النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١ =
٨٣- (المسألة) - حديث رقم ٢٥٨٤
هل هي تطوّع، أم واجبٌ، فكأنه قال: يجزي عنك فرضًا كان، أو تطوّعًا انتهى(١) وهو
بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨٣- (الْمَسْأَلَةُ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على ذمّ سؤال الناس أموالهم.
٢٥٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ أَزْهَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةً، يَقُولُ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ وَهِ، لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ، حُزْمَةَ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ،
فَبِيعَهَا، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، فَيَعْطِيَهُ، أَوْ يَمْنَعَهُ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (أبو داود) سليمان بن سيف الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
٢- (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل،
من صغار [٩] ٣١٤/١٩٦.
٣- (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو
إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجد [٨] ١٩٦ / ٣١٤.
٤- (صالح) بن كيسان، أبو محمد الغفاري المدني، ثقة ثبت فقيه؛ ٤] ٣١٤/١٩٦.
٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٦- (أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر) هو سعد بن عبيد الزهري مولاهم
المدني، ثقة [٢] ١٨١٩/١.
٧- (أبو هريرة) رتزيه ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين.
غير شيخه فحرّاني. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح
عن الزهري عن أبي عبيد، وكلهم مدنيون. ومنها: أن فيه أبا هريرة تَظّه رأس
المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
(١) - راجع ((نيل الأوطار)) ج٤ ص ١٩٠ طبعة دار الكتب العلمية. تحقيق محمد سالم هاشم.

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
شرح الحدیث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم (أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ) سَعْدَ بن عُبيد (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَزْهَرَ) ويقال له: مولى عبد الرحمن بن عوف (أَخْبَرَهُ) أي أخبر ابنَ شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ) بفتح
اللام، قال الكرمانيّ: هي إما ابتدائيّة، أو جواب قسم محذوف انتهى. و((يحتزم)): أي
يشدّ بالحبل، يقال: حَزَمتُ الدّابَةَ حَزْمًا، من باب ضَرب: شددتها بالْحِزَام. قاله في
((المصباح)). واحتزم الرجلُ، وتحزّم بمعنَى، وذلك إذا شدّ وسطه بحبل. أفاده في
(اللسان)» (حُزْمَةَ حَطَبٍ) بالنصب مفعول ((يحتزم)). وفي نسخة: ((بحزمة حطب)) بزيادة
الباء. و ((الْحُزْمة)) بضمّ، فسكون، وجمعه حُزَم، كغرفة، وغُرَف، ما يشدّ به الشيء.
و((الحطب)) بفتح المهملتين: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا -أي وَقُودًا- للنار. قاله في
((اللسان)) (عَلَى ظَهْرِهِ) ولفظ ((الكبرى)): ((فيحملها على ظهره))، فالجارّ والمجرور هنا
يتعلّق بـ((يحملها)) مقدّرًا (فَتَبِيعَهَا) بالنصب عطفًا على ((يحتزم)) (خَيْرٌ) خبر قوله: ((أن
يحتزم))؛ لأنه في تأويل المصدر مبتدأ، أي احتزامُه خيرٌ له.
وقال في ((الفتح)): ليست ((خير)) هنا بمعنى أفعل التفضيل؛ إذ لا خير في السؤال مع القدرة
على الاكتساب، والأصحّ عند الشافعيّة أن سؤال مَن هذا حاله حرام. ويحتمل أن يكون المراد
بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميتِهِ الذي يُعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شرّ انتهى(١).
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: لا خير في السؤال، فما وجه
هذا الترجيح؟.
[قلت]: یحتمل وجهين:
[أحدهما]: أن ذلك حيث اضطرّ إلى السؤال بحيث لا يصير فيه ذمّ أصلًا، فتَرْكُه مع
ذلك خير من فعله. وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأن من أمكنه الاحتطاب لم يضطر إلى السؤال.
[ثانيهما]: أن هذه الصيغة، وهي ((خيرٌ)) قد تستعمل في غير الترجيح، كما في قوله
تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾ الآية انتهى(٢).
وقال السنديّ في شرحه: ((الكلام من قبيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، والمراد
أن ما يلحق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيويّ خيرٌ له مما يلحقه بالسؤال من التعب
الأخرويّ، فعند الحاجة ينبغي أن يختار الأول، ويترك الثاني انتهى (٣). وقال في حاشية
(١) -راجع ((الفتح)) ج٤ ◌َّ ر ٩٨.
(٢) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص ٨٣ -٨٤ .
(٣) - ((شرح السنديّ)) ج٥ ص٩٤ .

٨٣- (المسألة) - حديث رقم ٢٥٨٤
١٦٣=
مسلم: قوله: ((خيرله الخ)). أي لو فُرض في السؤال خيريّة لكان هذا خيرًا منه، وإلا
فمعلومٌ أنه لا خيريّة في السؤال انتهى (١).
(مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا) أي من سؤاله رجلًا، والمراد بالرجل الشخص، فسؤال المرأة
مثل سؤال الرجل (فَيُعْطِيَهُ) بالنصب عطفًا على ما قبله، أي فيعطيه ذلك الرجل
مسؤوله، فيُحَمّله ثقل المنّة، ومذلّة المسألة (أَوْ يَمْتَعَهُ))) بالنصب أيضا: أي يمعنه
مسؤوله، فيكتسب الذلّ والهوان، والخيبة، والحرمان. يعني أن الإعطاء، والمنع سيّان
في كون الاحتزام خيرًا له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٨٤/٨٣ و٢٥٨٩ - وفي «الكبرى» ٢٣٦٥/٨٥. (خ) في ((الزكاة))
١٤٧٠ (م) في ((الزكاة)) ١٠٤٢ (ت) في ((الزكاة)) ٦٨٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
٧٢٧٥ و ٧٤٣٩ و ٧٩٢٧ و ٨٨٨٩ و٩١٤٠ و٩٥٥٨ و٩٧٩٢ و٩٧٩٦ و١٠٠٦٠
(الموطأ) ١٨٨٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ذمّ السؤال، وأنه من أقبح
الخصال، ولولا قبحه في نظر الشرع لم يفضّل عليه امتهان المرء نفسه في طلب الرزق،
وذلك لما يدخل على السائل من ذلّ السؤال، ومن ذلّ الردّ، إذا لم يُعط، ولِمَا يدخل
على المسؤول من الضيق في ماله، إن أَعطَى كلّ سائل (ومنها): جواز الحلف لتقوية
الأمر، وتأكيده(٢) (ومنها): الحثّ على طلب الرزق، وارتكاب المشقّة في ذلك، ولو
أدى ذلك إلى امتهان المرء نفسه (ومنها): ترجيح الاكتساب على السؤال، ولو كان
بعمل شاقّ كالاحتطاب، ولو لم يقدر على بهيمة يحمل الحطب عليها، بل حمله على
ظهره. وذكر ابن عبد البرّ، عن عمر رضي اللَّه تعالى عنه، قال: مكسبة فيها بعض
الدناءة خيرٌ من مسألة الناس .
(ومنها): الحضّ على التعفّف عن المسألة، والتنزه عنها.
(١) - نقله في ((المرعاة)ج٦ ص٢٥٧ .
(٢) - هذا على جعل اللام لام قسم، وقد تقدم أنها تحتمل أن تكون ابتدائيّة.

١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: وما زال ذوو الهمم والأخطار من
الرجال، يتنزّهون عن السؤال، ولقد أحسن أبو الفضل أحمد بن المعذل بن غيلان
العبد يّ الفقه المالكي حيث يقول:
مَا دُونَهُ إِنْ سِيلَ مِنْ حَاجِبٍ
الْتَمِسِ الأَرْزَاقَ عِنْدَ الَّذِي
جُودًا وَمَنْ يَرْضَى عَنِ الطَّالِبٍ
مَنْ يُبْغِضُ الَّارِكَ عَنْ سُؤْلِهِ
بِغَيْرٍ تَوْقِيعِ إِلَى كَاتِبٍ
وَمَنْ إِذَا قَالَ جَرَى قَوْلُهُ
ومن أحسن ما قيل نظمًا في الرضى والقناعة، وذمّ السؤال قولُ بعض الأعراب[من
الطويل]:
وَأَنْتَ صَحِيحٌ لَمْ تَخُنْكَ الأَصَابِعُ
عَلَامَ سُؤَالُ النَّاسِ وَالرِّزْقُ وَاسِعُ
عَرِيضٌ وَبَابُ الرِّزْقِ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ
وَلِلْعَيْشِ أَوْكَارٌ وَفِي الأَرْضِ مَذْهَبُ
فَكُنْ طَالِبَا لِلرِّزْقِ مِنْ رَازِقِ الْغِنَى وَخَلْ سُؤَالَ النَّاسِ فَاللَّهُ صَانِعُ
وقال مسلم بن الوليد [من الطويل أيضًا]:
أَقُولُ لِمَأُفُونِ (١) الْبَدِيهَةِ طَائِرِ مَعَ الْحِرْصِ لَمْ يَغْنَمْ وَلَمْ يَتَمَّوَّلِ
وَصَائِنٌ عِرْضِي عَنْ فُلَانٍ وَعَنْ قُلٍ
سَلِ النَّاسَ إِنِّي سَائِلُ اللَّهِ وَخْدَهُ
وقال عُبید بن الأبرص:
مَنْ يَسَلِ النَّاسَ يَخرِمُوهُ وَسَائِلُ اللَّهِ لَا يَخِيبُ
ومن قصيدة للحسين بن حميد [من البسيط]:
وَسَائِلُ النَّاسِ إِنْ جَادُوا وَإِنْ بَخِلُوا فَإِنَّهُ بِرِدَاءِ الذُّلْ مُشْتَمِلُ
وقال أبو العتاهية، فأحسن [من الوافر]:
وَفِي بَذْلِ الْوُجُوهِ إِلَى الرِّجَالِ
أَتَذْرِي أَيُّ ذُلِّ فِي السُّؤَالِ
وَيَسْتَغْنِي الْعَفِيفُ بِغَيْرٍ مَالٍ
يَعِزُّ عَلَى الثَّنَزُّهِ مَنْ رَعَاهُ
أَذَلَّ الْحِزْصُ أَعْنَاقَ الرَّجَالِ
تَعَالَى اللَّهُ يَا سَلْمُ بْنَ عَمْرٍ
أَظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِالزَّوَالِ
وَمَا دُنْيَاكَ إِلَّا مِثْلُ فَيْءٍ
فَلَا قَرُبْتُ مِنْ ذَاكَ النَّوَالِ
إِذَا كَانَ النَّوَالُ بِبَذْلِ وَجْهِي
(١) - ((المأفون)): الضعيف العقل والرأي. قاله في ((القاموس)).

١٦٥
٨٣- (المسألة) - حدیث رقم ٢٥٨٤
=
يَكُونُ الْفَضْلُ فِيهِ عَلَيَّ لَالِي
مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ خُلُقٍ دَنِيٍ
تَوَقَّ يَدَا تَكُونُ عَلَيْكَ فَضْلًا
يَدْ تَغْلُو بِجَمِيلٍ فِغْلٍ
وُجُوهُ الْعَيْشِ مِنْ سَعَةٍ وَضِيقٍ
وَتُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ أَخَا نَعِيمٍ
وَأَنْتَ تُصِيبُ قُوتَكَ فِي عَفَافٍ
مَتَى تُمْسِي وَتُصْبِحُ مُسْتَرِيحًا
تُكَابِدُ جَمْعَ شَيءٍ بَعْدَ شَيْءٍ
وَقَدْ يَجْزِي قَلِيلُ الْمَالِ مَجْزَى
إِذَا كَانَ الْقَلِيلُ يَسُدُّ فَقْرِي
هِيَ الدُّنْيَا رَأَيْتُ الْحُبَّ فِيهَا
تُسَرُّ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى هِلَالٍ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
فَصَائِعُهَا إِلَيْكَ عَلَيْكَ عَالِي
كَمَا عَلَتْ الْيَمِينُ عَلَى الشِّمَالِ
وَحَسْبُكَ وَالتَّوَسُّعُ فِي الْحَلَالِ
وَأَنْتَ تُصِيفُ فِي فَيْءِ الظُّلَالِ
وَرِيُّكَ إِنْ ظَمِثْتَ مِنَ الزُّلَالِ
وَأَنْتَ الدَّهْرَ لَا تَرْضَى بِحَالٍ
وَتَبْغِي أَنْ تَكُونَ رَخِيَّ بَالٍ
كَثِيرِ الْمَالِ فِي سَدِّ الْخِلَالِ
وَلَمْ أَجِدِ الْكَثِيرَ فَلَا أُبَالِي
عَوَاقِبُهُ الثَّفَزُقُ عَنْ تَقَالٍ
وَنَقْصُكَ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى الْهِلَالِ(١)
(المسألة الرابعة): في حديث الباب فضيلةُ الاكتساب بعمل اليد، وقد ذكر بعضهم
أنه أفضل المكاسب. وقال الماورديّ: أصول المكاسب الزراعة، والتجارة،
والصناعة، وأيها أطيب؟ فيه مذاهب للناس، أشبهها بمذهب الشافعيّ أن التجارة أطيب،
قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التوكّل.
قال النوويّ في ((شرح المهذّب)): في ((صحيح البخاريّ))، عن المقدام بن
معد يكرب رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ وَّر، قال: ((ما أكل أحد قط خيرًا من أن
يأكل من عمل يده، وإن نبيّ داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)). قال النوويّ:
فالصواب ما نصّ عليه رسول اللَّه ◌َّر، وهو عمل اليد، فإن كان زراعةً، فهو أطيب
المكاسب، وأفضلها؛ لأنه عمل يده، ولأن فيه توكّلًا، كما ذكره الماورديّ؛ ولأن فيه
نفعًا عامًّا للمسلمين، والدواب، وأنه لا بدّ في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، فيحصل
له أجره. وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه، وأجراؤه، فاكتسابه
بالزراعة أفضل؛ لما ذكرناه.
(١) -راجع ((التمهيد)) ج٤ ص ١١٠- ١١٣.

١٦٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال في ((الروضة)) - بعد ذكره الحديث المتقدّم -: فهذا صريحٌ في ترجيح الزراعة،
والصناعة ؛ لكونهما من عمل يده، ولكن الزراعة أفضلهما؛ لعموم النفع بها للآدميّ
وغيره، وعموم الحاجة إليها. والله أعلم.
قال وليّ الدين: وغاية ما في حديث الباب تفضيل الاحتطاب على السؤال، وليس
فيه أنه أفضل المكاسب، فلعلّه ذكره لتيسّره، ولا سيّما في بلاد الحجاز؛ لكثرة ذلك
فيها. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): حديث الباب يدلّ أيضًا على جواز الاكتساب بالمباحات،
كالحطب، والحشيش النابتين في موات.
واستدلّ به المهلّب على جواز الاحتطاب، والاحتشاش من الأرض المملوكة، حتى
يمنع من ذلك مالك الأرض، فترفع حينئذ الإباحة.
قال وليّ الدين: وهو مرود، فإن النبات في الأرض المملوكة ملك لمالكها، فلا
يجوز التصرّف فيه بغير إذنه.
ثم حكى المهلّب عن ابن المؤاز أنه حَكَى عن ابن القاسم، عن مالك، قال: كانت
له أرض يملكها، ليست بأرض خربة، فإن أراد أن يبيع ما ينبت فيها من المراعي بعد
طيبهن أنه لا بأس به. وقال أشهب: لا يجوز ذلك؛ لأنه رزقٌ مِن رزقِ اللَّه تعالى، ولا
يحلّ لربّ الأرض أن يمنع منه أحدًا، لقوله وَّه: ((لا يُمنَع فضلُ الماء ليُمنَع به الكلأُ)).
ولو كان النبات في حائط إنسان لما حلّ له أن يمنع منه أحدًا؛ لقوله وَله: ((لا حمى إلا
لله، ولرسوله)). وقال الكوفيون كقول أشهب. قاله في ((طرح التثريب))(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك رحمه الله تعالى هو
الأرجح؛ لأن معنى الحديث: أنه لا يجوز لصاحب الماء الفاضل عن حاجته منعه عن
أصحاب المواشي، حتى لا يترتب على منعه منع الكلأ المباح، لأنهم إذا لم يجدوا ماء
لا يمكنهم رعي مواشيهم في ذلك الكلإ، وليس المراد منع الكلا المملوك. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن السؤال، والتصدّق على
المحتاج، وقد ذكرهما النبيّ وَّلّ في قوله في رواية مسلم: ((فيتصدّق، ويستغني من
الناس)). كذا في أكثر نسخ ((صحيح مسلم)) بالميم، وفي بعضها ((عن الناس)) بالعين.
قال النوويّ: وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى (٣). والله تعالى أعلم
(١) - ((طرح التثريب) ج٤ ص٨٤ .
(٢) - ((طرح)) ج٤ ص ٨٤ -٨٥.
(٣) - ((طرح)) ج٤ ص٨٤ .
:

١٦٧ =
٨٣- (المسألة) - حديث رقم ٢٥٨٤
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أشار في رواية مسلم إلى العلّة في تفضيل الاكتساب على
السؤال، وهي أن العيد العليا أفضل من اليد السفلى، والمكتسب يده عليا، إن تصدّق،
وكذا إن لم يتصدّق، وفسّرنا العليا بالمتعفّفه عن السؤال، فقد يُستدلّ بهذا على ترجيح
الرواية التي فيها ((اليد العليا هي المتعفّفه))؛ لأنه لا يلزم من الاكتساب الصدقةُ، لكن
تبيّن برواية مسلم أن تفضيل الاكتساب هو للصدقة والاستغناء عن الناس، وكما أنه لا
يلزم من الاكتساب الصدقة، لا يلزم من الاكتساب التعفّف عن السؤال، فربّ مكتسب
مكتفٍ، يسأل تكثرًا. قاله وليّ الدين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثامنة): ذكر الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) أن المسألة تنقسم إلى
الأحكام الشرعيّة: التحريم، والكراهة، والوجوب، والندب، والإباحة. وقال أبو بكر
ابن العربيّ: وبالجملة فإن السؤال واجبٌ في موضع، جائزٌ في آخر، حرامٌ في آخر،
مندوب على طريق، فأما وجوبه، فللمريدين في ابتداء الأمر، وظاهر حالهم، وللأولياء
للاقتداء، وجريًا على عادة الله في خلقه، ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل
القرية طعامًا، وهما من اللَّه تعالى بالمنزلة المعلومة، فالتعريف بالحاجة فرض على
المحتاج، وإذا ارتفعت الضرورة جاز أن يسأل في الزائد عليها، مهما يحتاج إليه، ولا
يقدر عليه، ثم أنشد لبعضهم:
لَمَالُ الْمَزْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفَاقِرَهُ(١) أَعَفَّ مِنَ الْقُنُوعِ
قال: وإذا كملت للمرء مفاقره، وارتفعت حاجاته، لم يجز له أن يسأل تكثّرًا. ثم
قال: وقد يكون السؤال واجبًا، أو مندوبًا، أما وجوبه، فللمحتاج، وأما المندوب فلمن
يُعينه، ويُبيّن حاجته، إن استحيى هو من ذلك، أو رجا أن يكون بيانه أنفع، وأنجح من
بيان حال السائل، كما كان النبيّ رَلو يسأل لغيره انتهى.
قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى: فذكر أربعة أوجه من الأحكام الشرعيّة في
المسألة، دون الخامس، وهو قسم المكروه، فأما تمثيله للواجب بسؤال المحتاج
فواضحٌ، وأما قسم المكروه، فسؤاله للسلطان مع إمكان الاستغناء عنه، وقد جمعهما
النبيّ ◌َّر في حديث سمرة رضي اللّه تعالى عنه بقوله: ((إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو
في أمر لا بدّ منه))، فهذا الأخير هو السؤال الواجب، قال: وأما تمثيل القاضي أبي بكر
(١) - المفاقر: جمع فقر على غير قياس، أو جمع مُفْقِر مصدر أفقره. قاله في ((اللسان)).

١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
السؤال الواجب بالمريدين في ابتداء الأمر، وبسؤال الأولياء للاقتداء، وتمثيله بسؤال
موسى والخضر طعامًا من أهل القرية ففيه نظر، ولا يُطلق على سؤال المريدين في
ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادت المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل
ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم، فأما الوجوب الشرعيّ فلا، وأما سؤال
الخضر وموسى، فلا يلزم هذه الأمة الاقتداء بهما في ذلك، وإنما وقع ذلك من الخضر
لحكمة أطلعه اللّه عليها ليبيّن لموسى عليه السلام ما ينتهي الحال إليه في المرّات الثلاث
انتهى كلام العراقيّ منقولًا من «طرح التثريب))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قول أبي بكر بن العربيّ: فأما وجوبه فللمريدين في
ابتداء الأمر الخ صدور مثل هذا الكلام من أمثاله عجيب، كيف يكون تهذيب الأخلاق
بما هو من محظورات الشرع؟، فهل تهذّب النفوس إلا بمتابعة الرسول وَلقره، ومخالفة
الهوى المضادّة لسنته؟. وهل جاء عنه وَّ لال أنه أمر بتهذيب الأخلاق بالسؤال؟ وهل
الأولياء يكونون قدوة في الشيء المذموم شرعًا، وما كانوا أولياء إلا بالتقوى، واتباع
السنة، ومجانبة البدع والهوى، إن هذا لهو العجب العجاب. ومن الغريب أن العراقيّ
اعترض عليه في قوله بالوجوب، ولم يعترض عليه في دعواه مشروعية تهذيب الأخلاق
بالسؤال، بل وافقه في أصل المشروعية، حيث قال: وإنما جرت عادت المشايخ الذين
يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم.
فهل هذا التهذيب من عمل الصحابة، والتابعين؟، لا، بل هذا مما ابتدعه الجهالة الذين
لم يستضيئوا بنور الكتاب والسنّة، فالتهذيب الصحيح للأخلاق والنفوس، لا يكون إلا بما
شرعه الشارع الحكيم على لسان من أرسله مهذبًا للأخلاق، وهاديًا إلى الخلّاق.
وبالجملة فالنجاة كل النجاة في الدنيا والآخرة في اتباع من قال الله تعالى في حقّه: ﴿وَإِن
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ)): ورد
التخصيص في السؤال في أربعة أماكن: وهي أن يسأل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه، أو
ذا رحم في حاجة، أو الصالحين.
فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لا بدّ منه، فهو الحاجة
(١) -راجع ((طرح التثريب)) ج٤ ص٧٨-٧٩.

٨٣- (المسألة) - حدیث رقم ٢٥٨٥
١٦٩ ===
التي لا بدّ منها. وأما ذو الرحم، فلما ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل، ولذهاب
بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز، فرُخص في سؤاله. وأما
سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسيّ . -يعني الآتي للنسائيّ في الباب التالي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تخصيص هذين القسمين نظر، إذ الأول يحتاج
لدليل يخصّصه من عموم النهي عن السؤال كالقسمين الأولين، وما استدلّ به بعيد عن
هذا. وأما الثاني فحديثه لا يصحّ، كما سيأتي. فتبصّر. والله تعالى أعلم.
قال: وحيث جاز السؤال، فيجتنب فيه الإلحاف، والسؤال بوجه اللّه تعالى، لما في
سنن أبي داود، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: ((لا يُسأل بوجه اللّه إلا
الجنّة))(١). قال: ومع ذلك فينبغي إعطاؤه، ما لم يسأل ممتنعًا؛ لما روى الطبرانيّ في
((معجمه الکبیر)) من حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه بإسناد حسن، عن
النبيّ وَّهِ، أنه قال: ((ملعون من سأل بوجه اللَّه، وملعون من سُئل بوجه اللَّه، فمنع
سائله، ما لم يسأل هُجْرًا)). انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِغَتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ
ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِ: (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ
فِي وَجْهِهِ مُزْعَةٌ، مِنْ لَخمٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) المصري الفقيه، ثقة [١١] ١٦٦/١٢٠ .
٢- (شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل
فقيه، من كبار [١٠] ١٦٦/١٢٠ .
٣- (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه
إمام مشهور [٧] ٣١/ ٣٥ .
٤- (عبيدالله بن أبي جعفر) أبو بكر الفقيه المصريّ، مولى بني كنانة، ويقال: مولى
بني أُميّة، قيل: اسم أبيه يسار -بتحتانيّة، ومهملة- ثقة [٥].
رأى عبد الله بن جَزْء الزُّبيديّ. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان يتفقّه، ليس به
(١) -الحديث رواه أبو داود، وهو ضعيف، لتفرّد سليمان بن قَرْم به عن محمد بن المنكدر،
والأكثرون على تضعيفه.
(٢) -راجع ((طرح التثريب)) ج٤ ص٧٩ - ٨٠.

=
١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، مثل يزيد بن أبي حبيب. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن
خِرَاش: صدوق. وقال ابن سعد: ثقة فقيه زمانه. وقال ابن يونس: كان عالمًا عابدًا
زاهدًا. وقال العجليّ: عبد الله بن أبي جعفر مصريّ ثقة، وأخوه لا بأس به. ونقل
صاحب ((الميزان)) عن أحمد أنه قال: ليس بالقويّ. قال أبو شُريح عبد الرحمن بن
شُريح، عن عبيدالله بن أبي جعفر: غزونا الْقُسطنطينية، فكُسِر بنا مركبنا، فألقانا الموج
على خشبة في البحر، وكنّا خمسة، أو ستّة، فأنبت اللَّه لنا بعددنا ورقة لكلّ رجل منا،
فكنا نمصّها، فتُشبعنا، وتروينا، فإذا أمسينا أنبت اللَّه لنا مكانها أخرى، حتى مرّ بنا
مركبٌ، فحملنا. قال ابن لهيعة: وُلد سنة ستين. مات سنة (٢) وقيل (٤) وقيل (٥)
وقيل (١٣٦). روى له الجماعة وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط.
٥- (حمزة بن عبد الله) بن عمر العدوي المدني، شقيق سالم، ثقة [٣] ٢٣٣٦/٦٨.
٦- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َّثهُ، وأنه مسلسل بالمصريين إلى عبيد الله،
والباقيان مدنيان، وفيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه ابن عمر رضيوالهتا من
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبيدالله بن أبي جعفر أنه (قال: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) ابن عمر (يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((مَا يَزَالُ
الرَّجُلُ يَسْأَلُ) أي يسأل الناس المال، والمراد سؤال التكثّر، من غير حاجة، ولا
ضرورة؛ لما في ((صحيح مسلم)) من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى
عنه، مرفوعًا: ((من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقلّ، أو
ليستكثر)). قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى: معناه أنه يعاقب بالنار، ويحتمل أن
يكون على ظاهره، وأنّ الذي يأخذه يصير جمرًا، يُكوى به، كما ثبت في مانع الزكاة
(١)
انتھی
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الحقّ؛ إذ لاداعي للعدول عنه.
والله تعالى أعلم.
(حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةٌ، مِنْ لَخم))) بضمّ الميم، وحكي
كسرها، وسكون الزاي، بعدها مهملة: أي قطعة. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح
(١) - شرح مسلم للنوويّ ج٧ ص١٣١ - ١٣٢.

١٧١=
٨٣- (المسألة) - حديث رقم ٢٥٨٥
الميم والزاي، والذي أحفظه عن المحدّثين الضمّ.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((مزعة لحم)): أي قطعة لحم، ومنه مَزَعَت
المرأةُ الصوفَ: إذا قطّعته لتهيّئه للغزل، وتمزّع أنفه: أي تشقّق. وهذا كما قيل في
الحديث الآخر: ((المسائل كُدُوحٌ، أو خُدُوشٌ، يَخْدُشُ بها الرجل وجهه يوم القيامة)»(١).
وهذا محمولٌ على كلّ من سأل سؤالًا لا يجوز له، وخصّ الوجه بهذا النوع؛ لأنّ الجناية
به وقعت، إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرّف به في غير ما سُوّغ له انتهى (٢) .
وقال الخطابيّ رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطًا، لا قدر له،
ولا جاه. أو يُعذّب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من
الأعضاء؛ لكونه أذلّ وجهه بالسؤال. أو أنه يُبعث ووجهه عظم كلّه، فيكون ذلك شعاره
الذي يُعرف به انتهى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الأول صرف للحديث عن ظاهره، وقد يؤيّده ما
أخرجه الطبرانيّ، والبزار من حديث مسعود بن عمرو، مرفوعًا: ((لا يزال العبد يسأل،
وهو غنيّ، حتى يَخْلُق وجهه، فلا يكون له عند الله وجه)).
وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء؛ لأن حسن الوجه هو
بما فيه من اللحم. ومال المهلّب إلى حمله على ظاهره. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمل الحديث على ظاهره هو الأولى، ولا ينافيه حديث
الطبرانيّ والبزار المذكور؛ لأن المعنى: أنه يأتي يوم القيامة وقد سقط لحمٍ وجهه، ومع
ذلك لا يكون له وجه، أي شرف عندالله تعالى، وقد أورد البخاريّ رحمه الله تعالى مؤيّدًا
حمل الحديث على ظاهره بعد أن أورد حديث ابن عمر المذكور حديثه في الشفاعة، فقال:
وقال: ((إن الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العَرَق نصف الأذن، فبينا هم
كذلك، استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد {َێآ)).
وزاد عبد الله بن صالح: حدثني الليث، حدثني ابن أبي جعفر، فيشفع ليُقضَى بين
الخلق، فيمشي، حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا، يحمده أهل
الجمع کلهم)).
ووجه ذلك أن الشمس إذا دنت يكون من لا لحم على وجهه أشدّ تأذْيًا بها من غيره.
والحاصل أن ظاهر الحديث هو المقصود، وبقيّة المعاني لا تنافيه، فيبعث لا لحم
على وجهه، ويكون لا قدر له عند الله تعالى، ويعذّب بتساقط لحمه.
(١) - يأتي للمصنّف - ٢٥٩٩/٩٢ بنحوه.
(٢) - ((المفهم)) ج٣ ص ٨٥ .
(٣) - ((فتح) ج٤ ص١٠٢ .

١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وهذا كلّه فيمن سأل تكثّرًا، وهو غنيّ، لا تحلّ له الصدقة، وأما من سأل، وهو
مضطرٍّ، فذلك مباحٌ له، فلا يتناله الوعيد المذكور؛ للأدلّة الأخرى التي تدلّ على عدم
دخوله فيه، كما أشرت إليه سابقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٨٤/٨٣- وفي ((الكبرى)) ٢٣٦٦/٨٥. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤٧٠ (م) في ((الزكاة)) ١٠٤٢ (ت) في ((الزكاة)) ٦٨٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
٧٢٧٥، و ٧٤٣٩ و ٧٩٢٧ و ٨٨٩ و٩١٤٠ و٩٥٥٨ و٩٧٩٦ و٩٧٩٦ و١٠٠٦٠
(الموطأ) ١٨٨٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ذمّ المسألة (ومنها): بيان
عقوبة مَنْ أكثر من سؤال الناس، وهو أنه يأتي يوم القيامة، وليس على وجهه قطعة لحم
(ومنها): أن يوم القيامة هو يوم وقوع الجزاء الأوفى، من ثواب، أو عقاب. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي صَفْوَانَ النَّفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَةُ بْنُ خَالِدٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بِسْطَامَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِفَةَ، عَنْ عَائِذٍ بْنِ عَمْرٍو،
أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَِّيَّ نََّ، فَسَأَلَهُ، فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، قَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَهِ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ، مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، يَسْأَلُهُ شَيْئًا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ)، البصريُّ، ثقة [١١] ٤٦٨/١٠ من
أفراد المصنّف، وأبي داود.
٢- (أميّة بن خالد) القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، أخو هُذبة، أكبر منه، صدوق
[٩] ١٩٠٦/٤٢ .
٣- (شعبة) بن الحجاج المذكور في الباب الماضي.
٤- (بسطام بن مسلم) -بكسر الموحّدة، وحكي فتحها، قال ابن الصلاح: أعجميّ
لا ينصرف، ومنهم من صرفه- ابن نمير الْعَوْذيّ -بفتح المهملة، وسكون الواو-

١٧٣=
٨٣- (المسألة) - حديث رقم ٢٥٨٦
البصريّ، ثقة [٧].
قال أحمد: صالح الحديث، ليس به بأس. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو داود،
والعجليّ: ثقة. وقال ابن نُمير: رفيع جدًّا، وهو شيخٌ قديمٌ، كان من قدماء شيوخ
وكيع. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح، وهو أحبّ إليّ من كثير بن يسار أبي
الفضل. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ
في ((الأدب المفرد))، وأبو داود في ((المراسيل))، والمصنّف، وابن ماجه وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٥٨٦ و٣٧٢٧ و ٥٥٥٥ .
٥- (عبد الله بن خليفة) ويقال: خليفة بن عبد الله العَنْبَريّ، ويقال: الْغُبَريّ
البصريّ، مجهول [٣].
روى عن عائذ بن عمرو المزنيّ، وعبادة بن الصامت. وعنه بسطام بن مسلم، فقط،
ووهم من زعم أنّ شعبة روى عنه، إنما روى شعبة، عن بسطام، عنه. انفرد به
المصنّف بهذا الحديث فقط .
٦- (عائذ بن عمرو) بن هلال المزنيّ، أبو هُبيرة البصريّ، صحابيّ شهد بيعة
الرضوان. وروى عن النبيّ وَّل، وعن أبي بكر. وعنه ابنه حَشْرَج، وأبو جمرة الضُّبَعَيّ،
والحسن، ومعاوية بن قُرّة، وعبد الله بن خليفة، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وغيرهم.
قال أبو الشيخ الأصفهانيّ: عائذ بن عمرو أخو رافع بن عمرو، وكانا من أصحاب
رسول اللَّه وَ له مات عائذٌ في ولاية عبيدالله بن زياد. وأرّخه ابن قانع سنة (٦١).
وقال البغويّ: حدّثنا الزهرانيّ، حدّثنا جعفر بن سُليمان، حدّثنا أسماء بن عُبيد،
قال: قال عائذ المزنيّ: لأن أصبْ طستي في حَجَلتي(١) أحبّ إليّ من أصبّ في طريق
المسلمين. قال: وكان لا يُخرِج من داره ماءً إلى الطريق، من ماء سماء ولا غيره،
فرؤي له أنه في الجنّة، فقيل: بم؟ قال: بكفّه أذاه عن المسلمين. روى له البخاريّ،
ومسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأنه مسلسل بالبصريين، وأن
صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا أربعة أحاديث، حديث
الباب عند المصنف فقط، وحديث ((أن أبا سفيان مرّ على سلمان وصهيب ... )) عند
مسلم والمصنف في ((الكبرى))، وحديث ((هل يُنقَضُ الوتر ... )) عند البخاري فقط،
(١) -الحجلة محرّكةً: كالقبة، وموضع يزين بالثياب والستور للعروس. انتهى القاموس.

=
١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وحديث ((إن شر الرعاء الحطمة ... )) عند مسلم فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِذٍ بِنِ عَمْرٍو) المزنيّ رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَجُلًا) لم أر من سمّاه (أَتَى
النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَسَأَلَّهُ) أيّ شيئًا من المال (فَأَعْطَاهُ) أي ما سأله (فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ) أي ثم
انصرف ذاهبًا إلى محلّه، فلما وضع رجله (عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ) - بهمزة قطع مضمومة،
وسكون السين المهملة، وضمّ الكاف، وتشديد الفاء: عَتَبَةُ الباب السفلى (قَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَلَّ) منبَهَا له، ولمن حضر مجلسه على مضرّة السؤال، وقبحه (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي
الْمَسْأَلَةِ) أي من الضرر، أو الإثم (مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، يَسْأَلُهُ شَيْئًا) جملة في محلّ
نصب على الحال من الفاعل، وإن كان نكرة؛ لوقوعه بعد النفي، كما قال في
«الخلاصة» :
لَمْ يَتَأَخَّزْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَیِنْ
وَلَمْ يُتَكَّزْ غَالِيًّا ذُو الْحَالِ إِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْي أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا يَبْغِي امْرُؤْ عَلَى امْرِي مُسْتَسْهِلَا
والحديث دليلٌ على ذمّ سؤال المال من الناس، والتقبيح له، والتحذير عنه غاية
التحذير. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث عائذ بن عمرو رضي اللّه تعالى عنه هذا
حسنٌ .
[فإن قلت]: بسطام بن مسلم مجهول، فكيف يحسّن حديثه؟.
[قلت]: إنما حسّنته من أجل شواهده، فإن الأحاديث الواردة في ذمّ السؤال،
كحديثي الباب، وغيرهما تشهد له. والله تعالى أعلم.
وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا -٢٥٨٦/٨٣ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٦٦/٨٧.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٨٤- (سُؤَالُ الصَّالِحِينَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز سؤال الصالحين.
٢٥٨٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيِّبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةً،

١٧٥
٨٤- (سُؤالُ الصَّالِحِينَ) - حديث رقم ٢٥٨٧
عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ مَخْشِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيٌّ، أَنَّ الْفِرَاسِيِّ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ: أَسْأَلُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((لَا، وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا، لَا بُدَّ، فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ))).
رجال هذا الإسناد سبعة :
١- (قتيبد) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١ .
٢- (الليث) بن سعد المذكور في الباب الماضي .
٣- (جعفر بن ربيعة) بن شُرَحبيل الكندي المصري، ثقة [٥] ١٧٣/١٢٢ .
٤- (بكر بن سوادة) بن ثُمامة الجُذامي المصريّ، ثقة فقيه [٣] ١٧٣/١٢٢.
٥- (مسلم بن مَخْشيّ) -بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة- أبو معاوية المصريّ.
مقبول [٣].
روى عن ابن الفراسيّ، وعنه بكر بن سَوَادة. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له
مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في ((مسند أحمد)) رحمه الله تعالى في هذا الإسناد: ما نصّه: ١٨٤٦٦
حدثنا قتيبة بن سعيد -قال أبو عبد الرحمن: وكتب به إليّ قتيبة بن سعيد: كتبت إليك
بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي، ونقشه: اللَّهُ وليّ سعيد رحمه الله، وهو خاتم أبي:
حدثنا ليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة الخ. والباقيان يأتي الكلام عليهما قريبًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيَّ) لا يُعرف اسمه (أَنَّ الْفِرَاسِيَّ) - بكسر الفاء، وتخفيف الراء، وكسر
السين المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة- قال في ((الإصابة)): فراسٌ له صحبة. قاله
البخاريّ. قال: هكذا رأيته في نسخة قديمة من تاريخ البخاريّ في حرف الفاء، وكذا
ذكر ابن السكن أن البخاريّ سمّاه فراسًا، قال: وقال غيره: الفراسيّ من بني فراس بن
مالك بن كنانة، ولا يوقف على اسمه، ومخرج حديثه عن أهل مصر. وذكره البغويّ،
وابن حبّان بلفظ النسب، كما هو المشهور، لكن صنيعه يقتضي أنه اسم بلفظ النسب،
والمعروف أنه نسبة، وأنّ اسمه لا يعرف، والمعروف في الحديث: ((عن ابن الفراسيّ،
عن أبيه)). وقيل: ((عن ابن الفراسيّ)) فقط، وهو مرسلٌ، وهو كذلك في ((سنن ابن
(١)
ماجه)) انتھی"
(قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَله: أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأسأل ما
(١) - راجع ((الإصابة)) ج٨ ص٨٨-٨٩ .

ـسح ١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أحتاج إليه، فالمراد سؤال الناس، بدليل قوله في الجواب: ((فاسأل الصالحين))، فلا
يدخل فيه سؤال اللَّه تعالى، فإنه مأمور به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية. وقد أخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه بإسناد لا بأس به، من
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((من لم يسأل الله
غضب عليه))، لفظ الترمذيّ(١).
ولبعضهم [من الكامل]:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وَبُتَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
(قَالَ) وَِّ (لَا) أي لا تسأل الناس شيئًا (وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا، لَا بُدَّ) قال محمد مرتضى
الزبيديّ رحمه الله تعالى: وقولهم: لا بُدّ اليوم من قضاء حاجتي، أي لا فراق منه. قاله
أبو عمرو. وقيل: لا بدّ منه لا مَحَالَةً. وقال الزمخشريّ: أي لا عِوَض، ومعناه أمر لا
زمٌ، لا تُمْكِن مفارقته، ولا يوجد بدلٌ منه، ولا عوضٌ يقوم مقامه. وقال شيخنا:
قالوا: ولا يستعمل إلا في النفي، واستعماله في الإثبات مولّد انتهى كلام المرتضى(٢).
والجملة في محلّ نصب على الحال من ((سائلا))، أي إن كنت سائلًا، حال كونك
غير مستغنِ عن السؤال، بأن اضطررت إليه، ولا تجد منه مَفَرًّا (فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ)
والمعنى: لا تسأل الناس شيئًا، بل سِلِ اللَّه تعالى، وأَخْسِنِ التوكّلَ عليه، فإن سؤال
الناس ذلّ، فإن لم تجد مَفرًا من سؤال الناس، ودعتك الضرورة إلى ذلك، فسل
الصالحين منهم، القائمين بحقوق اللَّه عزّ وجلّ، وحقوق العباد؛ لأنهم الكرماء الرحماء
الذين لا يمنّون إذا أَعْطَوْا، ولا يردّون السائل خائبًا، وإن كان بهم حاجة إلى ما يُعطُونه،
قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ولا يُعْطُون إلا من
حلال، وإذا لم يجدوا ما يعطونه ردّوا السائل بالحسنى، ودَعَوا له، ودعاؤهم مرجوّ
الإجابة. وهذا إرشاد إلى ما هو الأولى، وإلا فسؤال غير الصالحين جائز، كما سبق
بيانه مفصّلًا(٣).
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد بالصالحين الصالحون من
أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحقّ، وقد لا يعلمون المستحقّ من غيره،
فإذا عرفوا بالسؤال المحتاجَ أعطوه مما عليهم، من حقوق اللَّه تعالى.
(١) -أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، وفي سنده أبو صالح الخوزيّ، قال أبو زرعة: لا بأس
به، وضعّفه ابن معين. وحسن الحديث بعض أهل العلم، وهو كذلك. والله تعالى أعلم.
(٢) -راجع ((تاج العروس في شرح القاموس)) ج٢ ص ٢٩٥ .
(٣) -راجع ((المنهل العذب)) ج٩ ص٢٨٤ .

١٧٧
٨٤- (سُؤالُ الصَّالِحِینَ) - حديث رقم ٢٥٨٧
ويحتمل أن يراد بهم من يُتبرّك بدعائه، وتُرجَى إجابته، إذا دعا اللَّه له.
ويحتمل أن يراد الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن عليه
حقّ، فيعطيهم أرباب الأموال بوثوقهم بصلاحهم انتهى كلام وليّ الدين(١).
[تنبيه]: قال في ((القاموس)) الصلاح ضدّ الفساد. فقال شارحه: وقد يوصف به آحاد
الأمة، ولا يوصف به الأنبياء، والرسل، عليهم السلام. قال شيخنا: وخالف في ذلك
السبكيّ، وصحّح أنهم يوصفون به، وهو الذي صححه جماعة، ونقله الشهاب في
مواضع من ((شرح الشفا) انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الأول ضعيف جدًّا؛ بل باطلٌ؛ لمخالفته
النصوص القرآنيّة، فقد وصف الله تعالى الأنبياء والمرسلين بالصلاح في غير ما آية،
فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلََّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾، وقال:
﴿وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتِّنَاً إِنَّهُم مِّنَ الضَلِينَ﴾، وقال حكاية عن يوسف عليه السلام:
﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾، وعن سليمان عليه السلام: ﴿وَأَدْخِظْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ
الضَّالِحِينَ﴾، وغير ذلك من الآيات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الفراسيّ رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف؛ لجهالة ابن الفراسيّ، ولأن مسلم
ابن مخشيّ مقبول، كما في ((التقريب))، فلا بدّ له من متابع، وقد تفرّد به عن ابن
الفراسيّ. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثاني): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٨٤/ ٢٥٨٧- وفي ((الكبرى)) ٢٣٦٨/٨٦. وأخرجه (د) في ((الزكاة))
١٦٤٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٤٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أُنيب)).
(١) - راجع ((طرح التثريب)) ج٤ ص٧٩ -٨٠.
(٢) - التاج ج٢ ص١٨٢ .

١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٨٥- (الاسْتِعْفَافُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاستعفاف مصدر استعّفَّ، وهو طلب العِفَّةِ، أو هو
بمعنى عَفَّ عن الشيء يَعِفْ من باب ضرب عِقَّةً بالكسر، وعَفَّا بالفتح: امتنع عنه، فهو
عَفِيف. قاله في ((المصباح)). والمراد بالمسألة هنا سؤال المال، لا المسائل الدينيّة، أو
في الأمر الذي لا بدّ منه، كما سيأتي في -٢٦٠٠/٩٣-، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٨٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ،
حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، قَالَ: ((مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ
يَسْتَغْفِفْ، يُعِقَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً، هُوَ خَيْرٌ،
وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/٧.
٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الحافظ [٤] ١/١ .
٤- (عطاء بن يزيد) الليثيّ الجُنْدعيّ المدني نزيل الشام، ثقة [٣] ٢١/٢٠.
٥- (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي توضع فيتا
١٦٩/ ٢٦٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، وفيه
رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو سعيد صحابي ابن صحابي، من المكثرين السبعة روى
(١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ) قال الحافظ: لم
يتعيّن لي أسماؤهم، إلا أن النسائيّ روى من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،

١٧٩
٨٥- (الاسْتِعْقَافُ عَنِ المَسْألَةَ) - حديث رقم ٢٥٨٨
عن أبيه ما يدلّ على أن أبا سعيد راوي الحديث خوطب بشيء من ذلك.، ففي حديثه:
سرحتني أمي إلى النبيّ وَلقر يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته، وقعدت، فاستقبلني،
فقال: ((من استغنى أغناه اللَّه ... )) الحديث، وزاد فيه: ((ومن سأل، وله أوقيّةٌ، فقد
ألحف))، فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت، ولم أسأله(١).
واعترضه العينيّ بأنه ليس فيه شيء يدلّ على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبيّ
وعند الطبرانيّ من حديث حكيم بن حزام أنه ممن خوطب ببعض ذلك، ولكنّه ليس
أنصاريًّا، إلا بالمعنى الأعمّ (٢).
(سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ بِ﴾ أي شيئًا من المال (فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ) بتكرير
السؤال، والإعطاء مرّتين (حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ) بكسر الفاء، وإهمال الدال، من باب
تَعِبَ، نَفَادًا: أي فَنِيَ، وانقطع (قَالَ) بَرِ (مَا يَكُونُ) ((ما)) موصولة، لا شرطيّة، وإلا
لُجُزِم ((يكون)). وفي رواية مسلم: ((ما يكن عندي)) بالجزم، وعليه فـ((ما)) شرطيّة، وعلى
كلّ فهي مبتدأ (عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) أي كلّ شيء، من مال، موجودٍ عندي (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ
عَنْكُمْ) بتشديد الدال المهملة، بعدها خاء معجمة، أي لن أحبسه، وأخبأه، وأمنعكم
إياه منفردًا به عنكم، أو لن أجعله ذخيرةً لغيركم، مُغْرِضًا عنكم.
والجمة خبر ((ما))، ودخلت الفاء في الخبر؛ لتضمّن المبتدإ معنى الشرط، أي لن
أحبسه عنكم، ولا أنفرد به دونكم (وَمَنْ يَسْتَغْفِفْ) ((من) هنا شرطيّةٍ، ولذا جُزم الفعلان
بعدها، و((يستعفف)) بفاءين، وكذا عند البخاريّ في رواية الكشميهني، ومسلم، ووقع
عند البخاري في رواية الحمويّ، والمستملي ((يستعفّ)) بفاء واحدة مشدّدة ((. والمعنى:
من يَطلُبِ من نفسه العفّة عن السؤال. قال الطيبيّ: أو يطلب العفّة من اللّه تعالى،
فليست السين لمجرّد التأكيد. وقال الجزريّ: الاستعفاف طلب العَفَاف، والتعفّف،
وهو الكفّ من الحرام، والسؤال من الناس، أي مَن طلب العفّة، وتكلّفها أعطاه الله
إياها. وقيل: الاستعفاف الصبر، والنزاهة عن الشيء، يقال: عفْ يعِفْ عِفّةً، فهو
عفيف انتهى (يُعِفَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) بضمّ التحتانيّة، وكسر المهملة، وتشديد الفاء المفتوحة
للتخلّص من التقاء الساكنين، إذ هو مجزوم على أنه جواب الشرط، ويجوز ضم فائه
إتباعًا لضم الهاء.
والمعنى: يرزقه الله تعالى العفّة، أي الكفّ عن السؤال والحرام. وقال القاري:
(١) -حديث أبي سعيد هذا سيأتي للمصنّف في ٢٥٩٥/٨٩.
(٢) -راجع ((الفتح)) ج٤ ص٩٨ .

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
يعفّه الله: أي يجعله عفيفًا، من الإعفاف، وهو إعطاء العفّة، وهي الحفظ عن
المناهي، يعني من قنع بأدنى قوت، وترك السؤال تَسهُل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى
انتهى. وقال ابن التين: معناه إما أن يرزقه من المال ما يستغني به عن السؤال، وإما أن
(١) .
يرزقه القناعة انتهى"
وزاد في رواية الشيخين: ((ومن يستغن يغنه اللَّه)). أي من يسغن بالله تعالى عمن
سواه، أو يُظهِر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس، والتعفّف عن السؤال، حتى يحبسه
الجاهل بحاله غنيًّا من التعفّف، يرزقه الله غنى القلب، ففي الصحيح: ((ليس الغنى عن
كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس)). ولو حُمل على غنى المال لما بَعُد، أي يعطيه
اللَّه تعالى ما يُغنيه عن سؤال الناس. والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ يَصْبِرْ) ((من)) شرطيّة كسابقتها، و(يصبر)) بفتح الياء، وكسر الباء ثلاثيًّا، من
باب ضرب، وفي رواية: ((يتصبّر)) بفتح الفوقيّة، وتشديد الموحّدة المفتوحة: أي يعالج
الصبر على ضيق العيش وغيره، من مكاره الدنيا. وقال السنديّ: أي يتكلّف في تحمّل
مشاقّ الصبر، وفي التعبير بباب التكلّف إشارة إلى أنّ مَلَكَة الصبر تحتاج في الحصول
إلى الاعتبار، وتحمّل المشاقّ من الإنسان. وقال القاري: أي يطلب توفيق الصبر من اللَّه
تعالى؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، أو يأمر نفسه
بالصبر، ويتكلّف في التحمّل عن مشاقّه، وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل
على صبر الطاعة، والمعصية، والبليّة. أو من يتصبّر عن السؤال، والتطلّع إلى ما في
أيدي الناس بأن يتجرّع مرارة ذلك، ولا يشكو حاله لغير ربّه (يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) بضمّ أوّله،
وتشديد الموحّدة المكسورة، من التصبير: أي يُسَهِّل عليه الصبر، فتكون الجمل
مؤكدات. ويؤيّد إرادة معنى العموم قوله الآتي: ((وما أعطي أحد الخ)). وقال الباجيّ:
معناه من يتصدّ للصبر، ويؤثره يعينه اللَّه تعالى عليه، ويوفّقه انتهى.
(وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ) ببناء الفعل للمفعول، و((أحد)) نائب فاعله، وهو المفعول الأول.
وقوله (عَطَاءَ) بالنصب هو المفعول الثاني (هُوَ خَيْرٌ) أي أفضل، والجملة في محلّ نصب
صفة ((عطاء)). وفي رواية البخاريّ ((خيرًا)) بالنصب، وإسقاط لفظ ((هو))، فيكون صفة
((عطاء)) أيضًا (وَأَوْسَعُ) بالرفع عطفًا على ((خيرٌ)). وقوله (مِنَ الصَّبْرِ) تنازعاه ((خير))،
و((أوسع)). ثم إن الكلام على تقدير ((مِنْ)): أي الصبر من أفضل ما يعطاه أحد،
وأوسعه؛ لأن الإيمان أفضل الجمیع، حيث إنه لا اعتداد بالصبر وغيره إلا بالإيمان،
(١) -راجع ((المرعاة)) ج٦ ص٢٦٢.