النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
٧٦- (تقْسِیرُ المِسْکِین) - حدیث رقم ٢٥٧١
ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الثَّمْرَةُ
وَالَتَّمْرَتَانِ، وَاللَّقْمَةُ وَاللَّقْمَتَانِ، إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ
النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]).
رجال هذا الإسناد : خمسة:
١- (عليّ بن حُجرة) السعديّ المروزيّ ثقة حافظ، من صغار [٩]١٣/١٣.
٢- (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/
١٧ .
٣- (شريك) بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق يُخطىء [٥]١/
١٥٠٤ .
٤- (عطاء بن يسار) أبو محمد المدنيّ الفاضل العابد الواعظ، ثقة، من صغار [٣]
٨٠/٦٤ .
٥- (أبو هريرة) رَ ◌ّ ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير
شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين من
الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ) أي
الكامل في المسكنة. قال القرطبيّ: مِفْعيل من السكون .: فكأنّ مَنْ عَدِمَ المالَ سكنت
حركاته، ووجوه مكاسبه ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيْنَا ذَا مَتْرَبَةِ﴾ [البلد: ١٦] أي لا
صقًا بالتراب. وعند الأصمعيّ: أنه أسوأ حالاً من الفقير. وعند غيره عكس ذلك.
وقيل: هما اسمان لمسمّى واحد انتهى (١). وسنكمّل الكلام في ضبط المسكين،
واشتقاقه، وفي الفرق بينه وبين الفقير في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(الَّذِي تَرُدُّهُ الثَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ) بالتاء المثناة الفوقيّة، وهو في ((الصحيحين)) وغيرهما،
ووقع في ((الكبرى)) بالثاء المثلّثة. والله تعالى أعلم (وَاللَّقْمَةُ وَاللّقْمَتَانِ) قال في
((اللسان)): اللَّقْمَة -بالفتح - واللَّقْمة -بالضمّ -: ما تُهيّئه للَّقْم. قال: وفي ((التهذيب)):
اللّقْمة -بالضمّ - اسم لما يُهُيّئه الإنسان للالتقام، واللّقْمة -بالفتح - أكلها بمرّة، تقول:
(١) - راجع ((المفهم)) ج٣ ص ٨٤ .
١٠٢
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أكلتُ لُقْمةً بلَقْمَتین. انتهى.
وفي الرواية التالية: ((ليس المسكين بهذا الطّّاف الذي يطوف على الناس، ترُدُّهُ
اللقمة، واللقمتان، والتمرة، والتمرتان))، قالوا: فما المسكين؟، قال: ((الذي لا يَجد
غنّى يُغنيه ... )). وفي رواية البخاريّ: ((ليس المسكين الذي تردّه الأكلة، والأكلتان،
ولكنّ المسكين الذي ليس له غنى، ويستحيي))، أو ((لا يسأل الناس إلحافًا)).
وقوله: ((الأكلة، والأكلتان)). قال أهل اللغة: الأكلة - بالضمّ -: اللقمة،
و- بالفتح -: المرّة من الغداء، والعشاء. والموافق هنا المضموم، بدليل رواية
المصنّف ((اللقمة، واللقمتان)).
(إِنَّ الْمِسْكِينَ) أي الكامل في المسكنة (الْمُتَعَفِّفُ) أي الممتنع عن المسألة، بمعنى أنه لا
يسأل الناس مع احتياجه تعفّفًا، ولذا أتبعه بقوله (اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) أي إن شئتم أن تعلموا
الدليل على هذا فاقرءوا قوله تعالى (﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) قال
السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: الإلحاف، والإلحاح، واللَّجَاج، والإحفاء، كلّه بمعنَى،
يقال: ألحف، وألحّ في المسألة: إذا لجّ فيها. قال: واشتقاقه من اللْحَاف؛ لأنه يشتمل
الناس بمسألته، ويعمّهم، كما يشتمل اللّحاف مَنْ تحتَهُ ويُغطّيه. ومنه قول ابن أحمر يصف
ذَكّر نَعَام يَحضُنُ بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللحاف [من الكامل]:
يَظَلُّ يَحُفَهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ (١) وَيُلْحِفُهُنَّ هَفْهَافًا فَخِيئَا
وقال آخر في المعنى [من الرمل]:
ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهِمْ يُلْحِفُونَ الأَرْضَ هُذَّابَ الأُزُزْ
أي يُلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء. وقيل: با اشتقاق اللفظة من لَخْفِ الجبلِ،
وهو المكان الخَشِنُ، ومجازه أنّ السائل لكثرة سؤاله كأنه استعمل الخشونة في مسألته.
وقيل: بل هي من لَحَفَني فلانٌ: أي أعطاني فضل ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول.
قال: وفي نصب ﴿إِلْحَانًا﴾ ثلاثة أوجه:
(أحدها): نصبه على المصدر بفعل مقدّر، أي يُلحفون إلحافا، والجملة المقدّرة
حالٌ من فاعل ﴿يَسْتَلُونَ﴾
(الثاني): أن يكون مفعولًا من أجله: أي لا يسألون لأجل الإلحاف.
(الثالث): أن يكون مصدرًا في موضع الحال، تقديره: لا يسألون ملحفين.
أي إلحاحًا، يقال: ألحف عليّ، وألخ، وأحفاني بالمسألة بمعنّى واحد. وقال أبو
(١) - قفقفا الطائر: جناحاه.
١٠٣ =
٧٦- (تقْسِیرُ المِسْکِین) - حديث رقم ٢٥٧١
عبيدة: انتصب إلحافًا على أنه مصدر في موضع الحال، أي لا يسألون الناس في حال
الإلحاف، أو مفعولٌ لأجله، أي لا يسألون لأجل الإلحاف. انتهى(١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: وهل المراد نفي المسألة، أي لا يسألون أصلاً، أو
نفي السؤال بالإلحاف خاصّةً، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف فيه احتمال، والثاني أكثر
في الاستعمال. ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافًا، فلا يستلزم الوقوع.
قاله في ((الفتح)) (٢).
وقال السمين رحمه الله تعالى: واعلم أن العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه
فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد، نحو: ما رأيت رجلا صالحًا، الأكثر على أنك رأيت
رجلًا، ولكن ليس بصالح، ويجوز أنك لم تر رجلًا البتّة، لا صالحًا، ولا طالحًا،
فقوله: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَاناً﴾ المفهوم أنهم يسألون لكن لا بإلحاف، ويجوز
أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا يُلحفون، والمعنيان منقولان في التفسير،
والأرجح الأوّل عندهم. ومثله في المعنى: ما تأتينا، فتحدّثنا، يجوز أنه يأتيهم، ولا
يحدّثهم. ويجوز أنه لا يأتيهم، ولا يُحدّثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، فانتفى
المسبب، وهو التحديث. انتهى كلام السمين باختصار، وتصرّف(٣). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٥٧١ و٢٥٧٢ و٢٥٧٣ - وفى ((الكبرى)) ٢٣٥٢/٧٨ و٢٣٥٣ و٢٣٥٤.
وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٧٦ و١٤٦٩ وفي ((التفسير)) ٤٥٣٩ (م) في ((الزكاة)) ١٠٣٩ (د)
في (الزكاة)) ١٦٣١ (أحمد) في «باقي مسند المکثرین» ٧٤٨٦ و ٨٨٦٧ و ٨٨٩٥ و٢٧٢٣٢
و٢٧٢٦٨ (الموطأ) ((الجامع)) ١٧١٣ (الدارمي) في ((الزكاة) ١٦١٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى المسكين الذي ذكره
الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية.
(١) -راجع ((الدرّ المصون في علوم الكتاب الكنون)) ج١ ص ٦٥٧ -٦٥٧ .
(٢) - راجع ((الفتح)) في ((كتاب التفسير)) ج٩ ص٦٣ .
(٣) - راجع ((الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)) ج١ ص ٦٥٧ - ٦٥٩ .
١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(ومنها): أن المسكنة إنما تُحمد مع العفّة عن السؤال، والصبر على الحاجة (ومنها):
استحباب الحياء في كلّ الأحوال (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: إن الفقير أسوأ حالا
من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء، لكنه لا يكفيه، بخلاف الفقير فإنه الذي لا
شيء له، كما سيأتي توجيهه، إن شاء الله تعالى (ومنها): حسن الإرشاد لوضع
الصدقة، وأن يُتحرّى وضعها فيمن صفته التعفّف، دون الإلحاح. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختلاف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين:
قال العلامة القرطبيّ رحمه اللّه تعالى في ((تفسيره)): واختلف علماء اللغة، وأهل
الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال:
(الأول): ما ذهب إليه يعقوب بن السّكّيت، والْقُتَّبيّ، ويونس بن حبيب من أنّ الفقير
أحسن حالًا من المسكين، قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه، ويُقيمه،
والمسكين الذي لا شيء له، واحتجوا بقول الراعي [من البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُثْرَكْ لَهُ سَبَدُ(١)
وذهب إلى هذا قومٌ من أهل اللغة، والحديث، منهم أبو حنيفة، والقاضي عبد الوهاب.
والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام؛ يقال: حَلُوبته وفقّ عياله، أي لها لَبَنْ
قدرَ كفايتهم، لا فضل فيه. قاله الجوهريّ.
(الثاني): ذهب آخرون إلى أن المسكين أحسن حالًا من الفقير. واحتجوا بقوله
تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ﴾ الآية، فأخبر أنّ لهم سفينةً من
سُفُن البحر، وربّما ساوت جملةً من المال، وعضدوه بما روي عن النبيّ وَلّ أنه تعوّذ من
الفقر. وروي عنه أنه قال: ((اللَّهمّ أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا))(٢)، فلو كان
المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الخبران؛ إذ يستحيل أن يتعوّذ من الفقر، ثمّ
يسأل ما هو أسوأ حالاً منه، وقد استجاب الله دعاءه، وقُبِض، وله مالٌ مما أفاء الله
عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية؛ ولذلك رَهَنَ دِرْعَه، قالوا: وأمّا بيت الراعي،
فلا حجة فيه؛ لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حَلُوبٌ في حالٍ. قالوا: والفقير معناه في
كلام العرب المفقور الذي نُزِعت فِقَرُهُ(٣) من ظهره من شدّة الفقر، فلا حال أشدّ من
(١) - السَّبّدُ بالتحريك: القليل.
(٢) - أخرجه الترمذيّ في ((جامعه))، بسند ضعيف.
(٣) - الفقرة -بالكسر- والفَقْرة، والفقارة -بالفتح: ما انتضد من عظام الصلب، من لدن الكاهل إلى
العجب .
١٠٥
٧٦- (تفسِیرُ المِسْکِین) - حديث رقم ٢٥٧١
هذه، وقد أخبر اللَّه بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾، واستشهدوا بقول
الشاعر [من الكامل]:
لَمَّا رَأَى لُبَدُ (١) النُّسُورَ تَطَايَرَتْ رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الأَعْزَّلِ
أي لم يُطق الطيران، فصار بمنزلة من انقطع صلبه، ولَصِق بالأرض. ذهب إلى هذا
الأصمعيّ، وغيره، وحكاه الطحاويّ عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعيّ، وأكثرٍ
أصحابه .
(الثالث): أنّ الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى، وإن افترقا في
الاسم، وإلى هذا ذهب الشافعيّ في أحد قوليه، وابن القاسم، وسائر أصحاب مالك،
وبه قال أبو يوسف.
قال القرطبيّ: ظاهر اللفظ يدلّ على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أنّ
أحد الصنفين، أشدّ حاجة من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفًا
واحدًا. ولا حجّة في قول من احتجّ بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾؛ لأنه يحتمل
أن تكون مستأجرة لهم؛ كما يقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنها، وإن كانت لغيره،
وقد قال الله تعالى في وصف أهل النار: ﴿وَلَهُمُ تَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، فأضافها إليهم، وقال
تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَكُمُ﴾، وقال ◌َّهِ: ((من باع عبدًا، وله مالٌ))، وهو كثير
جدًّا يُضاف الشيء إليه ، وليس له، ومنه قولهم: باب الدار، وجُلُّ الدابّة، وسَرْجُ
الفرس، وشبهه، ويجوز أن يُسمَّوا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف؛ كما يقال
لمن امتُحِنَ بنكبة، أو دُفع إلى بليّة مسكين، وفي الحديث: ((مساكين أهل النار))، وقال
الشاعر [من الطويل]:
مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ
وأمّا ما تأوّلوه من قوله :{الَّلهُ: ((اللَّهم أحييني مسكينًا)) الحديث. رواه أنس، فليس
كذلك؛ وإنما المعنى ههنا التواضع لله الذي لا جبروت فيه، ولا نخوّة، ولا كِبْر، ولا
بَطَرَ، ولا تكبِّر، ولا أَشَرَ، ولقد أحسن أبو العَتَاهية، حيث قال [من البسيط]:
فَانْظُرْ إِلَى مَلِكِ فِي زِيٌّ مِسْكِنٍ
إِذَا أَرَدَثَّ شَرِيفَ الْقَوْمِ كُلْهِم
ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللَّهِ رَغْبَتَهُ وَذَاكَ يَضْلُحُ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ
وليس بالسائل؛ لأنّ النبيّ وَلّقد كره السؤال، ونهى عنه، وقال في امرأة سوداء أبت
(١) - لُبَد اسم آخر نُسُورٍ لقمان بن عاد، سماه بذلك لأنه لبد، فبقي لا يذهب، ولا يموت، والقوادم
أربع ريشات في مقدّم الجناح، الواحدة قادة. من هامش القرطبيّ ج٨ص١٨٩ .
١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أن تزول له عن الطريق: ((دعوها، فإنها جبّارة))(١). وأما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾، فلا يمتنع أن يكون لهم
شيء. والله أعلم.
وما ذهب إليه أصحاب مالك، والشافعيّ في أنهما سواء حسن.
(الرابع): ما ذكره ابن سُحنون عن مالك، أنه قال: الفقير المحتاج المتعفّف،
والمسكين السائل، وروي عن ابن عبّاس، وقاله الزهريّ، واختاره ابن شعبان.
(الخامس): ما قاله محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن، والخادم، والمسكين
الذي لا مال له.
قال القرطبيّ: وهذا القول عكس ما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو،
وسأله رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي
إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال:
فإنّ لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك.
(السادس): ما روي عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: الفقير من
المهاجرين، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا. وقاله الضحاك.
(السابع): أن المسكين الذي يخشع، ويستكنّ، وإن لم يسأل، والفقير: الذي
يتحمّل، ويقبل الشيء سرًّا، ولا يخشع. قاله عبيدالله بن الحسن.
(الثامن): المساكين الطّوّافون، والفقراء فقراء المسلمين. قاله مجاهد، وعكرمة،
والزهريّ.
(التاسع): الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. قاله عكرمة.
انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى بتصرّف(٢).
وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى في ((النهاية)): وقد تكرّر ذكر المسكين،
والمساكين، والمسكنة، والتمسكن. قال: وكلّها يدور معناه على الخضوع والذلّة،
وقلة المال، والحال السيّة. واستكان: إذا خَضَعَ، والمسكنة: فقر النفس، وتمسكن :
إذا تشبّه بالمساكين، وهم جمع المسكين، وهو الذي لا شيء له. وقيل: هو الذي له
بعض الشيء. وقد تقع المسكنة على الضعف. انتهى (٣).
وقال العلّامة اللغويّ ابن منظور رحمه الله تعالى في كتابه «لسان العرب)):
(١) - لم أر من أخرجه.
(٢) - ((جامع الأحكام)) ج٨ ص١٦٨- ١٧١ .
(٣) - راجع ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) وا ج٢ ص ٣٨٥.
١٠٧ =
٧٦- (تفسِیرُ المِسْکِین) - حدیث رقم ٢٥٧١
والْمِسْكين أي بالكسر، والْمَسْكين أي بالفتح -الأخيرة نادرة؛ - لأنه ليس في الكلام
مَفْعِيلٌ -: الذي لا شيء له. وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله. قال أبو إسحاق:
المسكين الذي أسكنه الفقر، أي قلّل حركته، وهذا بعيد؛ لأن مسكينًا في معنى فاعل.
وقوله: الذي أسكنه الفقر يُخرجه إلى معنى مفعول. وهو مِفْعيل من السكون، مثلُ
الْمِنْطيق من النُّطْق. قال ابن الأنباريّ: قال يونس الفقير أحسن حالًا من المسكين،
والفقير الذي له بعض ما يُقيمه. والمسكين أسوأ حالاً من الفقير، وهو قول ابن
السكيت؛ قال يونس: وقلت لأعرابيّ أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لا والله، بل
مسكين، فأعلم أنه أسوأ حالا من الفقير؛ واحتجوا على أن المسكين أسوأ حالاً من
الفقير بقول الراعي [من البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُثْرَكُ لَهُ سَبَدُ
فأثبت أن للفقير حَلوبةٌ، وجعلها وَفْقًا لعياله؛ قال: وقول مالك في هذا كقول
يونس. وروي عن الأصمعيّ أنه قال: المسكين أحسن حالًا من الفقير، وإليه ذهب
أحمد بن عُبيد، قال: وهو القول الصحيح عندنا؛ لأن اللّه تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ
فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ فأخبر أنهم مساكين، وأن لهم سفينة، تساوي جملة، وقال: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُخْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ
أَغْنِيَآءُ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾، فهذه الحال التي
أخبر بها عن الفقراء، هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين. قال ابن برّيّ: وإلى
هذا القول ذهب عليّ بن حمزة الأصفهانيّ اللغويّ، ويرى أنه الصواب، وما سواه
خطأً، واستدلّ على ذلك بقوله: ﴿مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، فأكد عز وجل سُوء حاله بصفة
الفقر؛ لأنّ الْمَتْرَبة الفقر، ولا يؤكّد الشيء إلا بما هو أوكد منه، واستدلّ على ذلك
بقوله عز وجل: ﴿أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ﴾، فأثبت أنّ لهم سفينة
يعملون عليها في البحر، واستدلّ أيضًا بقول الراجز:
هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيم تُؤْجَرُهُ تُغِيثُ مِسْكِيئًا قَلِيلًا عَسْكَرُه
عَشْرُ شِيَّاهِ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ قَدْ حَدَّثَ النَّفْسَ بِمِصْرٍ يَخْضُرُة
فأثبت أنّ له عشر شياه، وأراد بقوله: عسكره غنمه، وأنها قليلة، واستدلّ أيضًا ببيت
الراعي، وزعم أنه أعدل شاهد على صحة ذلك، وهو قوله:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ
لأنه قال: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وقال: فلم يُترك
له سَبَدٌ، فأعلمك أنه كانت له حلوبة تقوت عياله، ومن كانت هذه حاله، فليس بفقير،
= ١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ولكن مسكين، ثم أعلمك أنها أخذت منه، فصار إذ ذاك فقيرًا، يعني ابنُ حمزة بهذا
القول أنّ الشاعر لم يُثبت أن للفقير حلوبة؛ لأنه قال: الذي كانت حلوبته، ولم يقل:
الذي حلوبته، وهذا كما تقول: أما الفقير الذي كان له مالٌ، وثَزْوَةٌ، فإنه لم يُترك له
سَبَد، فلم يُثبت بهذا أن للفقير مالًا وثروة، وإنما أثبت سُوء حاله الذي به صار فقيرًا،
بعد أن كان ذا مال وثروة، وكذلك يكون المعنى في قوله:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ
أنه أثبت فقره لعدم حلوبته بعد أن كان مسكينًا قبل حلوبته، ولم يُرد أنه فقير مع
وجودها، فإنّ ذلك لا يصحّ كما لا يصحّ أن يكون للفقير مالٌ وثروة في قولك: أما
الفقير الذي كان له مالٌ وثروة؛ لأنه لا يكون فقيرًا مع ثروته وماله.
قال: فثبت بهذا أن المسكين أصلح حالًا من الفقير. قال عليّ بن حمزة: ولذلك بدأ
الله تعالى بالفقير قبل من يستحقّ الصدقة من المسكين وغيره، وأنت إذا تأمّلت قوله
تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية، وجدته سبحانه قد رتّبهم، فجعل
الثاني أصلح حالًا من الأول، والثالثَ أصلح حالًا من الثاني، وكذلك الرابع،
والخامس، والسادس، والسابع، والثامن. قال: ومما يدلّك على أن المسكين أصلح
حالًا من الفقير أن العرب قد تسمّت به، ولم تتسمّ بفقير لتناهي الفقر في سوء الحال.
ألا ترى أنهم قالوا: تمسكن الرجل ، فبنوا منه فعلًا على معنى التشبيه بالمسكين في
زيّه، ولم يفعلوا ذلك في الفقير؛ إذ كانت حاله لا يَتزيّا بها أحد. قال: ولهذا رَغِبَ
الأعرابيّ الذي سأله يونس عن اسم الفقير لتناهيه في سوء الحال، فآثر التسمية
بالمسكنة، أو أراد أنه ذليلٌ لبعده عن قومه ووطنه. قال: ولا أظنّه أراد إلا ذلك، ووافق
قولُ الأصمعيّ، وابنِ حمزة في هذا قولَ الشافعيّ. وقال قتادة: الفقير الذي به زمانة،
والمسكين الصحيح المحتاج. وقال زيادة اللّه بن أحمد: الفقير القاعد في بيته، لا
يسأل، والمسكين الذي يسأل. انتهى كلام ابن منظور باختصار(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرّر مما تقدّم أن قول الجمهور، ومنهم الشافعيّ
رحمه الله تعالى: إن الفقير أسوأ حالاً من المسكين هو الأرجح؛ لآية: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ
فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ الآية، ولحديث الباب، حيث وصفه بقوله: ((الذي لا يجد غنى
يُغنيه))، فإنه دالّ على أن له شيئًا من المال، لكنه لا يكفيه، ولآية الصدقة، حيث رتّبت
المستحقّين لها بالترقّي من الأدنى إلى الأعلى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
(١) - راجع (لسان العرب)) ج١٣ ص٢١٤-٢١٦ . طبعة دار صادر - بيروت.
١٠٩ =
٧٦- (تفسِیرُ المِسْکِین) - حديث رقم ٢٥٧٣
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٧٢ - أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ، الَّذِي يَطُوَفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ
اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالنَّمْرَةُ وَالنَّمْرَتَانِ))، قَالُّوا فَمَا الْمِسْكِينُ؟، قَالَ: ((الَّذِي لَا يَجِدُ غِنَّى
يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ، فَيَسْأَلَ النَّاسَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا
غير مرّة و((أبو الزناد)): هو عبد الله بن ذكوان المدني الحافظ الثقة. و((الأعرج)):
عبد الرحمن بن هُزْمز المدنيّ الحافظ الفقيه الثبت.
وقوله: ((ليس المسكين الخ)). قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: المسكين
الكامل الْمَسْكَنة الذي هو أحقّ بالصدقة، وأحوج إليها ليس هو هذا الطّاف، وليس
معناه نفي أصل المسكنة عنه، بل معناه نفي كمال المسكنة انتهى.
وقوله: ((بهذا الطواف)) الباء زائدة في خبر ((ليس))، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ ((مَا)) وَ(لَيْسَ)) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ ((لَا)) وَنَفْي ((كَانَ)) قَدْ يُجَرُّ
وقوله: ((تردّه اللقمة)) أي يُردّ على الأبواب لأجل اللقمة، أو أنه إذا أَخَذ لقمة رجع
إلى باب آخر، فكأن اللقمة ردّته من باب إلى باب، والمراد ليس المسكين المعدود في
مصارف الزكاة هذا المسكين، بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال
الذي لا يعرفه أحدٌ إلا بالتفتيش، وبه يتبيّن الفقير والمسكين في المصارف. وقيل:
المراد ليس المسكين الكامل الذي هو أحقّ بالصدقة، وأحوج إليها المردود على
الأبواب لأجل اللقمة، ولكن الكامل الذي لا يجد الخ. قاله السنديّ.
وقوله: ((فما المسكين؟))، قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: هكذا الرواية، وهو
صحيحٌ؛ لأنّ ((ما)) تأتي كثيرًا لصفات من يَعقل، كقوله تعالى: ﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ
النِّسَآءِ﴾ الآية. انتهى. يعني وهذا الحديث منه.
وقوله: ((ولا يُفطِّن له)) بالبناء للمفعول مخفّفًا. وقوله: ((فيُتصدّق)) بالبناء للمفعول،
والنصب بـ((أن)) مضمرة بعد الفاء السببية، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ نَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَخْضَيْنِ (أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَثْمٌ نَصَبْ
وقوله: ((فيسأل الناس)) بالبناء للفاعل، ونصبه بـ((أن)) كسابقه. وتمام شرح الحديث،
والكلام على مسائله قد مضى في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٧٣ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
=
١١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ
الَّذِيَ تَرُدُّهُ الْأُكْلَةُ وَالْأُكْلَتَانِ، وَالثَّمْرَةُ وَالنَّمْرَتَانِ))، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَالَ: ((الَّذِي لَا يَجِدُ غِنَى، وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ حَاجَتَهُ، فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، ((نصر بن
عليّ): هو الجهضميّ البصريّ الثقة الثبت، أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة.
و((عبد الأعلى)) وهو ابن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ الثقة.
وقوله: ((الأكلة)) - بالضمّ: اللَّقمة، وقد تقدّم ضبطها بالضمّ، والفتح، وبيان المعنى
فيهما في شرح حديث أول الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٧٤ - أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ بُجَيْدٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ، وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ بَلِهِ، أَنَّا قَالَتْ لِرَسُولِ
اللّهِ وَّى: إِنَّ الْمِسْكِينَ، لَيَقُومُ عَلَى بَابِي، فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا، أُعْطِيهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ
اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئًا، تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ، إِلَّ ◌ِلْفًا مُخْرَقًا، فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((سعيد بن أبي سعيد)): هو المقبريّ. و((عبد الرحمن
ابن بُجَيد)) بن وهب الأنصاريّ الحارثيّ، له رؤية.
والحديث صحيح، تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في ((باب ردّ السائل)) - ٧٠/
٢٥٦٥- فراجعه هناك تستفد، وباللّه تعالى التوفيق.
وقوله: ((إن لم تجدي الخ)) يعني أنه لا ينبغي أن يرجع من عندك محروما، بل أعطيه
ولو شيئًا يسيرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٧٧- (الْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على ذمّ الفقير المختال، وهو المتكبّر، وقيل: هو
الصَّلِفُ المتباهي الْجَهُول الذي يَأْنَف من ذوي قرابته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا
كانوا كذلك، ولا يُحسن عِشْرَتهم، ويقال: هو ذو خَيْلَة أيضًا؛ قال الراجز:
يَمْشِي مِنَ الْخَيْلَةِ يَوْمَ الْوِرْدِ بَغْيَا كَمَا يَمْشِي وَلِيُّ الْعَهْدِ.
والخالُ، والْخَيْل -بفتح، فسكون- والْخُيَلاءُ -بالضمّ- والْخِيَلاء -بالكسر-
٧٧ - (الفقِیرُ المختال) - حدیث رقم ٢٥٧٥
والأَخْيَلُ، والْخَيْلَة -بفتح، فسكون- والْمَخِلية: كلّه الكبر، والعجب. أفاده في
((اللسان)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٧٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ثَلَاثَّةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الشَّيْخُ الزَّانِ، وَالْعَائِلُ الْمَزْهُوُ، وَالْإِمَامُ الْكَذَّابُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنّزي البصري، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجد الثبت [٩] ٤/٤.
٣- (ابن عجلا) هو: محمد ابن عجلان المدني، صدوق، [٥] ٤٠/٣٦.
٤ - (أبوه) هو: عجلان مولى فاطمة بنت عتبة المدني، لا بأس به [٤] ٥٣/ ٢٥٣٤.
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأنه مسلسل بالمدنيين من ابن
عجلان، وشيخه ويحيى بصريان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعي، وفيه
أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وأن شيخه
أحد التسعة الذين يروي عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدموا غير مرّة، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((ثَلَاثَةٌ لَا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لا يكلّمهم أصلًا، أو لا يكلّمهم كلامًا يسُرُّهم؛
لأنه ثبت أنه يكلّم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿أَخْسَثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾
[المؤمنون: ١٠٨]، وهؤلاء لا يكنون أسوأ من الكفّار (الشَّيْخُ الزَّانِي) أي الرجل الكبير
السنّ الذي بلغ إلى حالة لا يحتاج فيها كثيرًا إلى النساء (وَالْعَائِلُ) أي الفقير، والْمُعِيل:
الكثير العيال. يقال: عال الرجلُ يَعِيل، من باب باع، فهو عائلٌ: إذا افتقر. والْعَيْلَة:
الفقر، وأعال فهو مُعِيلٌ: إذا كثر عياله. وجمع العائل: عالةٌ، وهو في تقدير فُعَلَة، مثلُ
كافر وكَفَرَة. أفاده في ((المصباح)) (الْمَزْهُوُ) ولفظ مسلم: ((وعائلٌ مستكبر)). و((المزهُو))
بصيغة اسم المفعول: أي المتكبّر، من زُهِي الرجل بالبناء للمفعول على الأكثر، أو من
زَهَا بالبناء للفاعل، على قلّة.
١١٢
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
[فائدة]: قال ابن منظور رحمه الله تعالى: الزَّهو - بفتح، فسكون -: الكبر، والتِّيه،
والْفَخْرُ، والعَظَمَةِ. قال أبو الْمُثَلَّم الْهُذَليّ [من المتقارب]:
مَتَى مَا أَشَأْ غَيْرَ زَهْوِ الْمُلُو كِ أَجْعَلْكَ رَهْطًا عَلَى حُيَّضٍ
ورجلٌ مَزْهُوٌ بنفسه: أي مُعْجبٌ، وبفلان زَهْوٌ: أي كبرٌ، ولا يقال: زَهَا، وزُهِي
فلانٌ، فهو مزهو: إذَا أُعجب بنفسه، وتكبّر. قال ابن سِيدَه: وقد زُهِي على لفظ ما لم
يُسَمَّ فاعله، جزم به أبو زيد، وأحمد بن يحيى، وحكى ابن السِّكُيت: زُهيتُ،
وزَهَوْتُ. وللعرب أحرف لا يتكلّمون بها إلا على سبيل المفعول به، وإن كان بمعنى
الفاعل، مثلُ زُهِيَ الرجلُ، وعُنِي بالأمر، ونُتِجَت الشاة، والناقة، وأشباهها، فإذا أمرت
به قلت: لِتُزْهَ يا رجلٌ، وكذلك الأمر من كلّ فعل لم يُسمّ فاعله؛ لأنك إذا أمرت منه،
فإنما تأمر في التحصيل غير الذي تُخاطبه أن يوقع به، وأمر الغائب لا يكون إلا باللام،
كقولك: لِيَقُمْ زيدٌ. وفيه لغة أخرى، حكاها ابن دُريد زَهَا يزهو زَهْوًا: أي تكبّر انتهى
كلام ابن منظور باختصار. والله تعالى أعلم.
(وَالْإِمَامُ الْكَذَّبُ) وفي الرواية التالية: ((والإمام الجائر)). وفي رواية مسلم: ((وملكٌ
كذّاب)).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)): وإنما غُلّظ العقاب على هؤلاء الثلاثة؛
لأن الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة، واستخفاف أمر تلك المعاصي
التي اقتحموها؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاملٌ حاجيّ، ولا دعتهم إليها ضرورة، كما
يدعو من لم يكن مثلهم.
وبيان ذلك أن الشيخ لا حاجة، ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعف داعية النكاح
في حقّه، ولكمال عقله، ولقرب أجله، إذ قد انتهى طرف عمره، ونحو ذلك الملك
الكذّاب؛ إذ لا حاجة له إلى الكذب، فإنه يمكنه أن يُمَشِّي أغراضه بالصدق؛ فإن خاف
من الصدق مفسدةً ورَّى. وأما العائل المستكبر، فاستحقّ ذلك لغلبة الكبر على نفسه؛
إذ لا سبب له من خارج يحمله على الكبر، فإن الكبر غالبًا إنما يكون بالمال، والْخَدَم،
والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلّه، فلا موجب له إلا غلبة الكبر على نفسه، وقلّة مبالاته
بتحريمه، وتوعُّد الشرع عليه، مع أنّ اللائق به، والمناسب لحاله الرقّة، والتواضع؛
الفقره وعجزه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). وهو كلام نفيس جدًّا.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما سبب تخصيصه وله هؤلاء الثلاثة بالوعيد
(١) - راجع ((المفهم)) ج١ ص ٣٠٥.
١١٣
٧٧- (الفقِیرُ المُختال) - حدیث رقم ٢٥٧٥
المذكور أنّ كلّ واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعْدها منه، وعدم ضرورته
إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذَر أحد بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه
المعاصي ضرورة مُزعجة، ولا دواعي متعادة (١) أشبه إقدامهم عليها المعاندة،
والاستخفاف بحقّ اللّه تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها:
فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان، وضعف أسباب
الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك عنده ما يريحه من دواعي الحلال في
هذا، ويخلي سرّه منه، فكيف بالزنا الحرام، وإنما دواعي ذلك الشباب، والحرارة
الغريزيّة، وقلّة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السنّ.
وكذلك الإمام لا يَخشى من أحد من رعيّته، ولا يَحتاج إلى مداهنته، ومصانعته،
فإن الإنسان إنما يُداهن ، ويصانع بالكذب وشبهه من يَحذَره، ويخشى أذاه، ومعاتبته،
أو يطلب عنده بذلك منزلة، أو منفعة، وهو غنيّ عن الكذب مطلقًا.
وكذلك العائل المستكبر قد عَدِمَ المال، وإنما سبب الفخر، والخيلاء، والتكبّر،
والارتفاع على القرناء الثَّرْوَةُ في الدنيا؛ لكونه ظاهرًا فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم
يكن عنده أسبابها، فلما ذا يستكبر، ويحتقر غيره؟، فلم يبق فعله، وفعل الشيخ الزاني،
والإمام الكاذب إلا لضرب من الاستخفاف بحقّ اللَّه تعالى(٢). ذكره النووي في
((شرحه)) وهو بمعن كلام القرطبي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٥٧٥/٧٧- وفي ((الكبرى)) ٢٣٥٦/٧٩ . وأخرجه (م) في ((الإيمان))
١٠٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٣٩٣ و٩٣١١ و٩٨٦٦ و٩٨٦٧. والله تعالى
أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ذمّ الفقير المتكبّر (ومنها):
(١) - هكذا نسخة شرح النوويّ، ولعل الصواب ((متعدّدة)).
(٢) - ((شرح مسلم للنوويّ)) ج٢ ص٢٩٨ - ٣٠٠.
١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ذمّ الزاني الكبير السنّ (ومنها): ذمّ الملك الكذاب (ومنها): أن مرتكبي المعاصي
تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي الحاملة لهم على ارتكابها، فمن کان له داع یحمله،
ويقهره على ارتكابها، كان أخفّ جُزْمًا ممن لا داعي له إلى ذلك، وهذا فضل عظيم من
ربّ رحيم، حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور، وأما من ليس كذلك، فإنه
يعظم عقابه، حيث كان حامله على الارتكاب مجرّد الاستخاف بأمر الله تعالى، وقلّة
خوفه منه. ﴿رَبَّنَا لَا تُجْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَرْبَعَةٌ
يَبْغُضُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْبَّاعُ الْخَلَّافُ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْإِمَامُ
الْجَائِرُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه ((أبي
داود)) وهو سليمان بن سَيْف الحرّاني الثقة الحافظ [١١] ١٣٦/١٠٣ فإنه من أفراده.
و((عارم)): هو محمد بن الفضل، أبو النعمان السَّدُوسيّ البصريّ الحجة الثبت
[٩]١٧٢٨/٤٦ .
((وحمّاد)): هو ابن زيد الإمام الحجة الثبت [٨]٣/٣. و((عبيدالله بن عمر)): هو
العمريّ المدنيّ الفقيه الثبت الحجّة [٥] ١٥/١٥.
وشرح الحديث يعلم مما قبله. وقوله: ((البيّاع الحلّاف)) فعّال للمبالغة، أي الرجل
الكثير البيع الكثير الحلف؛ لينفّق سلعته بأيمانه الكاذبة.
وقوله: ((والإمام الجائر)): يحتمل أن يكون بمعنى: ((الإمام الكذّاب))، في الحديث
الماضي، وهو الملك الكذاب. ويحتمل أن يكون أعمّ؛ لأن الجور هو الظلم، والميل
عن الطريق، يقال: جار يجور جَوْرًا، من باب قال: إذا ظلم، أو مال عن الطريق.
فيكون المعنى: الإمام الذي يميل عن الطريق المستقيم، فيظلم الناس، ويظلم نفسه،
والاحتمال الأول أقوى. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح،
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا٢٥٧٦/٧٧- وفي ((الكبرى)) -
٢٣٥٧ وفي ((الرجم)) ٧١٣٩/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٥ ج
٧٨- (فَضْلُ السَّاعِي عَلَى الأرملةِ) - حديث رقم ٢٥٧٧
٧٨- (فَضْلُ السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل الساعي في مصلحة المرأة الفقيرة التي
مات زوجها. ولفظ ((الكبرى)): ((فضل الساعي على الأرملة والمسكين))، وهو الموافق
للفظ الحديث.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مناسبة إيراد هذا الباب هنا كون الأرملة من جملة
مصارف الزكاة، فأراد أن يبيّن أنها وإن كانت من جملة المصارف، إلا أن لها فضلًا،
حيث إن من سعى في إيصال الخير إليها كان كالمجاهد في سبيل اللّه تعالى، فيكون
فضل دفع الزكاة إليها أكثر من الدفع إلى غيرها من أمثالها من الفقراء.
و ((الأرملة)): هي التي لا زوج لها؛ لافتقارها إلى من يُنفق عليها. قال الأزهريّ: لا
يقال لها: أرملةٌ إلا إذا كانت فقيرةً، فإن كانت موسرةً، فليست بأرملةٍ، والجمع أرامل،
حتى قيل: رجلٌ أرملٌ إذا لم يكن له زوجٌ. قال ابن الأنباريّ: وهو قليلٌ؛ لأنه لا يَذْهَبُ
زاده بفقد امرأته؛ لأنها لم تكن قيّمةً عليه. قال ابن السكّيت: والأرامل: المساكينُ
رجالاً كانوا أو نساء. ذكره الفيّوميّ.
وقال ابن منظور رحمه اللَّه تعالى: وأَرْمَلَتِ المرأةُ: إذا مات عنها زوجها. وأرملت:
صارت أرملةً. وقال ابن الأنباريّ: سمّيت أرملة لذهاب زادها، وفقدها كاسبها، ومن
كان عيشُها صالحًا به، من قول العرب: أرمل القومُ، والرجل: إذ ذهب زادهم، قال:
ولا يقال له إذا ماتت امرأته: أرمل إلا في شذوذ؛ لأن الرجل لا يذهب زاده بموت
امرأته، إذ لم تكن قيّمة عليه، والرجل قيّم عليها، وتلزمه عَيْلُولتها، ومؤنتها، ولا
يلزمها شيء من ذلك. قال: ورُدّ على القتيبيّ قولُهُ فيمن أوصى بماله للأرامل أنه يعطى
منه الرجال الذين ماتت أزواجهم؛ لأنه يقال: رجلٌ أرملٌ، وامرأة أرملة. قال: وهذا
مثل الوصيّة للجواري، لا يُعطى منه الغلمان، ووصية الغلمان لا يُعطى منه الجواري،
وإن كان يقال للجارية: غُلامة انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٧٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيْلِيَّ(٢) عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(١) - ((لسان العرب)) في مادة رمل.
(٢) - وفي رواية محمد بن الحسن في ((الموطّإ)) عن مالك: أخبرني ثور. قاله في ((الفتح)) ج١٠
ص٦٢٦ .
١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وَله: ((السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (عمرو بن منصور)، أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١]١٤٧/١٠٨ من أفراد
المصنّف .
٢- (عبد الله بن مسلمة) القعنبي البصري، ثقة ثبت عابد، من صغار [٩] ٧٨٪
٢٥٧٧ .
٣- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الفقيه الحجة [٧] ٧/ ٧ .
٤- (ثور بن زيد الدِّيلي) بكسر المهملة المدني، [٦] ١٢١٠/١١.
٥- (أبو الغيث) سالم مولى ابن مُطيع المدنيّ، ثقة [٣].
٦ - (أبو هريرة) وتمّه ١/١. والله تعالى أعلم.
روى عن أبي هريرة. وعنه ثور بن زيد الدِّيليّ، وسعيد المقبريّ، وإسحاق بن
سالم، وصفوان بن سئلیم، وغیرهم. قال أحمد: لا أعلم أحدا روی عنه إلا ثورٌ،
وأحاديثه متقاربة. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، يُكتب حديثه. وقال ابن سعد:
كان ثقةً حسن الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر ابن شاهين أنّ كلام أحمد
ابن حنبل اختلف فيه. روى الجماعة ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم
٢٥٧٧ و٣٦٧١ و٣٨٢٧ .
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رَّلهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (السَّاعِي عَلَى
الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينٍ) أي الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين.
وفي لفظ شكّ فيه القعنبيّ: ((كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يُقْطر» (كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِیلٍ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) زاد في رواية البخاريّ: ((أو القائم الليل، الصائم النهار)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
١١٧
٧٩- (المُؤلفةُ قُلُوهُمْ) - حديث رقم ٢٥٧٨
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه -هنا ٧٨/ ٢٥٧٧- وفي ((الكبرى)) ٢٣٥٨. وأخرجه (خ) في ((النفقات))
٥٢٥٣ وفي ((الأدب))٦٠٠٦ و٦٠٠٧ (م) في الزهد والرقائق)) ٢٩٨٨ (ت) في ((البرّ
والصلة)) ١٩٦٩ (ق) في ((التجارات)) ٢١٤٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))٨٥١٥.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان فضل السعي في تحصيل
النفع للأرملة، أي المرأة التي مات زوجها، ولا مال لها (ومنها): أن بعض الأعمال
يساوي الجهاد، وقيام الليل، وصيام النهار (ومنها): أن معرفة مقدار ثواب الأعمال
مفوّض إلى الله سبحانه وتعالى، فربّ عمل سهل يساوي فضل عمل شاقّ، وبالعكس.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أَنیب».
٧٩- (الْمُؤَلّقَةُ قُلُوبُمْ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((المؤلّفة)) بصيغة اسم المفعول، وقلوبهم بالرفع على
أنه نائب الفاعل: أي المستمالَةُ قلوبهم بالإحسان، والمودّة، وكان النبيّ ◌َّ يعطيهم من
الصدقات ، وكانوا من أشراف العرب، فمنهم من كان يُعطيه دفعًا لأذاه، ومنهم من كان
يعطيه طَمَعًا في إسلامه، وإسلام أتباعه، ومنهم من كان يُعطيه لَيَثْبُت على إسلامه؛
لقرب عهده بالجاهليّة. قاله الفيوميّ.
وقال العلامة القرطبيّ في ((تفسيره)): هم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يُظهر
الإسلام، يُتَأَلّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. قال الزهريّ: المؤلّفة مَن
أسلم من يهوديّ، أو نصرانيّ، وإن كان غنيًّا.
وقال بعض المتأخّرين: اختُلِف في صفتهم؛ فقيل: هم صنف من الكفّار يُعطَون
ليتألّفوا على الإسلام، وكانوا لا يُسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء
والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر، ولم تستيقن قلوبهم، فيُعْطَّون ليتمكّن
الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يُعطّون ليتألفوا
١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا
يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛ فكأنه ضربٌ من الجهاد، والمشركون ثلاثة أصنافٌ:
صنف يرجع بإقامة البرهان، وصنفٌ بالقهر، وصنفٌ بالإحسان، والإمام الناظر
للمسلمين يستعمل مع كلّ صنف ما يراه سببًا لنجاته، وتخليصه من الكفر انتهى كلام
القرطبيّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٧٨ - أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٍّ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةِ
بِتُرْبَتِهَا، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، بَيْنَ أَرْبَعَةٍ نَفَرِ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ
الْخَنْظَلِيّ، وَعُبَيْنَةَ بْنِ بَدْرِ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدٍ بَنِي كِلَابٍ،
وَزَئِدِ الطَّائِيّ، ثُمَّ أَحَدٍ بَنِي نَبْهَانَ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ،
فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَتَدَعُنَا، قَالَ: ((إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؛ لِأَتَلَّفَهُمْ))، فَجَاءَ رَجُلٌ،
كَثُّ اللّخْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْتَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْتَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحِلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ
اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: ((فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، إِنْ عَصَيْتُهُ؟، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ،
وَلَا تَأْمَنُونِي؟))، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ ضِئْضِيٍ هَذَا، قَوَّمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ
حَتَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ
السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمَّ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)»).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (هناد بن السري) الكوفي، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣.
٢- (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣- (سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري الكوفي، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١ .
٤- (عبد الرحمن بن أبي نُعم) - بضمّ النون، وسكون المهملة - البجليّ، أبي الْحَكَم
الكوفيّ، صدوق، عابد [٣].
قال مندل بن عليّ، عن بكير بن عامر: لو قيل لعبد الرحمن قد تَوَجّهَ ملك الموت
إليك يريد قبض روحك، ما كانت عنه زيادة على ما هو فيه. وقال محمد بن فضیل،
عن أبيه: كان عبد الرحمن يُخرِم من السنة إلى السنة، وكان يقول: لبيك لو كان رياءً
(١) - ((الجامع لأحكام القرآن)) ج٨ ص١٧٨ - ١٧٩ .
١١٩=
٧٩- (المُؤلفةُ قلُوهُمْ) - حديث رقم ٢٥٧٨
لاضمحلّ(١). وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان من عبّاد أهل الكوفة، ممن
يصبر على الجوع الدائم، أخذه الحجّاج ليقتله، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسدّ الباب
خمسة عشر يومًا، ثمّ أمر بالباب، ففتح ليُخرَج، فيُدفَنَ، فدخلوا عليه، فإذا هو قائمٌ
يُصلي، فقال له الحجّاج: سِرْ حيث شئت. وروى عبد الرحمن بن أحمد في زيادات
(الزهد)) من طريق مغيرة، عن مقسم، قال: دخل ابن أبي نُعْم على الحجّاج أيّام
الجماجم، فوعظه. وقال ابن سعد: كان ثقة، يُحرِم من السنة إلى السنة، وكان ثقة،
وله أحاديث. وقال ابن أبي حاتم: ذَكّر أبي عبد الرحمن بنَ أبي نُعم، فذكر له فضلًا
وعبادةً. وقال النسائيّ في ((التمييز)): ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين:
ضعيف .
روى له الجماعة وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢٥٧٨ و٤١٠١ و٤٥٦٩
و ٤٦٧٣ و ٤٦٧٤ و٥٦٦١ .
٥- (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان رضي الله عنهما ١٦٩/ ٢٦٢ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابي فمدني،
وفيه أبو سعيد تَّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٍّ) بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه (وَهُوَ
بِالْيَمَنِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، يعني أنه كان باليمن، وقد ولّاه
النبيّ وَّ قاضيا بها (بِذُهَيْبَةٍ) تصغير ذَهَبَة، وكأنه أنّها على معنى الطائفة، أو الجملة.
وقال الخطّابيّ: على معنى القطعة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنها كانت تبرّا، وقد يؤنّث
الذهب في بعض اللغات، وفي بعض النسخ من مسلم: ((بذَّهَبَة)) بفتحتين بغير تصغير
انتھی .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: اعتراض الحافظ على الخطّاب لا وجه له، إذ
القطعة، هي الطائفة التي فسربها هو، فتبصّر.
(١) قلت: كونه يحرم من السنة إلى السنة، كيف يُعدّ في منقبة عبدالرحمن؟، فإن هذا مخالف للسنّة،
فليتأمّل. والله تعالى أعلم.
١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأيضًا ما فسّر به الخطابيّ فسّر به غيره، قال في ((اللسان)): قال الأزهريّ: والذّهب
معروف، وربّما أُنْث، وقال غيره: الذهب: التّبْرُ، القطعة منه ذَهَبَةٌ، وعلى هذا يُذكّر،
ويؤنّث على ما ذُكر في الجمع الذي لا يفارقه واحده إلا بالهاء. وقال ابن الأثير: هي
تصغير ذهب، وأدخل الهاء فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ، إذا صُغْر أُلحق
في تصغيره الهاء، نحو قُويسة، وقيل: هو تصغير ذهبة، على نيّة القطعة منها،
فصغّروها على لفظها، والجمع الأذهاب، والذُّهُوب انتهى(١).
فتبيّن بهذا أن ما قاله الخطابيّ صحيح. والله تعالى أعلم.
زاد في رواية الشيخين: ((في أديم مقروظ)): و((الأديم)): الجلد. و((المقروظ)):
المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يُدبَغ به. قاله في ((المفهم)»(٢).
(بِتُرْبَتِهَا) أي مخلوطة بترابها، بمعنى أنها لم تميّز من تراب معدنها. وفي رواية
الشيخين: ((لم تُحصّل من ترابها)): قال في ((الفتح)): أي لم تُخلّص من تراب المعدن،
فكأنها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسبك(٣).
[تنبيه]: اختلف في هذه الذُّهيبة، فقيل: كانت خمس الخمس. وفيه نظر. وقيل:
من الخمس، وكان ذلك من خصائصه وَلقر أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة.
وقيل: من أصل الغنيمة. وفيه بُعْدٌ. قاله في ((الفتح)).
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ: (النفر)) -
بفتحتين -: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد
على العشرة انتهى.
(الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسِ الْحَنْظَلِيُّ) بالجرّ بدل من ((أربعة))، أو من ((نفر))، ويجوز الرفع،
والنصب على القطع.
وهو الأقرع بن بن حابس بن عثمان بن محمد بن سفيان بن مُجاشع التميميّ
المجاشعيّ. قيل: كان اسمه فراس، والأقرع لقبه (٤).
وفي رواية للبخاريّ: ((وأقرع بن حابس)) بدون ((ال))، قال ابن مالك: فيه شاهد على
أن الألف واللام من الأعلام الغالبة قد يُنزعان عنه في غير نداء، ولا إضافة، ولا
(١) - ((لسان العرب)) في مادة ذهب.
(٢) - ((المفهم)) ج٣ ص١١١.
(٣) - «فتح» ج٨ ص٣٩٥ .
(٤) - ((فتح)) ج٨ ص٣٧٩ طبعة دار الفكر.