُبّاد المسلمين، كان يطلب العلم وعلى ظهره خُرَيقة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال
الحضرميّ: مات سنة (٢٥٦) وروى أبو طاهر بإسناد له، عن عمرو بن دُحيم أنه مات
في رجب سنة (٢٧٦) قال في ((التهذيب)): وهذا وَهَم. وقال مسلمة بن قاسم: توفي
سنة (٢٥٨) وهو ثقة.
روى عنه أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وروى عنه المصنّف برقم -٢٦٨٨
و ٣٨٧٧ و٥٧٣٦ .
و(ضمرة)) بن ربيعة، أبو عبد اللَّه الفلسطينيّ،، دمشقيّ الأصل، صدوق يهم قليلاً
[٩].
(١) - ((شرح مسلم)) في ((المقدّمة)) ١٣٤/١.