النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
٩- (الْحَجُّ عَنِ الْحَيِّ الذِّي لاَ يَسْتَمْسِكُ ... - حديث رقم ٢٦٣٥
فيها، يحسن التأسي بها على كلّ حال، وجميل(١) الارتداف بالجليل من الرجال.
(ومنها): تواضع النبيّ وَله (ومنها): منزلة الفضل بن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما عند
النبيّ وَّله. (ومنها): منع النظر إلى الأجنبيّات، وغضّ البصر. قال القاضي عياض
رحمه اللّه تعالى: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة. قال: وعندي أن
فعله وَله إذ غطّى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال: لعلّ الفضل لم ينظر نظرًا ينكر،
بل خشي عليه أن يؤول إلى ذلك، أو كان قبل نزل الأمر بإدناء الجلابيب. ويؤخذ منه
التفريق بين الرجال والنساء في خشية الفتنة (ومنها): بيان ما ركّب في الآدميين من
شهوات النساء في الرجال، والرجال في النساء، وما يُخاف من النظر إليهنّ، وكان
الفضل من أجمل الشبّان في زمانه.
(ومنها): أن فيه الردّ على من زعم أن صوت المرأة عورة، فيجوز سماع صوت
المرأة الأجنبيّة للأجانب، والاستماع إلى كلامها في الاستفتاء عن العلم، وإفتائها لمن
سألها، وعلى هذا جرى الأمر من لدن العهد النبويّ، فكان الصحابة ** يستفتون
أمهات المؤمنين، ويسألونهنَّ عن أحاديث رسول اللّه وَّه، وكذلك يسألون
الصحابيّات، وكانت النساء تترافع في الحكم إلى القضاة، ويستفتين العلماء، ويقع لهنّ
التعامل بالبيع والشراء، ونحو ذلك، ولم يُنقل في ذلك إنكار عن أحد ممن يعتبر قوله،
فالقول بأن صوت المرأة عورة قول مخالف للأدلّة الشرعيّة. فليتنبّه. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن على العالم، والإمام أن يغيّر من المنكر كلّ ما يمكنه بحسب ما يقدر
عليه إذا رآه، وليس عليه ذلك فيما غاب عنه.
(ومنها): أنه يجب على الإمام أن يَحُول بين الرجال والنساء اللواتي لا يؤمن عليهنّ،
ولا منهنّ الفتنة، ومن الخروج، والمشي منهنّ في الحواضر والأسواق، وحيث ينظرن
إلى الرجال، وينظر إليهنّ. قال رسول اللَّه وَالقيل: ((ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال
من النساء))(٢).
(ومنها): ما قيل: إن فيه دليلًا على أن إحرام المرأة في وجهها، فتكشفه في
الإحرام. ورَوَى أحمد، وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما
أنّ النبيّ وَ لَّ قال للفضل حين غطّى وجهه يوم عرفة: ((هذا يوم من ملك فيه سمعه،
وبصره، ولسانه غُفر له)).
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: وقد زعم بعض أصحابنا أن في هذا الحديث
(١) هكذا نسخة ((الاستذكار)) جـ ١٢ ص ٥٦ ولعل الأولى ((ويَجْمُلُ الارتدافُ إلخ)). والله تعالى أعلم.
(٢) - متفق عليه .

٣٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
دليلًا على أن للمرأة أن تحجّ، وإن لم يكن معها ذو محرم؛ لأن رسول اللَّه ◌َل قال
للمرأة الخثعميّة: ((حجي عن أبيك))، ولم يقل: إن كان معك ذو محرم. وهذا ليس
بالقويّ من الدليل؛ لأن العلم ما نطق به، لا ما سكت عنه، وقد قال رسول اللّه وَله :
((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تسافر، إلا مع ذي محرم، أو زوج))(١).
(ومنها): أن فيه برّ الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما، من قضاء
دين، وخدمة، ونفقة، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا. (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ
على عدم وجوب العمرة؛ لأن المرأة الخثعميّة لم تذكرها. وتعُقّب بأن مجرّد ترك
السؤال لا يدلّ على عدم الوجوب؛ لاستفادة ذلك من حكم الحجّ، ولاحتمال أن يكون
أبوها قد اعتمر قبل الحجّ. على أن السؤال عن الحجّ والعمرة قد وقع في حديث أبي
رَزين الْعُقَيلَيّ رَّ ، كما تقدّم.
(ومنها): ما قاله ابن العربيّ رحمه اللّه تعالى: إن حديث الخثعمية أصل متّفق على
صحّته في الحجّ، خارجٌ عن القاعدة المستقرّة في الشريعة، من أنه ليس للإنسان إلا ما
سعى؛ رفقًا من الله تعالى في استدراك ما فرّط فيه المرء بولده، وماله.
وتُعُقّب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في الآية
مخصوص اتفاقًا(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز الحجّ عن الغير:
قال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: ما حاصله: اختلفوا في حجّ المرء عمن لا
يطيق الحجّ من الأحياء، فذهب جماعة منهم إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو
الخثعميّة، لا يجوز أن يُتَعدّى بِه إلى غيره، بدليل قول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ النَّاسِ
حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولم يكن أبو الخثعميّة ممن يلزمه
الحجّ لَمّا لم يستطع إليه سبيلاً؛ فخصّ بأن يُقضى عنه، وينفعه ذلك، وخُصّت ابنته
أيضًا أن تحجّ عن أبيها، وهو حيٍّ.
وممن قال بذلك مالكٌ، وأصحابه، قالوا: خُصّ أبو الخثعميّة، والخثعميّةُ بذلك،
كما خُصّ سالم مولى أبي حذيفة برضاعه في حال الكبر، وهذا مما يقول به المخالف،
فيلزمه. ورُوي معنى قول مالك عن عبد الله بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، والضحاك.
قال ابن الزبير: الاستطاعة القوّة. وقال عكرمة: الاستطاعة الصحة. وقال أشهب: قيل
(١) - متّفق عليه، واللفظ لمسلم.
(٢) -راجع لهذه الفوائد ((كتاب الاستذكار)) للحافظ أبي عمر رحمه الله تعالى ج١٢ ص٥٦-٥٨،
و ((فتح الباري) للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ج٤ ص٥٥٠ .

٣٤٣ =
٩- (الْحَجُّ عَنِ الْحَيّ الذِّي لاَ يَسْتَمْسِكُ ... - حديث رقم ٢٦٣٥
لمالك: الاستطاعة الزاد والراحلة؟ قال: لا والله، وما ذاك إلا على قدر طاقة الناس،
فربّ رجل يجد زادًا وراحلةً، ولا يقدر على المسير، وآخر يقوى يمشي على راحلته،
وإنما هو كما قال الله عز وجل: ﴿مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .
وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون في البدن والقدرة، وتكون أيضًا بالمال لمن
لم يستطع ببدنه. واستدلّوا بهذا الحديث، وما كان مثله.
وممن قال بذلك الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق. ورُوِي ذلك
عن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عبّاس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعمرو بن
دينار، والسدّيّ، وجماعة سواهم، كلهم يقولون: السبيل: الزاد والراحلة. وهذا يدلّ
على أن فرض الحجّ على البدن والمال. وروى عن النبيّ وَّر أنه قال: ((السبيل الزاد
والراحلة))، من وجوه، منها مرسلة، ومنها ضعيفة. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله
تعالى(١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)):
وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحجّ عن الغير، واستدلّ الكوفيّون بعمومه على
جواز صحّة حج من لم يحجّ نيابةً عن غيره. وخالفهم الجمهور، فخصّوه بمن حجّ عن
نفسه. واستدلّوا بما في ((السنن))، وصححه ابن خُزيمة، وغيره، من حديث ابن عبّاس
رضي الله تعالى عنهما أيضًا: أن النبيّ وَله رأى رجلاً يُلبّي عن شُبْرُمة، فقال:
((أحججت عن نفسك؟))، فقال: لا، قال: ((هذه عن نفسك، ثم احجج عن
شُبْرُمة))(٢) .
واستُدلّ به أيضًا على أن الاستطاعة تكون بالغير، كما تكون بالنفس. وعكس بعض
المالكيّة، فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب. وأجابوا عن حديث الباب بأنّ
ذلك وقع من السائل على جهة التبرّع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب.
وبأنها عبادة بدنيّة، فلا تصحّ النيابة فيها كالصلاة. وقد نقل الطبريّ وغيره الإجماع على
أن النيابة لا تدخل في الصلاة. قالوا: ولأن العبادات فُرضت على جهة الابتلاء، وهو
لا يوجد في العبادات البدنية، إلا بإتعاب البدن، فبه يظهر الانقياد، أو النفور، بخلاف
الزكاة، فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصلٌ بالنفس، وبالغير.
وأُجيب بأن قياس الحجّ على الصلاة لا يصحّ؛ لأن عبادة الحجّ ماليّة بدنية معًا، فلا
يترجّح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازريّ: من غَلَّبَ حكم البدن
(١) -راجع ((الاستذكار»ج ١٢ ص ٥٦- ٦٢.
(٢) -رواه أبو داود رقم ١٨١١ وابن ماجه رقم ٢٩٠٣ .

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجّ
في الحجّ ألحقه بالصلاة، ومن غَلَّبَ حكم المال ألحقه بالصدقة. وقد أجاز المالكيّة
الحجّ عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة.
وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الأمر مِنْ بَذْلِهِ المالَ في
الأجرة.
وقال القاضي عياض: لا حُجّة للمخالف في حديث الباب؛ لأن قوله: ((إن فريضة
الله على عباده الخ)) معناه إن إلزام اللَّه عباده بالحجّ الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف
أبي بصفة من لا يستطيع، فهل أحجّ عنه؟، أي هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجرٌ
ومنفعة؟، فقال: ((نعم)) .
وتُعُقّب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء، فيتمّ الاستدلال، وتقدّم
في بعض طرق مسلم: ((إن أبي عليه فريضة الله في الحجّ)). ولأحمد في رواية:
«والحجّ مكتوب علیه)).
وادّعَى بعضهم أن هذه القصّة مختصّة بالخثعميّة، كما اختصّ سالم مولى أبي حذيفة
بجواز إرضاع الكبير. حكاه ابن عبد البرّ.
وتُعُقْب بأن الأصل عدم الخصوصيّة. واحتجّ بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن
حبيب صاحب ((الواضحة)) بإسنادين مرسلين، فزاد في الحديث: ((حُجّ عنه، ولیس
لأحد بعده)). ولا حجة فيه لضعف الإسنادين، مع إرسالهما. وقد عارضه قوله في
حديث الجهنيّة الماضي: ((اقضُوا اللَّه، فالله أحقّ بالوفاء)).
وادّعَى آخرون منهم أن ذلك خاصّ بالابن يحجّ عن أبيه. ولا يخفى أنه جمود.
وقال القرطبيّ: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعميّة مخالف لظاهر القرآن، فرجّح
ظاهر القرآن، ولا شكّ في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أن القول المذكور قول
امرأة ظنّت ظنًّا، قال: ولا يقال: قد أجابها النبيّ وَلّ على سؤالها، ولو كان ظنّها غلطًا
لبيّنه لها؛ لأنا نقول: إنما أجابها عن قولها: («أفأحُجّ عنه؟، قال: حجّي عنه))؛ لِمَا رأى
من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها انتهى.
وتُعُقّب بأنّ في تقرير النبيّ وَّ لها على ذلك حجة ظاهرة.
وأما ما رواه عبد الرزّاق من حديث ابن عبّاس، فزاد في الحديث: ((حجّ عن أبيك،
فإن لم يزده خيرًا، لم يزده شرًّا)). فقد جزم الحفّاظ بأنها رواية شاذّة، وعلى تقدير
صحتها فلا حجّةفيها للمخالف. انتهى ما في ((الفتح))(١).
(١) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص٥٤٩ - ٥٥٠ .

١٠- (الْعُمْرَةُ عَنِ الرَّجُلِ الذِّي لَا يَسْتَطِيعُ) - حديث رقم ٢٦٣٧
٣٤٥ ==
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه من أجاز الحجّ عن الغير عند
الضرورة أرجح؛ الأحاديث الصحيحة به، كحديث الخثعميّة، وغيرها، وكلّ ما اعترضوا
به، فقد علمت جوابه فيما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقرّ الوجوب في
ذمّته قبل العضب(١)، أو طرأ عليه، خلافًا للحنفيّة. وللجمهور ظاهر قصّة الخثعميّة.
وأن من حجّ عن غيره وقع الحجّ عن المستنيب، خلافًا لمحمد بن الحسن، فقال: يقع
عن المباشر، وللمحجوج عنه أجر النفقة.
واختلفوا فيما إذا عُوفِي المعضوب، فقال الجمهور: لا یجزيئه؛ لأنه تبيّن أنه لم یکن
ميؤوسًا منه. وقال أحمد، وإسحاق: لا تلزمه الإعادة؛ لئلا يفضي إلى إيجاب حجتين.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الإمامان: أحمد وإسحاق من عدم لزوم
الإعادة هو الصحيح عندي؛ لما ذكراه. والله تعالى أعلم.
واتّفق من أجاز النيابة في الحجّ على أنها لا تجزىء في الفرض إلا عن موت، أو
عضب، فلا يدخل المريض لأنه يُرجى برؤه، ولا المجنون؛ لأنه يرجى إفاقته، ولا
المحبوس؛ لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير؛ لأنه يمكن استغناؤه. انتهى ما في
((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
١٠- (الْعُمْرَةُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي لَا
يَسْتَطِيعُ)
٢٦٣٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأْنَا وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ
بْنِ سَالِمِ، عَنْ عَمْرِوَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي رَزِينِ الْعُقَيْلِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ
كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَالظَّعْنَ، قَالَ: ((حُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِزْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله
(١) - ((المعضوب)): الضعيف، والزَّمِن لا حَرَاكَ به. قاله في ((القاموس)). وفي ((المصباح)): عضَبَه
عَضْبًا، من باب ضرب: قطعه، ورجل معضوبٌ: زَمِنٌ لَا حَرَاكَ به، كأَنَّ الزَّمَانةَ عضبته، ومنعته
الحركة انتهى.

٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
تعالى في - ٢٦٢١/٢ - رواه عن محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، عن خالد بن الحارث
الْهُجَيميّ، عن شعبة، وقد استوفيت -بحمد اللَّه تعالى- هناك شرحه، والكلام على
مسائه، فراجعه تستفد.
ودلالته على الترجمة هنا واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
١١- (تَشْبِيهُ قَضَاءِ الْحَجْ بِقَضَاءِ
الدَّيْنِ)
٢٦٣٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٍ مِنْ خَثْعَمَ، إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ وَلِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ، وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ، فِي
الْحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟، قَالَ: ((آنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَرَأَيْتَّ
لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَكُنْتَ تَقْضِيهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَحُجَّ عَنْهُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يوسف بن الزير)) الأسديّ المكّيّ، مولى آل الزبير،
وقلبه بعضهم، مقبول [٣].
روى عن الزبير بن العوّام، وابنه عبد الله، ويزيد بن معاوية، وعبد الملك بن
مروان، وكان رضيعه. وعنه بكر بن عبد الله المزنيّ، ومجاهد بن جبر. ذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وحكى البخاريّ أنه يقال فيه: الزبير بن يوسف. وقال ابن جرير: مجهول
لا يحتجّ به. انفرد به المصنّف. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده برقم
٢٦٤٤ وحديث ٣٤٥٨ ((الولد للفراش ... )).
والباقون رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.
و((إسحاق)): هو ابن راهويه. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن
المعتمر. و((مجاهد)): هو ابن جبر. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام القرشيّ الأسديّ، أبي بكر، أو أبي خُبيب، الصحابيّ
(١) -وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((حدثنا)).

١١- (تَشْبِيهُ قَضَاءِ الْحَجِّ بِقَضَاءِ الدَّيْن) - حديث رقم ٢٦٣٩
٣٤٧ ==
الشهير، كان ◌َّه أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة تسع
سنينٍ، وقُتل في ذي الحجة سنة (٧٣هـ) وتقدمت ترجمته في ١٨٩/ ١١٦١، أنه (قَالَ: جَاءَ
رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمْ) لم يُسمّ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّه فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ
الرُّكُوبَ، وَأَدْرَكُتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ، فِي الْحَجْ) هذا فيه دليل على أن افتراض الحجّ لا يشترط له
القدرة على السفر بالبدن، وقد قرّر ◌َ ل# ذلك، فهو يؤيّد أن الاستطاعة المعتبرة في افتراض
الحجّ ليست بالبدن فقط، بل تكون به، وبالمال وقد تقدم تمام البحث في هذا قريبًا، فلا
تَنْسَ. (فَهَلْ يُجْزِئُ) بضم الياء، من الإجزاء، وفي ((الكبرى)): ((يَجزي)) بدون همزة. يقال:
جزى الأمر يَجزي جَزاءٌ، مثلُ قضى يقضي قضاء، وزنًا ومعنّى، وفي التنزيل: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا
لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨ و١٢٣]. ويستعمل أجزأ بالألف والهمزة
بمعنى جزى، نقلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثيّ من غير همز لغة الحجاز،
والرباعيّ المهموز لغة تميم. أفاده الفيّوميّ . والمعنى: أيكفيه، ويقضي عنه؟ (أَنْ أَحُجَّ
عَنْهُ؟، قَالَ) بَرِ («أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟) فيه أن أكبر الألاد أحقّ بتخليص ذمّة الأب من غيره
(قَالَ) الرجل (نَعَمْ) أي أنا أكبر أولاده (قَالَ) ◌َّهِ (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (لَوْ كَانَ عَلَيْهِ) أي على
أبيك (دَيْنٌ، أَكُنْتَ تَقْضِيهِ؟) أي تؤديه إلى صاحب الدين، فيقبله منك (قَالَ) الرجل (نَعَمْ)
أي أفعل ذلك، ويُقبل منّي (قَالَ) وَّرِ (فَحُجَّ عَنْهُ) أي فإنه يجزىء عنه.
وهذا محلّ الاستدلال للترجمة، حيث شبّه وَالر قضاء الحجّ بقضاء الدين. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث عبد الله بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه هذا
ضعيف؛ لتفرّد يوسف بن الزبير به، وهو مجهول العدالة، فقد تقدّم عن ابن جرير أنه
قال: مجهول لا يحجتج به.
وهو من أفراد المصنّف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-١١/
٢٦٣٨ و٢٦٤٤/١٤ - وفي «الكبرى»٣٦١٨/١١ و٣٦٢٤/١٤. وأخرجه (أحمد) في
(مسند المدنيين)) ١٥٦٧٠ و١٥٦٩٢ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٨٣٦. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، خُشَيْشُ بْنُ أَضْرَمَ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَكْمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ(١)، إِنَّ أَبِي مَاتَ،َ وَلَمْ يَحُجَّ، أَفَأَحَجْ عَنْهُ؟َ، قَلَ: ((أَرَأَيْتَ، لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ،
أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟(٢))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُ))).
(١) -وفي نسخة: «یا نبيّ الله)).
(٢) -وفي نسخة: ((أكنت تقضيه)).

٣٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الحكم بن أبان)) العَدَنيّ، أبي عيسى، صدوق،
عابد، له أوهام[٦].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال العجليّ: ثقة،
صاحب سنّة، كان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله حتى يصبح.
وقال سفيان بن عيينة: أتيت عدن، فلم أر مثل الحكم بن أبان. وقال ابن عيينة: قدم
علينا يوسف بن يعقوب، قاضٍ كان لأهل اليمن، وكان يُذكر منه صلاحٌ، فسألته عن
الحكم بن أبان؟ قال: ذاك سيّد أهل اليمن. وروى سفيان بن عبد الملك، عن ابن
المبارك، قال: الحكم بن أبان، وأيوب بن سُويد، وحُسام بن مِصَكّ ارم بهؤلاء.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: ربّما أخطأ، وإنما وقع المناكير في روايته من
رواية ابنه إبراهیم، عنه، وإبراهيم ضعيف. وقال ابن عديّ في ترجمة حسین بن عیسی :
الحكم بن أبان فيه ضعف، ولعلّ البلاء منه، لا من حسين بن عيسى. وحكى ابن
خلفون توثيقه عن ابن نمير، وابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل. وقال ابن خزيمة في
((صحيحه)): تكلّم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره. قال أحمد: مات سنة
(١٥٤) وهو ابن (٨٤) سنة.
روى له البخاريّ في ((جزء القراءة»، والأربعة. وله في هذا الكتاب حديثان فقط،
هذا وحديث ٣٤٥٧، وأعاده بعده برقم ٣٤٥٨ و٣٤٥٩.
وشرح الحديث يعلم مما سبق، وهو ضعيف؛ للكلام في الحكم بن أبان، وهو من
أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢٦٣٩/١١- وفي (الكبرى))٣٦١٩/١١.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٠ - أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هُشَيْمِ، عَنْ يَخْتِى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ
بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيِّ ◌َِّ، أَنَّ أَبِّي أَدْرَكَهُ الْحَجُّ، وَهُوَ شَيْخٌ
كَبِيرٌ، لَّا يَثْبُتُ عَلَى رَاحِلَّتِهِ، فَإِنْ شَدَدْتُهُ خَشِيتُ أَنْ يَمُوتَ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟، قَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ
كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ، أَكَانَ مُجْزِئًا؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَحُجّ عَنْ أَبِيكَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: شرح الحديث يعلم مما سبق، ورجال إسناده ثقات،
إلا أن فيه عنعنة هشيم، وهو مشهور بالتدليس، فالحديث ضعيف.
و((يحيى بن أبي إسحاق)): هو البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥]١٤٣٨/١.
وتقدم تخريج الحديث في -٩/ ٢٦٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).

٣٤٩
١٢ - (حَجُّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُل) - حديث رقم ٢٦٤٢
١٢- (حَجُّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ)
٢٦٤١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَّيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبَّاسٍ، قَلَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، رَدِيفَ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، مِنْ خَثْعَمَ،
تَسْتَفْتِهِ، وَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهًا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَصْرِفُ وَجْهَ
الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجْ، عَلَى عِبَادِهِ،
أَدْرَكَثَّ أَبِي، شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟، قَالَ:
(نَعَمْ))، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفق عليه، وتقدم شرحه، والكلام
على مسائله في -٩/ ٢٦٣٥- وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (رَدِيف رسول اللّه ◌ِّ)): الرديف - بفتح، فكسر -: هو الراكب خلف آخر،
يقال: رَدِفته بكسر الدال المهملة: إذا ركبت خلفه، وأردفه: أركبه خلفه.
واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به لما ترجم له واضح، وفيه ردّ على من كره أن
تحجّ المرأة عن الرجل، دون العكس؛ لأن المرأة تلبس، والرجل لا يلبس. كما ذكره
الحافظ أبو عمر في ((الاستذكار))-٦٧/١٢- عن الثوريّ. فالحديث صريح في الردّ
عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ أَخَبَرَهُ، أَنَّ
امْرَأَةً مِنْ خَفْعَمَ، اسْتَفْتَتَ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، فِي حَجَّةِ الَّوَدَاعِ، وَالْفَضْلُ بْنُ عُبَّاسٍ رَدِيفُ
رَسُولِ اللّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجْ عَلَى عِبَادِهِ، أَدْرَكَتْ أَبِي
شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَوِي عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ، أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ
اللَّهِ وَلَ: (نَعَمْ))، فَأَخَذَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً حَسْنَاءَ، وَأَخَذَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ الْفَضْلَ، فَحَوَّلَ وَجْهَهُ مِنَّ الشِّقْ الْآخَرِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم الكلام عليه في
الذي قبله.
وقولها: ((فهل يقضي عنه)) أي فهل يؤدّي الواجب الذي عليه. وقوله: ((فحوّل وجهه
من الشّقّ الآخر)) أي فحوّل الفضلُ وجهه من الشقّ الآخر إلى شقّ الخثعمية لينظر إليها.
أو كلمة ((من)) بمعنى ((إلى))، وضمير حَوَّلَ للنبيّ وَّر. ويحتمل أن المراد بالشقّ الآخر

٣٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
هو شقّ الخثعميّة، سمّي آخر لكون الفضل كان ناظرًا قبل ذلك إلى غير شقّها. والله
تعالى أعلم. قاله السنديّ رحمه اللَّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
١٣- (حَجُ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ)
٢٦٤٣- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا
هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ
عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ نَّهَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَمْي عَجُوزّ
كَبِيرَةٌ، وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ، وَإِنْ رَبَطْتُهَا خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
(أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمُّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَحُجَّ عَنْ أُمْكَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا؛ لأن سليمان
لم يسمع عن الفضل، كما قاله المصنّف رحمه الله تعالى في - ٥٣٩٥/١٠ -. («كتاب
آداب القضاة».
وقال الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) -٢٦٤/٨-
٢٦٥- بعد نقل كلام المصنّف هذا: ما نصّه: رُوي عن سليمان بن يسار، عن عبد الله
بن عبّاس، عن أخيه الفضل بن عبّاس.
ورواه عليّ بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن
عبد الله بن عبّاس. وقال: قلنا ليحيى: إن محمدًا -يعني ابن سيرين- حدّث عنك أنك
حدّثت بهذا الحديث، عن سليمان بن يسار، عن الفضل بن عبّاس. فقال: ما حفظته إلا
عن عبيدالله بن عباس.
وقال محمد بن عمر الواقديّ: روى أيوب السختيانيّ هذا الحديث عن سليمان بن
يسار، عن عبد الله بن عبّاس، ولم يشكّ، وهو أقرب إلى الصواب؛ لأن الفضل بن
عبّاس توفّي في زمن عمر بن الخطّاب بالشأم في طاعون عمواس، سنة ثمان عشرة،
ولم يدركه سليمان بن يسار، وعبيدالله بن العبّاس قد بقي إلى دهر يزيد بن معاوية بن
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص١١٩ - ١٢٠ .

٣٥١
١٥- (الحجّ بِالصَّغِیر) - حدیث رقم ٢٦٤٥
أبي سفيان، وسليمان بن يسار يقول في هذا الحديث: حدّثني، فهذا أولى بالصواب،
إن شاء اللّه تعالى انتهى كلام المزّيّ رحمه الله تعالى.
و((هشام)): هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ. و((محمد)): هو ابن سيرين. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
١٤ - (مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُحَّ عَنِ
الرَّجُلِ أَكْبَرُ وَلَدِهِ)
٢٦٤٤ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيرِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالُ لِرَجُلٍ: ((أَنْتَ
أَكْبَرُ وَلَدِ أَبِكَ؟، فَحُجَّ عَنْهُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم في -٢٦٣٨/١١ - وهو ضعيف
لتفرّد يوسف بن الزبير، عن ابن الزبير به، وهو مجهول العدالة، وقال ابن جرير: لا
يُحتجّ به، فعلى هذا لا يصلح للاستدلال به على الاستحباب الذي ترجم له المصنّف
رحمه الله تعالى.
و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
١٥- (الْحَجُّ بِالصَّغِيرِ)
٢٦٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةَ رَفَعَتْ صَبِيًّا لَهَا، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
وَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجّ؟، قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ))).

٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة المشهور [٧] ٣٧/٣٣.
٤- (محمد بن عقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير المدنيّ، ثقة [٦].
قال اليمونيّ، عن أحمد: محمد بن عقبة، وإبراهيم بن عقبة، وموسى بن عقبة إخوة
ثقات. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: لا أعلم إلا خيرًا. وقال ابن معين، والنسائيّ:
ثقة. وقال أبو حاتم: شيخٌ صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). وقال المصنّف في ((الكبرى)) ٢/ ٣٢٧ -: إبراهيم، ومحمد، وموسى بنو عقبة
ثقات كلهم، وأكثرهم حديثًا موسى بن عقبة، وهم من أهل المدينة انتهى.
روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
٥- (كريب) بن أبي مسلم مولى ابن عباس المدني، ثقة [٣] ١٦١/ ٢٥٣.
٦- (ابن عباس) رضي اللّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َخّْثهُ، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن شيخه
أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ امْرَأَةً) لم تسمّ (رَفَعَتْ صَبِيًّا لَهَا) وفي
الرواية الآتية من طريق إبراهيم بن عقبة، عن كريب -٢٦٤٨ -: ((فأخرجت امرأة صبيًّا
من الْمِحَفّة، فقالت ... )). وفي رواية أحمد، وأبي داود ((ففزعت امرأة ، فأخذت
بعضد صبيّ، فأخرجته من مِحَفّتها)). و((المحفّة)) بكسر الميم، وتشديد الفاء -: مركب
للنساء، كالهودج، إلا أنها لا تُقبّب كما تقبّبِ الهوادج (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وََّ) وفي نسخة:
((إلى النبيّ وَّ)) (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجّ؟) أي أيحصل لهذا الصبيّ ثواب
حجّ. فقوله: ((حجّ)) فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على الاستفهام. ويجوز أن
يكون مبتدأ مؤخرًا خبره الجازّ والمجرور قبله. وفي رواية لأحمد: ((هل لهذا حجّ))
(قَالَ) بَّهِ (نَعَمْ) أي له حِجَ (وَلَكِ أَجْرٌ) زادها ◌َّ على سؤالها؛ ترغيبًا لها.
قال عياض رحمه الله تعالى: وأجرها فيما تكلّفته في أمره في ذلك، وتعليمه،
وتجنيبه ما يجتنبه المحرم.
وقال النوويّ رحمه اللَّه تعالى: معناه بسبب حملها، وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم،
وفعل ما يفعله المحرم.

١٥- (الحج بالصّغیر) - حديث رقم ٢٦٤٥
٣٥٣ ===
وقال الصنعانيّ رحمه اللّه تعالى: قوله: ((لك أجر)) أي بسبب حملها، وحجّها به،
أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين.
قال القاريّ: أي أجر السبيّة، وهو تعليمه إن كان مميّزًا، أو أجر النيابة في الإحرام،
والرمي، والإيقاف، والحمل في الطواف، والسعي، إن لم يكن مميّزًا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى في كتابه («التمهيد)»: قد روى هذا الحديث
عن إبراهيم بن عقبة جماعة من الأئمة الحفّاظ، فأكثرهم رواه مسندًا، وممن رواه مسندًا معمر،
ومحمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة، وموسى بن عقبة، واختلف فيه على الثوريّ، كما
اختُلف على مالك، وكان عند الثوريّ عن إبراهيم، ومحمد ابني عقبة جميعًا، عن كريب.
فرواه أبو نُعيم الفضل بن دُكين، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن
ابن عبّاس، عن النبيّ وَلّ مسندًا.
ورواه وكيع، عن الثوريّ، عن محمد، وإبراهيم ابني عقبة، عن كريب مرسلًا.
ورواه يحيى القطان، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مرسلًا. وعن
الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، مسندًا. فقطع يحيى القطّان
عن الثوريّ حديث إبراهيم، ووصل حديث محمد. ورواه محمد بن كثير، عن
الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، متصلًا. ومن وصل هذا
الحديث، وأسنده، فقوله أولى.
والحديث صحيح، مسند، ثابت الاتّصال، لايضرّه تقصير من قصر به؛ لأن الذين
أسندوه حفّاظُ ثقات. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى(١). وهو تحقيق حسن
جدًّا. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٤٥/١٥ و٢٦٤٦ و٢٦٤٧ و٢٦٤٨ و٢٦٤٩ - وفي ((الكبرى)) ١٥/
٣٦٢٥ و٣٦٢٦ و٣٦٢٧ و٣٦٢٨ و٣٦٢٩. وأخرجه (م) في ((الحجّ)) ١٣٣٦ (د) في
((المناسك»١٧٣٦ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٩٠١ و٢١٨٨ و٢٦٠٥ و٣١٨٥
و٣١٩٢ (الموطأ) في ((الحجّ)) ٩٦١ . والله تعالى أعلم.
(١) - راجع ((التمهيد)) ج١ ص ٩٩ - ١٠٠ .
٠٠

٣٥٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الحجّ بالصغير مطلقًا،
سواء كان مميّزًا، أم لا، إذا فَعَل عنه وليه ما يفعل الحاج، وإلى هذا ذهب الجمهور،
وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها) أن الصبيّ يئاب
على طاعته، ويكتب له حسناته (ومنها): ثبوت الأجر لوليّه إذا حجّ به. (ومنها):
مشروعيّة الزيادة في الجواب على السؤال؛ زيادة في الفائدة، وهو من مقاصد البلغاء،
ومنه حديث: ((هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته))، فإن السؤال كان عن حكم ماء البحر،
فزادهم النبيّ وَّر في الجواب حكم ميتته؛ زيادة في الفائدة، أن السؤال هنا كان عن حكم
حج الصبي، فبينه وَّر لها، وزادها ثبوت الأجر لها في ذلك، وأما قول كثير من
الأصوليين: يجب أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة،
بل المراد أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول. وقد تقدم تحقيق هذا في أوائل هذا
الشرح - ٥٩/٤٧- عند الكلام على حديث ماء البحر المذكور، فراجعه تستفد.
(ومنها): أن منٍ جهل شيئًا عليه أن يسأل أهل العلم؛ قال الله تعالى: ﴿فَسَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ
إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (ومنها): أن على النساء أن يسألن عما يجهلنه من الأحكام،
كالرجال، وأن يتفقّهن في الدين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم حجّ الصبيّ:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: أجاز الحجّ بالصبيّ جماعة العلماء
بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر. وخالفهم في ذلك أهل البدع، فلم يروا الحجّ
بهم، وقولهم مهجور عند العلماء؛ لأن النبيّ وَ ل ◌ّ حجّ بأغيلمة بني عبد المطلب، وقال
في الصبيّ: له حجّ، والذي يُحِجْه أجر. وحجّ أبو بكر بابن الزبير في خرقة. وقال
عمر: تُكتب للصبيّ حسناته، ولا تكتب عليه السيئات. وحجّ السلف قديمًا وحديثًا
بالصبيان والأطفال، يُعرّضونهم لرحمة الله. وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن
عبد الملك بن الرَّبيع بن سَبْرة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللَّه ◌َله: ((مُرُوا
الصبيّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشرًا فاضربوه عليها)). فكما تكون له
صلاة، ولیست علیه، کذلك له حجّ، وليس عليه.
وأكثر أهل العلم يرون الزكاة في أموال اليتامى، ومحالٌ ألا يؤجروا عليها، فالقلم
إنما هو مرفوعٌ عنهم فيما أساءوا في أنفسهم، ألا ترى أن ما أتلفوه من الأمول ضمنوه،
وكذلك الدماء، عمدهم فيها خطأ يؤديه عنهم من يؤديه عن الكبار في خطئهم.
وأجمع العلماء على أن من حجّ صغيرًا قبل البلوغ، أو حُجّ به طفلًا، ثم بلغ، لم يُجزه
ذلك عن حجة الإسلام.

٣٥٥ -
١٥- (الحجُّ بالصّغِیر) - حديث رقم ٢٦٤٥
وقد شذّت فرقة، فأجازوا له حجه بهذا الحديث، وليس عند أهل العلم بشيء؛ لأن
الفرض لا يؤدَّى إلا بعد الوجوب. وهذا ابن عبّاس هو الذي روى هذا الحديث عن
النبيّ وَّر، وهو الذي كان يفتي بالصبيّ يحجّ، ثم يَحتلم، قال: يحجَ حجة الإسلام.
وفي المملوك يحجّ، ثم يُعتَق، قال: عليه الحجّ. ذكر عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ، عن أبي
إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عبّاس، وعن ابن عيينة، عن مطرّف، عن ابن عباس
مثله. وعن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عبّاس مثله.
وعلى هذا جماعة علماء الأمصار، إلا داود بن عليّ، فإنه خالف في المملوك، فقال:
يجزئه عن حجة الإسلام، ولا يجزىء الصبيّ. وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج أنه
أخبره، عن عطاء، قال: يقضي حجة الصغير عنه، فإذا بلغ فعليه حجة واجبة. قال:
وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله.
واختلف الفقهاء في المراهق، والعبد يُحرمان بالحجّ، ثم يَحتلم هذا، ويُعتَق هذا قبل
الوقوف بعرفة: فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرامين لهذين، ولا لأحد،
ويتماديان على إحرامهما، ولا يُجزئهما حجّهما ذلك عن حجة الإسلام.
وقال الشافعيّ: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة، فوقف بها محرمًا،
أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولم يحتج واحد منهما إلى تجديد إحرامه.
وقال أبو حنيفة: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ في حال إحرامه، فإن جدّد إحرامًا قبل
وقوفه بعرفة أجزأه، وإن لم يُجدّد إحرامًا لم يُجزئه. قال: وأما العبد ؛ فلا يجزئه عن
حجة الإسلام، وإن جدّد إحرامًا.
وقال مالك: يُحجّ بالصغير، ويجرّد بالإحرام، ويُمنع من الطيب، ومن كلّ ما يُمنع منه
الكبير، فإن قوي على الطواف، والسعي، ورمي الجمار، وإلا طيف به محمولًا، ورُمي عنه،
وإن أصاب صيدًا فُديَ عنه، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الكبير فُعل به ذلك، وفُدي عنه.
وهذا كلّه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وجماعة الفقهاء؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لا جزاء
عليه في صيد، ولا فدية عليه في لباس، ولا طيب. انتهى كلام ابن عبد البرّ(١).
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى: ونَستَحبّ الحجّ بالصبيّ، وإن كان
صغيرًا، أو كبيرًا، وله حجّ، وأجر، وهو تطوّع، وللذي يَحجّ به أجرٌ، ويجتنب ما
يجتنب المحرم، ولا شيء عليه إن واقع من ذلك ما لا يحلّ له، ويُطاف به، ويُرمى عنه
الجمار إن لم يطق ذلك، ويجزىء الطائف به طوافُه ذلك عن نفسه، وكذلك ينبغي أن
يدرّبوا، ويعلّموا الشرائع، من الصلاة، والصوم، إذا أطاقوا ذلك، ويُجنّبوا الحرام كلّه،
(١) -راجع ((الاستذكار» ج١٣ ص٣٢٩-٣٣٤.

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
والله تعالى يتفضّل بأن يأجرهم، ولا يكتب عليهم إثمًا حتى يبلغوا. قال: والحجّ عملٌ
حسنٌ، وقال الله تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾.
[فإن قيل]: لا نيّة للصبيّ. [قلنا]: نعم، ولا تلزمه، إنما تلزم النيّة المخاطبَ
المأمورَ المكلّف، والصبيّ ليس مخاطبًا، ولا مكلّفًا، ولا مأمورًا، وإنما أجره تفضّل
من اللّه تعالى، مجرّد عليه كما يتفضّل على الميت بعد موته، ولا نيّة له، ولا عمل بأن
يأجره بدعاء ابنه له بعد موته، وبما يعمله غيره عنه، من حجّ، أو صيام، أو صدقة، ولا
فرق، ويفعل الله ما يشاء. وإذا كان الصبيّ قد رُفع عنه القلم، فلا جزاء عليه في صيد
إن قتله في الحرم، أو في إحرامه، ولا في حلق رأسه لأذى به، ولا عن تمتّعه، ولا
الإحصاره؛ لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك، ولو لزمه هديّ للزمه أن يعوّض منه
الصيام، وهو في المتعة، وحلق الرأس، وجزاء الصيدٍ، وهم لا يقولون هذا، ولا يفسد
حجه بشيء مما ذكرنا، إنما هو ما عَمِلَ، أو عُمل به أجر، وما لم يعمل، فلا إثم عليه .
وقد كان الصبيان يحضرون الصلاة مع رسول اللّه ◌َطهر، صحت بذلك آثارٌ كثيرة،
كصلاته بأمامة بنت أبي العاص، وحضور ابن عبّاس معه الصلاة، وسماعه بكاء الصبيّ
في الصلاة، وغير ذلك، ويجزي الطائف به طوافه عن نفسه؛ لأنه طائف، وحاملٌ،
فهما عملان متغايران، لکلّ منهما حکم کما هو طائفٌ، وراكب، ولا فرق.
قال: فإن بلغ الصبيّ في حال إحرامه لزمه أن يجدّد إحرامًا، ويَشرع في عمل الحجّ،
فإن فاتته عرفة، أو مزدلفة، فقد فاته الحجّ، ولا هدي عليه، ولا شيء، أما تجديده
الإحرام؛ فلأنه قد صار مأمورًا بالحجّ، وهو قادرٌ عليه، فلزمه أن يبتديئه؛ لأن إحرامه
الأوّل كان تطوّعًا، والفرض أولى من التطوّع انتهى كلام ابن حزم رحمه اللَّه تعالى(١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله أبو محمد ابن حزم ◌َّلهُ تحقيق نفيسٌ
جدًّا، وحاصله جواز الحجّ بالصبيّ، وأنه يكتب له أجره، وأن من حجّ به يؤجر به
أيضًا، وأنه يعمل ما يطيق أن يعمله من أعمال الحجّ، وما لا فليس عليه شيء، بل يعمل
له من يحجّ به، مثل الرمي وغيره، ويطوف به حاملًا له، ويعتدّ بذلك الطواف لنفسه،
وللصبيّ، وأنه يجنّب فعل محظورات الحجّ، وإن ارتكب شيئًا من ذلك فلا شيء عليه
لأنه مرفوعٌ عنه القلمُ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٦ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، مِنْ
(١) -راجع ((المحلّى)) ج٧ص٢٧٦ -٢٧٧.

١٥ - (الْحَجُّ بِالصَّغِير) - حديث رقم ٢٦٤٨
٣٥٧ ===
هَوْدَج، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟، قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمود بن غيلان)): هو العدويّ مولاهم، أبو أحمد
المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣. و((بشر بن السريّ)): هو أبو عمرو البصريّ
الأَفْوَهُ الواعظ، نزيل مكة، ثقة طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩]١٣٦٥/١٠٤.
والباقون تقدّموا في الذي قبله، والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله
في الحديث الماضي. والله تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ صَبِيًّا،
فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجُّ؟، قَالَ: (نَعَمَْ وَلَّكِ أَجْرٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير ((عمرو بن
منصور)): أبي سعيد النسائيّ، ثقة [١١] ١٤٧/١٠٨، فإنه من أفراده. و((أبو نُعيم)):
هو الفضل بن دُكين الحافظ الثبت الكوفيّ [٩] ٥١٦/١١ .
و ((إبراهيم بن عقبة)): هو أخو محمد في السندين الماضيين، ثقة [٦] ٦٠٩/٥٠.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللّه تعالى وليّ التوفيق،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ رحمه اللَّه تعالى و حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا
أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
صَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ،َ لَقِيَ قَوْمًا، فَقَالُ: ((مَنْ أَنْتُمْ؟))َ، قَالُوا:
الْمُسْلِمُونَ، قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟، قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَأَخْرَجَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، مِنَ
الْمِحَفَّةِ، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجّ؟، قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و((عبد الله
بن محمد بن عبد الرحمن)) هو الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٨/٤٢.
و((سفيان)) هنا: هو ابن عيينة، بخلافه فيما مضى، فإنه الثوريّ، فتنبه.
وقوله: ((صدر)): أي رجع، يقال: صَدَرَ القومُ، وأصدرناهم: إذا صرفتهم،
وصدرتٌ عن الموضع صدرًا، من باب قتل: رجعت، قال الشاعر [من البسيط]:
وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا
فصَدْرٌ مصدرٌ، والاسم الصَّدَرُ بفتحتين. قاله الفيّوميّ.
ودلّت هذه الرواية على أن هؤلاء القوم لَقُوا النبيّ بِّهِ في رجوعه من الحجّ، لا في

٣٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ذهابه له. ومثله رواية البيهقيّ من طريق الشافعيّ، عن ابن عيينة: ((أن النبيّ ◌َّ قَفَلَ،
فلما كان بالروحاء لقي ركبًا ... )) الحديث. وفي رواية له من طريق إسماعيل بن إبراهيم
ابن عقبة، عن أبيه: ((بينما رسول اللَّه ◌َ لل يسير بطريق مكة كلمته امرأة ... )) الحديث.
وجزم به ابن القيّم في ((الهدي))، حيث قال: ثم ارتحل ◌َّ راجعًا إلى المدينة، فلمّا كان
بالروحاء لقي ركبًا، فذكر قصّة الصبيّ. وقيل: وقعت هذه القصّة في مقدمه إلى بيت
الله، والمراد بالصدور، والقفول صدوره من المدينة للحجّ. ولا يخفى ما فيه. وارجع
إلى ((الْقِرَى لقاصد أم القُرَى)) ص٤٩-٥٠(١).
وقد ثبت أن ذلك كان في حجة الوداع، فقد أخرج البيهقيّ أيضًا من طريق محمد بن
سُوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال:
رَفَعَت امرأة صبيًّ لها إلى النبيّ وََّ في حجته، فقالت: يا رسول اللَّه، ألهذا حجّ؟،
قال: ((نعم، ولك أجر)).
وقوله: ((فلما كان بالرَّحاء لقي قومًا))، ولأبي داود: ((كان رسول اللَّه ◌َآلټل بالروحاء،
فلقي رکبًا، فسلم عليهم ... )).
وقوله: ((بالرَّوحاء)) -بفتح الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة، ممدودًا على
وزن حمراء -: اسم موضع بين مكة والمدينة على ثلاثين، أو أربعين ميلًا من المدينة.
أفاده في ((القاموس))، و((المصباح)). وقال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى في
((المشارق)): هي من أعمال الفُرْع (٢)، بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلًا. وفي
(صحيح مسلم)) في ((كتاب الأذان)): أن الرَّوحاء ستة وثلاثون ميلًا. وفي ((كتاب ابن أبي
شيبة)): ثلاثون ميلًا.
وقوله: ((قالوا: من أنتم الخ)). قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يحتمل أن
يكون هذا اللقاء كان ليلاً، فلم يعرفوه وَّة .. ويحتمل كونه نهارًا، لكنّهم لم يروه ◌َّ قبل
ذلك، لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك انتهى (٣).
وقوله: ((قالوا: رسول الله)) أي وأصحابه، ففيه حذف الواو مع ما عطفت، مثل
قولهم: راكب الناقة طَلِيحَانِ، أي راكب الناقة، والناقة، قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَالْوَاوُ إِذْ لَا لَبْسَ وَهْيَ انْفَرَدَتْ
وَالْقَاءُ قَدْ تُحْذَفُ مَعْ مَا عَطَفَتْ
بِعَطْفِ عَامِلٍ مُزَالٍ قَدْ بَقِي
مَعْمُولُهُ دَفَعَا لِوَهْمِ اتَّقِي
أي نحن رسول اللّه، والصحابة .
(١) -راجع ((المرعاة)) ج٨ص٣٠٩.
(٢) - ((الْفُرْع)) بضم، فسكون، وزان قُفْل: عَمَلٌ من أعمال المدينة. أفاده في ((المصباح)).
(٣) -راجع ((شرح صحيح مسلم)) للنوويّ ج٩ ص١٠٣ .

- --
١٦- (الوَقْتُ الذِّي خَرَجَ فِيهِ النَّبيُّ ◌َ﴾ ... - حديث رقم ٢٦٥٠
٣٥٩
وقوله: ((فأخرجت امرأة صبيًا من الْمِحَفّة)) ((المحفّة)) -بكسر الميم، وحكي فتحها،
وتشديدِ الفا -: مَرْكبٌ من مراكب النساء، كالهوج؛ إلا أنها لا تُقبّب كما يُقبّب الهودج.
أي لا يُجعل فوقها قُبّة. كذا في ((الصحاح))(١).
والحديث صحيح تقدّم الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٤٩ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ سَعْدِ ابْنِ أَخِي رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو
الرَّبِيعِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بَنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَّسُولَ اللَّهِ ◌ِ مَرَّ
بِامْرَأَةٍ، وَهِيَ فِي خِذْرِهَا، مَعَهَا صَبِيٍّ، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجّ؟، قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ))).
((سليمان بن داود)) مصريّ ثقة، من أفراد المصنّف، وأبي داود. وقوله: ((وهي في
خِذْرها)) بكسر الخاء المعجمة: أي سِتْرها.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
◌ُنیب)».
١٦- (الْوَقْتُ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ الشَِّيُّ
﴿َلِّ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْحَجْ)
أي هذا باب ذكر الحديث الذي فيه بيان الوقت الذي خرج فيه النبي ◌ُّ من المدينة
إلى مكة لأداء فريضة الحجّ.
وعبارته في ((الكبرى)): ((الوقت الذي خرج فيه رسول الله وب لير من المدينة للحج)).
٢٦٥٠ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ،
قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ لِخَمْسٍ
بَقِينَ، مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، لَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ﴾
مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذْيٌ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَحِلّ).
(١) - ((شرح السندي)) ج٥ص١٢١.

٣٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (هَنَّاد بن السَّرِيّ) التميميُّ، أبو السري الكوفي، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣.
٢- (ابن أبي زائدة) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهَمْدَاني، أبو سعيد الكوفي،
ثقة متقن، من كبار [٩] ١١٥/٩٣.
٣- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري، أبو سعيد المدني القاضي، ثقة ثبت [٥]
٢٣٠/٢٢
٤- (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سَعْدَ الأنصارية المدنية، ثقة [٣] ٢٠٣/١٣٤ .
٥- (عائشة) أم المؤمنين رؤيتها ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، والباقيان كوفيان. ومنها: أن فيه
رواية تابعي عن تابعية. ومنها: أن فيه عائشة رؤيتها من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠)
أحاديث والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ رحمه اللَّه تعالى أنه (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ) بنت
عبد الرحمن (أَنَّا سَمِعَتْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها (تَقُولُ: خَرَجْنَا) أي
من المدينة .
واختلف في عدد الذين كانوا معه وَّه، فقيل: كانوا تسعين ألفًا. ويقال: مائة ألف
وأربعة عشر ألفًا. ويقال: أكثر من ذلك. حكاه البيهقيّ. قال الزرقانيّ: هذا في عدّة
الذين خرجوا معه، وأما الذين حجّوا معه، فأكثر المقيمين بمكّة، والذين أتوا من اليمن
مع عليّ، وأبي موسى الأشعريّ رضي اللّه تعالى عنهما. انتهى. وقال القاري: بلغ جملة
من معه وَلهار تسعين ألفًا، وقيل: مائة وثلاثين ألفًا انتهى. وقال الشيخ الدهلويّ في
((اللمعات)): ورد في بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء، ولم يعينوا
عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته وَ ليزر مائة ألف، وحجة الوداع
كانت بعد ذلك، ولا بدّ أن يزدادوا فيها. ويُروى مائة ألف وأربعة عشر ألفًا. وفي رواية
مائة ألف وعشرون ألفًا انتهى(١).
وإلى هذا الاختلاف أشار الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((ألفيّة السيرة))، حيث قال:
(١) -راجع ((المرعاة)) ج٨ص٤٥٢.