النص المفهرس

صفحات 321-340

٤٥- (بِأَبُّ الْوَقْتِ الذِّي يُسْتَحَبُّ أَنْ ... - حديث رقم ٢٥٢١
٣٢١ ==
يومين، ولا بأس بثلاثة أيام؛ لما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر
رَّ، قال: ((وكانوا يُعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين)). وأخرج ابن خزيمة في
((صحيحه)) من طريق عبد الوارث، عن أيوب، قلت: ((متى كان ابن عمر يُعطي؟ قال:
إذا قعد العامل، قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم، أو يومين)). ولمالك
في ((الموطإ)) عن نافع: ((أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يُجمَع عنده قبل
الفطر بيومين، أو ثلاث)). وأخرجه الشافعيّ، عنه، وقال: هذا حسنٌ، وأنا أستحبّه -
يعني تعجيلها قبل يوم الفطر - انتهى (١).
فقوله: ((وكانوا يعطون)) دليل على أن هذا عمل الصحابة جميعًا؛ لما تقرّر في علمي
الحديث، والأصول، أن قول الصحابيّ: كنا نفعل كذا وكذا حكمه الرفع، وإن لم يقيّد
بعصر النبيّ وَّر على المرجح المختار، قاله الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى.
ويدلّ على ذلك أيضًا -كما قال الحافظ- ما أخرجه البخاريّ في ((كتاب الوكالة))،
وغيره، من (صحيحه)) عن أبي هريرة رَني، قال: وكُلني رسول اللَّه وَل بحفظ زكاة
رمضان ... )) الحديث، وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليالٍ، وهو يأخذ من التمر، فإنه
يدلّ على أنهم كانوا يعجّلونها. وعكس الجوزقيّ، فاستدلّ به على جواز تأخيرها عن
يوم الفطر. قال الحافظ: وهو محتملٌ للأمرين انتهى (٢).
والحاصل أن الحقّ هو جواز تقديمها على يوم العيد بيوم، أو يومين، كما صح ذلك
** ، مع أن الظاهر اطلاعه * على ذلك، وتقريره لهم، وهذا هو
عن الصحابة
الدليل الصحيح الواضح، وأما حديث أبي هريرة رضي المذكور، فدلالته على مسألتنا
محلّ نظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب».
(١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ١٥٠.
(٢) - المصدر المذكور.

٣٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٤٦- (إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَی
بَلَدٍ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر تبويب المصنّف رحمه الله تعالى يدلّ على أنه
يرى جواز نقلها، وهو أيضًا ظاهر مذهب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، كما يأتي
بيانه، وهو الحقّ، لكن إذا كان نقلها لمصلحة راجحة، بأن لم يوجد هناك من
يستحقّها، أو رأى الإمام، أو المزكّي نفسه ذلك أصلح، بأن كان المنقول إليهم أحوج
من المنقول عنهم، أو كانوا أقرباء للمزكّي، أو نحو ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعْ، قَالَ حَدَّثَنَا
زَكَرِيًّا بْنُ إِسْحَاقَ - وَكَانَ ثِقَةً عَنْ يَخْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَنْفِيٌّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ، بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْتَمَنِ، فَقَالَ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمَا، أَهْلَ
كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ،
فَأَعْلِمُهُمْ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ (١) عَلَيْهِمْ، خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ
هُمْ أَطَاعُوكَ، فَأَعْلِمْهُمْ، أَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، صَدَقَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ
مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُوضَعُ فِي نُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ
دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّا لَيْسَ بَيْتَهَا، وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِجَابٌ))).
قال الجامَعَ عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنا في أول ((كتاب الزكاة)) - ٢٤٣٥/١-
وتقدّم هناك شرحه مُستَوفَّى، وكذا الكلام على مسائله، ولم يبق إلا الكلام على ما
ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو حكم نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر، فأقول
مستعينًا بالله تعالى:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في جواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر:
ذهب الليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأصحابهما، إلى جواز ذلك، ونقله ابن المنذر
عن الشافعيّ، واختاره.
وذهب الجمهور، ومنهم الشافعية، والمالكية، والحنبلية، إلى عدم جواز نقلها، فلو
خالف، ونقل أجزأ على الأصحّ عند المالكيّة، والحنبليّة، ولا يجزىء على الأصحّ عند
(١) -وفي نسخة: ((قد افترض)).

!
٤٦- (إخراج الزكاةِ مِن بلدٍ إِلی بلدٍ) - حديث رقم ٢٥٢٢
٣٢٣=
الشافعية، إلا إذا فُقد المستحقّون لها.
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((باب أخذ الصدقة من
الأغنياء، وتردّ في الفقراء، حيث كانوا)). قال الإسماعيليّ: ظاهر حديث الباب أن
الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم. وقال ابن المنير: اختار البخاريّ جواز
نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: ((فتردّ في فقرائهم))؛ لأن الضمير يعود على
المسلمين، فأيّ فقير رُدّت فيه الصدقة، في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث
انتھی .
قال الحافظ: والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير يعود
على المخاطبين، فيختصّ بذلك فقراؤهم، لكن رجّح ابن دقيق العيد الأول، وقال:
إنه، وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع
الكلّيّة لا تُعتبر، فلا تُعتبر في الزكاة، كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختصّ بهم الحكم،
وإن اختصّ بهم خطاب المواجهة انتهى.
وقال الحافظ بعد ذكر قول الشافعية بعدم جواز النقل، إلا إذا فقد المستحقّون لها:
ما نصّه: ولا يبعد أنه اختيار البخاريّ؛ لأن قوله: ((حيث كانوا)) يشعر بأنه لا ينقلها عن
بلد، وفيه من هو متّصف بصفة الاستحقاق انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن عدم نقل الزكاة هو الأصل، لكن
إذا كانت هناك مصلحة راجحة، جاز نقلها، وذلك بأن فُقِد المستحقّون لها في ذلك
البلد، أو لمصلحة تترجّح، كأن يكون المنقول إليهم أشدّ حاجة من فقراء بلد المال، أو
كانوا أقرباء للمزّي، أو نحو ذلك، فإن كان كذلك، فلا بأس بنقلها؛ لأن الصدقات
كانت تنقل إلى المدينة في عهد رسول اللَّه وَله، كما دلّت عليه أحاديث كثيرةٌ:
(منها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أبي هريرة تعنه أن النبيّ وَّ لما
جاءت صدقات بني تميم: ((هذه صدقات قومنا ... )) الحديث. فبنو تميم من أهل
نجد، فنقلت صدقاتهم إلى المدينة.
(ومنها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما أيضًا من حديث قبيصة بن مُخَارِق ◌َّه،
أنه تحمّل حمالة، فأتى النبيّ وَّر، فقال له: ((أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها ..
الحديث بطوله، ومعلوم أن قبيصة بنظاثم أيضًا ليس من أهل المدينة (٢)، ووعده وَّل
ليدفع له الصدقة حتى يذهب بها من المدينة إلى بلده.
(١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص١٢٦.
(٢) - يقال: إنه من أهل نجد، والله تعالى أعلم.

٣٢٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(ومنها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما أيضا عن أبي حميد الساعديّ رَنيّ ، قال:
(استعمل النبيّ وَّه رجلا من الأزد، يقال له: ابن الأُتْبِيّة، أو اللُّتبيّة، على صدقات بني
سُليم، فلما جاء حاسبه ... )) الحديث. فقد نقلت صدقات بني سُليم إليه ◌َّ، ولم
يأمره بقسمتها هناك.
(ومنها): ما ذكره البخاريّ في ((صحيحه)) تعليقًا، وأخرجه يحيى بن آدم في ((كتاب
الخراج)) له، عن طاوس قال: قال معاذ رَنبيّه لأهل اليمن: ائتوني بعَرْضٍ ثيابٍ،
خميصٍ، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذَّرَة، أهون عليكم، وخير لأصحاب
النبيّ وَّ بالمدينة،،. وهذا، وإن كان فيه انقطاعٌ، بين طاوس، وبين معاذ، لكن تقوّيه
الأحاديث المذكورة، ولذا أروده البخاريّ في معرض الاحتجاج على جواز أخذ العرض
في الزكاة. وغير ذلك من الأحاديث الصحاح التي هي واضحة في نقل الصدقات إلى
البلدان الأخرى، ووجه ذلك أن الاجتهاد في ذلك إلى الإمام، أو المزكّي، فإذا كان في
نقلها مصلحة راجحة جاز ، وإلا فلا، وبهذا تجتمع الأدلة، ويحصل العمل بكلّها.
والحاصل أن عدم نقل الزكاة، وإن كان هو الأصلَ، لكن إذا كان هناك ما يدعو إلى
النقل جاز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب».
٤٧- (بَابٌ إِذَا أَعْطَاهَا غَنِيًّا، وَهُوَ
لَايَشْعُرُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا أن المزكّي إذا
دفع زكاته إلى من لا يستحقّها، كالغنيّ مثلًاً على ظنّ أنه مستحقّ، قُبِلَت صدقته،
وسقطت عنه الزكاة. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٢٣ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ،
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزَُّادِ، مِمَّ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ
بِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ ه ◌ِ، وَقَالَ (١): ((قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ،
(١) - وفي نسخة: ((فقال)).

٤٧- (بَأَبِّ إِذاَ أَعْطَاهَا غَنِيَا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) - حديث رقم ٢٥٢٣
=
٣٢٥ ==
فَوَضَعَهَا فِي ◌َدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدْقَ (١) عَلَى سَارِقٍ(٢)، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ
الْحَمْدُ، عَلَّى سَارِقٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَضْبَحُوا
يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ، عَلَى زَانِيَّةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَّى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ
بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٌّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدِّثُونَ، تُصُدُقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ
(٣): اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأَتِيَ، فَقِيلَ لَّهُ: أَمَّا
صَدَقَتُكَ، فَقَدْ تُقُبُلَتْ (٤)، أَمَّا الزَّانِيَةُ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ بِهِ مِنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ السَّارِقَ أَنْ
يَسْتَعِفَّ بِهِ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ أَنْ يَعْتَبِرَ، فَيْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عِمْرَانُ بْنُ بَكَّار) بن راشد الكَلَاعِيّ البَرَّاد الحمصيّ المؤذِّن، ثقة [١١] من أفراد
المصنف .
٢- (عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) -بتحتانيّة، فمعجمة -: هو الأَلْهانيّ الحمصيّ ثقة ثبت [٩]
١٨٢/١٢٣.
٣- (شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ ثقة ثبت [٧]٨٥/٦٩.
٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة ثبت [٥] ٧/ ٧ .
٥- (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣]٧/ ٧.
٦ (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب،
والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ
الثقة الفقيه (مِمَّا) ((من)) للتبعيض، متعلّقة بـ((حدّثني))، أي بعضَ الأحاديث التي (حَدَّثَهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ) ابن هُزمز (الْأَعْرَجُ) المدنيّ الثقة الفقيه (مِمَّا ذَكَر) إعرابه كسابقه (أَنَّهُ سَمِعَ
(١) -وفي نسخة: ((قد تصدق)).
(٢) - وفي نسخة: ((على السارق)).
(٣) - وفي نسخة: ((فقال)).
(٤) - وفي نسخة: ((قُبِلَت)).

٣٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َّهِ (يُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ، وَقَالَ) أي الرسول ◌َه (قَالَ رَجُلٌ) قال
الحافظ: لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج في هذا
الحديث أنه كان من بني إسرائيل انتهى (لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) في رواية أبي عوانة، عن أبي
أميّة، عن أبي اليمان، بهذا الإسناد: (لأتصدّقنّ الليلة))، وكرّر كذلك في المواضع
الثلاثة. وكذا أخرجه أحمد، من طريق ورقاء، ومسلم من طريق موسى بن عقبة،
والدار قطنيّ في ((غرائب مالك))، كلهم عن أبي الزناد.
وقوله: ((لأتصدّقنّ)) اللام فيه هي الموطّئة للقسم، والقسم فيه مقدّر، أي والله
لأتصدّقنّ، وهو من باب الالتزام كالنذر، فصارت الصدقة واجبة، فصحّ الاستدلال به
في صدقة الفرض، وهذا الاستدلال مبنيّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يظهر
نسخه، وإنكاره في شرعنا، وهو المذهب الحقّ، وهو مذهب البخاريّ، والمصنّف
رحمهما الله تعالى، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(فَخَرَجَ) من بيته (بِصَدَقَتِهِ) أي التي نوى أن يضعها في يد مستحقّها (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ
سَارِقٍ) أي وهو لا يعلم أنه سارق (فَأَصْبَحُوا) أي القوم الذين كان فيهم ذلك المتصدّق
(يَتَحَدَّثُونَ) في موضع نصب خبر ((أصبحوا))، أي يُحدّث بعضهم بعضًا (تُصُدِّقَ عَلَى
سَارِقٍ) ببناء الفعل للمفعول، وهو إخبارٌ بمعنى التعجّب، أو الإنكار. قاله السنديّ.
وفي رواية أبي أَميّة: ((تصدّق الليلةَ على سارق)). وفي رواية ابن لهيعة: ((تُصُدّق
الليلة على فلان السارق)). قال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من
الثلاثة المتصَدَّق عليهم (١) (فَقَالَ) المتصدّق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ) أي على
تصدّقي على سارق، لا لي؛ لأنّ صدقتي وقعت بيد من لا يستحقّها، فلك الحمد،
حيث كان ذلك بإرادتك، لا بإرادتي، فإن إرادتك كلها جميلة، ولا يُحمّد على المكروه
سواك. وقدّم الخبر على المبتدإ في قوله: (لك الحمد)) لإفادة الحصر.
وقال الطيبيّ: لما جزم بوضعها في موضعها بدلالة التنكير في ((بصدقةٍ))، وأبرز
كلامه في معرض القسم تأكيدًا، أو قطعًا للقبول بها، جُوزي بوضعها في يد سارق،
فحمد الله، وشكره على أنه لم يقدر أن يتصدّق على من هو أسوأ حالاً منه، أي لك
الحمد لأجل وقوع الصدقة في يده دون من هو أشدّ حالًا منه، أو أجرى الحمد مجرى
التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يُتعجّب منه تعظيمًا للَّه، يعني أنه ذَكَّرَ الحمد في
موضع التعجّب، كما يُذكر التسبيح في موضعه، فلما تعجّبوا من فعله تعجّب هو أيضًا،
(١) - راجع ((الفتح) ج ٤ ص ٤٠ .

٤٧- (بابٌ إِذاَ أَعْطَاهَا غَنِيَا، وَهُوَ لَايَشْعُرُ) - حديث رقم ٢٥٢٣
٣٢٧
فقال: اللَّهم لك الحمد على سارق انتهى.
قال الحافظ: لا يخفى بعد هذا الوجه، وأما الذي قبله، فأبعد منه، والذي يظهر
الأول، وأنه سَلّم، وفوّض، ورضي بقضاء الله، فحمد الله على تلك الحال؛ لأنه
المحمود على جميع الحال، لا يُحمد على المكروه سواه. وقد ثبت أن النبيّ وَّر كان إذا
رأى ما لا يُعجبه، قال: ((اللّهمّ لك الحمد على كلّ حال)) انتهى. (١)
(لَأَتَصَدَّقَنَّ) في رواية مسلم: ((لأتصدّقَنّ الليلة))، وفيه فضل صدقة السرّ، وفضل
الإخلاص (بِصَدَقَةٍ) أي صدقة أخرى على مستحقّها (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد
مستحقْها (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ)امرأة (زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ) تعجّبًا، وإنكارًا (تُصُدِّقَ)
بالبناء للمفعول أيضًا (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفية، متعلق بما قبله (عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ)
المتصدّق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ) على تصدّقي على امرأة زانية، حيث كان
بإرادتك، لا بإرادتي. ثم قال (لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي بَدِ) رجل
(غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول أيضًا (عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ) المتصدّق
(اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِیَةٍ، وَعَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى غَنِيّ) أي حيث كان كله بإرادتك،
فأنت المحمود في جميع أفعالك؛ حيث كان كلّها جميلًا.
وقال القرطبيّ: وقول المتصدّق: ((اللّهم لك الحمد على زانية)) إشعار بألم قلبه، إذ
ظنّ أن صدقته لم توافق محلّها، وأن ذلك لم ينفعه، ولذلك كرّر الصدقة، فلما علم الله
صحّة نيّته تقبّلها منه، وأعلمه بفوائد صدقاته انتهى (فَأَتِيَ) بالبناء للمفعول، أي أتاه آت
في منامه، ففي رواية الطبرانيّ في ((مسند الشاميين)) عن أحمد بن عبد الوهاب، عن أبي
اليمان بهذا الإسناد: ((فساءه ذلك، فأُتي في منامه)). وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج))
عنه، وكذا الإسماعيليّ من طريق عليّ بن عيّاش، عن شعيب، وفيه تعيين أحد
الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره، قال الكرمانيّ: قوله: ((أَتي)) أي أري في
المنام، أو سمع هاتفًا، أو غيره، أو أخبره نبيّ، أو أفتاه عالم. وقال غيره: أو أتاه
ملك، فكلّمه، فقد كانت الملائكة تكلّم بعضهم في بعض الأمور.
قال الحافظ: وقد ظهر بالنقل الصحيح أنها كلّها لم تقع، إلا النقل الأول انتهى.
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: ورؤيا غير الأنبياء، وإن كان لا حجة فيها، لكن هذه
الرؤيا قد قرّرها النبيّ وَّهر، فحصل الاحتجاج بتقريره وَ ل انتهى (٢).
(فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ، فَقَدْ تُقُبُلَتْ) وفي رواية الطبرانيّ: ((إن الله قد قبل صدقتك))
(١) - ((الفتح) ج ٤ ص ٤١ .
(٢) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص٥٦ .

٣٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(أَمَّا الزَّانِيَّةُ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ بِهِ) ووقع في النسخة التي شرحها السنديّ ((فلعلّ)) بإسقاط
الضمير، فقال السنديّ: ((ظاهره أنه أعطي (لعلّ)) حكم ((عسى))، فأقيم ((أن)) مع
المضارع موضع الاسم والخبر جميعًا ههنا، وأدخل ((أن)) في الخبر فيما بعدُ، ويمكن أن
يُجعل ((أن)) مع المضارع اسم ((لعلّ))، ويكون الخبر محذوفًا، أي يحصل، ونحوه
انتهى (١) (مِنْ زِنَاهَا) بالقصر، ويجوز مذه عند بعضهم. قال في ((المصباح)): زَنَى يَزْنِي
زِنّا، مقصورٌ، فهو زانٍ، والجمع زُناةٌ، مثل قاض وقضاة، وزاناها مُزاناً، وزِناءً، مثلُ
قاتل مُقاتلةً، وقتالًا، ومنهم من يَجعل المقصور والممدود لغتين في الثلاثيّ، ويقول:
المقصور لغة الحجاز، والممدود لغة نجد انتهى (وَلَعَلَّ السَّارِقَ أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهِ عَنْ
سَرقَتِهِ) فيه إيماء إلى أنّ الغالب في السارق، والزانية أنهما يرتكبان المعصية للحاجة
(وَلَّعَلَّ الْغَنِيَّ أَنْ يَعْتَبِرَ) أي يتعظ، ويتذكّر (فَيْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ)) فيه أن بعض
الناس يترك فعل الخير غفلةً، وذهولًا، فينبغي أن يُذَكَّر بذلك، كي يتنبّه، ويفعله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َّه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٢٣/٤٧ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٠٢/٤٩ . وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤٢١ (م) في ((الزكاة) ١٠٢٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٨٠٨٣. (البيهقيّ) جـ٤/
١٩٢ وجـ ٧/ ٣٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو أنه إذا دفع الزكاة إلى غير
مستحقّها، ظانًا استحقاقه سقطت عنه. قال القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى: يستفاد من
الحديث صحّة الصدقة، وإن لم توافق محلًّا، مرضيّا، إذا حسنت نيّة المتصدّق، فأما لو
علم المتصدّق أن المتصدَّق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية اللَّه لحرم عليه
ذلك، فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان انتهى (٢).
وقال في (الفتح)): ولا دلالة في الحديث على الإجزاء، ولا على المنع، ومن ثمّ
(١) - المصدر السابق.
(٢) - راجع ((المفهم)) ج ٣ ص ٦٧ .

٤٧- (بابٌ إِذاَ أَعْطَاهَا غَنِيَا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) - حديث رقم ٢٥٢٣
٣٢٩
ترجم البخاريّ على هذا الحديث بلفظ الاستفهام، فقال: ((باب إذا تصدّق على غنيّ،
وهو لا يعلم»، ولم يجزم بالحكم انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله نظر من وجهين:
(الأول): أن قوله: ((بلفظ الاستفهام)» غير صحيح، بل إنما هو بلفظ الشكّ، ولم
يذكر جوابه اتكالًا على كونه معلوما من نصّ الحديث، حيث قال: ((أما صدقتك، فقد
تقبّلت))، كما في رواية مسلم، والمصنّف، وغيرهما.
(الثاني): قد تقدّم أن وجه الاستدلال به على الإجزاء في الصدقة الواجبة أن قوله:
((لأتصدّقنّ)) من باب الالتزام، كالنذر، فصارت الصدقة واجبة عليه، وقد قرّر النبيّ وَّلـ
رؤيا المتصدّق في قبول صدقته، فصحّ الاستدلال به في إجزاء زكاة الفرض . والله
تعالى أعلم.
قال في ((الفتح)): [فإن قيل]: إن الخبر إنما تضمّن قصّة خاصّة، وقع الاطلاع فيها
على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية، فمن أين يقع تعميم الحكم؟ [فالجواب]: أن
التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف، هو الدّالّ على تعدية الحكم، فيقتضي
ارتباط القبول بهذه الأسباب انتهى (١):
(ومنها): أن شريعة من قبلنا شريعة لنا، إذا لم يأت في شرعنا ما يخالفه، وهذا هو
القول الحقّ، وهو مذهب البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، حیث أوردوا حديث الباب
للاحتجاج على إجزاء الزكاة إذا دُفعت لغير مستحقّها جهلًا. وسيأتي تمام البحث في
المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): استحباب إعادة الصدقة إذا لم يقع موقعها، وإن أجزأت (ومنها): أن
الحكم للظاهر حتى يتبيّن سواه (ومنها): بركة التسليم والرضا، وذمّ التضجّر والتسخّط
بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول (ومنها):
فضل صدقة السرّ، وفضل الإخلاص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة لغنيّ، أو نحوه، ممن
لا يستحقّها على ظنّ أنه يستحقّها:
قال العلامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى: إذا أعطى من يظنّه فقيرًا، فبان غنيًّا، فعن
أحمد فيه روايتان: إحداهما: يجزئه، أي تسقط عنه الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة،
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ٤١ .
-

٣٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
واختارها أبو بكر. وهذا قول الحسن، وأبي عُبيد، وأبي حنيفة؛ لأن النبيّ وَّ أعطى
الرجلين الْجَلْدَين، وقال: ((إن شئتما أعطيتكما، ولا حظّ فيها لغنيّ، ولا لقويّ
مكتسب)). وقال للرجل الذي سأله الصدقة: ((إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك
حقّك)). ولو اعتَبَر حقيقةً لما اكتفى لقولهم. ثم ذكر ابن قدامة حديث أبي هريرة ◌َّه
المذكور في هذا الباب.
قال: والرواية الثانية: لا يجزئه، وعليه الإعادة؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقّه،
فلم يخرج من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر. وهذا قول الثوريّ، والحسن بن صالح،
وأبي يوسف، وابن المنذر، وللشافعيّ قولان كالروايتين انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول الأول من قولي الإمام أحمد رحمه الله تعالى
هو الحقّ عندي؛ لظهور أدلته التي تقدمت آنفًا .
والحاصل أن من دفع زكاته إلى غنيّ، أو نحوه ممن لا يستحقّها، ظانًّا أنه مستحقّها،
ثم ظهر بخلافه، سقطت عنه، ولا يلزمه إعادتها، ولكن لو أعادها، كما أعاد الرجل
المذكور في حديث الباب، كان حسنًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مسألة مهمّة تُستفاد من حديث الباب، وهي مسألة ((هل
شرع من قبلنا شرع لنا، أم لا؟))، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، والحقّ -وهو الذي
عليه الجمهور، ومنهم الإمام البخاريّ، والمصنّف حیث استدلّا بحديث الباب على ما
ترجما له- أنه شرع لنا بشرط أن يُنصّ عليه في شرعنا، وأن لا يأتي في شرعنا ما يخالفه.
وقد ذكر الإمام الزركشيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((البحر المحيط)) في أصول الفقه،
الخلاف في ذلك، وهاك ملخّصه:
قال رحمه الله تعالى: ما مختصره: هل تُعُبّد النبيّ وَّر بعد النبوّة بشرع من قبله، أم
كان منهيًّا عنه؟ فيه أربعة مذاهب:
(الأول): أنه لم يكن متعبَّدًا، بل كان منهيًّا عنها، وعليه أكثر المتكلّمين، وجماعة من
الشافعيّة، والحنفيّة، واختاره الغزاليّ، وصححه ابن السمعانيّ، والنوويّ، وابن حزم،
وغيرهم.
(الثاني): أنه كان مُتعبّدًا باتباعها، إلا ما نُسخ منها، ونقله ابن السمعانيّ عن أكثر
الشافعيّة، والحنفيّة، وطائفة من المتكلّمين. وقال ابن القشيريّ: هو الذي صار إليه
الفقهاء. وقال سُليم: إنه قول أكثر أصحابنا -الشافعيّة-، واختاره الشيخ أبو إسحاق
أوّلًا في ((التبصرة))، واختاره ابن بَرْهان، وقال: إنه قول أصحابنا، وحكاه الأستاذ أبو

٤٧ - (بِأَبِّ إِذاَ أَعْطَاهَا غَنِيَا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) - حديث رقم ٢٥٢٣
٣٣١ =
منصور عن محمد بن الحسن، قال: ولذلك استدلّ بقصّة صالح النبيّ عَلَّله، وقومه
في شِرْب الناقة على إجازة المهايأة. وقال الخفّاف في ((شرح الخصال)»: شرائع من قبلنا
واجبة علينا إلا في خصلتين: أن يكون شرعنا ناسخًا لها، أو يكون في شرعنا ذكر لها،
فعلينا اتباع ما كان من شرعنا، وإن كان في شرعهم مقدّمًا. واختاره ابن الحاجب. وقال
ابن الرفعة في ((المطلب)): إن الشافعيّ نصّ عليه في ((الأمّ)) في ((كتاب الإجارة))، وأنه
أظهر القولين في ((الحاوي)). وقال إمام الحرمين: للشافعيّ ميلٌ إلى هذا، وبنى عليه
أصلًا من أصوله في ((كتاب الأطعمة))، وتابعه معظم الأصحاب. وقال في ((النهاية)):
وقد استأنس الشافعيّ لصحّة الضمان بقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَلَّ بِهِ، حِلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ،
زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] فكان الْحِمْلُ في معنى الجعالة لمن ينادي في العير بالصواع،
ولعلّه كان معلومًا عندهم، وتعلّق الضمان به. وقال أيضًا في ((كتاب الضمان)) فيمن
حلف لَيَضربنّ عبده مائة سوط، فضربه بالْعِثْكَال (١): إنه يبرأ؛ لقصة أيوب ◌َلسَّلامُ،
واتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملّتنا، والسبب فيه أن الملل لا تختلف في
موجب الألفاظ، وفيما يقع بِرًّا وحنثًا. وثبت عن ابن عبّاس ◌ََّ أنه سجد في ((سورة
ص))، وقرأ قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَثُهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]
فاستنبط التشريع من هذه الآية. رواه البخاريّ، وأحمد، وسعيد بن منصور (٢).
وقال أبو بكر عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك. وكذا قال القرطبيّ: ذهب
إليه معظم أصحابنا. وقال ابن العربيّ في ((القبس)): نصّ عليه مالك في ((كتاب الديات))
من «الموطأ))، ولا خلاف عنده فيه.
(الثالث): أنه لم يتعبّد فيها بأمر، ولا نهي. حكاه ابن السمعانيّ.
(الرابع): الوقف. حكاه ابن القشيريّ. انتهى كلام الزركشيّ باختصار (٣).
وقد ذكر الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((نثر
الورود، شرح مراقي السعود)) عند قول الناظم:
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ قَبْلَ الْوَضْعِ(٤)
وَلَمْ يَكُنْ مُكَّلْفًا بِشَرْعٍ
إِلَّا إِذَا التَّكْلِيفُ بِالنَّصِ انْتَفَى
وَهُوَ وَالأُمَّةُ بَعْدُ كُلُّفَا
وَلَمْ يَكُنْ دَاعِ إِلَيْهِ سُمِعَا
وَقِيلَ لَا وَالْخُلْفُ فِيمَا شُرِعًا
(١) - بالكسر، كقرطاس: الْعِذْق. اهـ ق.
(٢) - أخرجه البخاريّ في ((الصحيح)) في ((الجمعة))، و((الأنبياء))، و((التفسير)).
(٣) - ((البحر المحيط)) ج٦ ص٤١-٤٤ .
(٤) - أي قبل نزول الوحي عليه.

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتّابُ الزَّكَاةِ
ما حاصله: يعني أن النبيّ وَّر، وأمته بعد نزول الوحي مكلّفون بشرع من قبلهم،
خلافًا للشافعيّ، ومحلّ الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم يثبت
في شرعنا أنه شرع لنا.
قال: وهذه المسألة هي مسألة: هل شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا؟. وتحقيق المقام فيها أن
لها ثلاث حالات:
(الأولى): يكون شرع من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا
أنه كان شرعًا لمن كان قبلنا، ثمّ نصّ لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص؛ لأن الله
بَيْن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية
[المائدة: ٤٥] ونصّ على أنه شرع لنا أيضًا في قوله: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ
اَلْقِصَاصُ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
(الثانية): ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين:
(إحداهما): ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، ولو زعموا أنه من شرعهم.
(والأخرى): ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، ونُصّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا،
كالآصار، والأثقال التي شُرعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يقتلوا
أنفسهم توبةً من عبادة العجل المنصوص في قوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾
الآية [البقرة: ٥٤]، فإن هذه الآصار رُفعت عنّا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَاَلْأَغْلَلَ اَلَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِزْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وثبت في ((صحيح مسلم)) أنَّ النبيّ ◌َل
لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآَ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال اللَّه: قد
فعلت)) .
(الثالثة): هي محلّ الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم
ينصّ في شرعنا على أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرع لنا؛
خلافًا للشافعيّ(١).
وحجة الجمهور أنه ما ذُكر لنا في شرعنا إلا للاعتبار، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِی
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [يوسف: ١١١] وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضّ تعالى
في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.
ومما استدلّ به الجمهور أن اللَّه لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال للنبيّ وَ لّ:
﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِهُ﴾ [الأنعام: ٩٠]، والأصحّ أن الأمر للوجوب،
(١) - وقد تقدّم في كلام الزركشيّ أن الشافعيّ نصّ في ((كتابه الأمّ)) بما قال الجمهور، فالظاهر أَنَّ له
قولين في المسألة، فتنبه.

٤٧- (بَأَبِّ إِذاَ أَعْطَاهَا غَنِيَا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) - حديث رقم ٢٥٢٣
٣٣٣
وأنّ الأمّة تدخل تحت الخطاب الخاصّ به للت .
واستدلّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا﴾ الآية
[الشورى: ١٣] وبقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩].
واحتجّ الإمام الشافعيّ على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا
مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، وقال: إن الْهُدَى في قوله: ﴿فَيْهُدَهُمُ
أَقْتَدِةُ﴾، والدينَ في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اَلِينِ﴾ المراد بهما العقائد، دون الفروع
العمليّة، بدليل الآية المذكورة.
والحقّ أنه لا يختصّ بذلك؛ لما في ((صحيح البخاريّ)) عن مجاهد أنه سأل ابن
عبّاس ◌َوِيَّا من أين سجدتَّ؟ -يعني في ﴿صِّ﴾- فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ
وَسُلَيْمَنَ ... أُوْلَِّكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَّبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةً﴾، فكان داود ممن أُمر نبيّكم وَّر أن
يقتدي به، فسجدها رسول اللّه ێ . .
فهذا نصّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبيّ ◌َّ﴿ ثابت في ((صحيح البخاريّ)) على أنّ سجود
التلاوة داخل في قوله: ﴿فَيِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾، وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم
الاختصاص بالعقائد.
وأجاب الجمهور عن احتجاج الشافعيّ بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً
وَمِنْهَاجَأَ﴾ بأن المراد بها نسخ بعض ما كان مشروعًا، أو زيادةُ ما لم يكن مشروعًا،
وكلاهما ليس من محلّ النزاع.
ولم يزل العلماء يستدلّون على الأحكام بالقصص الماضية، كاستدلال المالكيّة،
وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي عن البيئة بجعل شاهد يوسف قرينةً شقّ
القميص من دبر مقتضية صدقَ يوسفظلَّل، وكذب امرأة العزيز المنصوص في قوله:
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن
كَيْدِكُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٢٨] ولذا صارت القرينة تكفي عن البيّنة في أمور كثيرة،
كقول مالك: إن مَن استُنكِهَ، فَشُمّ من نكهته رائحة الخمر أنه يُجلد جلدَ شارب الخمر.
وكمسيس الزوجة التي زُفْت إليه مع نساء لا تُثبت شهادتهنّ عينَ الزوجة؛ اعتمادًا على
القرينة. وكالضيف يأتيه الصبيّ، أو الوليدة بالطعام، فيباح له أكله من غير بيّنة؛ اعتمادًا
على القرينة. وكأخذ المالكيّة، وغيرهم أيضًا أن القرينة تُبطلها قرينة أقوى منها، من
قصّة يعقوب، وألاده حيث جعلوا دم السخلة على قميص يوسف ؛ ليكون الدم قرينة
لهم على صدقهم في أنّ يوسف أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي
عدم شقّ القميص، فقال: سبحان اللَّه، متى كان الذئب حليمًا كيْسًا، يقتل يوسف، ولا
1

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
يشقّ قميصه (١). كما ذكر اللَّه عنهم في قوله: ﴿وَجَءُو عَلَى قَمِيصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ
سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ١٨].
وكأخذ المالكيّة وغيرهم جوازّ ضمان الغُرْمَ من قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ حِملُ
بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيدٌ﴾.
وكأخذ بعض الشافعية ضمان الوجه المعروف عندهم بالكفالة، من قصّة يعقوب
وأولاده المنصوص في قوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَنِى بِهِة
إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ الآية [يوسف: ٦٦].
وكأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله في قصّة موسى وشُعيب: ﴿إِنّ أُرِيدُ
أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَّىَّ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ثَمَنِىَ حِجَجْ﴾ [القصص: ٢٧].
وكأخذ المالكيّة وجوب الإعذار للخصم بـ((أَبَقِيَ لَكَ حُجَةٌ؟)) من قوله في قصّة سليمان
في الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَنِ تُّبِينٍ﴾ [النمل: ٢١].
وكأخذهم أيضًا أن التلوّم للخصم بعد انقضاء الآجال ثلاثةُ أيّام، من قوله تعالى في قصّة
صالح ◌َلََّلَُّ وقومه: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية [هود: ٦٥].
وكأخذ العلماء جواز وقوع كرامات الأولياء من قوله تعالى في قصّة مريم: ﴿قَالَ
يَرْيُ أَّ لَكٍ هَذَّا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ الآية [آل عمران: ٣٧]. وأمثال هذا كثيرة جدًّا.
انتهى ما كتبه الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله تعالى في كتابه المذكور (٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لقد أجاد الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى فيما ساقه
من الآيات، وبَيَّن ما فيها من الدلالات.
والحاصل أنه قد تبيّن مما تقدّم أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أيضًا
منصوص للإمام الشافعيّ، من أنّ شرع من قبلنا، إذا قصّه اللّه تعالى في كتابه، أو قصّه
النبيّ وَ ليل فيما صحّ عنه، ولم يَرِد في شرعنا ما يخالفه، فإنه يكون شرعًا لنا.
ومن الأدلة القوية لذلك ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من
حديث أبي هريرة رَّيه: أن رسول اللّه وَلّ قال: ((بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه
العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يَلْهَث يأكل الثرى من
العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل
البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له))، قالوا:
يا رسول اللّه، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: ((نعم في كل ذات كبد رطبة أجر)).
(١) - ذكره القرطبيّ في تفسيره هذه الآية.
(٢) - نثر الورود في شرح مراقي السعود ج١ ص٣٧٣-٣٧٦.

٣٣٥=
٤٨. (بابّ الصّدقةِ مِنْ غُلُولٍ) - حديث رقم ٢٥٢٤
ومحل الشاهد قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ((وإن لنا الخ)) حيث فهموا من
ذكر النبي ◌ّر هذا القصّة أنهم لو عملوا بمثل عمله يؤجرون مثل أجره، فاستثبتوا ذلك
منه ◌َللتر، فأقرّهم على فهمهم، وأوضح لهم بأن لهم في كل حيون ذات كبد رطبة أجرًا،
وإلا لقال لهم: إن هذه الحكاية ليست لكم، وإنما هي لمن كان قبلكم فقط، فليُتنبه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٨. (بَابَ الصَّدَقَةِ مِنْ غُلُولٍ)
٢٥٢٤- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ الذَّارِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَنِعٍ - قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ...
قَالَ: وَأَنْبَأَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ - وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ- قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ - وَاللَّفْظُ لِشْرِ - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْثَ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ، بِغَيَّرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى
شيخيه، وهما ثقتان. و((أبو الْمَلِيح))-بفتح الميم -: اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل:
زياد الهذليّ، ثقة [٣]١٣٩/١٠٤. و((أبوه)): هو أسامة بن عُمير، أو عامر بن حُنيف بن
ناجية صحابي تفرد ابنه بالروية عنه، تقدم في ١٠٤/ ١٣٩ .
والحديث صحيح، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ((أبواب الطهارة ، في -
(«باب فرض الوضوء)» - ١٣٩/١٠٤ - رواه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة به، وتقدّم
هناك شرحه مستوفّى، وكذا الكلام على مسائله، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
فقوله: ((الذرّاع)) بصيغة المبالغة، وفي ((التهذيبين))، و((الخلاصة))، و((التقريب)) نسخةٍ
أبي الأشبال ((الذارع)) بصيغة اسم الفاعل، وهو اسم لمن يُذرَع الثياب والأرض، كما في
((لبّ اللباب)) جـ١ ص٣٣٥. فماوقع في النسخة الهندية من قوله: ((الزّرّاع)) بالزاي بدل
الذال المعجمة، فتصحيف. فتنبه.
(١) - وفي نسخة: ((وأخبرنا))، وفي أخرى: ((حدثنا)).
-

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقوله: ((قال: وأنبأنا إسماعيل بن مسعود» هذا إسناد آخر للمصنّف، والواو فيه واو
التحويل، أي هي الواو التي تأتي بعد حاء التحويل، ففاعل ((قال)) ضمير يعود إلى تلميذ
المصنّف، وقائل: ((وأنبأنا)) هو المصنّف.
وقوله: ((بغير طهور)) قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ((الطهور)) هنا - بضمّ
الطاء- على الأشهر؛ لأن المراد به المصدر انتهى.
وقوله: ((من غُلُولٍ)) -بضم الغين المعجمة - مصدر غَلّ يَغُلُّ غُلُولًا، من باب قعد:
إذا سرق من مال الغنيمة قبل القسمة، ويطلق أيضًا على أخذ مال غيره خفية مطلقًا،
غنيمة، أو غيرها، والمراد به هنا مطلق المال الحرام، أُخذ خفيةً، أم لا، وسمي
غلولًا؛ لأن الأيدي يُجعل فيها الغُلّ بسببه، والغلّ: هي الحديدة التي تجمع يد الأسير
إلى عنقه .
والحاصل أن كلّ مال يأخذه الشخص من غير حلّ، ثم يتصدّق به لا يقبل منه، وكذا
لو نوى التصدّق به عن صاحبه، ولا تسقط عنه تبعته، إلا إذا رضي عنه صاحبه، وجعله
في حلّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٢٥٢٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
يَسَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌّ بِصَدَقَةٍ، مِنْ
طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّ الطَّيْبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ عَزَّ وَجَلَّ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ
كَانَتْ تَمْرَةٌ، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ
فَلُوَّهُ»، أَوْ ((فَصِيلَهُ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [١٠-]١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧].
٣- (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ المدني الثقة الفقيه [٣].
٤- (سعيد بن يسار) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقة [٣].
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، والليث فمصري.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة رَمليه رأس المكثرين من

٣٣٧
٤٨. (باب الصّدقةِ مِنْ غُلُول) - حديث رقم ٢٥٢٥
الرواية روى (٥٣٧٤). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا)
نافية (تَصَدَّقَ أَحَدٍّ بِصَدَقَةٍ) الباء يكثر زيادتها بعد ((ما)) النافية، و(ليس))، و((كان المنفيّة
بـ(لم))، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ ((مَا)) و(لَيْسَ)) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ (لَا)) وَنَفْي ((كَانَ)) قَدْ يُجَرِّ
(مِنْ طَيِّبٍ) أي حلالٍ، وقد يطلق الطيّب على المستلذّ بالطبع، والمراد هنا هو
الحلال.
وفي رواية الشيخين: ((مَن تصدّق بِعَدْل تمرة من كسب طيّب)): أي بقيمتها؛ لأنه
بالفتح: المثل، وبالكسر: الخمل بكسر المهملة، هذا قول الجمهور، وقال الفرّاء:
بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة،
وبالكسر في النظر. وأنكر البصريّون هذه التفرقة. وقال الكسائيّ: هما بمعنى، كما أنّ
لفظ المثل لا يختلف. وضُبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح انتهى (١) .
وقوله: ((من كسب طيّب)) أي صناعة، أو تجارة، أو زراعة، أو غيرها، ولو إرثًا، أو
هبة. قال الحافظ: معنى الكسب: المكسوبُ، والمراد به ما هو أعمّ من تعاطي
التكسّب، أو حصول المكسوب بغير تعاط، كالميراث، وكأنه ذكر الكسب لكونه
الغالب في تحصيل المال، والمراد بالطيّب الحلال؛ لأنه صفة الكسب.
وقال القرطبيّ: والكسب الطيّب في هذا الحديث الحلال، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ
مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]
وغيره، وأصل الطيّب المستلذّ بالطبع، ثمّ أُطلق على المطلق بالشرع انتهى (٢).
(وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّ الطَّيِّبَ) جملة معترضةٌ بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله،
وفيه دليل على أن الحلال مقبول. قال السنديّ: هذه الجملة معترضة لبيان أنه لا ثواب
في غير الطيّب، لا أن ثوابه دون هذا الثواب، إذ قد يتوهّم من التقييد أنه شرط لهذا
الثواب بخصوصه، لا لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضًا، فذُكِرَت هذه
الجملة دفعًا لهذا التوهّم. ومعنى عَدَم قبوله أنه لا يُثيب عليه، ولا يرضى به. انتهى (٣).
(١) - ((فتح) ج٤ ص٢٦ .
(٢) - ((المفهم» ج٣ ص٥٨-٥٩ .
(٣) - ((شرح السنديّ)» ج٥ص٥٧ .

٣٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ومعنى عدم القبول الخ)) فيه نظر؛ لأن هذا
لازم لمعنى القبول، لا مَعنّى للقبول، والصواب أن القبول على ظاهر معناه على الوجه
اللائق به عز وجل، كما يدلّ عليه قوله: ((إلا أخذها الرحمن الخ))، كما سيأتي بيانه
قریبًا .
وقال القرطبيّ: وإنما لا يقبل اللَّه الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك
للمتصدّق، وهو ممنوعٌ من التصرّف فيه، والتصدّق به تصرّف فيه، فلو قُبلت منه لزم أن
يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب،
فتُحرَّم الرّقّة، والإخلاص، فلا تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يُقبل؛ لأنه
ليس بطيّب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيّب بذاته انتهى.
(إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ عَزَّ وَجَلَّ بِيَمِينِهِ) فيه إثبات اليمين لله عز وجل، على ما يليق
بجلاله، وهذا المذهب الحقّ الذي عليه سلف هذه الأمة، وسيأتي تمام الكلام عليه في
المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً) قال السنديّ: و((إن)) وصليّةٌ، أي ولو كانت الصدقة شيئًا حقيرًا
انتهى (فَتَزْبُو) أي تزيد تلك الصدقة (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) فيه إثبات الكفّ للَّه تعالى أيضًا
على ما يليق بجلاله عز وجل (حَتَّى تَكُونَ) تلك الصدقة (أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ) أي في
الثقل. وفي رواية البخاريّ: ((حتى تكون مثل الجبل)). وفي رواية ابن جرير: ((حتى
يوافَى بها يوم القيامة، وهي أعظم من أحد)). يعني التمرة. ولفظ الترمذيّ: ((حتى إن
اللقمة لتصير مثل أحد))، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ
يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِبَوأ
وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من
كلام أبي هريرة. وزاد في رواية عبد الرزّاق: ((فتصدّقوا)).
قال الحافظ: والظاهر أن المراد بعِظَمِها أن عينها تعظم لتَتْقُلَ في الميزان. ويحتمل
أن يكون ذلك معبّرًا به عن ثوابها انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الصواب، وأما الثاني، فيُبعِده
سياق الحديث. والله تعالى أعلم (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ) هذا التشبيه متعلّق بمحذوف: أي
يربيها الرحمن تربية، مثل تربية أحدكم الخ، ويدلّ عليه رواية الشيخين، وغيرهما
بلفظ: ((ثم يُربّيها لصاحبها، كما يربّي أحدكم الخ)) (فَلُوَّهُ))) بفتح الفاء، وضمّ اللام،
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ٢٧ -٢٨ .

٤٨. (بَابَ الصَّدَقَةِ مِنْ غُلُولٍ) - حديث رقم ٢٥٢٥
٣٣٩
وفتح الواو المشددة: أي مُهره. وهو بضمّ، فسكون: ولد الفرس، حين يُفْلَى، أي
يُقطم. وقيل: هو كلّ فَطِيم، من ذوات حافر، والجمع أفلاء، كعدُوّ وأعداء، والأنثى
فَلُوَةٌ بالهاء، والْفِلْوُ وزان حِمْل لغة فيه. وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شدّدت الواو،
وإذا کسرتها سكنت اللام، كچِزْوٍ .
وضُرِب به المثلُ؛ لأنه يزيد زيادة بيّنة، فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده، ويتولّى
تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، فإذا
أحسن القيام، والعناية به انتهى إلى حدّ الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيّما الصدقة
التي يُجاذبها الشحّ، ويتشبّث بها الهوى، ويقتفيها الرياء، ويكدّرها الطبع، فلا تكاد
تخلص إلى الله تعالى إلا موسومة بنقائص، لا يجبرها إلا نظر الرحمن سبحانه وتعالى،
فإذا تصدّق العبد من كسب طيّب، مستعدًّا للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فلا يزال
نظر اللَّه يُكسبها نعت الكمال، ويوفيها حصّة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب
تقع المناسبةُ بينه وبين ما قَدّم من العمل وقوعَ المناسبة بين التمرة والجبل. كذا قال
(١)
التوربشتيّ (١) .
(أَوْ فَصِيلَهُ) ((أو)) للشكّ من الراوي. و((الفصيل)) -بالفتح -: ولد الناقة؛ لأنه يُفضَل
عن أمّه، فهو فعيل بمعنى مفعول، والجمع فُصلان، بضمّ الفاء، وكسرها، وقد يُجمع
على فِصال، بالكسر. قاله في ((المصباح)).
ووقع عند الترمذيّ: («فلوّه، أو مُهْره)). ولعبد الرزّاق: «مُهره، أو فَصيله)). وفي
رواية البزار: ((مهره، أو رَضيعه، أو فَصيله)). ولابن خزيمة: ((فلوّه، أو قال: فصيله)).
وهذا يشعر بأن ((أو)) للشكّ. قاله في ((الفتح)) (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َّه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥٢٥/٤٨- وفي ((الكبرى)) ٢٣٠٤/٥٠. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤١٠ (م) في ((الزكاة)) ١٠١٤ (ت) في («الزكاة)٦٦١ و٦٦٢ (ق) في ((الزكاة)) ١٨٤٢
(١) - ((المرعاة)) ج٦ ص٣٢١.
(٢) - (فتح)) ج٤ ص٢٧ .

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(أحمد) في باقي مسند المكثرين)) ٧٥٧٨ و٨١٨١ و٨٧٣٨ و٨٩٩٢ و٩١٤٢ و٩١٤٩
و٩٢٨١ و٩٧ ٣٨ و١٠٥٦٢ و١٠٥٩٦ (الدارميّ) في ((الزكاة)) ١٦٧٥. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو تحريم الصدقة من غلول؛ لأنها
خبيثة، والله تعالى طيّب، لا يتقبل إلا طيًّا (ومنها): جواز الوصف لله تعالى بأنه
طيّب. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي منَزّه عن النقائص، والخبائث، فيكون بمعنى
القدّوس. وقيل: طيّب الثناء، ومُستَلَذّ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا فطيّبٌ من
أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنّة، كالجميل، والنظيف، على
قول من رواه، ورآه انتهى (١).
(ومنها): فضل الصدقة من المال الحلال، حيث إن الرحمن يتقبّلها بقبول حسنٍ
(ومنها): إثبات صفة القبول لله تعالى على ما يليق بجلاله عز وجل، ولا يقال: إنه
بمعنى الرضا والمثوبة؛ لإن هذا تفسير باللازم، ولا حاجة إلى العدول إلى التأويل؛ إذ
ليس نصّ يدلّ عليه، بل القبول على ظاهره، ولا يلزم من إثباته تشبيه بالمخلوق، إذ
القبول الثابت له تعالى غير القبول الثابت للمخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (ومنها): إثبات اليمين لله عز وجل على ما يليق بجلاله أيضًا،
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (ومنها): إثبات الكفّ لله عز وجل كذلك
(ومنها): بيان فضل الله تعالى للمتصدّق من مال طيّب، حيث يربّيها له حتى تكون
التمرة الواحدة من عظمها مثل الجبل، كما قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَخْصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في آيات الصفات، وآحاديثها:
(اعلم): أنّ الحق الذي درج عليه الصحابة ، والتابعون، ومن تبعهم بإحسان هو
إثبات ما دلّت عليه آيات الصفات، وأحاديثها الصحيحة الثابتة عن رسول اللّه وَ ليل على
ظاهرها من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تأويل، بل على ما يليق بجلاله
سبحانه وتعالى، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه)) بعد أن أورد حديث الباب: ما
(١) - ((المفهم)) ج٣ ص٥٨ .