النص المفهرس

صفحات 281-300

٣٦- (مکیلة زكاة الفِطْرِ) - حديث رقم ٢٥٠٨
٢٨١ =
و((الْمِكْيَال))، و((الْمِكْيَلَةُ)): ما كِيل به. انتهى. وجعل في ((اللسان)) ((الْمِكْيَلَةَ)) نادرةً.
وقال: الْمِكْيَالُ: ما يُكَالُ به، حَدِيدًا كان، أو خَشَبًا. انتهى.
وظاهر تصرّف المصنّف رحمه اللَّه تعالى أنه يرى أن المكيال الواجب في دفع جميع
أنواع زكاة الفطر هو الصاع؛ لأنه أورد حديث ابن عبّاس تؤئها من ثلاثة طرق، ورجّح
الطريق الثالث، الذي فيه: ((صاعٌ من طعام)). ففيه دلالة على أن الأرجح عنده هو
الصاع، لا نصفه، وقد تقدّم أن هذا هو قول الجمهور، وأنه هو الأرجح؛ إذ لم يثبت
عن النبيّ وَّل نصف صاع، وإنما الثابت في ذلك هو رأي معاوية رضي الله عنه، وتابعه
عليه أكثر الناس، فالاحتياط كونه صاعًا، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ:
حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، فِي آخِرِ الشَّهْرِ -:
أَخْرِجُوا زَكَاةَ صَوْمِكُمْ، فَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَاَ، مِنْ أَهْلِ
الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا، فَعَلِّمُوا إِخْوَانَكُمْ، فَإِنَّمْ لَا يَعْلَمُونَ، إِنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ، ((فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ
وَِّ، عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأَنْثَى، حُرِّ وَّمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفَ ضَاعٍ، مِنْ
قَمْحٍ، فَقَامُوا)). خَالَقَهُ هِشَامٌ، فَقَالَ: ((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ))) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزِيُّ البصري، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢- (خالد بن الحارث) الهجممي البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٢ / ٤٧.
٣- (حميد) بن أبي حميد الطويل البصري، ثقة عابد [٥] ٨٧/ ١٠٨ .
٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٣٢ / ٣٦.
٥- (ابن عباس) البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧ / ٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا بين الحسن وابن عباس، فإنه لم يلقه، كما سيأتي بيانه.
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن
شيخه هو أحد مشايخ الستة بلا واسطة. (ومنها) أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى
عنهما أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) ◌َا (وَهُوَ أَمِيرُ الْبَضْرَةِ) جملة في
محلّ نصب على الحال. و((البصرة)) مثلثة الباء، وليس في النسبة إلا الفتح والكسر.

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال الفيّوميّ: هي وزانُ تَمْرَة: أصله الحجارة الرِّخوة، وقد تحذف الهاء، مع فتح
الباء، وكسرها، وبها سمّيت البلدة المعروفة، وأنكر الزّجّاج فتح الباء مع الحذف،
ويقال في النسبة بصريّ بالوجهين، وهي محدثةٌ إسلاميّة، بُنيت في خلافة عمر تََّا
سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حدّه، دون حكمه
انتهى (فِي آخِرِ الشَّهْرِ) أي آخر شهر رمضان، ففي رواية أبي داود: (( خطب ابن عبّاس
في آخر رمضان، على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم ... ورواه البيهقيّ
في ((السنن الكبرى)) جـ٤ص١٦٨- بلفظ: قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة في آخر
رمضان، فقال: أدّوا صدقة صومكم ... وسيأتي معنى قوله: خطبنا ابن عبّاس قريبًا،
إن شاء اللَّه تعالى (أَخْرِجُوا زَكَاةَ صَوْمِكُمْ، فَتَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) إنما نظر
بعضهم إلى بعض استغرابًا لما قاله، حيث لم يعلموا كيفيّة إخراج صدقة الفطر التي
أمرهم بها. ففي رواية أبي داود: ((فكأن الناس لم يعلموا (فَقَالَ) ابن عباس ◌َّهَا (مَنْ
هَهُنَا) ((من)) اسم استفهام مبتدأ، خبرها الظرف بعدها (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟) النبويّة على
صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة. وإنما سأل عن أهل المدينة؛ لكونهم أعلم
بالسنّة من غيرهم، فلذا قال لهم (قُومُوا، فَعَلِّمُوا إِخْوَانَكُمْ) أي أهل البصرة (فَإِنَّهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ، إِنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ) بكسر همزة ((إنّ))؛ لكون الجملة مستأنفة، ويحتمل أن تكون
بالفتح، فتكون الجملة في تأويل المصدر سدّت مسدّ مفعولي ((يعلمون))، أي لأنهم لا
يعلمون فرض رسول اللّهِ وَ لّه إياها على كلّ ذكر ... الخ (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَلَى
كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، حُرِّ وَمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ) هذا محلّ الترجمة، حيث دلّ
على أنّ الْمِكْيَلَة، أي التي تؤدى بها زكاة الفطر صاع، وهذا لا خلاف فيه في التمر
والشعير (أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْح) فيه دليل على أن نصف الصاع يكفي في القمح، وهذا
مختلف فيه، وقد تقدّمَ أنه لم يُثبت حديث مرفوع في نصف صاع، وهذا الحديث فيه
انقطاع؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عبّاس، على ما قاله جمهور المحدّثين، فلا يصلح
للاحتجاج به .
و(القَمْح)) - بفتح القاف، وسكون الميم، آخره حاء مهملة -: الْبُرّ (فَقَامُوا) أي قام
أهل المدينة ليعلّموا أهل البصرة كيفيّة زكاة الفطر.
وزاد في رواية أبي داود من طريق سهل بن يوسف، عن حُميد: ((فلمّا قدم عليّ،
رأى رُخْصَ السّعر، قال: ((قد أوسع اللَّه عليكم، فلو جعلتموه صاعًا من كلّ شيءٍ)).
قال حميد: وكان الحسن يرى صدقة رمضان على من صام انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٢٨٣
٣٦- (مکیلةُ زكاة الفِطْر) - حديث رقم ٢٥٠٨
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث ابن عباس تعني هذا ضعيف؛ للانقطاع بينه، وبين الحسن، فإنه لم يسمع
منه، فقد نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف))
جـ٤ص٣٧٧- بعد إيراد الحديث عن المصنّف: ما نصّه: وقال- يعني المصنّف -:
الحسن لم يسمع من ابن عبّاس انتهى(١).
وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة الحسن البصري جـ١ ص٣٨٨-٣٩١: قال ابن
المدينيّ: لم يسمع من ابن عبّاس، وما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عبّاس
بالبصرة. وقال أيضًا في قول الحسن: ((خطبنا ابن عبّاس بالبصرة))، قال: إنما أراد
خطب أهل البصرة، كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حُصين. وكذا قال أبو حاتم.
وقال بهز بن أسد: لم يسمع الحسن من ابن عباس. وقال أحمد: لم يسمع من ابن
عباس، إنما كان ابن عبّاس بالبصرة واليًا عليها أيام عليّ. انتهى.
وقال في ((التنقيح)): الحديث رواته مشهورون، لكن فيه إرسال؛ فإن الحسن لم
يسمع من ابن عبّاس تَطفت على ما قيل، وقد جاء في ((مسند أبي يعلى)) في حديث عن
الحسن، قال: أخبرني ابن عبّاس ... وهذا إن ثبت دلّ على سماعه منه انتهى (٢).
وقال البزّار في («مسنده» بعد أن رواه- يعني حديث الباب -: لا يُعلم روى الحسن
عن ابن عباس غير هذا الحديث، ولم يسمع الحسن من ابن عباس. وقوله: ((خطبنا)) أي
خطب أهل البصرة، ولم يكن الحسن شاهدًا لخطبته، ولا دخل البصرة بعدُ؛ لأن ابن
عبّاس خطب يوم الجمل، والحسن دخل أيام صِفِين انتهى.
وقال البزار أيضًا في ((مسنده)) في آخر ترجمة ابن المسيّب: أما قول الحسن: خطبنا
ابن عباس بالبصرة، فقد أنكر عليه؛ لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم
الحسن أيام صفّين، فلم يدركه بالبصرة، وتأول قوله: خطبنا: أي خطب أهل البصرة
انتھی .
وقال ابن القيّم في ((تهذيب السنن)): قال الترمذيّ: سألت البخاريّ عن حديث
الحسن، خطبنا ابن عباس، فقال: إن رسول اللَّه ◌َ له: فرض صدقة الفطر؟. فقال:
رَوَى غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن: خطب ابن عبّاس. فكأنه رأى هذا
(١) - لم أر هذا الكلام في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، ولعله من اختلاف النسخ. والله تعالى
أعلم.
(٢) - راجع ((المنهل العذب المورود)) ج٩ ص٢٤١ .

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أصحّ. قال الترمذيّ: وإنما قال البخاريّ هذا؛ لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام
عليّ، والحسن البصريّ في أيام عثمان، وعليّ كان بالمدينة انتهى.
وخالفهم الشيخ أحمد شاكر، حيث قال: القول بعدم سماع الحسن من ابن عبّاس،
وعدم رؤيته إياه وَهَمّ؛ فإن الحسن عاصر ابن عبّاس يَقِينًا، ولا يَمنَع كونُهُ بالمدينة أيام
ابن عبّاس على البصرة سَماعَهُ من ابن عبّاس قبل ذلك، أو بعده، وقطع بسماعه منه،
ولقائه إياه ما رواه أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح ج١ ص ٣٣٧ عن ابن سيرين أن
جنازة مرّت بالحسن، وابنِ عبّاس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عبّاس، فقال الحسن
لابن عبّاس: أقام لها رسول اللَّه وَله؟ فقال: قام، وقعد. وقال في شرح هذا الحديث
جـ٥ ص٤٩- ٥٠ -: إسناده صحيح، وهو قاطع في صحة سماع الحسن من ابن عبّاس،
فإنه صريح في أنه لقي ابن عباس، وسأله، وسمع منه انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ أحمد شاكر غلطٌ عجيبٌ منه،
فإنه ظنّ أنَّ الحسن المذكور هو الحسن البصريّ، وليس كذلك، وإنما هو الحسن بن
عليّ بن أبي طالب تَت، وقد تقدم هذا للنسائيّ في ((كتاب الجنائز)) برقم ١٩٢٤
و ١٩٢٥ و١٩٢٦ - وقد صرح في كلّها عن ابن سيرين أن جنازة مرّت بالحسن بن عليّ،
وابنِ عبّاس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عبّاس ... الحديث. فتنبه. والله تعالى أعلم.
وقال صاحب ((المرعاة)»: طرق ابن عبّاس تدلّ على أن ابن عبّاس إنما بين حكم
صدقة الفطر حين ما كان أميرًا على البصرة من جهة عليّ، وكان الحسن إذ ذاك
بالمدينة، لا بالبصرة، كما تقدّم عن ابن المدينيّ: إن الحسن كان المدينة أيام كان ابن
عبّاس بالبصرة. وهذا ظاهر في أن الحسن لم يسمع هذا الحديث من ابن عباس،
وثبوت سماعه منه في الجملة لا يستلزم سماع هذا الحديث منه، وإليه أشار الشيخ
أحمد شاكر في ((شرحه للمسند)) جـ ٣ص٣١٨: بقوله: نعم قد يمنع الرواية التي يعللونها
في قوله: خطبنا ابن عبّاس بالبصرة انتهى.
فالراجح عندي أن هذا الحديث مرسل. وقد اعترف بذلك ابن التركماني
جـ ٤ ص١٦٩ - والقاري، وغيرهما من الحنفيّة. انتهى ما قاله صاحب ((المرعاة)).
ج٦ ص٢٠٤-٢٠٥ . وهو كلام نفيس جدًّا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: وثبوت سماعه منه الخ هكذا قال صاحب
((المرعاة)) تقليدًا للشيخ أحمد شاكر في غلطه المتقدّم أن الحسن هو البصريّ، وقد تقدم
أنه الحسن السبط رَيه ، فالحقّ أنه لم يثبت سماع الحسن من ابن عبّاس بطريق
صحیح، فافهمه.

٣٦- (مِكْيلةُ زِكَاةِ الفِطْرِ) - حديث رقم ٢٥٠٩
٢٨٥ ==
والحاصل أن جمهور أهل الحديث نفوا سماع الحسن البصريّ رحمه الله تعالى من
ابن عبّاس ◌َتْهَا وهم القُدْوَةُ في هذا الفنّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٠٨/٣٦ و٢٥٠٩ و٢٥١٠ و١٥٨٠/٢٣ و٢٥١٥/٤٠-وفي
((الكبرى)) ٢٢٨٧/٣٨ و٢٢٨٨ و٢٢٨٩ و١٨٠١/٣٣ و٢٢٩٤/٤٢. وأخرجه (د) في
((الزكاة)) ١٦٢٢ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٠١٩ . والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ هِشَامٌ) أي خالف حميدًا الطويلَ هشامُ بن حسّان القُردُوسيّ البصريّ في
إسناد هذا الحديث (فَقَالَ: ((عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ))) يعني أن هشام بن حسّان جعل بدل
الحسن محمد بن سيرين، كما بيّنه بقوله:
٢٥٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَیْمُونٍ، عَنْ مَخْلَدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِیرِینَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: ذَكَرَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، قَالَ(١): ((صَاعًا مِنْ بُرُّ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا
مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه ((عليّ بن
ميمون)) وهو الرّقّيّ العطّار، الثقة [١٠] ٤٣٥/٢٨ فإنه من أفراد المصنّف، وابن ماجه.
و((مَخْلَدٌ)): هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوق له أوهام، من كبار[٩]٢٢٢/١٤١.
و ((هشام)): هو ابن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين،
وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما [٦]٩٣٦/٣٧.
و((ابن سيرين)): هو محمد الإمام المشهور.
وقوله: ((من سُلْت)) : -بضم السين المهملة، وسكون اللام، آخره مثناة فوقيّة - قال
الفيّوميّ: قيل: ضرب من الشعير، ليس له قشرٌ، ويكون في الْغَوْر، والحجاز. قاله
الجوهريّ. وقال ابن فارس: ضرب منه رقيق القشر، صغار الحبّ. وقال الأزهريّ:
حبِّ بين الحنطة والشعير، ولا قشر له، كقشر الشعير، فهو كالحنطة في مَلَاسَتِهِ،
وكالشعير في طبعه، وبُرُودته. قال ابن الصلاح: وقال الصَّيْدَلانيّ: هو كالشعير في
صورته، وكالقَمْح في طبعه، وهو خطأ انتهى كلام الفيّوميّ (٢).
والحديث أيضًا فيه انقطاع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عبّاس رَّهَا، فقد ذكر
في (تهذيب التهذيب)) جـ٤ ص٥٨٦ -: عن عبد الله بن أحمد -يعني ابن حنبل- عن
(١) - وفي نسخة: ((فقال)).
(٢) - ((المصباح المنير)).

=
٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أبيه، أنه قال: لم يسمع ابن سيرين من ابن عبّاس شيئًا، كلّها يقول: نُبّئت عن ابن
عبّاس. وقال شعبة، عن خالد الحذّاء: كلّ شيء قال محمد: نُبّئت عن ابن عبّاس، إنما
سمعه من عكرمة، لقيه أيّام المختار. وقال عليّ ابن المدينيّ، وابن معين: لم يسمع ابن
سیرین من ابن عبّاس شيئًا انتهى.
وقد تعقّب العلامة أحمد محمد شاكر هذا -في ((شرحه للمسند)) جـ ٣ص ٢٥٧ -
فقال: وهذا ليس بتعليل، ولا دليل على الجزم به، فابن سيرين عاصر ابن عبّاس
طويلًا، فهو على السماع حتى يتبيّن خلافه، وقد صحّح الأئمة روايته عن ابن عباس
(١)
انتھی(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ردّ أحمد شاكر على كلام أحمد، وابن المدينيّ،
وابن معين بمثل قوله هذا عجيبٌ منه؛ لأن هؤلاء الأئمة هم أعلم بهذا الشأن، وهم
القدوة فيه، فكيف يُردّ عليهم دون حجة نيّرة تُثبت عكس ما قالوه، وأما تصحيح
أحاديثه، فإنه لا يستلزم ثبوت سماعه، لاحتمال أن يكون للمتابعات ، ونحوها. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥١٠ - (أَخْبَرَنَا(٢) قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِكُمْ - يَعْنِي مِنْبَرَ الْبَصْرَةِ - يَقُولُ)) ((صَدَقَةُ الْفِطْرِ
صَاعٌ، مِنْ طَعَام)). قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا أَثْبَتُ الثَّلَاثَةِ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((حماد)):
هو ابن زيد. و((أيوب)): هو السختيانيّ. و((أبو رجاء)): هو عمران بن مِلْحان، أو ابن
تَيْم العطارديّ البصريّ، مخضرم، ثقة، مُعَمَّرٌ، مات سنة (١٠٥) وله (١٢٠) [٢]٢٠٢/
٣٢١ .
وقوله: ((هذا أثبت الثلاثة)) يعني أن حديث ابن عبّاس ◌َطًَّا من رواية أبي رجاء العطارديّ
أصحّ من حديثه من رواية الحسن، وابن سيرين؛ لما تقدّم أنهما لم يسمعا منه.
وقوله: ((من طعام)) سيأتي بعد باب بيانُ اختلاف أهل العلم في المراد به، إن شاء الله
تعالى، والحديث بهذا الإسناد صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) - انظر ما كتبه على ((المسند)) ج٣ ص ٢٥٧.
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرني)).

٢٨٧
٣٧- (بَأَبُ التَّمْرِ فِي زَكَةِ الفِطْرِ) - حديث رقم ٢٥١١
٣٧- (بَابُ التَّمْرِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ)
٢٥١١ - (أَخْبَرَنِ (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُخْرِزُ بْنُ الْوَضَّاحِ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ - وَهُوَ ابْنُ أَمَيَّةَ - عَنِ الْحَارِثِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَذْرِيِّ، قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، صَدَقَّةً
الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ))) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عليّ بن حَزْب) المروزيّ المعروف بـ(التُّرك))، ثقة [١١]١٤٨/١٠٩.
من أفراد المصنّف.
٢- (محرز بن الوضّاح) المروزيّ، مقبول [٩] ١٦/ ٢٤٦٨ من أفراد المصنّف أيضًا.
٣- (إسماعيل بن أُميّة) الأمويّ، ثقة ثبت [٦] من رجال الجماعة.
٤- (الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن
عبد الله بن سَعْد، وقيل: ابن المغيرة بن أبي ذُباب - بضمّ المعجمة، وبموحّدتين-
الدَّوْسيّ -بفتح الدال المهملة، وسكون الواو - المدنيّ، صدوق يِهِم [٥].
قال ابن معين: مشهور. وقال أبو حاتم: يروي عنه الدَّراوزدني أحادیث منکرة، لیس
بالقويّ. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان من
المتقنين، مات سنة (١٤٦) وكذا قال ابن قانع في تاريخ وفاته. وقال الساجيّ: حدّث
عنه أهل المدينة، ولم يُحدّث عنه مالك. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكر ابن
المدينيّ في ((العلل)) حديثًا عن عاصم بن عبد العزيز الأشجعيّ، عن الحارث، عن
سليمان بن يسار، وغيره، قال عاصم: حدّثنيه مالك، قال: أخبرت عن سليمان بن
يسار، فذكره. قال ابن المدينيّ: أرى مالكًا سمعه من الحارث، ولم يُسمّه، وما رأيت
في كتب مالك عنه شيئًا.
قال الحافظ: وهذه عادة مالك فيمن لا يعتمد عليه لا يسمّيه انتهى. روى له البخاريّ
في ((خلق أفعال العباد))، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ، والمصنّف،
وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (عياض بن عبد الله بن أبي سَزح) هو: عياض بن عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرْحِ
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقة [٣]١٤٠٨/٢٦.
٦- (أبو سعد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي رضي الله
تعالى عنهما. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((من أقط)) -بفتح الهمزة، مع كسر القاف، أو ضمّها، أو فتحها، أو
إسكانها، وبكسر الهمزة، مع كسر القاف، وإسكانها، ويضمّ الهمزة، مع إسكان القاف
فقط: وهو شيء يُتْخَذ من اللبن الْمَخيض، كأنه نوع من اللبن الجافّ. وقيل: هو لبنّ،
مجفّفٌ، يابس، جامد، مستحجرٌ، غير منزوع الزُّبْد، يُطبخ به. وسيأتي الكلام عليه
مُستوفَى في - ٢٥١٨/٤٣ - إن شاء الله تعالی.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وهو أنه يدلّ على أن زكاة الفطر من التمر
صاع، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
والحديث أخرجه مسلم، وسيأتي تمام شرحه، والكلام على مسائله في الباب
التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٨- (الزَّبِيبُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الزبيب)): معروف، وهو اسم جمع يُذكّر ويُؤنّث،
فيقال: هو الزبيب، وهي الزبيب، والواحدة زبيبة بالهاء، وزَبّيتُ العِنَبَ جعلته زَبِيبًا.
قاله في ((المصباح)). وفي ((القاموس)): الزّبيب ذَاوِي(١) العنب والتين انتهى. يعني يابس
العنب والتين. وفي ((اللسان)): الزبيب ذَاوِي العنب، معروفٌ، واحدته زبيبة، وقد أَزَبَّ
العنب، وزَبَّبَ فلانٌ عنبه تزبيبًا. قال أبو حنيفة -يعني الدينوريّ -: واستَعْمَل أعرابيّ من
أعراب السَّرَاة الزبيب في التين، فقال: الْفَيْلَحَانيُّ تِينٌ شديد السواد، جيّد الزبيب -يعني
یابسه. انتھی.
والمراد هنا زبيب العنب. ثمّ ظاهر تصرّف المصنّف رحمه الله تعالى بتعداد التراجم
أنه يرى أن ((أو)) في الحديث للتخيير، وهو الراجح، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم فيه
قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(١) - يقال: ذَوَى البقلُ، كرمى، ورضي ذُوِيًّا، كصُلِيٍّ: ذَبَلَ، وأذواه الحرّ. انتهى ((ق).

٢٨٩
٣٨- (الزَّبیبُ) - حديث رقم ٢٥١٢
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((بابُ صاع من
زبيب)). قال في ((الفتح)): أي إجزائه، وكأن البخاريّ أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة
إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، إلا أنه لم يَذكُر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي
سعيد، وكأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره، وظاهر الحديث يخالفه. وعند
الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ بأهل البادية، وأما الحاضرة فلا یجزىء
عنهم بلا خلاف. وتعقّبه النوويّ في ((شرح المهذّب))، وقال: قطع الجمهور بأن
الخلاف في الجميع انتهى ما في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: ((كُنَّا
نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، إِذْ كَانَ فِيَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، صَاعًا مِنَ طَعَام، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ
صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ))) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ) الْمُخَرِّمي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١]
٤٣ /٥٠ .
٢- (وكيع) بن الجرّاح الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت [٩] ٢٥/٢٣ .
٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧ .
٤ - (زيد بن أسلم) العدويّ المدنيّ، ثقة عالم، يرسل [٣] ٦٤/ ٨٠. والباقيان تقدما
في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحیح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین من زید، وشیخه، بغدادي، ووكيع، وسفيان
كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا سعيد من
المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدري تَّه . وفي رواية مالك عند البخاريّ تصريح عياض بن
عبد الله بالسماع من أبي سعيد، ولفظه: عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح
(١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ١٤٥.

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
العامريّ، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ رَّه ... الحديث (قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ
الْفِطْرِ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ) ((إذ)) ظرفيّة، أي وقت كون النبيّ نَّه فينا. وفي رواية
للبخاريّ: ((كنّا نعطيها في زمان النبيّ وَّ))، وفي أخرى له أيضًا: ((كنّا نُخرج في عهد
النبيّ (مَچ)).
قال الحافظ: هذا حكمه الرفع؛ لإضافته إلى زمنه والخير، ففيه إشعار باطلاعه وَله على
ذلك، وتقريرِهٍ له، ولا سيّما في هذه الصورة التي توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو
الآمر بقبضها، وتفرقتها انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وإلى كون هذا ونحوه من المرفوع حكمًا أشار
الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث)) حيث قال:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ نَحْوُ مِنَ السُّنّةِ مِنْ صَحَابِي
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا أُمِزْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى
ثَالِثُهَا إِكَانَ لَا يَخْفَى وَفِي تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
وفيه ردٌّ على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي سعيد ليس مسندًا؛ لأنه ليس فيه أن
رسول اللَّه ◌َ له عَلِيمٍ بذلك، وأقرّه. ووجه الردّ أن ألفاظ الحديث تدلّ على أنّ ذلك كان
معلومًا معروفًا على عهد رسول اللَّه وَله، ولا يخفى مثلُ ذلك على رسول اللَّه ◌َلِيمٍ(١).
(صَاعًا مِنْ طَعَام) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى في ((حاشية ابن ماجه)): يحتمل أن
صاعًا من طعام أريد به صاع من الحنطة، فإن الطعام، وإن كان يعمّ الحنطة وغيرها لغةً،
لكن اشتهر في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيّده المقابلة بما بعده. ويحتمل أن يكون
صاعًا من طعام مجمّلًا، ويكون ما بعده بيانًا له، كأنه بيّن أن الطعام الذي كانوا يعطون
منه الصاع كان تمرًا، وشعيرًا، وأقطًّا، لا حنطةً، ويؤيّده ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد
رَبوفيه: ((كنّا نُخرج في عهد رسول اللَّه وَله يوم الفطر، صاعًا من طعام، وكان طعامنا
يومئذ الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر)). وكذا ما رواه ابن خُزيمة عن ابن عمر
رَّا، قال: ((لم تكن الصدقة على عهد رسول اللَّه ◌َ له إلا التمر، والزبيب، والشعير،
ولم تكن الحنطة)). فينبغي أن يتعيّن الحمل على هذا المعنى، بل يُستبعد أن يكون
المعلوم فيما بينهم صاعًا من الحنطة، فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية رَزيه ، بل لا
يبقى لقول معاوية: إن النصف يعدل الصاع حينئذ وجة، إلا بتكلّف.
وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نصّ منه وَّر في البرّ بصاعٍ، أو
(١) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص١٩٤ .

٢٩١
٣٨- (الزَّبِيبُ) - حديث رقم ٢٥١٢
بنصفه، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى
القياس، بل حكموا بذلك، ويدلّ على هذا حديث ابن عمر رضي في هذا الباب المرويّ
في الصحاح انتهى كلام السنديّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا، وسيأتي
تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) اختلف في أنّ ((أو)) في هذا الحديث لتخيير المؤدَّى من هذه
الأشياء، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، فقيل: إنها للتخيير، وبه قال أبو حنيفة.
وقيل: إنها لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة، وهو غالب قوت البلد، وبه قال الأكثرون.
فمعنى الحديث على هذا: كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا، ومقتضى أحوالنا.
أفاده بعضهم (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) هذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على أن
زكاة الفطر من الزبيب صاع. وفيه، وفي الأقط خلاف الظاهريّة، حيث لا يجوز عندهم
إلا من التمر والشعير، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللّه تعالى.
(أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ))) تقدّم ضبطه في الباب الماضي، وسيأتي تمام البحث فيه في
٢٥١٨/٤٣- إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد تَمّ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه في٢٥١١/٣٧ و٢٥١٢/٣٨٣ و٢٥١٣ و٢٥١٤/٣٩ و٢٥١٥/٤٠ و ٤٢/
٢٥١٧ و٢٥١٨/٤٣- و٣٩/وفي «الکبری)) ٢٢٩٠/٣٩ و٢٢٩١/٤٠ و٢٢٩٢ و٤١/
٢٢٩٣ و٤٥ / ٢٢٩٧. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٥٠٥ و١٥٠٦ (م) في ((الزكاة)) ٩٨٥
(د) في ((الزكاة)) ١٦١٦ و١٦١٨ (ت) في ((الزكاة)) ٦٧٣ (ق) في ((الزكاة)) ١٨٢٩ (أحمد)
في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٧٩٨ و١١٣٠١ و١١٥٢٢ (مالك) في ((الزكاة)) ٦٢٨
(الدارميّ) في ((الزكاة)) ١٦٦٣ و١٦٦٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم زكاة الفطر من الزبيب:
(١) - ذكره القاري، قائلًا: قال ميرك، نقلا عن ((الأزهار)). انظر ((المرعاة)). ج ٦ ص١٩٧.

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ذهب الجمهور إلى إجزائه، إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع، وإليه
ذهب أبو يوسف، ومحمد، وهي رواية عن أبي حنيفة، وهو الحقّ، لحديث الباب.
وفي رواية عنه نصف صاع، كالقَمْح، وهي رواية ضعيفة، لمخالفتها النصوص
الصحيحة .
وذهب الظاهرية إلى أن الزبيب لا يجزىء، بل الواجب هو التمر أو الشعير، وأجاب
ابن حزم عن حدیث الباب بوجهين:
أحدهما أنه غير مسند - أي مرفوع إلى النبيّ وَ ل ــ لأنه ليس في شيء من طرقه أن
رسول اللَّه وَ ل﴿ علم بذلك، فأقرّه.
والثاني: أنه مُضطرَب فيه، فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب، وفي بعضها نفيه،
وفي بعضها ذكر الدقيق، والسُّلْت. وقد تقدم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني،
فقد أجاب عنه العلامة أحمد محمد شاكر رحمه اللّه تعالى في تعليقه على ((المحلّى))
ج٦ ص١٢٥- بأن هذا ليس من الاضطراب في شيء، بل إن بعض الرواة يُطيل،
وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئًا، ويسهو عن غيره، وزيادة الثقة مقبولة،
فالواجب جمع كلّ ما ورد في الروايات الصحيحة، إذ لا تعارض بينها أصلًا انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى
حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن الحديث صحيح، وأن الأرجح ما قاله الجمهور، من إجزاء الزبيب في
صدقة الفطر، وأن مقداره صاع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين المراد بـ((الطعام)) في هذا الحديث:
قال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى في ((المعالم)) جـ ٢ ص ٥٠-٥١ -: زعم بعض أهل
العلم أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم اسم خاصّ للبرّ. قال: ويدلّ على
صحّة ذلك أنه ذكّرَ في الخبر الشعيرَ، والأقطَ، والتمر، والزبيب، وهي أقواتهم التي
كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يَذكُر الحنطةَ، وكانت أغلاها، وأفضلها كلّها،
فلولا أنه أرادها بقوله: ((صاعا من طعام)) لكان يجري ذكرها عند التفصيل، كما جرى
ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولا سيّما حيث عُطفت عليها بحرف ((أو)) الفاصلة(١).
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): وقد كانت لفظة ((الطعام)) تستعمل في البرّ
عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فُهِم منه سوق البرّ، وإذا غلب
(١) - راجع ((المعالم)) ج٢ ص٢١٨ وهو منقصول ببعض تصرّف.
صـ

٢٩٣
٣٨- (الزَّبیبُ) - حديث رقم ٢٥١٢
العرف بذلك نُزِّل اللفظ عليه؛ لأن الغالب أن الإطلاق في الألفاظ على حسب ما يخطر
في البال من المعاني، والمدلولات، وما غلب استعمال اللفظ عليه فخطوره عند
الإطلاق أقرب، فيُنَزَّل اللفظ عليه، وهذا بناء على أن يكون هذا العرف موجودًا في زمن
النبيّ وَّهِ. انتهى(١).
قال الخطّابيّ: وزعم آخرون أن هذا جملةٌ قد فُصِّلَت، والتفصيل لا يخالف الجملة،
وإنما قال في أول الحديث صاعًا من طعام، ثمّ فصّله، فقال: صاعًا من أقط، أو صاعًا
من شعير، أو كذا، أو كذا، واسم الطعام شاملٌ لجميع ذلك انتهى(٢).
وقال القاري: قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعمّ، لا الحنطة
بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاصّ على العام.
قال الحافظ: وقد ردّ ذلك -أي حمل الطعام على البرّ- ابنُ المنذر، وقال: ظنّ
بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: ((صاعًا من طعام)) حجة لمن قال: صاعًا
من حنطة، وهذا غلطً منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثمّ فسّره، ثم أورد طريق
حفص بن ميسرة عند البخاريّ وغيره: أن أبا سعيد قال: ((كنّا نُخرج في عهد النبيّ وَل
يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط،
والتمر)). وهي ظاهرة فيما قال.
وأخرج الطحاويّ نحوه من طريق أخرى، وقال فيه: ((ولا يُخرَج غيره)). قال: وفي
قوله: ((فلمّا جاء معاوية، وجاءت السمراء» دليلٌ على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا،
فدلّ على أنها لم تكن كثيرة، ولا قوتًا، فكيف يُتوهّم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟
انتھی کلامه.
وأخرج ابن خزيمة، والحاكم في ((صحيحيهما)) من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله
ابن عبد الله بن عثمان بن حكيم، عن عياض بن عبد الله، قال: قال أبو سعيد، وذكروا
عنده صدقة رمضان، فقال: ((لا أُخرج إلا ما كنت أُخرج في عهد رسول اللّه وَله: صاع
من تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير، أو صاع أقط، فقال له رجلٌ من القوم: أو
مدّين من قَمْح، فقال: لا، تلك قيمة معاوية مطويّة، لا أقبلها، ولا أعمل بها)). قال ابن
خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوَهَمُ؟ .
وقوله: ((فقال له رجلٌ الخ)) دالٌّ على أن ذكر الحنطة في أول القصّة خطأ، إذ لو كان
أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها في عهد رسول اللّه ◌َ ﴿ صاعًا لَمَا كان الرجل
(١) - إحكام الأحكام ج٣ص٣٢٠-٣٢١. بنسخة الحاشية.
(٢) - ((المعالم، ج٢ ص٢١٨ .

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
يقول له: أو مدّين من قَمْح. وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه، وقال: إن
ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وذكر أن معاوية بن هشام رَوَى في هذا الحديث عن
سفيان: ((نصف صاع من برّ)) وهو وَهَمّ، وأن ابن عيينة حدّث به عن ابن عجلان، عن
عياض، فزاد فيه: ((أو صاعًا من دقيق))، وأنهم أنكروا عليه، فتركه. قال أبو داود: وذِكْرُ
الدقيق وَهَمّ من ابن عيينة. وأخرج ابن خزيمة أيضًا من طريق فُضيل بن غَزْوَان، عن
نافع، عن ابن عمر تَرَّت، قال: ((لم تكن الصدقة على عهد رسول اللّه وَلاإله إلا التمر،
والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة)). ولمسلم من وجه آخر، عن عياض، عن أبي
سعيد: ((كنّا نخرج من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من
شعير)). وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلّته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة.
وهذه الطرق كلّها تدلّ على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة،
فيحتمل أن تكون الذُّرَةَ، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهي قوت غالبٌ لهم.
وقد روى الجوزقيّ من طريق ابن عجلان، عن عياض في حديث أبي سعيد: «صاعًا
من تمر، صاعًا من سُلْت، أو ذُرَة)) انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((فيحتمل أن تكون الذرة الخ)) فيه نظر، بل
الصواب أن الطعام مجملٌ، فسره ما بعده، كما سبق. والله تعالى أعلم.
وأجاب البرماويّ عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على معناه
اللغويّ الشامل لكلّ مطعوم، قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق بالبرّ؛ لأنه قد
عطف عليه الشعير، وغيره، فدلّ على التغاير، وهذا كالوعد، فإنه عامّ في الخير
والشرّ، وإذا عطف عليه الوعيد خُصّ بالخير، وليس هو من عطف الخاصّ على العامّ،
نحو ﴿فَكِهَةٌ وَخْلٌ وَرُقَانٌ﴾، ﴿وَمَكْبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِتِيلَ﴾، فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان
الخاصّ أشرف، وهنا بالعكس.
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: قوله: قال أبو سعيد: ((وكان طعامنا الخ)) مناف لما تقدّم
من قولك: إن الطعام هو الحنطة. ثمّ أجاب بقوله: لا نزاع في أنّ الطعام بحسب اللغة
عامّ لكلّ مطعوم، إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير، وسائر الأطعمة، فإن العطف
قرينة لإرادة المعنى العرفيّ منه، وهو البرّ بخصوصه انتهى.
قال صاحب ((المرعاة)): ولا يخفى ما فيه من التكلّف. والظاهر عندي هو قول من
قال: إن الطعام في قوله: ((صاعًا من طعام)) مجملٌ، وما ذُكر بعده بيان له، كما يدلّ
(١) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص ١٤٥ - ١٤٦.

٢٩٥
٣٨- (الزَّبيبُ) - حديث رقم ٢٥١٢
عليه طريق حفص بن ميسرة، وحديث ابن عمر عند ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا
يُخرجون البرّ في عهده وَّر، كما يدلّ عليه رواية النسائيّ، والطحاويّ: ((كنا نخرج في
عهد رسول اللَّهِ وَال﴿ل صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، لا نخرج
غيره))، وأنّ أبا سعيد ما أخرج البرّ في صدقة الفطر قطّ، لا في زمانه وَ ◌ّر، ولا فيما
بعده، لا صاعًا، ولا نصفه، كما يدلّ عليه رواية مسلم: إن معاوية لَمّا جعل نصف
الصاع من الحنطة عَذْلَ صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد، وقال: ((لا أخرج فيها إلا
الذي كنت أخرج في عهد رسول اللَّه ◌َ له، صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا
من شعير، أو صاعًا من أقط)). وفي رواية: قال أبو سعيد: ((فأما أنا فلا أزال أخرجه كما
كنت أخرجه أبدًا ما عِشْتُ))، وأن أبا سعيد لَمّا تحقق عنده أن الصحابة أخرجوا في زمنه
وَالر صاعًا من جميع ما أخرجوا من الشعير، والأقط، والتمر، والزبيب، وغيرها، ذهب
إلى أن المقدار الواجب من كلّ شيء صاع، أو لَمّا رأى أنّ النبيّ وَليّ شرع لهم صاعًا من
غير البرّ، ولم يبيّن لهم حال البرّ، فقاس عليه أبو سعيد حال البرّ، ورأى أن الواجب في
البرّ أيضًا صاعْ. وقد روى أبو داود عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد يقول: ((لا
أخرج أبدًا إلا صاعًا -أي من كلّ شيء - إنا كنّا نخرج على عهد رسول اللَّه وَليل صاع
تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب)). وأخرج الطحاويّ في ((شرح معاني الآثار)) جـ ٢
ص٤٢- عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد، وهو يُسأل عن صدقة الفطر؟ قال: ((لا
أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول اللَّه وَ ل ﴿ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير،
أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، فقال له رجلٌ: أو مدّين من قَمْح، فقال: لا،
تلك قيمة معاوية، لا أقبلها، ولا أعمل بها)). وأخرجه أيضًا الدارقطنيّ في
(سننه)) جـ ٢ ص١٤٥-١٤٦-، والحاكم في ((المستدرك)) جـ١ص٤١١- وابن خزيمة في
((صحيحه)) جـ٤ص٨٩ - ٩٠، والبيهقيّ جـ ٤ص١٦٦، وزادوا فيه: ((أو صاعًا من حنطة))
بعد قوله: ((صاعًا من تمر)). وقد صرّح ابن خزيمة، وأبو داود أن ذكر الحنطة فيه غير
محفوظ .
وأما ما أخرجه الطحاويّ بسنده ج٢ ص٤٤ عن أبي سعيد أنه قال: ((إنما علينا أن
نعطي لكلّ رأس عند كلّ فطر صاعًا من تمر، أو نصف صاع من برّ)). فلا يوازي
الروايات المتقدّمة، فلا يُلتفت إليه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أي لأنه ضعيف، لأن في سنده الحسن البصريّ، عن
أبي سعيد الخدريّ، والحسن لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ(١)، وقد عنعنه، وهو
(١) - انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص٣٨٨-٣٩١- فقد عدّ بهز بن أسد أبا سعيد الخدريّ
من جملة من لم يسمع منهم الحسن، من الصحابة.

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
مدلّس. والله تعالى أعلم.
قال: والقول بأن حديث الباب يدلّ على أنهم كانوا يُعطون من البرّ صاعًا، لكن على
سبيل التبرّع -يعني أن أبا سعيد، وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر
تطوّعًا، واختيارًا، وفضلًا، تأويلٌ بعيد، لا يخفى تكلّفه.
وأما ما يُذكر من الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح، أو في نصفه، فكلّها
مدخولة .
قال البيهقيّ جـ٤ص١٧٠ بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح: وقد وردت
أخبار عن النبيّ وَّر في صاع من برّ، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصحّ شيء من
ذلك، قد بيّنت علّة كلّ واحد منها في ((الخلافيّات)) انتهى كلام صاحب ((المرعاة)) رحمه
اللَّه تعالى باختصار(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذكره صاحب ((المرعاة)) رحمه الله تعالى كلام
نفيسٌ جدًّا، وقد اتّضح بهذا كله أن الصواب كون الطعام في قوله: ((صاعًا من طعام))
مجملًا، والمعطوفات عليه تفصيلٌ له، وتوضيح للمراد منه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في النوع الذي يُجزىء في صدقة الفطر:
ذهب الشافعيّة إلى أن جنس الفطرة كلّ ما يجب فيه العشر. وعن الشافعيّ قولٌ قديم
أنه لا يجزىء فيها الحمّص، والعدَسُ، والمذهب المشهور الأول، والصحيح عندهم
إجزاء الأقط أيضًا؛ لصحة الحديث به، قال وليّ الدين: فإن جوّزناه فالأصحّ أن اللبن،
والجبن الذي ليس منزوع الزّبد في معناه، والخلاف في إخراج مَنْ قوته الأقط، واللبن،
والجبن، ولا يجزىء الدقيق، ولا السويق، ولا الخبز، كما لا تُجزىء القيمة. وقال
الأنماطيّ: يجزىء الدقيق، قال ابن عبدان: يقتضي قوله إجزاء السويق، والخبز،
وصححه .
وفي الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعيّ: أصحها عند
الجمهور غالب قوت البلد. والثاني: قوت نفسه، وصححه ابن عبد ان. والثالث: يتخيّر
بين الأجناس، وهو الأصحّ عند القاضي أبي الطيب. ثم إذا كان الواجب قوت نفسه، أو
البلد، فعدل إلى ما هو دونه لم يجز، وإن عدل إلى أعلى منه جاز. وفيما يعتبر به الأعلى
والأدنى وجهان: أصحّهما الاعتبار بزيادة صلاحية الاقتيات. والثاني بالقيمة.
(١) - انظر ((المرعاة)) ج٦ ص ١٩٤ - ١٩٦.

٢٩٧
٣٨- (الزَّبیبُ) - حدیث رقم ٢٥١٢
وقالت الحنابلة: هو مخيّر بين الخمسة المنصوص عليها، وهي التمر، والشعير،
والبرّ، والزبيب، والأقط، قالوا: والسلت نوع من الشعير، فيجوز إخراجه لدخوله في
المنصوص عليه، وهو في بعض طرق حديث ابن عمر. ونصّ أحمد على جواز إخراج
الدقيق، وكذلك السويق، ولا یجزىء عندهم الخبز، قالوا: فیتخيّر بین هذه، فيخرج ما
شاء منها، وإن لم يكن قوتًا له، إلا الأقط، فإنما يخرجه من هو قوته، أو لم يجد من
المنصوص عليه سواه، فإن وجد سواه، ففي إجزائه عندهم روايتان، منشؤهما ورود
النصّ به، وكونه غير زكويّ، قالوا: وأفضلها التمر، وبعده البرّ، وقال بعضهم:
الزبيب. قالوا: ولا يجوز العدول عن هذه الأشياء مع القدرة على أحدها، ولو كان
المعدول إليه قوت بلده، فإن عجز عنها أجزأه كلّ مقتات، من كلّ حبّة وثمرة. قاله
الخرقيّ.
قال ابن قدامة: وظاهره أنه لا يجزئه المقتات من غيرها، كاللحم واللبن. وقال أبو
بكر: يُعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها. وقال ابن حامد: يجزئه
عند عدمها الإخراج مما يُقتات به، كالذُّرَة، والدُّخْن، ولحوم الحيتان، والأنعام، ولا
يُرَدّون إلى أقرب قوت الأمصار.
وأما المالكيّة فإن المشهور عندهم أنه جنسيّة المقتات في زمنه وَّرَ، من القَمْح،
والشعير، والسُّلْت، والزبيب، والتمر، والأقط، والذَّرَة، والأرز، والدُّخْن، وزاد ابن
حبيب العلس(١)، وقال أشهب: من الستّ الأُوَلِ خاصّة، فلو اقتِيتَ غيره،
كالقَطَانيّ (٢)، والتين، والسويق، واللحم، واللبن، فالمشهور الإجزاء، وفي الدقيق
قولان، ويخرج من غالب قوت البلد، فإن كان قوته دونه لا لشحّ، فقولان.
وقال الحنفيّة: يتخيّر بين البرّ، والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير،
والدقيقُ أولى من البرّ، والدراهم أولى من الدقيق، فيما يُروى عن أبي يوسف، وهو
اختيار الفقيه أبي جعفر؛ لأنه أدفع للحاجة. وعن أبي بكر الأعمش: تفضيل القمح؛
(١) - ((العلس))- بفتحتين -: ضرب من الحنطة، يكون في القشرة منه حبتان، وقد تكون واحدة، أو
ثلاث. وقال بعضهم: هو حبة سوداء تؤكل في الجدب. وقيل: مثل البرّ، إلا أنه عَسِرُ
الاستنقاء. وقيل: هو العدّس. قاله في ((المصباح)).
(٢) - القَطَانيّ ب ((الفتح)) جمع قِطْنيّة، وهي العَدَسُ، والخُلِّرُ، والفول، والدُّجْرُ، والحمّص. اهـ
((القاموس)). وفي ((المصباح)): قيل لما يُدْخر في البيت من الحبوب، ويقيم زمانًا قِطْنيّة - بكسر
القاف- على النسبة، وضمُّ القاف لغة. وفي ((التهذيب)): القِطْنِيّةُ: اسم جامع للحبوب التي
تطبخ، وذلك مثل العدس، والباقلاء، واللَّوبِيَاءِ، والحمّص، والأرز، والسمسم، وليس القمح،
والشعير من الْقَطَانيّ. انتهى.

٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
لأنه أبعد من الخلاف.
قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، وأما من
قال بتعيين غالب قوت البلد، أو قوت نفسه، فإنه حمل الحديث على ذلك، ولم يجعله
على ظاهره من التخيير، واقتصر في المشهور من روايات ابن عمر على التمر،
والشعير؛ لأنهما غالب ما يُقتات بالمدينة في ذلك الوقت، فإما أن يكون محمولًا على
إيجاب التمر على من يقتاته، والشعير على من يقتاته، وإما أن يكون مخيّرًا بينهما؛
الاستوائهما في الغلبة، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، فالمخرِج مخيّرٌ بينهما
انتھی(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي حمل ((أو)) على معنى التخيير، وأن
المؤذي لصدقة الفطر مخيّرٌ في إخراج أيّ نوع شاء، مما صحّ ذكره في الحديث، لا من
سائر أنواع الحبوب، فإنها لا تجزىء مع وجود المنصوص عليه، وإن لم يوجد شيء من
المنصوص عليه أجزا كلُّ ما كان قوتَ أهل البلد غالبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأجناس المنصوص
عليها :
ذهب الإمامان: مالك، وأحمد إلى اختيار إخراج التمر، قال ابن المنذر: واستحبّ
مالك إخراج العجوة منه.
وذهب الشافعيّ، وأبو عبيد إلى اختيار إخراج البرّ. وقال بعض أصحاب الشافعيّ:
يحتمل أن يكون الشافعيّ قال ذلك؛ لأن البرّ كان أعلى في وقته، ومكانه؛ لأن
المستحبّ أن يخرج أغلاها ثمنًا، وأنفسها؛ لقول النبيّ بَّ، وقد سئل عن أفضل
الرقاب؟ قال: ((أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها)). متفق عليه.
وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداءً بأصحاب رسول اللَّه وَلتر، واتباعًا لهم. وروى
بإسناده عن أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر إن الله قد أوسع، والبرّ أفضل من التمر،
قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، وأنا أُحبّ أن أسلكه. وظاهر هذا أن جماعة من
الصحابة كانوا يخرجون التمر، فأحبّ ابن عمر موافقتهم، وسلوك طريقتهم، وأحبّ
أحمد أيضًا الاقتداء بهم، واتّباعهم.
وروى البخاريّ عن ابن عمر، قال: ((فرض النبيّ وَل صدقة الفطر ... )) الحديث.
(١) - راجع (طرح التثريب)) ج٤ ص ٥٠- ٥٢ .

٣٨- (الزَّبِيبُ) - حديث رقم ٢٥١٢
٢٩٩ =
وفيه كان ابن عمر يُعطي التمر، فأعوز أهلُ المدينة من التمر، فأعطى شعيرًا. قال
الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يُخرج في صدقة الفطر. وقد روى جعفر
الفريابيّ من طريق أبي مِجْلَزِ، قال: قلت لابن عمر: قد أوسع اللَّه، والبرّ أفضل من
التمر، أفلا تُعطي البرّ؟، قال: لا أُعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويُستَنْبَطُ من ذلك
أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يُقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما
ذُكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فَهِمَ منه خصوصيّة التمر بذلك. والله أعلم
انتهى كلام الحافظ (١).
قال ابن قدامة: والأفضل بعد التمر البرّ، وقال بعض أصحابنا: الأفضل بعده
الزبيب؛ لأنه أقرب تناولًا، وأقلّ كلفة، فأشبه التمر. ولنا أن البرّ أنفع في الاقتيات،
وأبلغ في دفع حاجة الفقير. انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي قول من فضّل الزبيب على البرّ أرجح؛ لصحة
الحديث به، دون البرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في إخراج القيمة في صدقة الفطر:
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يجوز
دفع القيمة في صدقة الفطر.
وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه رحمهم الله تعالى إلى جواز ذلك.
قال ابن قدامة: قال أبو داود: قيل لأحمد، وأنا أسمع: أُعطَى دراهم -يعني في
صدقة الفطر - قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول اللّه وَله. وقال أبو طالب:
قال أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة،
قال: يدعون قول رسول اللّه وَله، ويقولون قال فلان، قال ابن عمر: ((فرض رسول الله
وَه»، وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقال قوم يردّون
السنن: قال فلان، قال فلان.
وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك،
والشافعيّ.
وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: يجوز. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز،
والحسن، وروي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا صدقةً الفطر، وقال أبو داود: سئل
أحمد عن رجل باع ثمر نخلته؟، قال: عشره على الذي باعه، قيل له: فيخرج ثمرًا، أو
(١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص١٤٨ - ١٥٠.
(٢) - راجع ((المغني)) ج٤ ص٢٩١- ٢٩٢.

٣٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمرًا، وإن شاء أخرج من الثمن. وهذا دليل على جواز إخراج
القيم. ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: ((ايتوني بخميس، أو لبيس، آخذه منكم، فإنه
أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة)). وقال سعيد: حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن
طاوس، قال: لَمّا قدم معاذ اليمن، قال: ((ائتوني بعرض ثيابٍ، آخذه منكم مكان
الذرة، والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة)). قال: وحدّثنا جرير،
عن ليث، عن عطاء، قال: كان عمر بن الخطّاب يأخذ العروض في الصدقة من
الدراهم؛ ولأن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر الماليّة باختلاف
صور المال.
قال ابن قدامة: ولنا قول ابن عمر: ((فرض رسول اللَّه وَله صدقة الفطر، صاعًا من
تمر، أو صاعًا من شعير، فإذا عدل عن ذلك، فقد ترك المفروض. وقال النبيّ ◌َلّو:
((في أربعين شاةً شاةٌ، وفي مائتي درهم خمسة دراهم)). وهو وارد لبيان مجمل قوله
تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها،
والأمر للوجوب انتهى .
وقد وافق الإمام البخاريّ في ذلك الحنفيّةَ، فقال بجواز إخراج العروض في الزكاة،
إذا كانت بقيمتها، إذ ترجم بقوله: ((باب الْعَرْضِ في الزكاة))، وذكر فيه أثر طاوس
المتقدّم، وغيره من الأحاديث. وقد أجاب الجمهور عن جميع ذلك. وقد تقدّم البحث
عن ذلك.
وقال الشوكانيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((السيل الجرّار)) في شرح قول صاحب
((حدائق الأزهار)): ((إنما تجزىء القيمة للعذر)): أقول هذا صحيح؛ لأن ظاهر الأحاديث
الواردة بتعيين قدر الفطرة من الأطعمة أنّ إخراج ذلك مما سمّاه النبيّ وَلَّ متعيْنٌ، وإذا
عرض مانع من إخراج العين، كانت القيمة مجزئة؛ لأن ذلك هو الذي يمكن مَنْ عليه
الفطرة، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت إمكانه انتهى كلام الشوكانيّ(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ رحمه الله تعالى هو الأرجح
عندي .
والحاصل أن دفع عين ما وجب في زكاة الفطر، أو زكاة المال هو المتعيّن، فإن لم
يتيسّر جازت القيمة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية، وقوله:
﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمُ﴾ الآية، وقوله وَله: ((إذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما
(١) - راجع ((السيل الجزّار)) ج٢ ص٨٦ .