النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١ ====
٧٩- (المُؤلفةُ قُلُوهُمْ) - حدیث رقم ٢٥٧٨
ضرورةٍ، وقد حكى سيبويه عن العرب: هذا يوم اثنين مبارك (١) وإلى هذا أشار في
(خلاصته)) :
مُضَافَ اوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَالْعَقَبَهْ
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمّا بِالْغَلَبَةْ
أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
وَحَذْفَ ((أَلْ)) ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ
(وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَذْرٍ) بن حُذيفة بن بدر (الْقَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدٍ
بَنِي كِلَابٍ) ((عُلَاثة)) - بضمّ العين المهملة، والمثلّثة- ووقع في رواية البخاريّ من
طريق عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم: ((إما علقمة،
وإما عامر بن الطفيل)). فقال في ((الفتح)): وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه
علقمة بن عُلاثة العامريّ، ثم أحد بني كلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يتنازع
الرياسة هو وعامر ابن الطفيل، وأسلم علقمة، فحسن إسلامه، واستعمله عمر على
حَوْران، فمات بها في خلافته، وذكرُ عامر بن الطفيل غلطٌ من عبد الواحد، فإنه كان
(٢)
مات قبل ذلك انتهى
.
(وَزَيْدِ الطَّائِيٌّ، ثُمَّ أَحَدٍ بَنِي نَبْهَانَ) هو زيد بن مهلهل الطائيّ، ويقال له: زيد الخيل؛
لكرائم الخيل التي كانت له، وسمّاه النبيّ رَّ# زيد الخير - بالراء بدل اللام- وأثنى عليه،
فأسلم، فحسن إسلامه، ومات في حياة النبيّ وَيِّد.
(فَغَضِبَتْ قُرَنْشٌ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى) الظاهر أن القائل هو سعيد بن مسروق؛ لأن هذه
الزيادة في روايته، كما يظهر من عبارة ((الفتح))، ولفظه: وفي رواية سعيد بن مسروق:
((فغضبت قريش، والأنصار، وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد، ويدعنا الخ)) انتهى
(صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ) الصناديد - بالمهملة، والنون- جمع صِنديد، وهو الرئيس (فَقَالُوا:
تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَتَدَعُنَا) أي تتركنا.
وفي رواية الشيخين: ((فقال رجلٌ من أصحابه: كنّا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء، قال:
فبلغ ذلك النبيّ وَّرَ، فقال: ((ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء،
مساءً وصباحًا)).
قال القرطبيّ في ((المفهم)): لا حجّة فيه لمن يرى أن اللَّه مختصّ بجهة فوقُ؛ لما
تقدّم من استحالة الجسميّة، وأيضًا فيحتمل أن يراد بـ((من في السماء)) الملائكة، فإنه
أمين عندهم، معروف بالأمانة، والسماء بمعنى العلوّ والرفعة المعنويّة. وهكذا القول
(١) - نقله في ((الفتح)) ج٨ص٣٩٥.
(٢) - (فتح) ج٨ص٣٩٥ .

١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
في قوله تعالى تعالى: ﴿مَأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَاءِ﴾ الآية [الملك: ١٦]، وقد تقدم أن التسليم
في المشكلات أسلم انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ في معنى هذا الحديث غير
صحيح، والصواب إثبات الفوقية لله تعالى على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه استوى
على عرشه استواء حقيقياً، يليق بجلاله، كما أخبر به في عدّة آيات الكتاب، وكما أخبر
به النبيّ وَّير في الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم من ذلك تجسيم، ولا تكييف، فإن قياس
الغائب بالشاهد باطلٌ، فربنا سبحانه وتعالى هو الأعلى ((سبحان ربي الأعلى)»، وكلّ ما
ثبت في النصّ من صفاته العليا فهو ثابت له على ظاهره، من غير تشبيه، ولا تمثيل،
ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد أشبعت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع من
هذا الشرح. والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) وَ اعتذارًا إليهم (إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ) أي إنما آثرت إعطاء هؤلاء، وتركتكم
(لِأَتََّلَّفَهُمْ) أي لأجل أن أستميل قلوبهم إلى الإسلام.
(فَجَاءَ رَجُلٌ) هو ذو الْخُونْصِرَةِ التميميّ، كما ثبت صريحًا في رواية لأبي سعيد
الخدريّ عند البخاريّ في ((علامات النبوّة)). وعند أبي داود: اسمه نافع. ورجّحه
السهيليّ. وقيل: اسمه حُرْقُوص بن زُهير السعديّ.
(كَثُّ اللَّخِيَةِ) بفتح الكاف: أي غليظها (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) المشرف - بشين معجمة،
وفاء- بمعنى البارز، والمرتفع. والوجنتان: تثنية وجنة. قال الفيّوميّ: الوجنة من
الإنسان ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح الواو، وحكي التثليث، والجمع
وَجَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات انتهى.
وقال في ((اللسان)): الوجنة مثلّثةً، والوَجَنَة محرّكةً، والأُجنة مثلثةً: ما انحدر من
الْمَخْجِرِ (٢)، ونَتَأَ من الوجه. وقيل: ما نتأ من لحم الخدّ بين الصدغين، وكَتّفي الأنف.
وقيل: هو فَرَقُ ما بين الخذّين والْمَدْمع من العظم الشاخص في الوجه، إذا وضعت عليه
يدك وجدت حجمه. وحكى الليحيانيّ: إنه لحسن الوَجَنَات، كأنه جعل كلّ جزء منها
وجنة، ثم جمع على هذا انتهى.
(غَائِرُ الْعَيْتَيْنِ) بالغين المعجمة، والتحتانيّة، اسم فاعل من الْغَوْر، والمراد أن عينيه
(١) - راجع ((المفهم)) ج٣ ص١١١ - ١١٢.
(٢) -المحجِر مثال مجلس: ما ظهر من النقاب من الرجل والمرأة، من الْجَفْن الأسفل، وقد يكون
من الأعلى. وقال بعض العرب: هو ما دار بالعين من جميع الجوانب، وبدا من البرقع، والجمع
المحاجر. اهـ ((المصباح)).

١٢٣=
٧٩- (المؤلفة قلوبهم) - حدیث رقم ٢٥٧٨
داخلتان في مَحَاجرهما، لا صقتان بقعر الحدقة، وهو ضدّ الْجُحُوظ (نَاتِئُ الْجَبِينِ) بهمز
ناتىء: أي مرتفع الجبين، والجبين - بفتح الجيم، وكسر الموحّدة -: جانب الجبهة،
ولكلّ إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، وجمعه جُبُن -بضمّتين، مثل بريد وبُرُد، وأَجْبِنة،
مثلُ أَسْلِحَة. وفي ((الكبرى)): قاني الجبين)) بالقاف بدل ((ناتىء))، والظاهر أنه بمعناه؛
لأن قَنَا الأنفِ: ارتفاع أعلاه، واحدِيدَاب وسطه، كما في ((القاموس)).
(مَخْلُوقُ الرَّأْسِ) وفي رواية للبخاريّ في ((كتاب التوحيد)) في وصف الخوارج:
((سيماهم التحليق))، ولفظه من طريق معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، تَّه،
عن النبي وَّر، قال: ((يَخرُج ناس من قبل المشرق، ويقرءون القرآن، لا يجاوز
تراقيهم، يَمرُقُون من الدين، كما يَمرُق السهم من الرَّمِيَّة، ثم لا يعودون فیه، حتى يعود
السهم إلى فُوقِه، قيل: ما سيماهم؟، قال)) ((سيماهم التحليق))، أو قال: ((التسبيد))
انتهى. و((التسبيد)) بمعنى التحليق، أو أبلغ منه.
قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: فيه إشكالٌ، وهو أنه يلزم من وجود العلامة وجود
ذي العلامة، فيستلزم أنّ كلّ من كان محلوق الرأس، فهو من الخوارج، والأمر بخلاف
ذلك اتفاقًا. ثم أجاب بأنّ السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم، إلا للنسك، أو في
الحاجة، والخوارج اتخذوه دَيْدنّا، فصار شِعَارًا لهم، وعُرفوا به. قال: ويحتمل أن يُراد
به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم، وأن يراد به الإفراط في القتل، والمبالغة في
المخالفة في أمر الديانة انتهى.
قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: الأول باطل لأنه لم يقع من الخوارج. والثاني
محتملٌ، لكن طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس، والثالث
كالثاني. والله أعلم انتهى(١). وزاد في رواية الشيخين: ((مشمّر الإزار)).
(فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ) وَ (فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، إِنْ عَصَيْتُهُ؟) ((من))
استفهاميّة، والاستفهام للإنكار والتوبيخ. وفي رواية البخاريّ: ((أو لست أحقّ أهل
الأرض أن يتقي اللَّه)) (أَيَأْمَتُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ) أي يجعلني اللّه تعالى مؤتمنًا على
شرعه الذي يُنزله على أهل الأرض، حيث بعثني رسولا إليهم، ومعلوم أن مدار الرسالة
على الأمانة (وَلَا تَأْمَنُونِي؟) أي لا تعتقدون كوني أمينًا، إذ آمنتم برسالتي؛ لأن ذلك
مقتضى الإيمان بها (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) وفي رواية الشيخين: ((ثم ولّى الرجل)) (فَاسْتَأْذَنَ
رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) يحتمل أن يكون ((يرون)) بالبناء للفاعل
(١) - راجع ((الفتح)) ج١٥ ص ٥٢٠- ٥٢١.

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّکاةِ
بمعنى يعلمون، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول بمعنى يظنّون. وفي رواية الشيخين :
((فقال خالد بن الوليد: يا رسول اللَّه، ألا أضرب عنقه؟)).
وفي هذه الرواية أن الذي استأذن في قتله هو خالد بن الوليد. وفي رواية عند
البخاريّ أن الذي استأذنه في قتله هو عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه، ولا إشكال
فيه، إذ يمكن الجمع، بأن يكون كلّ واحد منهما استأذن في قتله، فأجيب كلّ منهما.
والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه) وفي رواية الشيخين لما استأذن خالد في ضرب عنقه، قال
وَله: ((لا، لعله أن يكون يصلّي))، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في
قلبه؟، قال رسول اللّه وَله: ((إنّي لم أومر أَن أَنقُب قلوب الناس، ولا أَشُقّ بطونهم))،
قال: ثم نظر إليه، وهو مُقْفٌ، فقال: إنه يخرج من ضئضىء هذا الخ)).
قال في ((الفتح)): قال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب القتل لئلا
يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيّما من صلّى، كما ثبت نظيره في قصّة عبد الله
ابن أُبيّ. وقال المازريّ: يحتمل أن يكون النبيّ وَّ لم يفهم من الرجل الطعن في
النبوّة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون
من الكبائر بالإجماع، واختُلف في جواز وقوع الصغائر منهم. أو لعلّه لم يعاقب هذا
الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحدٌ، وخبر الواحد لا يُراق به الدم انتهى.
وأبطله عياض بقوله في الحديث: ((اعدل يا محمّد))، فخاطبه في الملأ بذلك حتى
استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدّم. انتهى.
(إِنَّ مِنْ ضِتْضِئٍ هَذَا) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر بضادين معجمتين، مكسورتين،
بينهما تحتانيّة، مهموزة، ساكنة، وفي آخره تحتانية مهموزة أيضًا. وفي رواية
الكشميهنيّ: بصادين مهملتين، فأما بالضاد المعجمة، فالمراد به النسل والعقب. وزعم
ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه. وحكى ابن الأثير أنه روي بالمدّ، بوزن قِنْدِيل
انتهى(١) (قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) وفي رواية للشيخين: ((يتلون كتاب اللَّه رطبًا».
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((يتلون كتاب اللَّه رطبًا)) فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الْحِذْق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله.
والثاني: يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به.
والثالث: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة. انتهى (٢).
(١) - ((فتح)) ج٨ ص٣٩٧ .
(٢) - انظر ((المفهم)) ج٣ ص ١١٤.

١٢٥ ===
٧٩- (المؤلفةُ قُلُوهُمْ) - حديث رقم ٢٥٧٨
(لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) جمع حَنْجَرَة، وهي رأس الْغَلْصَمة(١)، حيث تراه ناتًا من
خارج الحلق(٢).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه تأويلان:
أحدهما: معناه: لا تفهمه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ سوى
تلاوة الفم، والحنجرة، والحلق، إذ بهما تقطيع الحروف.
والثاني: معناه: لا يصعد لهم عملٌ، ولا تلاوةٌ، ولا يُتقبّل انتهى(٣).
(يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ) قال القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى: هذا منه
وَل﴿ إخبار عن أمرٍ غيبٍَ، وقع نحوَ ما أخبر عنه، فكان دليلاً من أدلّة نبوّته وََّ، وذلك
أنهم لَمّا حَكَموا بكفر مَن خَرَجُوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل
الذّمّة، وقالوا: نفي بذمّتهم، وعَدَلُوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن
قتال المشركين. وهذا كلّه من آثار عبادات الجهال الذين لم يشرح اللَّه صدورهم بنور
العلم، ولم يتمسّكوا بحبل وثيق، ولا صَحِبهم في حالهم ذلك توفيق، وكفى بذلك أن
مُقَدَّمهم ردّ على رسول اللَّه ◌ِ لّ أمره، ونَسَبَه إلى الْجَوْر، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه
لا يُتَصَوَّر الظلم والْجَوْر في حقّ رسول اللَّه ◌َّرِ، كما لا يُتصوّر في حقّ اللَّه تعالى؛ إذ
الموجودات كلّها ملكٌ للَّه تعالى، ولا يستحقّ أحد عليه حقًّا، فلا يُتصوّر في حقّه شيءٌ
من ذلك، والرسول مُبلّغْ حكمَ اللَّه تعالى، فلا يُتصوّر في حقّه من ذلك ما لا يتصوّر في
حقّ مُرْسِلِهِ .
ويكفيك من جهلهم، وغُلُوّهم في بدعتهم حكمُهُم بتكفير مَن شهد له رسول اللّه وَيه
بصحّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنّة، كعليّ، وغيره، من صحابة رسول اللَّه وَلّر، مع ما
وَقَعَ في الشريعة، وعُلم على القطع والثبات من شهادات اللَّه، ورسوله لهم، وثنائه على
عليّ، والصحابة عمومًا وخصوصًا انتهى كلام القرطبيّ (٤).
(يَمْرُقُونَ مِنَ الْإسْلَامِ) بضم الراء، يقال: مَرَقَ السهمُ مُرُوقًا، من باب قعد: إذا خرج
منه من الجانب الآخر. أي يخرجون من الإسلام خروجَ السهم إذا نفذ الصيدَ من جهة
أخرى، ولم يتعلّق به شيء منه.
(١) - الغَلْصَمَة: اللحم بين الرأس والعنق، أو الْعُجْرة على مُلتقى اللَّهاة والْمَريء، أو رأس الحلقوم
بشواربه، وحَرْقَدَته، أو أصل اللسان انتهى ((القاموس)).
(٢) - ((النهاية في غريب الحديث)) ج١ ص٤٤٩ .
(٣) -انظر ((شرح مسلم للنوويّ)) ج٧ص١٦٠.
(٤) - انظر ((المفهم)) ج٣ ص١١٤-١١٥.

١٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وفي رواية عمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعم: ((من الدين)) بدل الإسلام. قال في
((الفتح)): وفي قوله: ((من الإسلام)) ردّ على من أوّل ((الدين)) هنا بالطاعة، وقال: إن
المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، كما يخرج السهم من الرّميّة. وهذه صفة الخوارج
الذين كانوا لا يطيعون الخلفاء.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب أن المراد بخروجهم من الدين، خروجهم
من الإسلام، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، كما فسّرته روایة
المصنّف، إذ الرواية يفسّر بعضها بعضًا. والله تعالى أعلم.
(كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة: أي الصيد الْمَرْمِيّ. قال
الفيّوميّ: الرَّمِيّةُ ما يُرمَى من الحيوان، ذكرًا كان أو أنثى، والجمع رَمِيَّات، ورَمَايا، مثلُ
عَطِيّة، وعَطِيّات، وعَطَايا، وأصلها فَعِيلة بمعنى مفعولة. انتهى.
شبّهَ مروقهم من الإسلام بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن
شدّة سرعة خروجه لقوّة الرامي، لا يَعْلَق به من جسد الصيد شيءٍ(١).
وفي رواية للبخاريّ من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدريّ
رضي اللّه تعالى عنه: فقال عمر: يا رسول اللّه، ائذن لي فيه، فأضربَ عنقه، فقال:
(دعه، فإن له أصحابا، يحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون
القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، يُنظَر إلى
نَصْلِهِ، فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رِصَافه، فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّهِ
-وهو قِدْحُهُ- فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى قُذَذه، فلا يوجد فيه شيءٍ، قد سَبَقَ
الفرثَ والدمَ، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة))، أو ((مثل البَضْعَة،
تَدَرْدَر، ويخرجون على حين فُرْقَة من الناس)).
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث، من رسول اللَّه وَلِّ، وأشهد أن
علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُّمِس، فأتي به، حتى
نظرتُ إليه، على نَعْتِ النبي ◌َّار، الذي نعته)).
وقوله: ((في نَصْله)) أي حديدة السهم. و((رِصَافه)) بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء:
عَصَّبه الذي يكون فوق مدخل النّصل. والرِّصَاف جمعٌ، واحده رَصَفَة بحركات.
و(نَضِيّه)) بفتح النون، وحكي ضمّها، وبكسر المعجمة، بعدها تحتانيّةٌ ثقيلة: القِذْح -
بكسر، فسكون - - كما فُسّر في الحديث- أي عود السهم قبل أن يُراش، ويُنصّل.
(١) - «فتح» ج٨ ص٣٢٥ .

٧٩- (المؤلفةُ قُلُوهُمْ) - حديث رقم ٢٥٧٨
١٢٧ ==
وقيل: ما بين الريش والنصل. و((الْقُذَد)) -بضمّ القاف، ومعجمتين، الأولى مفتوحة،
جمع قُذّة: وهي رِيش السهم، يقال لكلّ واحدة قُذّة، ويقال: هو أشبه من القذّة بالقذّة؛
لأنها تُجعل على مثال واحد. وقوله: ((آيتهم) أي علامتهم. وقوله: ((بضعة)) -بفتح
الموحدة: أي قطعة لحم. وقوله: ((تدردر)): أي تضطرب، وتتحرّك. وقوله: ((على
حين فُرْقة)): أي يخرجون في وقت افتراق الناس. وفي رواية لمسلم: ((تمرق مارقة عند
فُرقة من المسلمين، تقتلها أَوْلى الطائفتين بالحقّ)).
وفي هذا، وقولِهِ وَّر: ((تقتل عمّارًا الفئة الباغية)) دلالة واضحة على أن عليًّا رضي
الله تعالى عنه، ومن معه كانوا على الحقّ، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم.
والله تعالى أعلم(١).
(لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) أي قتلًا عامًّا، مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ
تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. وفي رواية ((قتل ثمود)). قال القرطبيّ: ووجه الجمع
أن يكون النبيّ وَلير قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ. ومعنى
هذا أنه وَلّ كان يقتلهم قتلًا عامًّا، بحيث لا يُبقِي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخّر
قتل بعضهم عن بعضٍ، ولا يُقيل أحدًا منهم، كما فَعَل اللّه بعاد، حيث أهلهكم بالريح
العقيم، ويثمود، حيث أهلكهم بالصَّيْحَة انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): وقد استُشكل قوله: ((لئن أدركتهم لأقتلنّهم)) مع أنه نهى خالدًا عن
قتل أصلهم.
وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم، واعتراضهم على المسلمين بالسيف، ولم يكن
ظهر ذلك في زمانه رَسير، وأوّل ما ظهر في زمان عليّ رضي اللّه تعالى عنه، كما هو
مشهور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٧٨/٧٩ و٤١٠١/٢٦- وفي ((الكبرى)) ٢٣٥٩/٨١ و((التفسير))
(١) -راجع ((الفتح) ج٨ص ٣٢٤ - ٣٢٥.
(٢) - ((المفهم)) ج٣ ص ١١٣ .

١٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
١١٢٢١/١٧٠. وأخرجه (خ) في ((المناقب)) ٣٦١٠ و((المغازي)) ٤٣٥١ و((التفسير))
٤٦٦٧ و((فضائل القرآن)) ٥٠٥٨ و((الأدب)) ٦١٦٣ و((استتابة المرتدين)) ٦٩٣١ و٦٩٣٣
و((التوحيد)» ٧٤٣٢ و٧٥٦٢ (م) في ((الزكاة)) ١٠٦ (د) في ((السنّة)) ٤٧٦٤ (ق) في
(المقدّمة)) ١٦٩ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٦٢٥ و١٠٨٧٤ و١١٠٩٦
و١١١٨٥ و١١٢٥٤ و١١٢٩٦ ((الموطأ)) في ((النداء للصلاة)) ٤٧٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن المؤلّفة قلوبهم من
مصارف الزكاة، فيُعطون منها؛ استمالة لقلوبهم إلى الإسلام، وفيه خلاف للعلماء،
سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَّ من
العفو، والصفح، والتجاوز، وإن كانت الإساءة إليه كبيرة (ومنها): أنّ ملازمة قراءة
القرآن لا يدلّ على صدق إيمان الشخص حتى يقوم بالعمل به كما ينبغي (ومنها): أن فيه
بيان صفات الخوارج التي يتميّزون بها عن المسلمين، فهم كثيرو العبادة، وعداوتهم
للمسلمين أكثر من عداوة غيرهم (ومنها): مشروعيّة قتال الخوارج، سواء قلنا: إنهم
مرتدون عن الإسلام، أو قلنا: إنهم بغاة، خرجوا على أهل العدل (ومنها): أن فيه عَلَمًا
من أعلام النبوة، حيث أخبر النبيّ وَلّ بخروج الخوارج قبل أن يقع، فوقع على طِبْقٍ ما
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌّ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. (ومنها): ما قال
أخبر ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ
ابن هبيرة: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتلهم حفظ
رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظُ رأس المال أولى
(ومنها): التحذير من الغلوّ في الديانة، والتنطّع في العبادة، وقد وصف الشارع الشريعة
بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدّة على الكفّار، والرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك
الخوارج، فقتلوا المؤمنين، وتركوا الكفّار (ومنها): جواز قتال من خرج عن طاعة
الإمام العادل، ونَصَبَ الحرب، فقاتل على اعتقاد فاسد (ومنها): أن فيه أن من
المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا
على دين الإسلام (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر، وخالد رضي اللَّه تعالى عنهما، لشدّتهما
في الدين حيث استأذنا بقتل ذلك الرجل (ومنها): أنه لا يُكتَفَى في التعديل بظاهر
الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة، والتقشّف، والورع حتى يُختَبَرَ باطن
حاله (ومنها): أنه احتجّ به من قال بتكفير الخوارج، وإليه ميل الإمام البخاريّ في
((صحيحه))، حيث قرنهم بالملحدين، وبذلك صرّح ابن العربيّ في شرح الترمذيّ،
فقال: الصحيح أنهم كفّار؛ لقوله ◌َّالقير: ((يمرقون من الإسلام))، ولقوله: ((لأقتلنّهم قتل

١٢٩ =
٧٩- (المؤلفةُ قلُوهُمْ) - حديث رقم ٢٥٧٨
عاد))، وفي لفظ ((ثمود))، وكلّ منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: ((هم شرّ الخلق))، ولا
يوصف بذلك إلا الكفّار، ولقوله: ((إنهم أبغض الخلق إلى اللَّه تعالى)).
وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الخوارج فُسّاق، وأنهم يُجرّي عليهم حكم
الإسلام؛ لتلفّظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام.
قال القرطبيّ في ((المفهم)): والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: وباب التكفير
باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله القرطبيّ حسنٌ جدًّا، وحاصله أن التوقّف
أسلم. وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وبيان حجة كلّ قول، وترجيح الراجح
بدليله في ((كتاب تحريم الدم)) - ٤١٠١/٢٦ - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة للمؤلّفة قلوبهم:
قال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): اختلف العلماء في بقائهم، فقال
عمر، والحسن، والشعبيّ، وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعزّ الإسلام، وظهوره، وهذا
مشهور مذهب مالك، وأصحاب الرأي، قال بعض علماء الحنفيّة: لما أعزّ اللّه
الإسلام، وأهله، وقطع دابر الكافرين -لعنهم الله- اجتمعت الصحابة رضي اللّه تعالى
عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه على سقوط سهمهم.
وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على
الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. قال يونس: سألت الزهريّ
عنهم؟ فقال: لا أعلم نسخًا في ذلك. قال أبو جعفر النحاس: فعلى هذا الحكمُ فيهم
ثابتٌ، فإن كان أحد يُحتاج إلى تألّفه، ويُخاف أن تَلحَق المسلمين منه آفةٌ، أو يُرجى أن
يحسن إسلامه بعدُ دُفع إليه. قال القاضي عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض
الأوقات أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربيّ: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام
زالوا، وإن احتيج إليهم أعطُوا سهمهم، كما كان رسول اللَّه وَ ل يعطيهم، فإن في
((الصحيح)): ((بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ)) انتهى كلام القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن هذا الذي قاله ابن العربيّ رحمه الله تعالى
هو الأرجح.
وحاصله: أن نصيب المؤلفة قلوبهم باق علی حسب الحاجة، فحيث وُجدت حاجة
(١) -راجع ((جامع الأحكام)) ج ٨ ◌َل- ١٨١.

١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
إلى تأليفهم، أُعطوا، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): هذه القصّة التي ذُكرت في حديث الباب غير القصّة التي وقعت
في غزوة حُنين، وهي شبيهة بها، ولذا وقع بعضهم في الخطإ، حيث جعلهما واحدًا.
وحاصل قصّة غزوة حنين، هو ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، قال:
١٠٦٠ حدثنا محمد بن أبي عمر المکي، حدثنا سفيان، عن عمر بن سعید بن مسروق،
عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، قال: أعطى رسول اللّه وَلِّ، أبا سفيان
بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة
من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس، دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
وَالأَقْرَعِ
عُيَيْنَةَ
بَيْنَ
أَنْجِعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ
فَمَا كَانَ بَذْرٌ وَلَا حَابِسٌ
يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا
قال: فأتم له رسول اللّه ◌َله مائة(١). و((العبيد)) اسم فرس العباس بن مرداس. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٨٠- (الصَّدّقَةُ لِمَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: غرض المصنّف بهذا الباب بيان صنف من أصناف
مصارف الزكاة الثمانية، وهم الغارمون الذين ذكرهم اللَّه تعالى في آية الصدقة بقوله:
﴿والغارمين﴾ الآية.
والباء في ((بحمالة)) زائدة. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٧٩ - أَخْبَرَنَا يَخْتِى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي كِتَانَةُ بْنُ نُعَيْم ح وأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعَيلُ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ هَارُونَ،َ عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةٌ،
فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وََّ، فَسَأَلْتُهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَّا تَحِلُ، إِلَّا لِثَلَاثَةِ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ
(١) - ((صحيح مسلم)) ج٧ ص ١٥٦ بنسخة شرح النوويّ.

١٣١ =
٨٠- (الصَّدَقَةُ لِمَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالٍ) - حديث رقم ٢٥٨٠
بِحَمَالَةٍ، بَيْنَ قَوْمِ، فَسَأَلَ فِيهَا، حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا
غیر اثنين :
١- (هارون بن رئاب) -بكسر الراء، بعدها تحتانيّة مهموزة (١)، وآخره باء موحّدة-
التميميّ، ثم الأَسيديّ، أبو بكر، ويقال: أبو الحسن البصريّ، ثقة عابد [٦].
قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: يقال: إنه أجلّ أهل
البصرة. قال ابن عيينة: كان عنده أربعة أحاديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال البخاريّ
في ((تاريخه)): روى عن أنس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: لم يسمع من أنس
شيئًا (٢)، وكان من العبّاد، ممن يُخفِي الزهد. وقال أبو محمد بن حزم: اليمانُ،
وهارون، وعليّ بنو رئاب، كان هارون من أهل السنّة، واليمان من أئمّة الخوارج،
وعليّ من أئمة الروافض، وكانوا متعادين كلهم. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل
الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في
هذا الكتاب حديثان فقط هذا وكرره ثلاثة مرات برقم ٢٥٧٩ و٢٥٨٠ و٢٥٩١ وحديث
رقم ٣٢٢٩ ((طلقها، قال: لا أصبر عنها ... )) الحديث، وأعاده برقم ٣٤٦٥.
٢- (كنانة بن نُعيم) العدويّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [٤].
قال ابن سعد: كان معروفًا، ثقة، إن شاء الله. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط،
وأعاده برقم ٢٥٨٠ و٢٥٩١ .
و((حماد)): هو ابن زيد. و((إسماعيل)): هو ابن عليّة. و((أيوب)): هو السختياني.
وشرح الحديث يأتي في الذي يليه، إن شاء اللّه تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ
رِئَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، عَنِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، قَالَ: تَحَمَّْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْثٌ
رَسُوَّلَ اللَّهِ وَهِ، أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ، حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَتَأْمُرَ لَكَ))،
قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ، إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ
(١) -وضبطه النوويّ في ((شرح مسلم)) بدون همزة، وعبارته: ((هارون بن رياب)) -بكسر الراء،
وبمثنّاة تحتُ، ثم ألف موحّدة انتهى ج٧ ص ١٣٤.
(٢) -قال الحافظ: تناقض فيه كلام ابن حبّان، فذكره في التابعين، وقال: سمع من أنس، وكنانة بن نعيم، ثم
ذكره في طبقة أتباع التابعين، وقال: لم يسمع من أنس شيئا. انتهى ((تهذيب التهذيب)) ج ٤ ص ٢٥٣ .

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
تَّحَمَّلَ حَمَالَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا، مِنْ عَيْشِ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ،
وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ،
وَرَجُلَ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا، مِنْ قَوْمِهِ، قَدْ أَصَابَتْ فُلَانَا فَاقَةٌ،
فَحَلَّثَ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ))، أَوْ («سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَى هَذَا،
مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ سُختٌ، يَأْكُلُهَا صَاحِبُّهَا سُخْتًا))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد تقدموا في السند الماضي غير
شيخه ((محمد بن النضر بن مساور)) وهو المروزيّ، صدوق [١٠]٢٣٤٧/٧٠. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَبِيصَةَ) -بفتح القاف، وكسر الموحّدة، فمثنّاة تحتيّة، فصاد مهملة - (ابْنِ مُخَارِقٍ)
- بضمّ الميم، وتخفيف المعجمة - ابن عبد الله الهلالي الصحابي، نزيل البصرة رضي الله
تعالى عنه، تقدّمت ترجمته في ١٤٨٦/١٦ أنه (قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَّالَةً) بفتح الحاء المهملة،
كسَحَابة: ما يتحمّله الإنسان عن غيره، من دية، أو غَرَامة، مثل أن يقع حربٌ بين فريقين،
تُسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجلٌ يتحمّل ديات القتلى؛ ليُصلح ذات البين، والتحمّل
أن يحملها عنهم على نفسه -أي يتكفّلها، ويلتزمها في ذمّته -. أفاده في ((النهاية))(١).
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: تفسير الْحَمَّالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء
والأموال، ويَحدُث بسببهما العداوة، والشحناء، ويُخاف من ذلك الفتق العظيم،
فيتوسّط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويتضمن مالاً لأصحاب
الطوائل، يترضّاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم الألفة انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: الحمالة -بالفتح-هو المال الذي يتحمّله
الإنسان، أي يستدينه، ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو
ذلك، وإنما تحلّ له المسألة، ويُعطَى من الزكاة بشرط أن يستدينه لغير معصية انتهى(٢).
وقال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: قد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في
دية، أو غيرها، قام أحدهم، فتبرّع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة،
ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمّل حَمَالةٌ بادروا إلى
معونته، وأعطوه ما تبرأ به ذمّته، وإذا سأل لذلك لم يُعَدَّ نقصًا في قدره، بل فخرًا انتهى(١).
(١) - ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ج١ ص٤٤٢.
(٢) ((-شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ج٧ص ١٣٤.
(٣) - ((نيل الأوطار)) ج٤ ص١٨١ طبعة دار الكتب العلمية.
١

٨٠- (الصَّدَقَةُ لِمَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالةٍ) - حديث رقم ٢٥٨٠
١٣٣=
(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، أَسْأَلُهُ فِيهَا) أي في الحمالة، أي لأجلها (فَقَالَ: «أَقِمْ يَا
قَبِيصَةُ) أمر من الإقامة، بمعنى اثبت، واصبر. وقال السندي: أي كن في المدينة مقيمًا
(َحَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ) بنصب الفعل ب((أن)) مضمرةً وجوبًا بعد ((حتّى))، لكونه مستقبلًا،
كما قال في ((الخلاصة))
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) حَالًا اوْ مُؤَوَّلَا بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
والمعنى: حتى يحضر لدينا مال الصدقة (فَتَأْمُرَ لَكَ) وفي ((الكبرى)) زيادة (بها)).
والفعل منصوب عطفًا على ما قبله.
(قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الصَّدَقَةَ) وفي الرواية الماضية: ((إن
المسألة)) أي السؤال (لَا تَحِلُّ، إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ) أي لا تحلّ إلا لصاحب ضرورة مُلجئة إلى
السؤال، وهم هؤلاء الثلاثة (رَجُلٍ) بدل من ((أحد))، أو من ((ثلاثة))، وبالرفع خبر مبتدإ
محذوف، أي أحدهم، ويجوز نصبهٍ بتقدير فعل، كـ((أعني))، على لغة ربيعة الذين يقفون
على المنصوب المنوّن بالسكون (تَحَمَّلَ حَمَالَةٌ، فَحَلَّثْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ) أي جاز له سؤال
الناس (حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) قال ابن الأثير: أي ما يقوم بحاجته الضروريّة. وقوام
الشيء: عماده الذي يقوم به، يقال: فلان قِوام أهل بيته، وقوام الأمر ملاكه. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): والقَوَام، كسَحَاب: العَذْل، وما يُعاش به. وبالضمّ: داءٌ في
قوائم الشاء. وبالكسر: نظام الأمر، وعماده، وملاكه.
وقال في ((المصباح)): القوام -بكسر القاف -: ما يُقيم الإنسان من القوت. والقوام
بالفتح: العدل، والاعتدال، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي عَدْلًا، وهو
حسن القَوَام: أي الاعتدال انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن مما ذُكر أن القَوّام هنا يجوز ضبطه بالفتح، والكسر،
على ما في ((القاموس))، ومعناه: ما يقوم بحاجته الضروريّة. والله تعالى أعلم.
(أَوْ) للشكّ من بعض الرواة (سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ) أي ما يكفي حاجته. و((السِّدَاد)) -
بالكسر -: كلّ شيءٍ سَدَدت به خَلَلًا، وبه سمّي سِدَادُ الثَّغْرِ، والقارورةِ، والحاجةِ. قاله
ابن الأثير(٢).
وقال الفيّوميّ: والسِّدَادُ - بالكسر -: ما تُسدّ به القارورة وغيرها، وسِدَاد الثَّغْر -
بالكسر- من ذلك، واختلفوا في سِدَادٍ من عیش، وسِدَادِ من عَوَزٍ لما يُرمَق به العیش،
وتُسدّ به الْخَلَّة، فقال ابن السِّكْيت، والفارابيّ، وتبعه الجوهريّ: بالفتح، والكسر،
(١) - ((النهاية)) ج٤ ص ١٢٤ .
(٢) - ((النهاية)) ج٢ ص ٣٥٣ .

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قتيبة، وثعلبٌ، والأزهريّ؛ لأنه مستعارٌ من
سِدَاد القارورة، فلا يُغيّر، وزاد جماعةٌ، فقالوا: الفتح لحنٌ. وعن النضر بن شُمَّيلٍ:
سِدَادٌ من ◌َوَزٍ، إذا لم يكن تامًا، ولا يجوز فتحه. ونَقَل في ((البارع)) عن الأصمعيّ
سِدَادٌ من عَوَزٍ بالكسر، ولا يقال: بالفتح، ومعناه: إن أعوز الأمر كلَّهُ ففي هذا ما يَسُدُّ
بعضَ الأمر انتهى كلام الفيّوميّ(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب في قوله: ((سِدَادًا من
عيش)) في هذا الحديث بالكسر، وإن جوّز بعضهم الفتح فيه أيضًا.
وإلى ما تقدم أشار شيخنا عبد الباسط المناسي رحمه اللّه تعالى بقوله:
إنَّ السِدَادَ كِكِتَاب بُلْغَةُ وَمَا بِهِ يُسَدُّ شَيْءٌ ثَابتُ
فَقَصْدُ دِينِ وَسَبِيلُ البَابِ
أمَّا الَّذِي بِالْفَتْحِ كالسَّحَابِ
واختصرهما في بيت واحد فقال:
وَمَا بِمَعْنَى الْقَصْدِ فِيهَا فِتْحَتُكْ
سِدَادُك الْمَكْسُورُ سِنَا بُلْغَتُكْ
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية المصنّف تخالف رواية مسلم، وغيره، فإن فيها أن قوله: ((حتى يُصيب
قوموامًا من عيش الخ)) قيد في القسمين الأخيرين، وأما الأول فقيّده بقوله: ((حتى
يصيبها))، وهو المناسب، ولفظ مسلم: ((يا قبيصة، إن المسألة لا تحل، إلا لأحد ثلاثة:
رجلٍ تحمل حَمَالة، فحلت له المسألة، حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته
جائحة، اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش))، أو قال:
((سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة، من ذوي الحجا، من قومه،
لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش))، أو قال:
((سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة، يا قبيصة، سحتا يأكلها صاحبها سحتا)).
والضمير المؤنّث في قوله: ((يصيبها)) للحمالة.
(وَرَجُلِ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة على ما تقدّم في الذي قبله (أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ)
هي الآفةَ التي تُهلك الثمار، والأموال، وتستأصلها، كالغرق، والحرق، والبرد،
المفسد للزروع والثمار. قال الفيّوميّ: الجائحة الآفة، يقال: جاحت الآفة المالَ تَجوحُهُ
جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وَتَجِيحه جِيَاحةً لغةٌ، فهي جائحةٌ، والجمع الجوائحِ،
والمال مَجُوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثةً، فهو مُجَاحٌ، واجتاحتِ المال،
مثلُ جاحته. انتهى.
(١) - ((المصباح المنير)) في مادة سدد.

٨٠- (الصَّدَقَةُ لِمَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالٍ) - حديث رقم ٢٥٨٠
١٣٥
(فَاجْتَاحَتْ) أي استأصلت، وأتلفت (مَالَهُ) من ثمار بستانه، أو غيرها من
الأموال (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا) أي حتى يصيب بدل ماله المجتاح، وأنّث
ضميره لتأويله بالحاجة. والله تعالى أعلم (ثُمَّ يُمْسِكَ) أي يترك السؤال؛ لأنه إنما حلّ
له لأجل ما حلّ به من الجائحة، فلما أصاب حاجته ارتفعت الإباحة، فيجب أن يمسك
عنه (وَرَجُلِ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، كسابقيه (أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) اسم من افتاق
يفتاق: إذا احتاج. أي رجلٌ كان غنيًّا موسرًا، ثم افتقر، وأصابته حاجة، ولم يُعرَف
حاله (حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها
ألف مقصورة -: أي العقل والفِطنة. قال القرطبيّ: واشترط الحجا؛ لأن من عَدِمه لا
يحصل بقوله ثقة، ولا يصلح للشهادة، أو لعلّه عبّر به عما يُشرط في المخبر والشاهد
من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عَذْلًا مرضيًّا انتهى(١).
(مِنْ قَوْمِهِ) إنما قيدهم بقومه؛ لأنهم أعلم بدَخِيلة أمره، واستظهر بالثالث ليُلحق
بالمنتشر، ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، وأما أمر
الفاقة، فقد تخفى. قاله القرطبيّ(٢).
وقال النوويّ: وإنما قال ◌َله: ((من قومه)) لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما
يُخفَى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه. وإنما اشترط الحجا تنبيهًا على
أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا تُقبل من مغفّل. وأما اشتراط الثلاثة، فقال بعض
أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يُقبل إلا من ثلاثة؛ لظاهر هذا الحديث. وقال
الجمهور: يقبل من عدلين، كسائر الشهادة، غير الزنا، وحملوا الحديث على
الاستحباب. وهذا محمول على من عُرِف له مالٌ، فلا يُقبل قوله في تلفه، والإعسار إلا
بيّنة، وأما من لم يُعرف له مالٌ، فالقول قوله في عدم المال انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: يؤيّد هذا قوله في الحديث: ((اجتاحت ماله))، فإنه
يدلّ على أن الذي يشهد له الثلاثة هو الذي كان له مالٌ، فاجتاحته آفة، فاحتاج للمسألة.
والله تعالى أعلم.
وقال السنديّ: وهذا كنايةٌ عن كون تلك الفاقة محقّقةً، لا مُخَيّلةٌ، حتى لو استُشهِد
عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها. والفرق بين هذا القسم، والقسم السابق، أن الفاقة
في القسم الأول ظاهرة بين غالب الناس، وفي هذا القسم خفيّةٌ عنهم انتهى.
(قَدْ أَصَابَتْ فُلَانَا فَاقَةٌ) أي يشهدوا قائلين: قد أصابت الخ. ولفظ مسلم: ((حتى يقوم
ثلاثة من ذوي الحجا، لقد أصابت فلانًا فاقةٌ)). قال النوويّ: هكذا في جميع النسخ -أي
(١) - ((المفهم)) ج٣ ص٨٨ .
(٢) - ((المفهم)) ج ٣ ص٨٨.

=١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
نسخ صحيح مسلم)) -: ((حتى يقوم ثلاثة، وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر،
فيقولون: لقد أصابته فاقة انتهى. ولفظ أبي داود: ((حتى يقول)) باللام من القول، ولا
يحتاج إلى تقدير محذوف.
(فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ))، أَوْ («سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَى
هَذَا) أي المذكور من الأمور الثلاثة، فإفراد اسّم الإشارة بالتأويل بالمذكور (مِنَ
الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ سُختٌ) -بضم السبن، والحاء المهملتين، أوبضمّ السين، وسكون
الحاء، تخفيفًا -: هو كلّ مال حرام، لا يحلّ كسبه، ولا أكله، وسمّي بذلك لأنه يَسْحَتُ
البركة: أي يُذهبها، ويَمْحَقها (يَأْكُلُهَا) أي يأكل ما يحصل له بالمسألة. قاله الطيبيّ.
وقال الصنعانيّ: ((يأكلها)): أي الصدقة، أنّث لأنه جعل السحت عبارة عنها، وإلا
فالضمير له انتهى. (صَاحِبُهَا) أي صاحب المسألة (سُخْتًا) منصوب على الحال، أو بدل
من الضمير المنصوب في ((يأكلها)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قبيصة بن مُخَارق رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٢٥٧٩/٨٠ و٢٥٨٠ - و ((الكبرى)) ٢٣٦٠/٨٢ و٢٣٦١. وأخرجه (م) في
((الزكاة)) ١٠٤٤ (د) ١٦٤٠ (أحمد) في ((مسند المكّيين)) ١٥٤٨٦ وفي ((مسند البصريين))
٢٠٠٧٨ (الدارمي) في ((الزكاة)) ١٦٧٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن من تحمّل حَمالة يستحقّ
الصدقة، وهو معنى ﴿الغارم﴾ المذكور في آية الصدقة (ومنها): أنه يدلّ على حرمة
السؤال لغير من ذكر، ونحوهم، ممن يُباح لهم السؤال للحاجة.
(ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث علم كثيرٌ، وفوائد جمة،
ويدخل في أبواب من العلم والحكم، وذلك أنه قد جعل من تحلّ له المسألة من الناس
أقسامًا ثلاثة: غنيًّا، وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين: فقرًا ظاهرًا، وفقرًا باطنًا،
فالغنيّ الذي تحلّ له المسألة هو صاحب الحمالة، وهي الكفالة، والحميل: الضمين،
والكفيل، ثم ذكر تفسير الحمالة كما تقدّم، ثم قال: فهذا الرجل صنع معروفًا، وابتغى
بما أتاه صلاحًا، فليس من المعروف أن تُوَرَّكَ الغرامة(١) في ماله، ولكن يُعان على أداء
(١) قوله: ((أن تُوَرَّكَ الغرامةُ)) أي تُوجَبَ، قال في ((القاموس)): وَرَّكَهُ توريكًا: أوجبه، والذنبَ عليه
حمله. انتهى.

٨٠- (الصَّدَقَةُ لِمَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالةً) - حديث رقم ٢٥٨٠
=
١٣٧ =
ما تحمّله منه، ويُعطى من الصدقة قدر ما يبرأ به ذمّته، ويخرج من عهدة ما تضمّنه منه.
وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة، فهو رجلٌ أصابته جائحةٌ في ماله،
فأهلكته، والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر من الآفات، كالسيل يُغرق متاعه،
والنار ◌ُحرقه، والبرد يُفسد زرعه، وثماره، ونحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى
آثارها عند كونها، ووقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها، فذهب ماله، وافتقر، حلّت
له المسألة، ووجب على الناس أن يُعطوه الصدقة من غير بيّنة، يطالبونه بها على ثبوت
فقره، واستحقاقه إياها.
وأما النوع الآخر، فإنما هو فيمن كان له ملك ثابتٌ، وعُرف له يسار ظاهر، فادعی تَلَفَ
ماله من لصّ طَرَقه، أو خيانة ممن أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها اثرٌ ظاهر
في المشاهدة والعيان، فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الرِّيبة في النفوس لم يعط شيئًا من
الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة من أهل الاختصاص به، والمعرفة
بشأنه، وذلك معنى قوله: ((حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا
الفاقة))، واشتراطه الحجا تأكيد لهذا المعنى، أي لا يكونون من أهل الغباوة والغفلة، ممن
يخفى عليهم بواطن الأمور، ومعانيها، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبيّن
والتعرّف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه،
أو جيرانه، أو من ذوي الخبرة بشأنه: إنه صادق فيما يدّعيه، أُعطي الصدقة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ليس من باب الشهادات)) فيه نظر لا يخفى.
والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنّ فيه من العلم أن من ثبت عليه حقّ عند حاكم، فطلب المحكوم له
حبسه، وادعى المحكوم عليه الإفلاس، والفقر، لا تسمع دعواه إلا ببيّنة، إن كان
المحكوم عليه به لزمه بدل مال حصل في يده، كثمن مبيع، وقرض لثبوت غناه بحصول
المبيع، والقرض في يده، وتُقبل دعواه الإفلاس فيما ليس بدل مال، كبدل الغصب،
وضمان المتلفات، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليه، فلا يُحبس فيما ذكر إن ادّعى الفقر؛
لأن الأصل في الآدميّ العسر، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍَّ﴾ الآية. إلا إذا
بَرْهَن خصمه أنّ له مالا، فيحبس حسبما يراه القاضي؛ لقوله بََّ: ((مَطْلُ الغنيّ ظلم)).
متّفق عليه. وقوله وَّ: ((لَيُّ الواجد يُحلّ عرضه، وعقوبته)) حديث حسن، أخرجه
أحمد، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه.
وهذا إذا لم يكن له مالٌ ظاهرٌ، وإلا انتزع منه الحقّ، إن كان من جنسه، أو بيع
عليه، إن لم يكن من جنسه. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه يدلّ على جواز نقل الصدقة من بلدة إلى أخرى، حيث قال: ((أقم حتى

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها))، وقدم تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في باب ((إخرج الزكاة
من بلد إلى بلد)) -٢٥٢٢/٤٦- وأن الأصحّ جواز نقلها، إذا كان هناك مصلحة راجحة
(ومنها): أن الحدّ الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام
العیش، وسداد الخلّة، وذلك يعتبر في کلّ إنسان بقدر حاله، ومعیشته، وليس فيه حدّ
معلوم، يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم(١). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٨١- (الصَّدَقَةُ عَلَى الْيَتِيم)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذا بيان أن اليتيم
من مصارف الزكاة، والمراد اليتيم الفقير، لا کل یتیم، ووجه استدلاله بحديث الباب أن
قوله وَلّى: ((ونعم صاحب المسلم هو، إن أعطَى منه اليتيم الخ))، فإنه يعمّ الصدقة
الواجبة، والتطوّع. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٨١ - أَخْبَرَنِ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِ
هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيٍّ، قَالَ: جَلَسَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ:
((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةٍ، وَذَكَّرَ الدُّنْيَا، وَزِينَتَهَا، فَقَالَ
رَجُلٌ: أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْتُكَ؟ تُكَلِّمُ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، وَلَا يُكَلِّمُكَ، قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، يَمْسَحُ الرُّحَضَاءَ،
وَقَالَ: ((أَشَاهِدُ السَّائِلُ؟، إِنّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرُّ، وَإِنَّ مِمَّا يُثْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ،
إِلَّا آكِلَةُ الْخَضِرِ، فَإِنَّا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، أَسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ،
فَلَطَتْ، ثُمَّ بَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسَلِم
هُوَ، إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيَمَ، وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقْهِ، كَالَّذِيّ
يَأْكُلُ، وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
(١) - راجع (معالم السنن)) للخطابيّ رحمه الله تعالى ج٢ : ٢٣٧-٢٣٩.

١٣٩
٨١- (الصَّدَقَةُ عَلَى الْتِيم) - حديث رقم ٢٥٨١
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (زياد بن أيوب) البغدادي، أبو هاشم الطُّوسي الأصل الملّقَّب دَلُّويه، ولَقَّبه
أحمدُ شعبةَ الصغير [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢- (إسماعيل ابن عُلَية) هو: ابن إبراهيم، أبو بشر البصريُّ، ثقة حافظ [٨] ١٨/
١٩ .
٣- (هشام) بن أبي عبد اللَّ سَنْبَر الدَّسْتُوَائي البصريُّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/
٣٤ .
٤- (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل اليمامي، أبو نصر، ثقة ثبت يدلس
ويرسل [٥] ٢٤/٢٣ .
٥- (هلال) بن علي بن أسامة العامري المدني، وينسب إلى جده، ثقة [٥] ٦٥/٥١.
٦- (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب
مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٦٤ / ٨٠.
٧- (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الصحابي ابن الصحابي
رضي اللَّه تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من
يحيى، فإنه وإن كان يماميًا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين، وشيخه بغدادي، والباقيان
بصريان. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى عن هلال،
عن عطاء، ومنها: أن فيه أبا سعيد تَمّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) رضي اللّه تعالى عنه. وعند البخاريّ في ((الزكاة)): ((حدّثنا
عطاء بن يسار، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه)) (قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ
اللّهِ و ◌َ﴿ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ) و((إنما)) أداة حصر.
وفي نسخة: ((إني)). وفي ((الكبرى)): ((إن مما أخاف عليكم))، وعليه فالجار والمجرور
خبر مقدّم ((إن)) (مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (مَا يُفْتَحُ لَكُمْ) بالبناء للمفعول، و((ما)) اسم
موصول مفعول ((أخاف))، أو اسم ((إن)) مؤخّرًا على ما في ((الكبرى)). وفي نسخة: ((ما
يفتح الله لكم)). والمقصود أنه وي ليه ما يخاف على أمته الفقر، وإنما يخاف عليهم الغنى.

١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ولفظ البخاريّ: ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج اللَّه لكم من بركات الأرض))،
قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا)).
(مِنْ زَهْرَةٍ) بيان لـ((ما)). قال في ((اللسان)): وزَهْرة الدنيا - بفتح الزاي، وسكون
الهاء-، وفتحها -: حُسنها، وبَهْجتها، وغَضَارتها. وفي التنزيل العزيز: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَّوَةِ
اُلُّنْيَا﴾. قال أبو حاتم: زَهَرة الدنيا - بالفتح-، وهي قراءة العامّة بالبصرة، قال: وزَهْرة
هي قراءة أهل الحرمين، وأكثر الآثار على ذلك انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((الزهرة)» -بفتح الزاي، وسكون الهاء-، وقد قُرىء في الشاذّ
عن الحسن وغيره بفتح الهاء، فقيل: هما بمعنى، مثلُ جَهْرَة، وجَهَرَة. وقيل:
بالتحريك جمع زاهر، كفاجر وفَجَرَة. والمراد بالزهرة الزينة، والبهجة، كما في
الحديث، والزهرة مأخوذة من زهرة الشجر، وهو نَوْرُها -بفتح النون- والمراد ما
فيها من أنواع المتاع، والعين، والثياب، والزرع، وغيرهما مما يفتخر الناس بحسنه
مع قلّة البقاء انتهى(٢).
(وَذَكَرَ الدُّنْيَا، وَزِيتَتَهَا) الظاهر أن الفاعل ضمير النبيّ وَّرله أي ذكر لفظ ((الدنيا،
وزينتها)) مع لفظة ((زهرة))، ولكنّ الراوي لم يحفظ كيفية ذكر هذين اللفظين معها، مع
أنه يحفظ ذكر الجميع. ولفظ البخاريّ: «زهرة الدنيا)) بالإضافة، من دون تردّد (فَقَالَ
رَجُلٌ) قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: لم أقف على اسمه (أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح
واو ((أَو))، والهمزة للاستفهام، والوا عاطفة على مقدّر، أي أتصير النعمة عقوبة؟؛
لأن زهرة الدنيا نعمة من اللَّه تعالى، فهل تعود هذه النعمة نقمةً؟، وهو استفهام
استرشاد، لا إنكار. والباء في قوله: ((بالشرّ)) صلة ليأتي، أي هل يستجلب الخيرُ
الشرّ (٣).
وقال القرطبيّ: قوله: ((وهل يأتي الخير بالشرّ)) سؤالُ مَنِ استبعد حصول شرّ من
شيء سمّاه رسول اللّه وََّ ((بركات))، وسمّاه خيرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ
لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وشِبْهِهِ مما سُمّي المال فيه خيرًا، فلما فَهِم وَلَّ من سؤاله هذا
الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد أن الخير الذي هو المال قد يَعرِض له أن
يحصل عنه شرّ، إذا تعدّى به حدّه، وأسرف فيه، ومنع من حقّه، ولذلك قال: ((أَوَ
خيرٌ هو؟)) - بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحة على الرواية
-
(١) - ((لسان العرب)) في مادّة زهر.
(٢) - ((فتح) ج١٣ ص٢٣- ٢٤ .
(٣) - ((فتح)) ج١٣ ص٢٤ .