النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٩- (الدقِیق) - حدیث رقم ٢٥١٤ ٣٠١ = استطعتم ... )) الحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥١٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِیَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: ((كُنَّا تَخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ صَاعًا مِنْ طَعَامِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ، فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ، حَتَّى قَدِمُّ مُعَاوِيَةُ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ فِيمَا عَلَّمَ النَّاسَّ، أَنَّهُ قَالَ: مَا أَرَى مُدَّيْنٍ، مِنْ سَمْرَاءِ الشَّام، إِلَّا تَعْدِلُ(١) صَاعًاً مِنْ هَذَا، قَالَ: فَأَخَذَ (٢) النَّاسُ بِذَلِكَ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((هنّاد بن السّريّ)) هو: الكوفيّ الثقة [١٠] ٢٥/٢٣. و((داود بن قيس)): هو الفرّاء الدّبّاغ، أبو سليمان القرشيّ المدنيّ، ثقة فاضل [٥]١٢٠/٩٦. وقوله: ((فيما علّم الناس)) بتشديد اللام، من التعليم. والحديث صحيحٌ، وقد مضى شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٣٩- (الدَّقِيقُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الدقيق)) -بالفتح- فَعيل بمعنى مفعول. قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى: دققتُ الشيءَ دَقًّا، من باب قتل، فهو مَذْقٌّوقٌ، ودَقيقُ الحنطة، وغيرها، وهو الطَّحِينُ أيضًا، فعيل بمعنى مفعول، ويجمع على أَدِقَّةٍ، مثلُ جَنِينٍ وأجِنّة، ودَلِيل وأدلّة. انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُخْبِرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: ((لَمْ نُخْرِجْ عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ، إِلَّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا (١) - وفي نسخة: ((يعدل)). (٢) - وفي نسخة: ((وأخذ)). (٣) - ((المصباح المنير)). ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ مِنْ دَقِيقٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ)). ثُمَّ شَّكَّ سُفْيَانُ، فَقَالَ: ((دَقِيقٍ، أَوْ سُلْتٍ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحیح، غیر شیخه (محمد بن منصور)) وهو الجوّاز المكيّ فإنه من أفراده. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((ابن عجلان)): هو محمد، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله أحد العلماء العاملين المدنيّ، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٤٠/٣٦. وقوله: ((ثمّ شكّ سفيان)) يعني أن سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى بعد أن كان يحدّث ((أو صاعًا من دقيق)) وقع عليه شكّ في ذلك، فقال: ((من دقيق، أو سُلْت)). وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق يحيى القطّان، عن ابن عجلان: ما نصّه: هذا حدیث یحیی، زاد سفیان «أو صاعًا من دقیق)). قال حامد -يعني شيخه حامد بن يحيى -: فأنكروا عليه، فتركه سفيان. قال أبو داود: فهذه الزيادة وَهَمّ من ابن عيينة انتهى. وقال البيهقيّ رحمه الله تعالى: رواه جماعة عن ابن عجلان، منهم: حاتم بن إسماعيل، ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم في ((الصحيح))، ويحيى القطّان، وأبو خالد الأحمر، وحماد بن مسعدة، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكروا عليه، فتركه. وروي عن محمد بن سيرين، عن ابن عبّاس، مرسلًا موقوفًا على طريق التوهّم، وليس بثابت، وروي من أوجه ضعيفة، لا تسوى ذكرها. انتهى كلام البيهقيّ رحمه اللّه تعالى(١) . وقال الدارقطنيّ بعد إخراجه من طريق العباس بن يزيد، عن ابن عيينة بلفظ: ((ما أخرجنا على عهد رسول اللَّه ◌َ له إلا صاعًا من دقيق، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من سُلْت، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط)). قال أبو الفضل: فقال له -أي لسفيان- عليّ بن المدينيّ، وهو معنا: يا أبا محمّد أحدٌ لا يذكر في هذا الدقيقَ، فقال: بل هو فيه انتهى (٢). وأبو الفضل هو العباس بن يزيد المذكور. وأخرج ابن خزيمة، والدارقطنيّ من طريق محمد بن سيرين، عن ابن عبّاس تَّا، قال: ((أمرنا رسول اللَّه وَله، أن نؤذي زكاة رمضان صاعًا من طعام، عن الصغير والكبير، والحرّ، والمملوك، من أدّى سُلتًا قُبل منه))، وأحسبه قال: ((ومن أدّى دقيقًا قُبل منه، ومن أدی سویقًا قُبل منه)). قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا؟ -يعني هذا الحديث- فقال: مُنكَرٌ؛ لأن ابن (١) - ((السنن الكبرى)) ج ٤ ص١٢٧ . (٢) - راجع ((سنن الدارقطنيّ)) ج٢ ص ١٤٦ . ٤٠- (الچنطة) - حدیث رقم ٢٥١٥ ٣٠٣ = سيرين لم يسمع من ابن عبّاس في قول الأكثر(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن زيادة الدقيق في حديث أبي سعيد رَّه لا تصحّ، وأن سفيان بن عيينة كان يرويه في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، فلما أُنكر عليه تركه. والله تعالى أعلم. وقد استَدَلّ به أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وقالوا أيضًا: يجوز إخراج السويق، ثم قال الحنفيّة: نصف صاع من دقيقِ القَمْحِ، وسويقه، وصاع من دقيق الشعير، وسويقه، وقال أحمد: صاع من الجميع. واحتجّوا للجواز بحديث الباب، وبحديث ابن خزيمة، والدارقطنيّ المذكور، وغيرهما، وقد عرفت أنها كلها ضعيفة. وفي ((المنهل)): وقال مالك، وأصحابه، والشافعيّة، وأكثر العلماء: لا يجوز إخراج الدقيق، والسويق؛ لأنهما لم يذكرا في الأحاديث الصحيحة، والأحاديثُ التي فيها ذكر الدقيق والسويق لا تصلح للاحتجاج بها انتهى(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه أكثر العلماء، من عدم إجزاء الدقيق، والسويق في زكاة الفطر هو الصواب عندي؛ لعدم صحّة الدليل عليه، إلا إذا كان هناك عذرٌ، كعدم وجود الأشياء المنصوص عليها، فيجوز إخراجهما، للضرورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). : ٤٠- (الْحِنْطَةُ) ٢٥١٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا(٣) حُمَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، خَطَبَ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: (أَدُوا زَكَاةَ صَوْمِكُمْ))، فَجَعَلَ النَّاسُ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَاهُنَا، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟، قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ، فَعَلْمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَغْلَمُونَ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، عَلَى الصَّغِيرِ (١) - راجع (التلخيص الحبير)) ج٢ ص٣٥٥-٣٥٦ . (٢) - راجع ((المنهل العذب المورود)) ج٩ ص٢٣٤-٢٣٥. (٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٣٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، نِصْفَ ضَاعِ بُرٌّ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: فَقَالَ عَلِيٍّ: أَمَّا إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ، فَأَوْسِعُوا، أَعْطُوا صَاعًا مِنْ بُرُّ، أَوْ غَيْرِهِ)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة. و((حميد)): هو الطويل. و((الحسن)): هو البصريّ. والحديث تقدّم سندًا ومتنا في ٢٥٠٨/٣٦- وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، وهو حديث ضعيف للانقطاع بين الحسن البصريّ، وابن عبّاس تَّا، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤١- (السُّلْتُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((السُّلْتَ)) -بضمّ، فسكون -: قال في ((اللسان)): ضربٌ من الشعير، وقيل: هو الشعير بعينه. وقيل: هو الشعير الحامض. وقال الليث: السُّلْتُ شعيرٌ لا قشر له أجرد، زاد الجوهريّ: كأنه الحنطة، يكون بالْغَوْر، والحجاز، يتبرّدون بسويقه في الصيف. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥١٦ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَّهِ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ سُلْتٍ، أَوْ زَبِيبٍ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((موسى بن عبد الرحمن)): هو الكنديّ المسروقيّ، أبو عيسى الكوفيّ، ثقة، من كبار[١١]٧٤/ ٩١ . و((حسين)): هو ابن عليّ الجعفيّ الكوفيّ الثقة المقرىء العابد [٩]٩١/٧٤. و((زائدة)): هو ابن قُدَامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧]٩١/٧٤. و((عبد العزيز بن أبي رَوَّاد)» المكيّ، واسم أبيه ميمون، وقيل: غيره، صدوق عابد، ربما وَهِمَ، ورُمي بالإرجاء [٧]٩٣ / ١٣٥١. والحديث صحيح، إلا أن زيادة ((السلت)) فيها نظر؛ لأنها من رواية ابن أبي رَوَّاد، وهو متكلم فيه، وقد روى الحديث الثقاةُ من أصحاب نافع، وليست عندهم هذه الزيادة، فالظاهر عدم قبولها، فتأمل. وقد تقدّم تمام البحث في الحديث مُستَوفّى في ٢٥٠١/٣١ فراجعه تستفد. ٣٠٥ == ٤٢- (الشَّعِيرُ) - حديث رقم ٢٥١٧ ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على إجزاء صاع من السّلت في صدقة الفطر، إلا أن الظاهر أن زيادة ((السلت)) في الحديث لا تصح، كما نبهت عليه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤٢- (الشَّعِيرُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: (الشَّعِير)) - بالفتح -: جنس من الحبوب معروفٌ، واحدته شَعيرةٌ، وبائعه شَعِيريٍّ. قال سيبويه: وليس مما بُني على فاعل، ولا فَعّالٍ، كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِيرٌ، وبِعِيرٌ، ورِغِيفٌ، وما أشبه ذلك -أي بكسر أوله، وثانيه- لتقريب الصوت من الصوت، فلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق. ذكره فى ((اللسان)). وفي ((المصباح)): الشَّعِير: حَبّ معروفٌ، قال الزّجاج: أهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يُذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير انتهى. فأفاد ما تقدّم عن سيبويه أن الشَّعِير بفتح أوّله، وكسر ثانيه، ويجوز كسر أوله أيضًا تبعًا لحركة العين، وهكذا كلّ ما أتي على فَعِيل، وكان عينه حرف حلق، كبَعِير، ورَغِيفٍ، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥١٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: ((كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ أَقِطِ، فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ، حَتَى كَانَ فِي عَهْدٍ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: مَّا أَرَى مُدَّيْنٍ، مِنْ سَّمْرَاءِ الشَّامِ، إِلَّا تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و((عمرو)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو القطّان. وقوله: ((من سمراء الشام) أي الْقَمْح الشاميّ. قيل: هو الحنطة الجيّدة المعروفة بالشام بالجبليّ. والحديث صحيح، تقدم الكلام عليه في ٢٥١١/٣٧، ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أن إخراج صاع من الشعير في صدقة الفطر مجزىء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٣٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٤٣- (الأَقِطُ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الأقط)) كما قال الأزهريّ رحمه الله تعالى: يُتخذ من اللبن الْمَخِيض، يُطبخ، ثمّ يُترك حتّى يَمْصُلَ (١)، وهو -بفتح الهمزة، وكسر القاف، وقد تُسكّن القاف للتخفيف، مع فتح الهمزة، وكسرها، مثل تخفيف كَبِدٍ، نقله الصغانيّ عن الفَرَّاء ذكره في ((المصباح)). وقال في ((اللسان)): ((الأَقِط)) -أي بفتح، فكسر - و((الإِقْطُ)) - أي بكسر، فسكون- و ((الأَقْطُ)) -أي بفتح، فسكون- و((الأُقْطُ- أي بضمّ، فسكون -: شيءٌ يُتخذ من اللبن الْمَخِيض، يُطبخ، ثمّ يُترك حتىّ يَمْصُل، والقِطْعة منه أَقِطَّةٌ. قال ابن الأعرابيّ: هو من ألبان الإبل خاصّة. وقال الجوهريّ: الأقط معروف، قال: وربّما سُكّن في الشعر، وتُنقل حركة القاف إلى ما قبلها، قال الشاعر [من الطويل]: رُوَيْدَكَ حَتَّى يَنْبُتَ الْبَقْلُ وَالْغَضَا فَيَكْثُرَ إِقْطْ عِنْدَهُمْ وَحَلِيبُ قال: وَأَتَقَطْتُ: اتّخذتُ الأقِطَ، وهو افتَعَلْتُ، وأَقَطَ الطَّعَامَ يَأْقِطُهُ أَقْطًا: عَمِلَهُ بالأَقِطِ، فهو مأْقُوطُ، وأنشد الأَضْمَعِيُّ [من الرجز]: وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَبُوتَا وَيَدْمُقُ(٢)الأَقْفَالَ وَالثَّابُوتَا وَيَخْثُقُ الْعَجُوزَ أَوْ تَمُوتَا أَوْ تُخْرِجُ الْمَأْقُوطَ وَالْمَلْتُوثَا انتهى عبارة ((لسان العرب)» باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥١٨ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ(٣)، أَنَّ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ، قَالَ: (كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّه صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ، لَا تُخْرِجُ غَيْرَهُ)) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير عبد الله بن عبدالله بن عثمان، كما سيأتي، و((عيسى بن حمّاد)): هو المصريّ المعروف بـالزُغْبَةَ)) ثقة (١) - الْمَصْلُ عُصارةُ الأقط، وهو ماؤه الذي يُعصر منه حين يطبخ. قاله ابن السِّكِيت. نقله في ((المصباح المنير)). (٢) - يقال: دَمَقَ يدمُقُ دُمُوقًا، من باب قعد: دخل بغير إذن، والدَّمْقُ -بفتح، فسكون -: السرقة. أفاده في ((القاموس)). (٣) - ووقع في نسخة: ((ابن عمر))، وهو غلط. ٣٠٧ = ٤٣- (الأقِطُ)- حدیث رقم ٢٥١٨ [١٠]٢١١/١٣٥. و((الليث)): هو ابن سعد الإمام الثبت الفقيه الحجة المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. و((يزيد)): هو ابن أبي حبيب، أبو رجاء المصريّ الفقيه الثقة [٥]٢٠٧/١٣٤. و((عبد الله -ويقال: عبيدالله، مصغّرًا- ابن عبد اللَّه بن عثمان)) بن حكيم بن حِزَام ابن خُوَيلد الأسديّ الحزاميّ -بالحاء المهملة، والزاي - مقبول [٦]. روى عن عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول. وعنه يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن إسحاق، وعبد الله بن عامر الأسلميّ، وحُنين بن أبي حكيم. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. والحديث حسنٌ، وتقدّم البحث عنه فيما سبق، فراجعه، تستفد. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على أنّه يجوز دفع صاع من الأقط في صدقة الفطر، كغيره مما ذُكر في الحديث، وقد اختلف فيه العلماء، فقال مالك بالإجزاء، إذا كان من أغلب القوت، وللشافعيّ فيه قولان: أحدهما كقول مالك. والثاني: أنه لا يجزىء، قال الحافظ: وعند الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ بأهل البادية، وأما الحاضرة، فلا يجزىء عنهم بلا خلاف، وتعقّبه النوويّ في ((شرح المهذّب))، وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع انتهى. والمذكور في فروع الشافعيّة الإجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال النوويّ في ((شرح مسلم)): يجزىء الأقط على المذهب انتهى. وقال الحنفيّة: لا يُجزىء إلا بدلًا عن القيمة. قال الكاسانيّ في ((البدائع)): أما الأقط، فتعتبر فیه القیمة لا یجزىء إلا باعتبار القيمة، لأنه غير منصوص عليه من و جه یوثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الكاسانيّ، فإن حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه هذا أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقوله: غير منصوص عليه من وجه يوثق به. ينادي عليه بأنه بعيد كلّ البعد عن مراجعة مشاهير الكتب الحديثية، كالصحيحين، فضلاً عن غيرها، مع أنه يعدّ من كبار الفقهاء الحنفية، إن هذا لهو العجب العُجاب. وقال ابن قدامة: يجزىء أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه، فأما من وجد سواه، فهل يجزىء على روايتين: إحداهما: يجزئه أيضًا؛ لحديث أبي سعيد المذكور في الباب. والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزىء إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، كاللحم، ويُحمل الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره. انتهى كلام ابن قدامة باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الحقّ، وأما القول الثاني، فمخالف للنصوص الصحيحة، فلا يلتفت إليه. فالحقّ أنه يجزىء إخراج الأقط، مطلقًا، سواء ٣٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ كانوا من أهل الأمصار، أو من غيرهم، قادرين على غيره، من التمر، وغيره، أو لا، وسواء كان قوتًا له، أو لا؛ لأن الحديث لم يفرّق، ولم يفصّل شيئًا من ذلك. والحاصل أن الأقط مجزىء مطلقًا، لحديث أبي سعيد الخدريّ رَّه المذكور في الباب، حيث قال: ((كنّا نخرج في عهد رسول اللّه وَلير ... )) الحديث، فأطلق، ولم يقيّده بشيء، مما ذكروه، فدلّ على أنه يجزىء مطلقًا، كالتمر، والشعير المذكورين معه، حيث لا خلاف في إجزائهما، فكذلك هو. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤٤- (كَم الصَّاعُ) ٢٥١٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَنَا الْقَاسِمُ -وَهُوَ ابْنُ مَالِكِ - عَنِ الْجُعَيْدِ، سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: ((كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، مُدَّا وَثُلُنَا، بِمُدْكُمُ الْيَوْمَ، وَقَدْ زِيدَ فِهِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: و حَدَّثَنِهِ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١- (عمرو بن زرارة) أبو محمد النيسابوريّ، ثقة ثبت [١٠]٣٦٨/٧. ٢- (القاسم بن مالك) المزنيّ، أبو جعفر الكوفيّ، صدوق فيه لين، من صغار [٨]١ / ١٤٤٢. ٣- (الْجُعَيْدِ) -مصغّرًا- ويقال: الجعد -مكبرًا- ابن عبد الرحمن بن أوس، وقد ينسب إلى جدّه، ثقة [٥]١٠٠/٨٣. ٤- (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل: غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر، صحابيّ صغير، له أحاديث قليلة، وحُجَ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر سوق المدينة، آخر من مات بالمدينة من الصحابة ،، مات سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك، تقدّم في ١٣٩٢/١٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٢٩) من رباعيات ٣٠٩ ٤٤- (كَم الصَّاع) - حديث رقم ٢٥١٩ الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه آخر من مات ** كما سبق آنفًا. والله تعالى أعلم. بالمدينة من الصحابة شرح الحديث (عَنِ الْجُعَيْدِ) أو الجعد بن عبد الرحمن، أنه قال (سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد ابن ثُمامة الكنديّ رَّهِ أنه (قَالَ: ((كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهِ، مُدَّا وَثُلُنَا، بِمُدْكُمُ الْيَوْمَ) ((أل)) للعهد الحضوريّ، أي بمدكم المستعمل في اليوم الحاضر الذي هو يوم تحديث السائب للجعد بن عبد الرحمن، ومن معه (وَقَدْ زِيدَ فِيهِ) أي زيد في مقدار الصاع بعد عهده وَل9. وللبخاريّ: ((فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز)). قال ابن بطّال رحمه اللّه تعالى: هذا يدلّ على أن مدّهم حين حدّث به السائب كان أربعة أرطال، فإذا زيد عليه ثلثه، وهو رطلٌ وثلثّ، قام منه خمسة أرطال، وثلثٌ، وهو الصاع بدليل أن مدّه ◌َل﴿ رطلٌ وثلثٌ، وصاعه أربعة أمداد، ثمّ قال: مقدار ما زيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز لا نعلمه، وإنما الحديث يدلّ على أن مدّهم ثلاثة أمداد بمدّه انتھی . قال الحافظ: ومن لازم ما قال أن يكون صاعهم ستة عشر رطلًا، لكن لعلّه لم يعلم مقدار الرطل عندهم إذ ذاك. انتهى (١). (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللّه تعالى (وحَدَّثَنِيهِ) أي هذا الحديث (زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ) البغداديّ، أبو هاشم الطوسيّ الأصل، الحافظ الثبت، الملقّب بـ((دَلَّويَه))، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، مات سنة (٢٥٢) وله (٨٦) سنة، وتقدّم في ١٣٢/١٠١. زاد في ((الكبرى)): ((عن القاسم)). والمعنى: أن زياد بن أيوب حدث المصنّف بهذا الحديث عن القاسم بن مالك، كما حدّثه به عمرو بن زرارة، ورواية زياد أخرجها الإسماعيليّ، كما أشار إليه في ((الفتح)) جـ١٥ ص٢٤٦ حيث قال: ووقع في رواية زياد بن أيوب، عن القاسم بن مالك، قال: أنبأنا الجعيد، أخرجه الإسماعيليّ انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث السائب بن يزيد ◌َظمه هذا أخرجه البخاريّ. - (١) - راجع ((الفتح)) ج ١٣ ص ٤٦٠. ٣١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٥١٩/٤٤ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٩٨/٤٦ - وأخرجه (خ) في ((كتاب كفّارات الأيمان)» ٦٧١٢ وفي («كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) ٧٣٣٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مقدار الصاع: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وعلماء الحجاز إلى أنه خمسة أرطال، وثلث بالرطل البغداديّ. وذهب أبو حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن إلى أنه ثمانية أرطال بالرطل المذكور. وكان أبو يوسف يقول كقولهما، ثم رجع إلى قول مالك، والجمهور لَمّا تناظر مع مالك بالمدينة، فأراه الصيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم إلى زمن النبيّ وَلهر. وقد بسط البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) الدلائل في كون الصاع المجزىء في الفطرة خمسة أرطال وثلثًا بسطاً حسنًا. قال: وأما ما رواه صالح بن موسى الطلحيّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رعيثها: ((جرت السنة من رسول اللَّه وَل في الغسل من الجنابة صاع، والوضوء برطلين، والصاع ثمانية أرطال)). فإن صالحًا تفرّد به، وهو ضعيف. قاله يحيى بن معين، وغيره، من المحدثين. قال: وكذا ما روي عن جرير بن يزيد، عن أنس تَ ◌ّيه، وما روى عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن أنس: ((أن النبيّ وَلو كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع، ثمانية أرطال)). إسنادهما ضعيف، وإنما الحديث الصحيح عن أنس تعظيم، قال: ((كان رسول اللَّه وَله يتوضّأ بالمذ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)». قال البيهقيّ: فلا معنى لترك الأحاديث الصحيحة في قدر الصاع المعدّ لزكاة الفطر بمثل هذا. انتهى (١). وقال الحافظ وليّ الدين: وإطلاق الصاع في الحديث يدلّ على أنه مكيال معروفٌ عندهم. وقال ابن الصبّاغ وغيره من الشافعيّة: الأصل فيه الكيل، وإنما قدّره العلماء بالوزن استظهارًا. وقال النوويّ: قد يُستشكل ضبط الصاع بالأرطال، فإن الصاع المخرج به في زمن النبيّ ◌َّالز مكيال معروف، ويختلف قدره وزنا باختلاف جنس ما يخرج، كالذرة، والحمّص، وغيرهما، والصواب ما قاله أبو الفرج الدارميّ من أصحابنا أن الاعتماد في ذلك على الكيل دون الوزن، وأن الواجب أن تخرج بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصر رسول اللّه وَ طاهر، وذلك الصاع موجود، ومن لم يجده (١) - راجع ((السنن الكبرى)) ج٤ ص١٦٩ - ١٧٠ . ٣١١= ٤٤ - (كَم الصَّاعُ) - حديث رقم ٢٥١٩ وجب عليه إخراج قدر يتيقّن أنه لا ينقص عنه، وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال، وثلث تقريب، وقال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكفّي رجل معتدل الكفين انتهى كلام النوويّ (١). وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)): ما حاصله: الصاعُ خمسة أرطال وثلثّ بالعراقيّ. والأصل فيه الكيل، وإنما قدّره العلماء بالوزن ليُحفَظ، ويُنْقَل. وقد روى جماعة عن أحمد أنه قال: الصاع وزنته، فوجدته خمسة أرطال وثلثًا حنطةً. وقال حنبلٌ: قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر، وقال أبو النضر: أخذته عن ابن أبي ذئب، وقال: هذا صاع النبيّ وَ ◌ّر الذي يُعرف بالمدينة، قال أبو عبد الله: فأخذنا العَدَسَ، فعيّرنا به، وهو أصلح ما يُكال به؛ لأنه لا يتجافى عن موضعه، فَكِلْنا به، ثمّ وزنّاه، فإذا هو خمسة أرطال وثلثّ، وقال: هذا أصلح ما وقفنا عليه، وما تبيّن لنا من صاع النبيّ وَ﴿، وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثًا من الحنطة، والعدَسِ، وهما من أثقل الحبوب، فما عداهما من أجناس الفطرة أخفّ منهما، فإذا أخرج منها خمسة أرطال وثلثًا، فهي أكثر من صاع. وقال محمد بن الحسن: إن أخرج خمسة أرطال وثلثًا بُرًّا لم يُجزه؛ لأن البرّ يختلف، فيكون فيه الثقيل والخفيف. وقال الطحاويّ: يُخرج ثمانية أرطال مما يستوي كيله ووزنه، وهو الزبيب والماشُ. ومقتضى كلامه أنه إذا أخرج ثمانية أرطال مما هو أثقل منهما لم يجزئه حتى يزيد شيئًا يعلم أنه قد بلغ صاعًا، والأولى لمن أخرج من الثقيل بالوزن أن يحتاط، فيزيد شيئًا يعلم به أنه قد بلغ صاعًا. انتهى كلام ابن قدامة (٢). وقد ردّ الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى على القائلين: إن الصاع ثمانية أرطال ردًّا عَنيفًا، ثم أورد حديثَ: ((المكيالُ مكيالُ أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكّة)) الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، وقال: فلم يَسَغْ أحدًا الخروج عن مكيال أهل المدينة، ومقداره عندهم، ولا عن موازين أهل مكّة، ووجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أنّ مدّ رسول اللّه وَ لير الذي تؤدى به الصدقات ليست أكثر من رطل ونصف، ولا أقلّ من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث، وليس هذا اختلافًا، لكنه على حسب رزانة المكيل من البرّ، والتمر، والشعير. ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة: ((أن مدّ النبيّ وَّ الذي كان يأخذ به الصدقات رطل ونصف)). وأخرج أيضًا من طريق أبي داود، عن أحمد بن حنبل، قال: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث. (١) - راجع ((طرح التثريب)) ج ٤ ص٥٣ -٥٤. (٢) - ((المغني)) ج٤ ص٢٨٧-٢٨٨. ٣١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قال أبو داود: وهو صاع رسول اللَّه وَالتر. وأخرج من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: ذكر أبي أنه عير مدّ النبيّ وَ ﴿ بالحنطة، فوجدها رطلا وثلثًا في البرّ. قال: ولا يبلغ من التمر هذا المقدار. وأخرج من طريق إسماعيل بن إسحاق، قال: دفع إلينا إسماعيل ابن أبي أويس المدّ، وقال: هذا مدّ مالك، وهو على مثال مدّ النبيّ وَّر، فذهبت به إلى السوق، وخُرِط لي (١) عليه مُدٌّ، وحملته معي إلى البصرة، فوجدته نصف كَيلَجة (٢) بكَيلَجة البصرة، يزيد على كيلجة البصرة شيئًا يسيرًا خفيفًا، إنما هو شبيه بالرجحان الذي لا يقع عليه جزء من الأجزاء، ونصف كيلجة البصرة هو ربع كيلجة بغداد، فالمد ربع الصاع، والصاع مقدار كيلجة بغداديّة يزيد الصاع عليها شيئًا يسيرًا. قال أبو محمد: وخُرِط لي مدّ على تحقيق المد المتوارث عند آل عبد الله بن علي الباجيّ، وهو عند أكبرهم، لا يفارق داره، أخرجه إليّ ثقتي الذي كلّفته ذلك علي بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن علي المذكور، وذكر أنه مدّ أبيه وجدّه، وأبي جدّه، أخذه، وخرطه علی مد أحمد بن خالد، وأخبره أحمد بن خالد أنه خرطه علی مد یحیی ابن يحيى الذي أعطاه إياه ابنه عبيدالله بن يحيى، وخرطه يحيى على مدّ مالك، ولا أشك أن أحمد بن خالد صححه أيضًا على مدّ محمد بن وضاح الذي صححه ابن وضاح بالمدينة . قال أبو محمد: ثم كلته بالقمح الطيب، ثم وزنته، فوجدته رطلًا واحدًا ونصف رطل بالفلفليّ، لا يزيد حبّة، وكلته بالشعير، إلا أنه لم يكن بالطيب، فوجدته رطلًا واحدًا ونصف أوقيّة. وهذا أمر مشهور بالمدينة، منقول نقل الكافّة ، صغيرهم وكبيرهم، وصالحهم وطالحهم، وعالمهم وجاهلهم، وحرائرهم، وإمائهم، كما نقل أهل مكة موضع الصفا والمروة، والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومذهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة، ولا فرق، وكمن يعترض على أهل المدينة في القبر والمنبر والبقيع، وهذا خروج عن الديانة والمعقول. قال: وقد رجع أبو يوسف إلى الحقّ في هذه المسألة، إذ دخل المدينة، ووقف على أمداد أهلها انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى (٣). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكرأن الأرجح في مقدار الصاع هو ما (١) - يقال: خرطتُ العودَ: إذا قَشّرته، وسويته. أفاده في ((القاموس)). (٢) - الكَيلَجة -بفتح الكاف، وضبطه بعضهم بفتحها وفتح اللام، والجيم: وهو كيل معروف لأهل العراق. انظر ((المصباح))، و ((القاموس)). (٣) - راجع ((المحلى)) ج٥ص ٢٤٥-٢٤٦. ٤٤- (کم الصّاع) - حدیث رقم ٢٥٢٠ ٣١٣= ذهب إليه الجمهور، وهو أنه خمسة أرطال وثلث، لا ثمانية أرطال، كما يقول بعضهم. وأما تقديره بالموازيين المعاصرة، كـ((الجرامات))، فلم أجد من حقّق ذلك تحقيقًا يُعتمد عليه، فقد كتب الدكتور يوسف القرضاويّ في كتابه (فقه الزكاة)) ما خلاصته: الصاع يساوي بالوزن بالجرامات (٢١٧٦) وذلك حسب الوزن بالقمح. انتهى كلامه(١). وكتب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسّام في كتابه ((توضيح الأحكام)): ما نصّه: وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبويّ بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقن حاسم، وذلك لعدم وجود صاع نبويّ متيقّن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر، ونحوها انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بين هذين التقديرين بون شاسع، فلا اعتماد على مثل هذا، بل لا بدّ من بذل الجهد في التحقيق، والتدقيق في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٢٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ: ((الْمِكْيَالُ مِكْبَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلٍ مَكَّةَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤١ . ٢- (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الملائي الكوفي، ثقة ثبت [٩] ٥١٦/١١. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧ . ٤- (حنظلة) بن أبي سفيان الجمحي المكي، ثقة حجة [٦]١٢/١٢. ٥- (طاوس) بن كيسان اليماني الثقة الثبت الحجة [٣] ٢٧ / ٣١ . ٦- (ابن عمر) عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسیات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله کلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عمر من المكثرين السبعة، (١) - راجع ((فقه الزكاة)) للدكتور يوسف القرضاوي ج٢ ص٩٤٢. (٢) - راجع ((توضيح الأحكام في شرح بلوغ المرام)) ج٣ص٤٦ . ٣١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ومن العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ النَِّيِّ نَّ) أنه (قَالَ: ((الْمِكْيَال مِكْتَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي الصاع الذي يتعلّق به وجوب الكفّارات، ويجب إخراج صدقة الفطر به صاع المدينة، وكانت الصيعان مختلفة في البلاد، وصاع أهل المدينة خمسة أرطال وثلث، كما تقدّم تحقيقه، وقد ذكرت ما حققه أبو محمد ابن حزم في ذلك في المسألة الثالثة في الحديث الماضي. (وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ))) أي وزن الذهب والفضّة فقط، والمراد أن الوزن المعتبر في باب الزكاة وزنُ أهل مكة، وهي الدراهم التي العشرة منها بسبعة مثاقيل، وكانت الدراهم مختلفة الأوزان في البلاد، وكانت دراهم أهل مكة هي الدراهم المعتبرة في باب الزكاة، فأرشد و لتر إلى ذلك بهذا الكلام. وقيل: إن أهل المدينة أهل زراعات، فهم أعلم بأحوال المكاييل، وأهل مكة أصحاب تجارات، فعهدهم بالموازين، وعلهم بالأوزان أكثر. قاله القاضي. وفي ((شرح السنّة)): الحديث فيما يتعلّق بالكيل والوزن من حقوق اللَّه تعالى، كالزكوات، والكفّارات، ونحوها، حتى لا تجب الزكاة في الدراهم حتى تبلغ مائتي درهم بوزن مكّة، والصاع في صدقة الفطر صاع أهل المدينة، كلّ صاع خمسة أرطال وثلث رطل. كذا في ((المرقاة)). وقال أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى: وبحثت أنا غاية البحث عند كلّ من وثقت بتمييزه، فكلّ اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنان وثمانون حبّة، وثلاثة أعشار حبّة بالحبّ من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكيّ سبع وخمسون حبّة، وستة أعشار حبّة، وعشر حبّة، فالرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور انتهى (١) . والحديث فيه دليلٌ على أنه يُرجع عند الاختلاف في الكيل إلى مكيال المدينة، وعند الاختلاف في الوزن إلى ميزان مكة. قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ رحمه الله تعالى: تأملنا هذا الحديث، فوجدنا مكة لم يكن بها ثمرة، ولا زرعٌ حينئذ، وكذلك كانت قبل ذلك الزمان، ألا ترى إلى قول إبراهيم عَلَّلهُ: ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْع عِندَ﴾، وإنما كانت بلد (١) - راجع ((المحلى)) ج٥ص٢٤٦. ٣١٥ ٤٤- (گم الصَّاع) - حدیث رقم ٢٥٢٠ متجر، يوافي الحاجّ إليها بتجارات، فيبيعونها هناك، وكانت المدينة بخلاف ذلك؛ لأنها دار النخل، ومن ثمارها حياتهم، وكانت الصدقات تدخلها، فيكون الواجب فيها من صدقة تؤخذ كيلًا، فجعل النبيّ وَ﴿ الأمصار كلها لهذين المصرين أتباعًا، وكان الناس يحتاجون إلى الوزن في أثمان ما يبتاعون، وفيما سواها مما يتصرّفون فيه من العروض، ومن أداء الزكوات، وما سوى ذلك مما يستعملونه، فيما يُسلمونه فيه من غيره من الأشياء التي يكيلونها، وكانت السنّة قد منعت من إسلام موزون في موزون، ومن إسلام مكيل في مكيل، وأجازت إسلام المكيل في موزون، والموزون في مكيل، ومنعت من بيع الموزون بالموزون، إلا مثلًا بمثل، ومن بيع المكيل بالمكيل إلا مثلًا بمثل، وكان الوزن في ذلك أصله ما كان عليه بمكة، والمكيال مكيال أهل المدينة، لا يتغيّر عن ذلك، وإن غيّره الناس عما كان عليه إلى ما سواه من ضدّه، فيرحبون بذلك إلى معرفة الأشياء المكيلات التي لها حكم المكيال إلى ما كان عليه أهل المكاييل فيها يومئذ، وفي الأشياء الموزونات إلى ما كان عليه أهل الميزان يومئذ، وأن أحكامها لا تتغيّر عن ذلك، ولا تنقلب عنها إلى أضدادها انتهى كلام الطحاويّ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد أرشد الشارع الحكيم في هذا الحديث الأمّة إلى توحيد معاملاتها في الموزونات، والمكيلات، لئلا يقع فيها التخالف، ويكثر فيها الخصام، والنزاع، ولا سيّما فيما يتعلّق بأمر الدين، كالزكوات، والفطرات، ونحوها، فلو أحيَتْ هذه السنّةَ، واتبَعَتْ إرشاده بَ لّ لسَعِدَت في أمر معاشها، ومعادها، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، وقال: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَّدُونَ﴾. ولكن الداهية العظمى أن الشيطان سوّل لها التقليد للكفرة في مثل هذه المعاملات، فاستحسنت ذلك، وفضّلته على اتباع السنّة، فلا حول، ولا قوّة إلا باللّه العزيز الحكيم. وَإِذَا ضَأْتِ الْعُقُولُ عَلَى عِلْمِ فَمَا ذَا تَقُولُهُ النُّصَحَاءُ اللهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر تعطيها هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا٢٥٢٠/٤٤- وفي ((الكبرى)) ٢٢٩٩/٤٦. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٣٤٠ (ابن حبان) ١١٠٥ (الطبراني) ١/٢٠٢/٣ (الطحاويّ في مشكل الآثار) ٩٩/٢ ٣١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ (البيهقي) ٣١/٦ وغيرهم. [تنبيه]: أشار أبو داود رحمه الله تعالى في ((سننه)) إلى أنه وقع اضطراب في هذا الحديث، فقال بعد أن رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، بسند المصنّف: ما نصّه: وكذا رواه الفريابيّ، وأبو أحمد عن سفيان، وافقهما في المتن، وقال أبو أحمد: ((عن ابن عباس)) مكان ((ابن عمر)). ورواه الوليد بن مسلم، عن حنظلة، فقال: ((وزن المدينة، ومكيال مكة)). قال: واختلف في المتن في حديث مالك بن دينار، عن عطاء، عن النبيّ وَ ◌ّر في هذا انتهى كلام أبي داود رحمه اللَّه تعالى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه أبو داود رحمه الله تعالى أن أبا أحمد الزبيريّ خالف أبا نعيم، ومحمد بن يوسف الفريابيّ، فجعله من مسند ابن عباس، لا من مسند ابن عمر رضي الله عنهم، لكن الصحيح روايتهما، لأنهما يقدّمان عليه في سفيان الثوريّ. وكذلك خالف الوليد بن مسلم سفيان الثوريّ، في المتن، فقال: ((وزن المدينة، ومكيال مكة))، وهذا خطأ منه، فالصواب رواية سفيان، وكذلك اختلف في متن مرسلٍ عطاء، لكن الصواب ما تقدّم من رواية سفيان. والحاصل أن الحديث صحيح، بسند المصنّف، ومتنه، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤٥ - (بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يُسْتَحَبُ أَنْ تُؤَدَّى صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِيهِ) ٢٥٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى ح قَالَ: وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َِّ، أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَىّ الصَّلَّاِ)). قَالَ ابْنُ بَزِيعِ: ((بِزَكَاةِ الْفِطْرِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخ المصنف (محمد بن مَعْدان بن عيسى)) الحرّانيّ الثقة [١٢]٦٤٩/١٦ فإنه من أفراده . و((الحسن)): هو ابن محمد بن أعين ، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩]٦٤٩/١٦. (١) - ((سنن أبي داود)) ج٩ ص١٨٨- ١٩٠ رقم ٣٣٢٤. بنسخة ((عون المعبود)). ٣١٧ ٤٥- (بَابُ الْوُقْتِ الذِّي يُسْتَحَبُّ أَنْ ... - حديث رقم ٢٥٢١ و ((محمد بن عبد الله بن بَزيع)) -بالباء الموحّدة، والزاي، والعين المهملة- البصريّ، ثقة [١٠]٥٨٨/٤٣ . و((الفُضيل)) بن سليمان النُّمَيريّ -بالنون مصغّرًا-، أبو سليمان البصريّ، صدوق، له خطأ كثير [٨]. قال عبّاس الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زُرعة: لیّن الحدیث، روی عنه ابن المدينيّ، وكان من المتشددين. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ليس بالقويّ. وقال الآجريّ، عن أبي داود: کان عبد الرحمن لا يُحدّث عنه. قال: وسمعت أبا داود يقول: ذهب فُضيل بن سليمان، والسَّمْتي إلى موسى بن عقبة، فاستعارا منه كتابًا، فلم يردّاه. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال صالح بن محمد جَزَرَة: منكر الحديث، روی عن موسى بن عقبة مناكير. وقال الساجيّ، عن ابن معين: ليس هو بشيء، ولا یکتب حديثه. وقال الساجيّ: وكان صدوقًا، وعنده مناكير. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن حديث فُضيل بن سُليمان، عن عبد الرحمن ابن إسحاق، عن الزهريّ؟ فقال: ليس بشيء، إنما هو حديث ابن المنكدر. وذكره ابن عديّ، وأورد له أحاديث، ولم يقل فيه شيئًا. وقال ابن قانع: ضعيف، توفي سنة (١٨٣). وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (١٨٦). وقال ابن أبي عاصم، عن أبي المغلّس التُّميريّ: مات سنة (١٨٥). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ٢٥٢١ و٣٩٠٨ حديث النهي عن كراء المزارع. و((زهير)): هو ابن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الكبير الجعفيّ الكوفيّ الثقة الثبت [٧]٤٢/٣٨. و(موسى)): هو ابن عقبة الثقة الفقيه الإمام في المغازي[٥]٩٦/ ١٢٢. وقوله: قال ابن بَزِيع: ((بزكاة الفطر)) يعني أن شيخه محمد بن عبد الله بن بَزِيع قال في روايته: ((بزكاة الفطر)) بدل قول محمد بن معدان: ((بصدقة الفطر)). والمعنى واحد، وإنما ذكره لبيان اختلاف شيخيه في لفظ الحديث. والله تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه مُستوفّى في ٣٠/ ٢٥٠٠، وبقى الكلام هنا فيما لم يتقدّم بيانه هناك، وهو بيان وقت صدقة الفطر، وفيه ثلاث مسائل: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في وقت وجوبها: قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: فأما وقت وجوبها، فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوج، أو مَلَك عبدًا، أو وُلِد له ولدٌ، أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه الفطرة، وإن كان ٣١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ بعد الغروب، لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسرًا، ثمّ أيسر في ليلته تلك، أو في يومه، لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت الوجوب موسرًا، ثمّ أعسر، لم تسقط عنه؛ اعتبارًا بحالة الوجوب، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر، فعليه صدقة الفطر، نصّ عليه أحمد. وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوريّ، وإسحاق، ومالكٌ، في إحدى الروايتين عنه، والشافعيّ في أحد قوليه (١). واحتج هؤلاء بما أخرجه أبو داود من حديث ابن عبّاس ◌َّها: ((فرض رسول اللَّه وَ *- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ... )) الحديث، وهو حديث حسن. قالوا: لأنها أضيفت إلى الفطر، فكانت واجبة به، كزكاة المال، وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص، والسبب أخصّ بحكمه من غيره. ووجه ذلك أن الفطر من صوم رمضان، والخروج عنه جملةً يكون بغروب شمس آخر يوم من رمضان. وقال الليث، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد، وهو رواية عن مالك؛ لأنها قربة تتعلّق بالعيد، فلم يتقدّم وقتها يوم العيد، كالأضحيّة،: ولأن هذا وقت الفطر، لا ما قبله؛ لأنه في كلّ ليلة كان يفطر كذلك، ثم يصبح صائمًا، فإنما أفطر من صومه جملةً صبيحةً يوم الفطر. وقال ابن حزم: وقت زكاة الفطر الذي لا تجب قبله، وإنما تجب بدخوله، ثم لا تجب بخروجه، فهو إثر طلوع الفجر الثاني، من يوم الفطر ممتدًا إلى أن تبيضّ الشمس، وتحلّ الصلاة من ذلك اليوم نفسه. ثم استدلّ بحديث الباب. وقال: فهذا وقت أدائها بالنصّ، ثم ذكر في وقت الوجوب مثل المذهب الثاني. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن المذهب الأول هو الأرجح، لأنه أقرب إلى المعنى؛ لأن الصدقة مضافة إلى الفطر من رمضان، كما تقدّم، والفطر من رمضان يتحقّق بانسلاخ آخر يوم منه وذلك بغروب شمسه، فليلة العيد ليست منه، بل هي تابعة لما بعدها وهو يوم العيد، وهي وقت الفطر من رمضان، وأولها من غروب الشمس، فيتعلّق الوجوب به، وهذا ظاهر لمن تأمّل بإنصاف، فالحقّ أن الوجوب يتعلّق بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فمن كان من أهل وجوب الفطر حينئذ لزمته، ومن لا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في جواز تأخيرها عن وقها: (١) - ((المغني)) ج٤ ص٢٩٨-٢٩٩. ٤٥- (بَأَبُ الوَقْتِ الذَّي يُسْتَحَبُّ أَنْ ... - حديث رقم ٢٥٢١ ٣١٩ ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم الفطر، وبه قال الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة، وهو المشهور عند الحنابلة. قاله وليّ الدين. وقال ابن قدامة: المستحبّ إخراجها يوم الفطر قبل الصلاة؛ لحديث الباب، وحديث ابن عباس رَؤيتها، مرفوعًا: ((من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات)). رواه أبو داود، وتقدّم أنه حديث حسنٌ. قال: فإن أخرها عن الصلاة ترك الأفضل؛ لما ذكرنا من السنّة، ولأن المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، فمتى أخّرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه، لا سيما وقت الصلاة، ومال إلى هذا القول عطاءً، ومالك، وموسى بن وَزْدَان، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال: فإن أخّرها عن يوم العيد أثم، ولزمه القضاء. وحكى ابن المنذر عن ابن سيرين، والنخعيّ أنهما كانا يرخصان في تأخيرها عن يوم الفطر. قال: وقال أحمد: أرجوا أن لا يكون بذلك بأس (١). وذكر ابن قدامة أن محمد بن يحيى الكّخال قال: قلت لأبي عبد اللَّه: فإن أخرج الزكاة، ولم يعطها، قال: نعم، إذا أعدّها لقوم. قال ابن قدامة: واتباع السنّة أولى انتھی (٢). ومما استدلّ به على أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم العيد ما رواه البيهقيّ في (سننه)) جـ٤ ص١٧٥ - من طريق أبي معشر السُّنْدِيّ، عن نافع، عن ابن عمر تَبتا عن النبيّ وَلـ، أنه قال: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم)). وفيه أبو معشر نَجِيح السُّنْديّ المدینيّ، ضعيف. وقال ابن حزم: إذا تمّ الخروج إلى صلاة الفطربدخول وقت دخولهم في الصلاة، فقد خرج وقتها، فمن لم يؤدّها حتى خرج وقتها، فقد وجبت في ذمّته وماله لمن هي له، فهي دين لهم، وحقّ من حقوقهم، قد وجب إخراجها من ماله، وحَرُم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبدًا، فإذا أداها سقط بذلك حقهم، ويبقى حقّ الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يَقدِر على جبره إلا بالاستغفار، والندامة. انتهى كلامه بتصرّف(٣). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم في هذه المسألة أرجح المذاهب، لحديث الباب، حيث أَمَرَ رسول اللَّه وَّ أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس (١) - ((طرح التثريب)) ج ٤ ص ٦٤ . (٢) - راجع ((طرح التثريب)) ج ٤ ص ٦٤ . (٣) - راجع ((المحلّى)) ج ٦ ص ١٤٣. ٣٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ إلى الصلاة))، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ ◌ُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، ولا يتوعّد الله عز وجل بمثل هذا التوعّد إلا على ترك واجب، فثبت بذلك وجوب أدائها قبل الصلاة، فإذا وجب حرم تأخيرها، ويؤيّد ذلك الحديثُ المتقدّمُ: ((من أذاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)). وهو حديث حسن. والحاصل أنه لا يجوز تأخيرها عن الصلاة؛ لما ذكر، ولكن لا تسقط بالتأخير، بل تكون دينا عليه يجب أداؤها أبدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز تقديمها عن وقتها: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز تقديم إخراج صدقة الفطر قبل ليلة الفطر، ثم اختلفوا في مقدار التقديم: فاشتهر عن الحنفيّة جواز تعجيلها من أول الحول، وعندهم في ذلك خلافٌ، فحكى الطحاويّ عن أصحابهم جواز تعجيلها من غير تفصيل، وذكر أبو الحسن الكرخيّ جوازها يومًا أو يومين، وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة أنه يجوز تعجيها سنة، وسنتين، وروى هشام عن الحسن بن زياد أنه لا يجوز تعجيلها. وعند المالكية في تقديمها بيوم إلى ثلاثة قولان. وقال الشافعيّة: يجوز من أول شهر رمضان، لأنها حقّ ماليّ وجب بسببين، وهما .. رمضان، والفطر منه، فيجوز تقديمها على أحدهما، وهو الفطر، ولا يجوز تقديمها عليهما . وعنهم وجهان آخران: أحدهما: يجوز إخراجها بعد طلوع الفجر الأول من رمضان، وبعده إلى آخر الشهر، ولا يجوز في الليلة الأولى؛ لأنه لم يَشرّع بعدُ في الصوم. والثاني: أنه يجوز في جميع السنة، حكاهما النوويّ في ((شرح المهذّب)). وذهب أكثر الحنابلة إلى أنه لا يجوز تقديمها بأكثر من يومين. وقال بعض الحنابلة يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر، كما يجوز تعجيل أذان الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل. وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلًا. ذكر هذا كلّه الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى، ونقلته بتصرّف (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بجواز تقديمها يومًا، أو (١) - راجع ((طرح التثريب)) ج٤ ص ٦٤ - ٦٥.