النص المفهرس

صفحات 361-380

١٦- (الْوَقْتُ الذِّي خَرَجَ فِيهِ النَّبيُّ ◌َلٌ ... - حديث رقم ٢٦٥٠
٣٦١
لَايُخْصَرُ الْوَافُونَ بِالخُلَاعِ
فِي الْعَشْرِ كَانَتْ حِجَّةُ الْوَدَاعِ
فَقِيلَ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفَا
أَوْ ضِعْفَهَا وَزِدْ عَلَيْهَا ضِعْفًا
(مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ لِخَمْسٍ) وفي رواية: ((لخمس ليال)) (بَقِينَ، مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح
القاف، وتكسر: اسم الشهرّ الذي بين شوّال، وذي الحجة، قال الفيّوميّ: والجمع
ذوات القَعْدة، وذوات الْقَعَدَات، والتثنية ذواتا الْقَعْدَة، وذواتا القَعْدتين، فثّوا
الاسمين، وجمعوهما، وهو عزيز؛ لأن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة، ولا تتوالى على
كلمة علامتا تثنية، ولا جمع انتهى.
وكذا وقع في حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما عند البخاريّ في ((باب
الخروج آخر الشهر: من ((كتاب الجهاد))، وفي ((باب ما يلبس المحرم من الثياب))، من
((كتاب الحجّ))، وكذا وقع في حديث جابر رضي الله تعالى عنه عند المصنف -٥١/
٢٧٤٠- قال القسطلانيّ رحمه الله تعالى: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء
الشهر، ولو قالته قبله لقالت: إن بقين انتهى.
وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ، وهو ما دام في النصف الأول من
الشهر يؤرّخ بما خلا، وإذا دخل النصف الثاني يؤرّخ بما بقي. وقال أيضًا: فيه ردّ على
من منع إطلاق القول في التاريخ؛ لئلا يكون الشهر ناقصًا، فلا يصحّ الكلام، فيقول
مثلًا: لخمس، إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجّة الجواز أن الإطلاق يكون على
الغالب انتهى. ويؤيّده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذيّ من حديث أبي بكرة رضي
الله تعالى عنه، رفعه: ((التمسوها في تسع يبقين، أو سبع ببقين ... )) الحديث. وما
وقع في حديث آخر: ((في تاسعة تبقى، وسابعة تبقى)).
واختلف في يوم خروجه وَّر من المدينة، والراجح أنه يوم السبت، وسيأتي تحقيق
الخلاف فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
زاد في الرواية الآتية - ٢٧٦٤/٥٨ - من طريق عروة، عن عائشة: ((في عام حجة
الوداع)) - بكسر الحاء المهملة، وفتحها، وبفتح الواو، وكسرها، قال النوويّ رحمه الله
تعالى: سميت بذلك؛ لأن النبيّ وَله ودّع الناس فيها، وقال: ((لعلّي لا أحُجّ بعد عامي
هذا))، فلم يحجّ بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة. وفيه دليل على أنه لا
بأس بالتسمية بذلك؛ خلافًا لمن كرهه، وتُسمّى ((البلاغ)) أيضًا؛ لأنه وَ لّ قال فيها: ((هل
بّغتُ))، و((حجة الإسلام))؛ لأنها التي حجّ فيها بأهل الإسلام، ليس فيها مشرك انتهى.
(لَا نُرَى) بضم النون: أي لا نظنّ. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح النون،
وبعضهم بضمّها(١) (إِلَّا الْحَجَّ) وفي رواية عنها: ((لا ننوي إلا الحج))، وفي أخرى: ((لا
(١) - ((عمدة القاري)) ج٨ص٣١ .

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
نذكر إلا الحج))، وفي أخرى: ((مهلّين بالحجّ)). وفي أخرى: ((لبينا بالحجّ)). وظاهر
هذه الروايات أن عائشة مع غيرها من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، كانو أوّلًا
محرمين بالحجّ، لكن هذا يُستشكل مع ما يأتي لها في-٢٩٩١/١٨٦ - من رواية عروة
عنها: ((فمنّا من أهلّ بالحجّ، ومنّا من أهلّ بعمرة)). وفي رواية للبخاريّ: ((فمنا من أهل
بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنّا من أهل بالحجّ)).
وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى الجمع بأن الأول يُحمل على أنها ذكرت ما كانوا
يَعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجّ، فخرجوا، لا يعرفون إلا الحجّ، ثمّ بيّن لهم
النبيّ وَّ وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ)).
وسيأتي في - ٢٧١٧/٤٨ - من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه، عنها: ((فقال: من
شاء أن يُهُلّ بحجّ فليُهلَ، ومن شاء أن يُهُلّ بعمرة فليهلّ بعمرة)). ولأحمد من طريق ابن
شهاب، عن عروة: ((فقال: من شاء فليهلّ بعمرة، ومن شاء فليهلّ بحجّ.
قال: وأما عائشة نفسها، فقد جاء عند البخاريّ من طريق هشام بن عروة عن أبيه،
عنها، أنها قالت: ((وكنت ممن أهلّ بعمرة)). زاد أحمد من وجه آخر عن الزهريّ: ((ولم
أسق هديًا)). فادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، والصواب رواية
الأسود، والقاسم، وعروة عنها أنها أهلّت بالحجّ مفردًا.
وتُعُقّب بأن قول عروة عنها إنها أهلّت بعمرة صريحٌ، وأما قول الأسود وغيره عنها:
((لا نرى إلا الحجّ))، فليس صريحًا في إهلالها بحجّ مفرد، فالجمع بينهما ما تقدّم، من
غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها. وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابيّ، كما
أخرجه مسلم عنه. وكذا طاوس، ومجاهد، عن عائشة.
ويحتمل في الجمع أيضًا أن يقال: أهلّت عائشة بالحجّ مفردًا، كما فعل غيرها من
الصحابة، وعلى هذا ينزل حديث الأسود، ومن تبعه: ((ثمّ أمر النبيّ ◌َلّ أصحابه أن
يفسخوا الحجّ إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتّعة)). وعلى هذا يتنزّل
حديث عروة: ((ثم لما دخلت مكّة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل
الحيض، أمرها أن تُحرم بالحجّ))، على ما سيأتي من الاختلاف في ذلك، والله أعلم
انتهى كلام الحافظ بتصرّف(١).
وقد تعقّب هذا الجمع صاحب ((مرعاة المفاتيح)) في ٤٥٦/٨- وسيأتي ذكره عند ذكر
الاختلاف والجمع بين الروايات في كون عائشة رضي اللّه تعالى عنها أهلّت متمتعة، أو
مفردة بحج، أو عمرة مستوفّى في ٥٨/ ٢٧٦٣ إن شاء الله تعالى.
(١) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص ٢٠٩- ٢١٠.

٣٦٣
١٦- (الوَقْتُ الذِّي خَرَجَ فِيهِ النَّبِيُّ ◌َّر ... - حديث رقم ٢٦٥٠
(حَتَّى إِذَا دَقَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) أي قرُبنا منها (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ، إِذَا
طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَحِلَّ) أي يجعل نسكه عمرة. وفي بقاء هذا الحكم خلاف، والحقّ بقاؤه،
كما هو مذهب الإمام أحمد، وعليه المصنّف، وجمهور المحدّثين، وسيأتي تمام البحث فيه
في - ٢٨٠٣/٧٧ - باب ((إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي))، إن شاء اللّه تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٥٠/١٦ و٢٧١٧/٤٨ و٢٧١٨ و٢٧٤١/٥١ و٢٧٦٤/٥٨ و٧٧/
٢٨٠٣ و٢٨٠٤ و٢٩٩٠/١٨٥ و٢٩٩١/١٨٦ وفي ((الطهارة)) ٢٤٢/١٥١ و ٢٩٠/١٨٣
و((الحيض))١/ ٣٤٨- وفي ((الكبرى)) ١٦/ ٣٦٣٠ و٣٦٩٦/٤٨ و٣٦٩٧ و ٣٦٩٨ و٥١/
٣٧٢١ و٣٧٤٥/٥٧ و((الحيض»٢٨٣/١٦٣.
وأخرجه (خ) في ((الحيض))٢٩٤ و٣٠٥ و٣١٦ و٣١٧ و٣١٩ و((الحج)) ١٥١٨
و١٥٥٦ و١٥٦٠ و١٥٦١ و١٦٣٨ و١٦٥٠ و١٧٠٩ و١٧٢٠ و١٧٨٣ (م) في ((الحجّ))
١٢١١ و١٢٢٨ و(د) في ((المناسك)) ١٧٥٠ و١٧٧٨ و١٧٧٩ و١٧٨١ و١٧٨٢ و(ت)
في ((الحج)) ٩٤٥ (ق) في ((المناسك)) ٢٩٦٣ و٢٩٨١ و٣٠٠٠ و٣٠٧٥ و((الأضاحي))
٣١٣٥ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٥٦ و٢٣٥٨٩ و ٢٤٣٥٥ و٢٤٧٧٩
و ٢٤٧٨٨ و ٢٤٩١٣ و٢٥٠٥٠ و٢٥٠٩١ و٣٥٣١٠ و٢٥٥٣٤ و٢٥٥٥٤ و ٢٥٥٧٨
و٢٧٦٥٤ و٢٥٨١٢ (الموطأ) في ((الحجّ)) ٧٤٦ و٨٩٦ و٩٤٠ و٩٤١ و(الدارمي) في
((المناسك)) ١٨٤٦ و١٩٠٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوقت الذي خرج فيه النبيّ وَل
من المدينة إلى مكّة للحجّ، وهو لخمس بقين من ذي القَعدة، على ما تقدّم إيضاحه
(ومنها): أن الحجّ ليس خاصًّا بالرجال، بل يعمّ النساء أيضًا (ومنها): مشروعيّة حجّ الرجل
مع امرأته (ومنها): أَمْرُ من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ بعمل العمرة، وعليه المحقّقون من
أهل الحديث والفقه كما سيأتي تحقيقه في بابه إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختلف في يوم خروجه وَّ على ثلاثة أقوال:

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(الأول): أنه خرج يوم الجمعة، وهذا وَهَمّ قبيح، وخطأ فاحش، تردّه الروايات
الصحيحة، إذ من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه وقليل صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة
أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين.
(القول الثاني): ما ذهب إليه ابن حزم، واختاره العينيّ في ((شرح البخاريّ)) أن
خروجه وَّر من المدينة كان يوم الخميس، لست بقين من ذي القعدة. حكى هذا القول
ابنُ القيّم في ((الهدي)) عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصّلًا، ثم بسط في الرّدّ عليه،
وسيأتي شيء من كلامه مع الجواب عنه.
(القول الثالث): ما اختاره المحقّقون من شُرّاح الحديث، وأصحاب التواريخ أنّ
خروجه و لو كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت. وبه جزم ابن القيّم في ((الهدي))،
وهو ما اختاره الحافظ في ((الفتح))، إذ قال في شرح قول ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما:
((وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)): ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة، واحتج
به ابن حزم في ((كتاب حجة الوداع» له على أن خروجه آل # من المدینة کان یوم الخمیس،
قال: لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس بلا شكّ؛ لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا
خلاف، وظاهر قول ابن عبّاس: ((لخمس)) يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم
الجمعة، بناءً على ترك يوم الخروج، وقد ثبت أنه وَ لّ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، كما
سيأتي من حديث أنس رَّ ، فتبيّن أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعيّن أنه يوم الخميس.
وتعقّبه ابن القيّم بأن المتعيّن أن يكون يوم السبت، بناءً على عدّ يوم الخروج، أو على
ترك عده، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا انتهى. ويؤيّده ما رواه ابن سعد، والحاكم
في ((الإكليل)) أن خروجه وقليل من المدينة كان يوم السبت، لخمس بقين من ذي القعدة.
وقال الحافظ أيضًا: جزم ابن حزم بأن خروجه وَّر من المدينة كان يوم الخميس.
وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس قطعًا؛ لما ثبت، وتواتر أن وقوفه بعرفة
کان یوم الجمعة، وتعیّن أن أول الشهر یوم الخمیس، فلا يصحّ أن یکون خروجه يوم
الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في «الصحيحين)) عن أنس
رباعية: («صلينا الظهر مع النبيّ وَّله بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين)). فدلّ
على أنّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت،
ويُحمّل قول من قال: ((لخمس بقين)) أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا
وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجّة بعد مضيّ أربع ليال، لا خمس. وبهذا
تتفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوّى هذا الجمع
بقول جابر ◌َّه أنه خرج لخمس بقين، أو أربع، وكان دخوله مَله مكّة صُبْحَ رابعة،
كما ثبت في حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيّد أن

٣٦٥ =
١٦- (الوَقْتُ الَّذِّي خَرَجَ فِيهِ النَّبيُّ ◌َ﴾ ... - حديث رقم ٢٦٥٠
خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدّم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال،
وهي المسافة الوسطى انتهى.
وقال في شرح ((باب الخروج آخر الشهر)) من ((كتاب الجهاد)): قد استشكل قول ابن
عبّاس، وعائشة ** أنه خرج لخمس بقين؛ لأن ذا الحجة كان أوله الخميس؛ للاتفاق
على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة، ولا يصح
ذلك؛ لقول أنس رَّم: إنه وَّه صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم خرج.
وأجيب بأن الخروج كان السبت، وإنما قال الصحابة: ((لخمس بقين)) بناء على العدد؛
لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء، فاتّفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر
أن الذي كان بقي من الشهر أربع، لا خمس. كذا أجاب به جمع من العلماء.
ويحتمل أن يكون الذي قال: ((لخمس بقين)) أراد ضمّ يوم الخروج إلى ما بقي؛ لأن
التأهّب وقع في أوله، وإن اتّفق التأخير إلى أن صُلّيت الظهر، فكأنهم لَمّا تأهبوا باتوا
ليلة السبت على سفر اعتدّوا به من جملة أيام السفر. والله تعالى أعلم.
وقال العلامة ابن القيّم رحمه اللّه تعالى: وجه ما اخترناه أن الحديث صريحٌ في أنه
خرج لخمس بقين، وهي يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه
خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعدّ يوم الخروج كان
لستّ، وأيهما كان، فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لست ليال
بقين، لا لخمس، فلا يصحّ الجمع بين خروجه يوم الخميس، وبين بقاء خمس من
الشهر البتّة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمسًا بلا
شكّ. ويدلّ عليه أن النبيّ وَلَّ ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم
بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم، ونادى
فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذه الخطبة بالمدينة
على منبره، وكان عادته وَلي أن يعلّمهم في كلّ وقت ما يحتاجون إليه، إذا حضر فعله،
فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة، وبينه
وبينها بعض يوم، من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخَلْق، وهو أحرص الناس على
تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحجّ ممكن، بلا
تفويت. والله تعالى أعلم(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن أرجح الأقوال أن خروجه وَّ كان
يوم السبت، وبهذا تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب،
(١) - راجع ((المرعاة)) ج٨ص٤٥٢-٤٥٤.

٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أُنيب)).
(الْمَوَاقِيتُ)
أي هذه أبواب ذكر الأحاديث الدالة على مواقيت الحجّ. ولفظ ((الكبرى)): ((أبواب
المواقيت)).
قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الوقت: مقدار من الزمان مفروض لأمرٍ مّا، وكلّ
شيء قدّرت له حينًا، فقد وقّه توقيتًا، وكذلك ما قدّرت له غايةً، والجمع أوقات،
والميقات: الوقت، والجمع مواقيت، وقد استُغِير الوقت للمكان، ومنه مواقيت الحج
لمواضع الإحرام، ووقّت اللَّه الصلاةَ توقيتًا، ووَقَتَهَا يَقِتها، من باب وعد: حدّد لها
وقتًا، ثم قيل لكلّ محدود: مَوْقُوت، ومُوَقَّت انتهى.
وقال العينيّ رحمه اللّه تعالى ((المواقيت)): جمع ميقات، على وزن مِفْعال، وأصله
مِوْقات، ، قُلبت الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها، من وَقَتَ الشيءَ يَقِته: إذا بيّن
حدّه، وكذا وَقَّته يوقّته، ثم اتُّسع فيه، فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات،
والميقات يُطلق على الزمانيّ والمكانيّ، وههنا المراد المكانيّ(١). والله تعالى أعلم
بالصواب.
١٧ - (مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)
أي مدينة رسول اللَّه وَله، و((المدينة)): المصر الجامع، وزنها فَعِيلةٌ؛ لأنها من مَدَنَ.
وقيل: مَفْعِلَةٌ -بفتح الميم- لأنها من دان، والجمع مُدُنّ، ومدائنُ بالهمز على القول
بأصالة الميم، ووزنها فَعَائل، وبغير همز على القول بزيادة الميم، ووزنها مَفَاعل؛ لأن
للياء أصلًا في الحركة، فترةّ إليه، ونظيرها في الاختلاف معايش. قاله الفيّوميّ. والله
(١) -راجع ((عمدة القاري)) ج٧ص ٤٠٣ .

٣٦٧
١٧ - (مِيقَتُ أَهْلِ الْمَدِينةِ) - حديث رقم ٢٦٥١
تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٥١ - أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَّيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامَ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ
مِنْ قَرْنٍ)). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ قَالَ: ((وَجُلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ))).
رجال هذا الإسناد : أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة المشهور [٧] ٧/٧ .
٣- ((نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢.
٤- (ابن عمر) هو: عبد اللّه ◌َؤيتها ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من رباعيات المصنف ◌َخّْهُ، وهو (١٣٣) من رباعايت الكتاب. ومنها:
أنه أصح الأسانيد على الإطلاق على ما نقل عن الإمام البخاري وَخّْتُهُ. ومنها: أنه
مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه فبغلاني، والظاهر أنه دخل المدينة للأخذ من
مشايخها. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه ابن عمر ◌َّهتا أحد
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَخْبَرَهُ) يقدّر قبل أخبره لفظة ((أنه)) أي
أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخبر نافعًا. ولفظ ((الكبرى)): ((أن عبد الله بن عمر
أخبره))، وهو واضح (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ) أي بعد أن سأله سائل عن محلّ الإهلال،
ففي رواية الليث الآتية في الباب التالي: ((أن رجلًا قام في المسجد، فقال: يا رسول
الله، من أين تأمرنا أن نُلّ؟، قال رسول اللّه وَله: ((يهلّ ... )) ( (يُهُلُّ) بضمّ الياء، من
الإهلال، يقال: أهلّ المحرم: إذا رفع صوته بالتلبية، وكلّ من رفع صوته، فقد أهل
إهلالًا، واستَهَلّ استهلالًا، بالبناء للفاعل فيهما. قاله في ((المصباح)).
وهو خبر بمعنى الأمر، لأن خبر الشارع آكد في الطلب من الأمر، والمراد به أنه لا
يقدّم الإهلال، ولا يؤخّر عن هذه المواقيت، وبهذا قال بعض أهل العلم، وهو الراجح
عندي، وقال الجمهور: المراد أنه لا يؤخّر عنها، إذ التقديم عندهم جائز، وسيأتي تمام
البحث في ذلك، قريبًا، إن شاء الله تعالى
(أَهْلُ الْمَدِينَةِ) النبويّة، أي سُكّانها، ومرّ على ميقاتهم (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) -بضمّ الحاء

٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
المهملة، وفتح اللام- تصغير الْحَلَفَة -بفتح اللام، وكسرها-، وهي واحد الْحَلْفاء:
وهو نبت معروف.
و ((ذو الحليفة)): موضع معروف بقرب المدينة، بينه وبينها نحو ستّة أميال. قاله
النوويّ، وقبله الغزاليّ، والقاضي عياض، ثم قال: وقيل: سبعة أميال. وكذا قال
الشافعيّ، كما في ((المعرفة))، والمجد في ((القاموس))، وياقوت الحمويّ في ((معجم
البلدان))(١) .
وقال ابن حزم: أربعة أميال . وذكر ابن الصبّاغ، وتبعه الرافعي من الشافعيّة أن بينهما
ميلًا. قال المحبّ الطبريّ: وهو وهَم، والحسّ يرد ذلك. وقال الإسنويّ في
((المهمات)): الصواب المعروف المشاهد أنها ثلاثة أميال، أو تزيد قليلًا.
قال وليّ الدين: والقائلون بما ذكرناه أولًا أتقن في ذلك. وذكره المحبّ الطبريّ
عالم الحجاز، وصوّبه الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ))، وهو من مَأْمَنٍ مياه بني
جُشَم، بينهم وبين خَفَاجَةِ العقيليين، وهو أبعد المواقيت من مكّة، بينهما نحو عشر
مراحل، أو تسع، أما ذو الحليفة المذكور في حديث رافع بن خديج: ((كنا مع النبيّ ◌َلـ
بذي الحليفة من تهامة ... ))، فهو موضع آخر، قال الداوديّ: ليس هو المهلَّ الذي
بقرب المدينة. ذكره وليّ الدين في ((الطرح)) (٢).
وقال السمهوديّ في («وفاء الفاء)» ص١١٩٤ : وقد اختبرت ذلك بالمساحة، فكان من
عَتَّبَة باب المسجد النبويّ المعروف بـ((باب السلام)) إلى عَتَّبَة باب مسجد الشجرة بذي
الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع واثنين وثلاثين ذراعًا ونصف ذراع بذراع
اليد -وذراع اليد على ما ذكره المحبّ الطبريّ، والنوويّ، وغيرهما أربعة وعشرون
إصبعًا، كلّ إصبع ستّ شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض- وذلك خمسة أميال وثلثا
میل ینقص مائة ذراع انتهى.
وقال الحافظ: ذو الحليفة مكان معروف، بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين. قاله
ابن حزم في ((المحلّى)) ٧/ ٧٠ وقال غيره: بينهما عشر مراحل، قال: وبها مسجد يُعرف
بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر، يقال لها: بئر عليّ انتهى.
وقال العينيّ: وبذي الحليفة عدّة آبار، ومسجدان لرسول اللَّه ◌َلتر، المسجد الكبير
الذي يُحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد الْمُعَرَّس انتهى.
وقال صاحب ((تيسير العلّام)): ذو الحليفة، وتسمّى الآن آبار عليّ، وتبعد عن مكّة
(١) -راجع ((المرعاة)) ج٨ص٣٤٢ .
(٢) -راجع ((طرح التثريب)) ج٥ص٩.

٣٦٩
١٧ - (مِيقَتُ أَهْلِ الْمَدِينةِ) - حديث رقم ٢٦٥١
بالمراحل (١٠)، وبالفراسخ (٨٠) وبالأميال (٢٤٠) وبالكيلوات (٤٣٠) والمرحلة هي
مسيرة يوم وليلة بسير الإبل المحمّلة الأثقال سيرًا معتادًا، ويقدّر بها العرب الأوائل،
فأخذها عنهم العلماء . انتهى.
وزاد في ((توضيح الأحكام)): وتبلغ المسافة بينها وبين المسجد النبويّ (١٣) كيلًا،
وهي أبعد المواقيت انتهى(١).
(وَأَهْلُ الشَّام) هي بلاد معروفة، وهي من العَرِيش إلى بالس. وقيل: إلى الفرات.
قاله النوويّ فيَ ((شرح سنن أبي داود)). وقال السمعانيّ: هي بلاد بين الجزيرة والغور
إلى الساحل، ويجوز فيها التذكير والتأنيث، والهمز وتركه، وأما شآم بفتح الهمزة
والمدّ، فأباه أكثرهم، إلا في النسب(٢) (مِنَ الْجُخْفَةِ) أي يُهُلّ أهل الشام، وكذا من
سلك طريقهم من الموضع المسمّى بالحجفة. وهي بضمّ الجيم، وإسكان الحاء
المهملة، وفتح الفاء قرية كبيرة كانت عامرة، ذات منبر، وهي الآن خربة، بينها وبين
البحر الأحمر بالأميال (٦) وبالكيلوات (١٠). قال ابن حزم: وهي فيما بين المغرب
والشمال من مكّة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا.
وقال في ((تيسير العلّام)): تبعد من مكة بالمراحل (٥) وبالفراسخ (٤) وبالأميال
(١٢٠) وبالكيلوات (٢٠١) ويحرم منها أهل مصر، والشام، والمغرب، ومن ورائهم،
من أهل الأندلس، والروم، والتكرور. قيل: إنها ذهبت أعلامها، ولم يبق إلا رسوم
خفيّة، لا يكاد يعرفها إلا سكّان بعض البوادي، فلذا - والله تعالى أعلم- اختار الناس
الإحرام احتياطًا من المكان المسمّى برابغ -براء، وموحّدة، وغين معجمة، بوزن
فاعل- لأنها قرية قبل حذائها بقليل. وقيل: لا يحرمون من الجحفة لوخمها، وكثرة
حُمّاها، فلا ينزلها أحد إلا حُمّ، وسمّاها رسول اللّه وَلّر في حديث ابن عمر عند
الشيخين ((مَهْيَعَة)) - بفتح الميم، وإسكان الهاء، وفتح التحتانيّة، والعين المهملة، بوزن
عَلْقَمة -. وقيل : -بكسر الهاء، مع إسكان الياء، على وزن لَطِيفةً والصحيح المشهور
الأول.
وسمّيت الحجفة لأن السيل أجحف بها. قال ابن الكلبيّ: كان العماليق يسكنون
يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل -بفتح الموحّدة- وهم إخوة عاد حربٌ، فأخرجوهم
من يثرب، فنزلوا مهيعة، فجاء سيل، فاجتحفهم، أي استأصلهم، فسميت جحفة(٣).
(١) - ((توضيح الأحكام)) ج ٣ ص ٢٧٥ .
(٢) - ((طرح التثريب) ج ٥ ص٩ - ١٠.
(٣) -راجع ((الفتح)) ج٤ ص١٦١.

٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(وَأَهْلُ نَجْدٍ) -بفتح النون، وإسكان الجيم، وآخره دال مهملة -: قال في
((الصحاح)): هو ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق. وقال في المشارق: ما بين جُرَش
إلى سواد الكوفة، وحدّه مما يلي المغرب الحجازُ، وعن يسار الكعبة اليمنُ، قال:
ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال في ((النهاية)): النجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم
خاصّ لما دون الحجاز مما يلي العراق(١).
وقال في ((الفتح)»: أما نجد، فهو كلّ مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع،
والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة، واليمن، وأسفلها الشام، والعراق انتهى (٢).
(مِنْ قَزْنٍ) ويقال له: قرن المنازل. وهو بفتح القاف، وسكون الراء المهملة بلا
خلاف بين أهل العلم، من أهل الحديث، واللغة، والتاريخ، والأسماء، وغيرهم، كما
قاله النوويّ، قال: وغَلِط الجوهريّ في ((صحاحه)) غلطتين فاحشتين، فقال: بفتح
الراء، وزعم أن أويسًا القَرَنيّ رحمه اللّه تعالى منسوب إليه. والصواب إسكان الراء،
وأن أويسًا منسوب إلى قبيلة معروفة، يقال لهم: بنو قَرَن، وهم بطن من مراد، القبيلة
المعروفة، ينسب إليها المراديّ.
قال الحافظ وليّ الدين: وحكى القاضي في ((المشارق)) عن تعليق القابسيّ أن من
قال: قرن بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: قرَن بالفتح أراد
الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق مفترقة انتهى. وهذا يدلّ على أن فيه
خلافًا .
ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب. قال النوويّ: وهو على مرحلتين من مكة،
قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة. وقال في ((المشارق)): هو على يوم وليلة من
مكة، وهو قريب مما مرّ عن النوويّ.
قال وليّ الدين: وفيما حكاه النوويّ من أن قرنًا أقرب المواقيت إلى مكة نظر، فقد
ذكر ابن حزم أن بينها وبين مكة اثنين وأربعين ميلًا، وأن بين يلملم ومكة ثلاثين ميلًا،
فتكون يلميلم أقرب المواقيت إلى مكّة، والله أعلم انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)) بعد أن نقل ما تقدّم عن تعليق القابسيّ: ما نصّه: والجبل المذكور
بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان. وحكى الرويانيّ عن بعض قدماء الشافعيّة أن
المكان الذي يقال له: قرن موضعان: أحدهما في هبوط، وهو الذي يقال له: قرن
(١) - ((طرح التثريب)) ج٥ص١٠ .
(٢) - ((فتح)) ج٤ ص١٦٢ .
(٣) - ((طرح التثريب)) ج٥ص١٠.

١٧ - (مِيقَتُ أَهْلِ الْمَدِينةِ) - حديث رقم ٢٦٥١
٣٧١ =
المنازل. والآخر في صعود، وهو الذي يقال له: قرن الثعالب، والمعروف الأول.
وفي ((أخبار مكة)) للفاكهيّ أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى، بينه وبين
مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثعالب؛ لكثرة ما كان يأوي إليه من
الثعالب. فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت.
وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبيّ وَّر الطائف، يدعوهم إلى الإسلام،
ورَدِهِم عليه، قال: ((فلم أَسْتَفِقْ إلا وأنا بقرن الثعالب ... )) الحديث. ذكره ابن إسحاق
في ((السيرة النبويّة)).
ووقع في مرسل عطاء عند الشافعيّ: ((ولأهل نجد قرن، ولمن سلك نجدًا من أهل
اليمن، وغيرهم قرن المنازل)). ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن
عبّاس -الآتي في الباب الثالث: ((ولأهل نجد اليمن، ونجد الحجازِ قرن)). وهذا لا
يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو
المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم
يَصِلُون إلى قرن، أو يُحاذونه، فهو مقياتهم، كما هو ميقات أهل المشرق. والأخرى
طريق أهل تهامة، فيمرّون بيلملم، أو يحاذونه، وهو ميقاتهم، لا يشاركهم فيه إلا من
أتى عليه من غيرهم انتهى ما في ((الفتح)) (١).
وقال صاحب ((توضيح الأحكام)): قرن المنازل، ويسمّى السيل الكبير، ومسافته من
بطن الوادي إلى مكة المكرمة (٧٨) كيلو متر. انتهى(٢).
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَّ) وفي رواية
سالم الآتية في الباب التالي: وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه من رسول اللَّه وَلت)).
وفي -٢٦٥٥/٢١ -: ((وذُكِر لي، ولم أسمع أنه قال: ((ويهلّ الخ)). وفي رواية
للبخاريّ: ((زعموا أن النبيّ وَلتر قال، ولم أسمعه)).
قال الحافظ: وهو يشعر بأن الذي بَلَّغَ ابن عمر ذلك جماعةٌ. وقد ثبت ذلك من
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، كما في الباب الآتي بعد بابين، ومن حديث
جابر وظّ عند مسلم، ومن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الآتي بعد باب، ومن
حديث الحارث بن عمرو السهميّ عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ (قَالَ: ((وَيِهِلُّ أَهْلُ
الْتَمَنِ) المراد بعض أهل اليمن، وهو تهامة، فأما نجد، فإن ميقاته قرن؛ وذلك لأن
اليمن يشمل نجدًا وتهامة، فأطلق اليمن، وأريد بعضه، وهو تهامة منه خاصة. وقوله
(١) - ((فتح) ج٤ ص ١٦٢.
(٢) - ((توضيح الأحكام)) ج٣ص٢٧٦.

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
فيما مضى: ((نجد)) تناول نجد الحجاز، ونجد اليمن، وكلاهما ميقاته قرن. قاله وليّ
الدين(١).
(مِنْ يَلَمْلَمَ) -بفتح التحتانيّة، واللام، وسكون الميم، بعدها لام مفتوحة، ثم ميم،
وهو جبل من جبال تهامة، على مرحلتين من مكة. وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة،
ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا. وفي ((شرح المهذّب)): يُصرف، ولا يُصرف. قال
العينيّ: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة، فغير منصرف البتّة، بخلاف قرن،
فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل سكون وسطه. ويقال فيه ((ألملم))
بالهمزة، وهو الأصل، والياء تسهيل لها. وحكى ابن سِيدَة فيه: ((يَرمرم)) براءين بدل
اللامين. وقال صاحب ((تيسير العلام)): وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦)
وبالأمیال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠). انتهى.
[تنبيه]: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في
ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة. وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب
الآفاق إلى مكة، أي ممن له ميقاة معيّن. ذكره في ((الفتح)).
وقد نظم بعضهم هذه المواقيت في بيتين، فقال [من الكامل]:
وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُخْرِمُ الْمَدَنِي
عِزْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنِ
لِلشّامِ جَخْفَةُ إِنْ مَرَرْتَ بِهَا وِلأَهْلٍ نَجْدٍ قَرْنٌ فَاسْتَيِنٍ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧/ ٢٦٥١ و٢٦٥٢/١٨ و٢٦٥٥/٢١ - وفي «الكبرى»٣٦٣١/١٧
و٣٦٣٢/١٨ و٣٦٣٥/٢١ . وأخرجه (خ) في ((العلم)) ١٣٣ و ((الحج)»١٥٢٢ و١٥٢٥
و١٥٢٨ و((الاعتصام بالكتاب والسنة))٧٣٤٤ (م) في (الحجّ)) ١١٨٢ (د) في
((المناسك))١٧٣٧ (ت) في ((الحجّ))٨٣١ (ق) في ((المناسك))٢٩١٤ (أحمد) في ((مسند
المکثرین)» ٤٤٤١ و٤٥٤١ و٤٥٧٠ و٥٠٥٠ و ٥٠٦٨ و٥١٥٠ و٥٣٠١ و ٥٥١٧ و٦١٠
و٦٣٥٤ (الموطأ) في ((الحجّ)) ٧٣٢ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٧٩٠. والله تعالى أعلم.
(١) - ((طرح التثريب) ج٥ص١١.

١٧ - (مِيقَتُ أَهْلِ الْمَدِينةِ) - حديث رقم ٢٦٥١
٣٧٣ =
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان ميقات أهل المدينة.
(ومنها): أنه لا يجوز لأحد يريد مكة للحج والعمرة أن يتجاوز هذه المواقيت إلا متلبّسًا
بالإحرام منها. (ومنها): أنه لا يجوز لأحد أن ينشىء الإحرام قبل هذه المواقيت، حيث
إن النبيّ وَّر حدّها له، فلذا لا يرى بعض المحققين، كالبخاريّ، جواز الإحرام قبلها
أصلًا، وهو الأرجح عندي؛ لظواهر النصوص، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية،
إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن في التحديد المذكور تعظيم شأن هذا البيت، وتشريفه
بجعل هذا الْحِمَى الذي لا يتجاوزه حاجٌ، أو معتمر، حتى يأتي بهذه الهيئة، خاشعًا لله
تعالى، معظّمًا لشعائره، ومحارمه. (ومنها): أن في تعدّد هذا التحديد رحمةً من اللَّه
تعالى بخلقه، وتسهيلًا لهم، إذ لو كان الميقات واحدًا لجميع البلدان لشقّ ذلك على
مريدي النسك. (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث حدّد النبيّ وَّل هذه
المواقيت قبل إسلام أهلها؛ إشارة إلى أنهم سيدخلون في الإسلام، وأنهم سيحجّون،
فيضطرّون إلى مواقيت ينشؤون منها الإحرام، فجاء الأمر كما أشار إليه وي له. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تقديم الإحرام على المواقيت
المذكورة :
ذهب الجمهور إلى أن تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز، وإن كان خلاف
الأولى، بل اذّعَى ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن يردّه وجود الخلاف فيه،
كما سيأتي.
وذهبت طائفة إلى أن التقديم لا يجوز، نقل ذلك عن إسحاق، وداود، وابن حزم،
وغيرهم، وهو مذهب البخاريّ.
قال الإمام البخاريّ رحمه اللَّه تعالى في ((صحيحه)): ((باب فرض مواقيت الحجّ
والعمرة)).
١٥٢٢ - حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زُهير، قال: حدثني زيد بن جُبير، أنه أتى
عبد الله بن عمر رَّت في منزله، وله فُسطاط، وسُرادق، فسألتُهُ من أين يجوز أن
أعتمر؟، قال: ((فرضها رسول اللّه وَليل، لأهل نجد قرنا، ولأهل المدينة ذا الحليفة،
ولأهل الشأم الجحفة)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ومعنى فرض: قدّر، وأوجب، وهو ظاهر نصّ
المصنّف، وأنه لا يُجيز الإحرام بالحجّ والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ما سيأتي بعد قليل، حيث قال: ((باب ميقات أهل المدينة، ولا يُلّون قبل ذي
الحليفة)). وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز. وفيه نظر، فقد نُقل عن
إسحاق، وداود، وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيّده القياس
على الميقات الزمانيّ، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدّم عليه انتهى المقصود من كلام
الحافظ رحمه الله تعالی.
وقد اعترض العينيّ على كلام الحافظ هذا كعادته بما لا يُلفت إليه؛ حيث إنه مجرّد
تحامل، وتعصّب، فالحقّ هو الذي قرّره الحافظ بأن مذهب الإمام البخاريّ أنه لا يجوز
أن يحرم قبل الميقات، فقوله: ((ولا يهّون قبل ذي الحليفة)) صريح في كونه لا يرى
جواز الإحرام قبل الميقات، وهو الظاهر، وأما دعوى الإجماع فقد عرفت أنه باطل، فقد
خالف فيه جماعة من أهل العلم.
قال الصنعانيّ رحمه اللّه تعالى: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم
قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم؛ لأن قول الصحابة: وقّت رسول الله
وَلجر لأهل المدينة ذا الحليفة، يقضي بالإهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص،
والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرّمة، فلا أقلّ من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما قيل
من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه؛ الأدلّة التوقيت.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن دعوى الإجماع غير صحيحة،
فوجب القول بتحريمه، فتنبه.
قال: ولأن الزيادة على المقدّرات، من المشروعات، كأعداد الصلاة، ورمي
الجمار، لا تُشرع، كالنقص منها، وإنما لم نجزم بتحريم ذلك؛ لما ذكرنا من الإجماع؛
ولأنه روي عن عدّة من الصحابة تقديم الإحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت
المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عبّاس من الشام، وأهلّ عمران بن
حصين من البصرة، وأهلّ ابن مسعود من القادسية.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاستدلال من الصنعاني عجيب، كيف يحتجّ
هنا بما نُقل عن ابن عباس، وغيره في معارضة الأحاديث المرفوعة، ويرد قوله: من
أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم. بأنه أثر موقوف، لا يقاوم
المرفوع. مع أنه يوافق المرفوع في كونه ولورأعمر عائشة من التنعيم؟. وكذا ردّه قول
المحبّ الطبريّ: إنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتًا للعمرة. فقال: جوابه أنه وَ لّ جعلها
ميقاتًا لها بهذا الحديث؟. فهلا قال هنا إن هذه الآثار عن الصحابة لا تقام المرفوع. إن
هذا تناقض عجيب.

١٧ - (مِيقَاتُ أَهْل الْمَدِينةِ) - حديث رقم ٢٦٥١
٣٧٥ =
قال: وورد في تفسير الآية أن الحجّ والعمرة تمامهما بهما من دُويرة أهلك عن عليّ،
وابن مسعود، وإن كان قد تُؤُوّل بأن مرادهما أن ينشأ لهما مفردًا من بلده، كما أنشأ وَله
لعمرة الحديبية والقضاء سفرًا من بلده، ويدلّ لهذا التأويل أنّ عليًّا وَظّه لم يفعل ذلك،
ولا أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يُحرموا بحجّ، ولا عمرة إلا من الميقات، بل لم
يفعله وَالر، فكيف يكون ذلك تمام الحجّ، ولم يفعله وَله، ولا أحد من الخلفاء، ولا
جماهير الصحابة .
قال: نعم الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة رضي الله
تعالى عنها، سمعت رسول اللّه بَ له يقول: ((من أهلّ من المسجد الأقصى بعمرة، أو
بحجّة، غُفر له ما تقدّم من ذنبه))(١). وله ألفاظ عند أبي داود، وابن ماجه.
قال: فيكون هذا مخصوصًا ببيت المقدس، فيكون الإحرام منه خاصّة أفضل من
الإحرام من المواقيت، ويدلّ له إحرام ابن عمر منه، ولم يفعل ذلك من المدينة، على
أن منهم من ضعف الحديث، ومنهم من تأوّله بأن المراد ينشىء لهما السفر من هنالك
انتهى كلام الصنعاني رحمه اللّه تعالى(٢).
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما ملخّصه: أما ما نُقل عن عمر، وعليّ
رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك. فمعناه أن تنشىء لها
سفرًا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك. قال أحمد: كان سفيان يفسّره
بهذا، وكذلك فسره به أحمد. ولا يصحّ أن يفسّر بنفس الإحرام، فإن النبيّ مَلآ،
وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله تعالى بإتمام العمرة، فلو حمل على
ذلك لكان النبيّ وَلّر، وأصحابه تاركين الأمر اللّه، ثم إن عمر وعليًّا ما كانا يُحرمان إلا
من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ليس بإتمام لها، ويفعلانه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهّمه
أحد، ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من البصرة، واشتد عليه. انتهى كلام ابن
قدامة بتصرف، واختصار(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث المذكور في الإحرام من بيت المقدس،
فإنه ضعيف، لا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة؛ لتفرّد حُكيمة بنت أميّة الأخنسية
به، قال عنها في ((التقريب)): مقبولة، أي لا بدّ لها من متابع، وليس لها متابع، والراوي
عنها يحيى بن أبي سفيان قال عنه أبو حاتم: ليس بالمشهور.
(١) الحديث ضعيف كما سيأتي قريبًا، فلا يصلح للاحتجاج به كما زعمه الصنعاني، فتنبه.
(٢) - ((سبل السلام)) ج٢ ص ٣٢٥-٣٢٦.
(٣) - ٦٨/٥ .

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وأعله المنذريّ في ((مختصر سنن أبي داود)) ٢/ ٢٨٥ بالاضطراب(١)، قال: وقد اختلف
الرواة في متنه، وإسناده اختلافًا كثيرًا، وكذا أعلّه الحافظ ابن كثير بالاضطراب(٢)، كما في
((نيل الأوطار)) ٤/ ٢٥٣ . فلا يعارض أحاديث المواقيت الضحاح.
ومثله ما أخرجه البيهقيّ من طريق جابر بن نوح، عن محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة رَّهِ، عن النبيّ وَّ في قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾،
قال: ((من تمام الحجّ أن تحرم من دُويرة أهلك)). فإنه حديث منكر، لتفرّد جابر بن نوح
به، كما قال ابن عديّ ٢/٥٠ - وهو متفق على ضعفه.
فقول الشوكانيّ في ((نيله)) ٢٥٤/٤: ثبت هذا مرفوعا من حديث أبي هريرة، أخرجه
ابن عديّ، والبيهقيّ، مما لا يُلتفت إليه.
وروي أيضًا موقوفا على عليّ رَّهِ ، وفي سنده عبد الله بن سلمة المراديّ، وهو
وإن وثقه بعضهم، إلا قد تغير حفظه، كما ثبت ذلك عن شعبة. وقال البخاري: لا
يتابع في حديثه. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بمستقيم.
وكذلك لا يصحّ ما رواه أحمد، والثقفيّ في ((مشيخته النيسابوريين)) من طريق الحسن
ابن هادية، قال: لقيت ابن عمر، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل عمان، قال: من
أهل عمان؟ قلت: نعم، قال: أفلا أحدثك ما سمعت من رسول اللَّه وَليل؟ قلت: بلى،
فقال: سمعت رسول اللَّه وَ له يقول: ((إني لأعلم أرضًا يقال لها: عمان، ينزح بجانبها
البحر، الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها)). قال الشيخ الألباني: رجاله كلهم
ثقات، معروفون، غير ابن هادية هذا، فقد ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))،
ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وأما ابن حبّان فقد ذكره في ((الثقات)) ١٤/١ وهذا منه
على عادته في توثيق المجهولين، وتوثيق ابن حبان هذا هو عمدة الهيثمي حين قال في
(«المجمع» ٢١٧/٣: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وحجة الفاضل أحمد محمد شاكر في
قوله في تعليقه على ((المسند)): إسناده صحيح، وهذا غير صحيح؛ لما سبق، وكم له
في هذا التعليق وغيره من مثل هذه التصحيحات المبنيّة على مثل هذه التوثيقات التي لا
يعتمد عليها لضعف مستندها انتهى كلام الشيخ الألباني.
(١) - هذا هو الصواب، وقد صحح الحديث في ((الترغيب والترهيب)) ١١٩/٢ و١٢٠، قال: رواه ابن
ماجه بإسناد صحيح. وتصحيحه هذا غير صحيح؛ لما عرفت من اضطرابه، وجهالة حكيمة.
فتنبّه. نَبَّهَ على ذلك الشيخ الألباني في ((الضعيفة)) ٢٤٨/١ رقم ٢١١ .
(٢) - وأما تضعيف ابن قدامة له في ((مغنيه)) بابن أبي قُديك، وابن إسحاق، فليس كذلك، فإن الكلام
فيهما لا يعلّ الحديث، فإنهما من رجال الصحيح، وإنما علة الحديث ما ذكرنا، فتنبه.

٣٧٧
١٧ - (مِيقَاتُ أَهْل الْمَدِينةِ) - حديث رقم ٢٦٥١
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وعلى تقدير صحته فليس دليلًا على مسألتنا هذه،
فإنه لم يقل: من أهلّ منها، وإنما قال: ((الحجة منها أفضل الخ))، وهذا لا يستلزم
الإحرام منها، وإنما هو بيان لفضل الحجّة من تلك البلدة، فتنبّه.
فتبيّن بهذا أنه لا يصح في إباحة تقديم الإحرام على المواقيت شيء.
والحاصل أنه ليس لمن قال بإباحة تقديم الإحرام على الميقات دليلٌ، لا من نصّ،
ولا من إجماع، بل هي اجتهادات ممن فعله، تعارض ما صح عن الشارع الحكيم
تحديده، مع أنه قد ثبت إنكار غيرهم عليهم فعلهم ذلك، فلا يُعارض به ما صحّ عن
رسول اللَّه وَّر، إذ الحجة في فعله، وقوله، لا في فعل غيره، أو قوله.
فالمذهب الحقُّ هو ما ذهب إليه من قال بعدم جواز تقديم الإحرام على المواقيت
المحدّدة، كإسحاق، والبخاريّ، وداود الظاهريّ، وابن حزم، كما تقدم، كما أنه لا
يجوز تقديمه على المواقيت الزمانيّة بالإجماع، فكذا هذا، إذ لا فرق بينهما.
وما أحسن ما قال الشاطبيّ رحمه اللّه تعالى في كتابه ((الاعتصام)) -١٦٧/١ - ومن
قبله الهرويّ في ((ذمّ الكلام)) عن الزبير بن بكّار: قال: حدّثني ابن عُيينة، قال: سمعت
مالك بن أنس، وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذي
الحليفة، من حيث أحرم رسول اللَّه وَيهر، فقال: إني أريد أن أُحرم من المسجد، من
عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: فأيّ فتنة في هذه؟، إنما
هي أميالٌ أزيدها، قال: وأيّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها
رسول اللَّهُ وَّله، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] انتهى.
فالواجب على المسلم أن يحرص على موافقة حجه، وعمرته السنة الثابتة؛ ليقعا له
على الوجه المطلوب شرعًا، ولا يخالف بعلّة أن فلانًا قال كذا، وأن فلانًا فعل كذا ، إذ
الحجة هو الذي صحّ عمن قال الله تعالى في حقّه: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ الآية،
وقال: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَّدُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُواْ﴾ الآية، وقال: ﴿فَإِن تَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى الَّهِ وَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ
اَلْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت، ويسلموا تسليما﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمُّ﴾ الآية. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١٨- (مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ)
٢٦٥٢- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرْنَا أَنْ نُلَّ؟، قَالَّ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيِلُ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيِهِلْ
◌َهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((وَيُهُلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ))،
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو من
رباعيات المصنف، وهو (١٣٤) من رباعيات الكتاب، والحديث متفق عليه، وقد تقدم
شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي.
وقوله: ((أن رجلا قام في المسجد)). قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: لم أقف على اسم
هذا الرجل، والمراد بالمسجد مسجد النبيّ وَّه. ويستفاد من أن السؤال عن مواقيت
الحجّ كان قبل السفر من المدينة. انتهى(١).
وقوله: ((من أين تأمرنا إلى قوله: يهلّ الخ)) وجه كونه جواب الأمر ما تقدّم من أن
خبر الشارع بمعنى الأمر. قاله السنديّ(٢).
وقوله: ((ويزعمون الخ)) يُفَسَّر الزاعمون بمن رَوَى الحديث تامًّا عن رسول اللّه وَلِّ،
كابن عبّاس، وغيره من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم.
وفيه دليلٌ على إطلاق الزعم على القول المحقّق؛ لأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
سمع ذلك من رسول اللَّه وَله، لكنه لم يفهمه، لقوله: ((لم أفقه هذه))، أي الجملة الأخيرة،
فصار يرويها عن غيره. وهذا دالّ على شدّة تحرّيه، وورعه. قاله في ((الفتح))(٣).
وقوله: ((لم أفقه)) -بفتح القاف. قال الفيّوميّ: الفقه: فَهْمُ الشيء. قال ابن فارس:
وكلّ علم لشيء فهو فقهٌ، والفقه على لسان حملة الشرع علم خاصّ. وفقِهَ فَقَهًا، من
باب تعب: إذا علم، وفَقُه بالضمّ مثله. وقيل: بالضمّ: إذا صار الفقه له سجيّة. قال أبو
زيد: رجلٌ فَقةٌ بضم القاف وكسرها، وامرأة فقهة بالضمّ. ويتعدّى بالألف، فيقال:
أفقهتك الشيء، وهو يتفقّه في العلم، مثل يتعلّم انتهى.
(١) -راجع ((الفتح)) ج١ ص٣١١ في ((كتاب العلم).
(٢) - (شرح السنديّ)) ج٥ص١٢٢ -١٢٣ .
(٣) - ((الفتح)) ج١ ص٣١١. ((كتاب العلم)).

١٩- (مِيقَاتُ أَهْل مِصْرَ) - حديث رقم ٢٦٥٣
٣٧٩
والمناسب هنا فتح القاف لأنه تعدى إلى اسم الإشارة.
فمراد ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما بقوله: ((لم أفقه هذا الخ)) أنه لم يفهم قوله
وَ له:(ويُهُلّ أهل اليمن من يلملم)) من لسان وَلّره، وإنما سمعه من الصحابة رَّه. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
١٩- (مِيقَاتُ أَهْلٍ مِصْرَ)
٢٦٥٣- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بُهْرَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى،
عَنْ أَفْلَحَ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ، وَمِصْرَ الْجُخْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ
يَلَمْلَمْ»).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((هشام بن بهرام(١)) - بفتح الموحّدة، وكسرها-
المدائنيّ، أبو محمد، ثقة، من كبار[١٠].
قال ابن وَارَة: حدثنا هشام بن بهرام، وكان ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره
ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: وكان مستقيم الحديث. وقال غيره: كان حيّا سنة
(٢١٩). روى عنه أبو داود، وأخرج له المصنّف بواسطة عمرو بن منصور النسائيّ
حديث الباب فقط .
و((المعافى)): هو ابن عمران الأزدي الفهميّ، أبو مسعود الموصليّ، ثقة عابد فقيه،
من كبار[٩]١٢٧١/٣٦.
و ((أفلح بن حُميد)) بن نافع الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ،
يقال له: ابن صُفَيراء، ثقة [٧].
قال أحمد: صالح. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة ليس به بأس. وقال
ابن صاعد: كان أحمد يُنكر على أفلح قوله: ((ولأهل عرق ذات عرق». قال ابن عديّ:
ولم ينكر أحمد -يعني سوى هذه اللفظة- وقد تفرّد بها عن أفلح معافى، وهو عندي
(١) - ضبطه الحافظ السيوطيّ في ((شرحه))، وتبعه السنديّ بفتح الباء الموحّدة، وكسرها. ولم أره
لغیرهما .

٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.
وقال أبو داود: سمعت أحمد یقول: لم يُحدّث عنه یحیی. قال: وروی أفلح حدیثین
منكرين: ((أن النبيّ وَ لهر أشعر)). وحديث)) ((وقت لأهل العراق ذات عرق)). وكناه
عبد الغنيّ أبا محمد، والمعروف أن كنيته أبو عبد الرحمن. وقال ابن حبّان في
((الثقات)): كان مكفوفًا، مات سنة (١٦٠). وقال الواقديّ: مات سنة (١٥٨). روى له
الجماعة، سوى الترمذيّ. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده برقم ٢٦٥٦
وحديث رقم ٢٧٧٢ وأعاده برقم ٢٧٨٣ .
و((القاسم)): هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيمي الثقة الحجة، أحد الفقهاء
السبعة [٣]١٦٦/١٢٠ .
وشرح الحديث يعلم مما سبق، وهو صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٢٦٥٣/١٩
و٢٦٥٦/٢٢ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٣٣/١٩ و٣٦٣٦/٢٢. وأخرجه (د) في ((المناسك))
١٧٣٩ . والله تعالى أعلم.
وهو دليل على ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو أن ميقات أهل مصر
الجحفة. قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: وهذه زيادة يجب الأخذ بها، وعليها
(١)
العمل انتهى
وقال الحافظ في ((الفتح)): والمكان الذي يُحرم منه المصريّون الآن رابغ بوزن فاعل
-براء، وموحّدة، وغين معجمة- قريبٌ من الجحفة. واختصّت الجحفة بالحمّى، فلا
ينزلها أحد إلا حمّ. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٢٠- (مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ)
٢٦٥٤- أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
(أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ هِ، وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ
(١) -راجع ((طرح التثريب)) ج٥ص١٠.
(٢) -راجع ((الفتح)) ج٤ ص ١٦١ .