النص المفهرس
صفحات 261-280
٣١- (بَابُ فَرْض زكاةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمَمْلُوكِ)- حديث رقم ٢٥٠١ ٢٦١ = لقوت يوم وليلة؛ لما روي أنه طهرة للصائم، ولا فرق بين الغنيّ، والفقير في ذلك. ويؤيّد ذلك ما روي من تفسيره وَل﴿ من لا يحلّ له السؤال بمن يملك ما يُعدّيه، ويعشّيه، وهذا هو الحقّ؛ لأن النصوص أطلقت، ولم تخصّ غنيًّا، ولا فقيرًا، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا له، ولا سيّما والعلّة التي شُرعت لها الفطرة موجودةٌ في الغنيّ والفقير، وهي التطهّر من اللغو، والرفث، واعتبار كونه واجدًا لقوت يوم وليلة أمرٌ لا بدّ منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم، كما أخرجه البيهقيّ، والدارقطنيّ، عن ابن عمر رَّها، مرفوعًا، وفيه: ((أغنوهم في هذا اليوم)). وفي رواية للبيهقيّ: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم)). وأخرجه أيضًا ابن سعد في ((الطبقات)) من حديث عائشة، وأبي سعيد تقريبًا، فلو لم يُعتبر في حقّ المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة، وإغناء غيره. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ رحمه اللَّه تعالى كلام حسنٌ جدًّا. والحاصل أنّ ما ذهب إليه الجمهور من وجوبها على الفقير، إذا كان له ما يفضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته في ذلك اليوم هو الصواب؛ لعموم قوله وَله: ((على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر، أو أنثى، صغير، أو كبير)). فالفقير داخل في جملة هؤلاء، فيلزمه ما يلزمهم، إلا إذا أتى نصّ صريحٌ يُخرجه من العموم، ولم يوجد ذلك، وأما كونه لا يلزمه شيء إذا لم يفضل عن قوت يومه شيء، فبالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣١- (بَابُ فَرْض زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمَمْلُوكِ) ٢٥٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ))، قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ إِلَى نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرِّ) . ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((حمّاد)): هو ابن زيد. و((أيوب)): هو السختيانيّ. والحديث متفق عليه وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي، فما بقي هنا إلا ذكر ثلاث مسائل، ممالم يُذكّر هناك: (المسألة الأولى): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب زكاة رمضان على المملوك: استدلّ بظاهر حديث الباب داود بن عليّ الظاهريّ على وجوب إخراج العبد صدقة الفطر عن نفسه. قال وليّ الدين العراقيّ: لا نعلم أحدًا قال به سواه، ولم يتابعه على ذلك ابن حزم، ولا أحد من أصحابه، ويبطله قوله وَالآتى: ((ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقةٌ، إلا صدقة الفطر في الرقيق)). والاستثناء في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((إلا صدقة الفطر)). وذلك يقتضي أن زكاة الفطر ليست على العبد نفسِهِ، وإنما هي على سيّده. قال ابن المنذر: أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ على المرإ أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر، غير المكاتب، والعبد المغصوب، والآبق، والعبد المشترى للتجارة. وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، فتجب زكاة الفطر على السيّد عن عبده؛ لصحّة الحديث المتقدّم، وما استدلّ به داود من عموم حديث الباب يقدّم عليه خصوص هذا الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): أنهم اختلفوا في أشياء، من مسألة وجوب زكاة الفطر على السيّد عن عبده، أشار ابن المنذر رحمه الله تعالى في عبارته السابقة إلى بعضها، فلنذكرها: (فمنها): العبد الغائب، فمذهب الشافعيّ وجوب فطرته، وإن لم تُعلم حياته، بل انقطع خبره، ولم یکن في طاعته، بل کان آبقًا، ولم یکن في يده، بل کان مغصوبًا، ولم يعرف موضعه، بل كان ضاًّا، ويجب إخراجها عن هؤلاء في الحال، وفي هذه الصور خلاف ضعيف عندهم. وكذلك مذهب أحمد، إلا في منقطع الخبر، فإنه لم يوجب فطرته، لكنه قال: لو علم بذلك حياته لزمه الإخراج لما مضى. ولم يوجب أبو حنيفة زكاة الآبق، والأسير، والمغصوب المجحود. وعنه رواية بوجوب زكاة الآبق. وفصّل مالك، فأوجب في كلّ من المغصوب، والآبق الزكاة، إذا كانت غيبته قريبة، وهو يُرجَى حياته، ورجعته، فإن بعدت غيبته، وأَيس منه سقطت الزكاة عن سيّده. قال ابن المنذر: أكثر من يُحفظ عنه من أهل العلم يرون أن تؤذى زكاة الفطر عن :٦٣ ٣١- (بابُ فَرْض زكاة رَمَضَانَ عَلَى الْمَمْلُوك)- حديث رقم ٢٥٠١ الرقيق غائبهم، وحاضرهم، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والكوفيين، وكان ابن عمر يُخرج عن غلمانه الذين بوادي القرى وخيبر. قلت: وهو الحقّ عندي. ثم حكى ابن المنذر الخلاف عن الآبق، فحكى عن الشافعيّ، وأبي ثور وجوبها، وإن لم يعلم مكانه. وعن الزهريّ، وأحمد، وإسحاق وجوبها إذا عُلم مكانه. وعن الأوزاعيّ وجوبها إذا كان في دار الإسلام . وعن عطاء، والثوريّ، وأصحاب الرأي عدم وجوبها. وعن مالك وجوبها إذا كانت غيبة قريبة ترجى رجعته. فهذه خمسة أقوال. (ومنها): المكاتب، فذهب عطاء، ومالك في المشهور عنه، والشافعيّ في قول، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنها تجب على سيّده. قلت: وهو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ. والله تعالى أعلم. وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ في أصح الأقوال عنه، إلى أنها لا تجب عليه، ولا على سيّده. وذهب أحمد، وهو أحد الأقوال للشافعيّ إلى أنها تجب عليه في كسبه، كنفقته. وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن سيّده يعطي عنه إن كان في عياله، وإلا فلا. حكاه ابن المنذر عن إسحاق . وذهب ابن حزم إلى أنّ السيّد يخرج عنه إن لم يؤدّ شيئًا من كتابته، فإن أذى شيئًا من كتابته، وإن قلّ فهي عليه. (ومنها): العبد المشترى للتجارة، فالجمهور على أنّه يجب على السيّد فطرته كغيره؛ لعموم الحديث، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث بن سعد، والأوزاعيّ، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وأهل الظاهر. قلت: وهو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ. وقال أبو حنيفة: لا تجب فطرته؛ لوجوب زكاة التجارة فيه. وحكي عن عطاء، والنخعيّ، والثوريّ. والله تعالى أعلم. (ومنها): العبد المشترك بين اثنين، والجمهو أن الفطرة عليهما، قلت: وهو الحقّ عندي. والعبد المرهون، والجمهور على أن الزكاة على مولاه، قلت: وهو الحقّ عندي أيضًا. وقد اختلفوا في أنواع من العبيد غير هؤلاء، كالعبد الموصى برقبته لشخص، وبمنفعته لآخر. وعبد بيت المال، والموقوف على مسجد. والعبد العامل في ماشية، أو حائط. وقد فصّل الأقوال في الجميع الحافظُ ولي الدين العراقيّ رحمه الله تعالى في ((طرح التثريب))، (١) - راجع ((طرح التثريب)) ج٤ ص ٥٥-٥٨ . ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ فراجعه تستفد(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أنّ إخراج زكاة الفطر عن الأنثى على من هو؟ : ذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوريّ، وابن المنذر، وداود، وابن حزم، وابن الأشرس من المالكيّة إلى أن على المرأة إخراجَ زكاة الفطر من مال نفسها، سواء كانت متزوجة، أم غير متزوّجة؛ عملًا بظاهر النصّ. وذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والليث بن سعد إلى أن المتزوّجة تجب فطرتها على زوجها، وفي معناها الرجعيّة، والبائن، إن كانت حاملًا، دون ما إذا كانت حائلاً، فلو نشزت وقت الوجوب سقطت فطرتها عن الزوج. وقال أبو الخطّاب الحنبليّ: لا تسقط. فلو كان الزوج معسرًا، فالأصحّ في مذهب الشافعيّ أنه إن كانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على سيّدها، وإن كانت حرّة لم يجب عليها شيءٍ، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ. وفرّقوا بينهما بكمال تسليم الحرّة نفسها، بخلاف الأمة. وأوجبت الحنابلة على الحرّة فطرة نفسها في هذه الصورة. وتمسّك هؤلاء الذين أوجبوها على الزوج بالقياس على النفقة، واستأنسوا بما رُوي عن ابن عمر رَّ قال: ((أمر رسول اللَّه ول بزكاة الفطر عن الصغير، والكبير، والحرّ، والعبد ، ممن تمونون)). روه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وقال: إسناده غير قويّ. ورواه البيهقيّ أيضًا من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبيّ وَليزر، مرسلًا، وفي رواية عن عليّ تَّه، عن النبيّ وَّه مرسلًا أيضًا. قال النوويّ في ((شرح المهذّب)): الحاصل أن هذه اللفظة: ((ممن تمونون)) ليست بثابتة انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن إخراج زكاة الفطر على المرأة في مالها، لا على الزوج، هو الصواب؛ لأن الوجوب عليها بنصّ الحديث، فلا يجب الإخراج على غيرها، وهو الزوج، وحجة من أوجب على الزوج هو القياس على النفقة، والقياس في مقابلة النصّ غير صحيح، ومن حجتهم أيضًا الحديث المذكور، وقد عرفت أنه لا يثبت، فلا يصلح للاحتجاج به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٢٦٥ ٣٢- (بَأَبُ فَرْض زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّغِير) - حديث رقم ٢٥٠٢ ٣٢- (بَابُ فَرْضِ زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّغِيرِ) ٢٥٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ زَكَاةَ رَمَضَانَ، عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرِّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ(١) وَأَنْثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ))). قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح: وتقدّموا غير مرّة. والسند من رباعيات المصنّف، وهو (١٢٨) من رباعيات الكتاب، وهو أصح الأسانيد مطلقًا، على ما نقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، وهم مدنیون، إلا شيخه، فبغلانيّ. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه، وعلى مسائله مُستوفّى فيما مضى، وأذكر هنا ما يتعلق بما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان اختلاف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر عن الصغير، فأقول: (مسألة): اختلفوا في إخراج زكاة الفطر عن الصغير الذي لم يبلغ، هل هي في ماله، إن كان له مالٌ، أو هي على أبيه؟: فذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور إلى أنها في ماله، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ، فعلى من عليه نفقته، من أب وغيره. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، ولو كان للصغير مالٌ. وقال ابن حزم: هي في مال الصغير، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له شيء سقطت عنه، ولا تجب على أبيه. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على خلافه. وقال ابن العربيّ: لا خلاف بين الناس أن الابن الصغير إذا كان له مالٌ أن زكاة الفطر تُخرج من ماله انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ماذهب إليه الأولون من أنها تجب في مال الصبيّ، إن كان له مالٌ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته هو الأرجح عندي. والله تعالى أعلم. وقال الشافعيّة: لا يختصّ ذلك بالصغير، بل متى وجبت نفقة الكبير بزمانة، ونحوها، وجبت فطرته، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه، فوجد قوته ليلة العيد ويومه لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته عنه في وقت الوجوب، ولا على الابن؛ (١) - وفي نسخة: ((وذكر)). ٢٦٦ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الإعساره، وكذا الابن الصغير، إذا كان كذلك في الأصح. وحكوا عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أنها لا تجب إلا على من صلّى، وصام. وعن عليّ بن أبي طالب وَظّه أنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة. قال الماورديّ: وبمذهبنا قال سائر الصحابة، والتابعين، وجميع الفقهاء انتهى. ذكره وليّ الدین(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحكاية المذكورة عن عليّ، وابن المسيّب، والحسن ما أظنها تصحّ، وإن صحّت فلا يُلتفت إليها؛ حيث إنها تصادم صريح النصّ عن رسول اللّه وَله، بقوله: ((على الكبير والصغير)) من غير فرق بين من أطاق الصوم والصلاة، ومن لم يطق. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من أغرب ما ذكره ابن حزم في هذه المسألة أنه قال: تجب زكاة الفطر على الجنين، مستدلا بذكر الصغير في هذا الحديث، وقال: الجنين يقع عليه اسم صغير، ثم استدلّ بحديث ابن مسعود رَّه في ((الصحيحين)): يُجمَع خلق أحكم في بطن أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا ... وفيه: ((ثم ينفخ فيه الروح)) ... الحديث)). ثم قال: هو قبل ما ذكرنا موات، فلا حكم على ميت، وأما إذا كان حيًّا، فكلّ حكم وجب على الصغير، فهو واجب عليه، ثم ذكر من رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، وقتادة أن عثمان تنظيم كان يُعطي صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أُمّه. وعن أبي قلابة، قال: كان يعجبهم أن يُعطوا زكاة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمّه. قال: وأبو قلابة أدرك الصحابة، وصحبهم، ورَوَى عنهم. وعن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل، أيُزِكَّى عنه؟ قال: نعم. قال: ولا يُعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة انتهى. فتعقّبه الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذي)) -وأصاب في ذلك- فقال: إنّ استدلاله بما استدلّ به على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أُمّه في غاية العجب: أما قوله: ((على الصغير، والكبير))، فلا يَفهَم عاقلٌ منه إلا الموجودين في الدنيا، أما المعدوم، فلا نعلم أحدًا أوجب عليه. وأما حديث ابن مسعود، فلا يَطّلع على ما في الرحم إلا اللّه، كما قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وربما يُظنّ حملها، وليس بحمل، وقد قال إمام (١) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص٥٩ - ٦٠. ٢٦٧ ٣٢- (بَابُ فَرْض زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّغِير) - حديث رقم ٢٥٠٢ الحرمين: لا خلاف في أنّ الحمل لا يُعلم، وإنما الخلاف في أنه يعامل معاملة المعلوم، بمعنى أنه يؤخّر له ميراث؛ لاحتمال وجوده، ولم يختلف العلماء في أنّ الحمل لا يملك شيئًا في بطن أمّه، ولا يُحكم على المعدوم حتى يظهر وجوده. قال: وأما استدلاله بما ذكر عن عثمان وغيره، فلا حجّة فيه؛ لأن أثر عثمان منقطع، فإن بكرًا، وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلةٌ، والعجب أنه لا يحتجّ بالموقوفات، ولو كانت صحيحة متّصلة. وأما أثر أبي قلابة فَمَنِ الذين يُعجبهم ذلك؟، وهو لو سمّى جمعًا من الصحابة لما كان ذلك حجّة. وأما سلیمان بن يسار، فلم يثبت عنه، فإنه من روایة رجل لم يُسمّ، عنه، فلم يثبت فيه خلاف لأحد من أهل العلم، بل قول أبي قلابة: كان يُعجبهم ظاهر في عدم وجوبه، ومن تبرّع بصدقة عن حمل، رجاء حفظه، وسلامته، فليس عليه فيه بأس . وقد نُقِلَ الاتفاقُ على عدم الوجوب قبل مخالفة ابن حزم، فقال ابن المنذر: ذَكَرَ كلُّ من يُحفظ عنه العلم، من علماء الأمصار أنه لا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمّه، وممن حُفظ ذلك عنه: عطاء بن أبي رباح، ومالكٌ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يستحبّ ذلك، ولا يُوجبه، ولا يصحّ عن عثمان خلاف ما قلناه انتهى. وعن أحمد بن حنبل رواية أخرى بوجوب إخراجها عن الجنين(١) . وقال ابن عبد البرّ: فيمن وُلد له مولود بعد يوم الفطر لم يختلف قول مالك أنه لا يلزم فيه شيء، قال: وهذا إجماع منه، ومن سائر العلماء، ثم أشار إلى أن ما ذُكر عن مالك، وغيره من الإخراج عمن وُلد في بقيّة يوم الفطر محمول على الاستحباب. وكذا ما حكاه عن الليث فيمن وُلد له مولود بعد صلاة الفطر أن على أبيه زكاة الفطر عنه، قال: وأُحِبّ ذلك للنصرانيّ يُسلم ذلك الوقت، ولا أراه واجبًا عليه. قال الحافظ العراقيّ: فقد صرّح الليث فيه بعدم الوجوب، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا؛ لأنه يمتدّ وقت إخراجها إلى آخر يوم الفطر، قياسًا على الصلاة، يُدرَك وقت أدائها . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: يمتدّ وقت إخراجها قياسًا الخ نظر لا يخفى؛ لأن النبيّ وَّل قال: ((من أذاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد (١) - إن صحّت هذه الرواية عن أحمد تنقض دعوى الإجماع. فتنبه. ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الصلاة، فهي صدقة من الصدقات)) رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن. وهو ظاهر في كون ما بعد الصلاة ليس وقتًا لها، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار. فتنبه. والله تعالى أعلم. قال: ومع كون ابن حزم قد خالف الإجماع في وجوبها على الجنين، فقد تناقض كلامه، فقال: إن الصغير لا يجب على أبيه زكاة الفطر عنه، إلا أن يكون له مالٌ، فيُخرج عنه من ماله، فإن لم يكن له مالٌ لم يجب عليه حينئذ، ولا بعد ذلك، فكيف لا يوجب زكاته على أبيه، والولد حيّ موجود، ويوجبها، وهو معدوم، لم يوجد؟. فإن قلت: يُحمل كلامه على ما إذا كان للحمل مالٌ. قلت: كيف يمكن أن يكون له مالٌ، وهو لا يصح تمليكه، ولو مات من يرثه الحمل لم نملكه، وهو جنين، فلا يوصف بالملك إلا بعد أن يولد، وكذلك النفقة الصحيح أنها تجب للأمّ الحامل، لا للحمل، ولو كانت للحمل لسقطت بمضيّ الزمان، كنفقة القريب، وهي لا تسقط انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه اللّه تعالى(١) وهو بحث نفيس في الجملة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٣- (فَرْضُ زَكَاةٍ رَمَضَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، دُونَ الْمُعَاهِدِينَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((دون المعاهدين)): أي دون الذّمّيين. ويجوز ضبط ((المعاهدين) بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة اسم المفعول. قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: والعَهْدُ: الأَمَانُ، والْمَوْثِقُ، والذّمّةُ، ومنه قيل للحربيّ يدخُلُ بالأمان: ذوعهد، ومُعاهد أيضًا بالبناء للفاعل، والمفعول؛ لأن الفعل من اثنين، فكل واحد يفعل بصاحبه، مثل ما يفعله صاحبه به، فكلّ واحد في المعنى فاعلٌ، ومفعولٌ، وهذا كما يُقالُ: مكاتِبٌ، ومكاتبٌ، ومضارِبٌ، ومضارَبٌ، وما أشبه ذلك. والمعاهَدَةُ: المعاقَدَةُ، والمحالَفَةُ انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - راجع ((طرح التثريب)) ج ٤ ص ٦٠ -٦١. . (٢) - ((المصباح المنير)) في مادة عهد. = ٢٦٩ ٣٣- (فَرْضُ زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى ... - حديث رقم ٢٥٠٣ ٢٥٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَّرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َِّ، فَرَضَ زَّكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَّى النَّاسِ، صَاعًاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفّى، وإنما أتكلّم هنا في زيادة لفظة: ((من المسلمين))، وفيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو عدم وجوب زكاة الفطر على الذّمّيّ، فيكون البحث في مسألتين فقط: (المسألة الأولى): في الكلام على زيادة ((من المسلمين)) في هذا الحديث: (اعلم): أنه ذَكّرَ غير واحد أن مالكًا تفرّد بها من بين الثقات، فقال الترمذيّ في ((العلل)) التي في آخر ((الجامع)): وربّ حديث إنما يُستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصحّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، مثل ما رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر هذا الحديث، قال: وزاد مالكٌ في هذا الحديث ((من المسلمين)). قال: وقد رَوَى أيوب السختيانيّ، وعُبيدالله بن عُمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عُمر، ولم يذكروا فيه ((من المسلمين)). وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في ((علوم الحدیث)) . قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ)): ولم ينفرد مالك بقوله: ((من المسلمين))، بل قد رواه جماعة ممن يُعتمد على حفظهم، واختلف على بعضهم في زيادتها، وهم عشرة، أو أكثر(١)، منهم: عمر بن نافع، والضخّاك بن عثمان، وكَثِير بن فَرْقَد، والمعلّى بن إسماعيل، ويونس ابن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخوه ◌ُبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، على اختلاف عنهما في زيادتها. فأما رواية عمر بن نافع، عن أبيه، فأخرجها البخاريّ في ((صحيحه)). وأما رواية الضحاك بن عثمان، فأخرجها مسلم في ((صحيحه)). وأما رواية كثير بن فَرْقَد، فرواها الدارقطنيّ في ((سننه))، والحاكم في ((المستدرك))، وقال: إنه صحيح على شرطهما. (١) - لكن الذين ذكرهم هنا لا يتجاوزن تسعة، فليحرّر. والله تعالى أعلم. ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وأما رواية المعلّى بن إسماعيل، فرواها ابن حبّان في ((صحيحه))، والدارقطنيّ في ((سننه). وأما رواية يونس بن يزيد، فرواها الطحاويّ في ((بيان المشكل)). وأما رواية ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخيه عبيدالله بن عمر التي أتى فيها بزيادة قوله : ((من المسلمين))، فرواها الدارقطنيّ في ((سننه)). وأما رواية أيوب السختيانيّ، فذكرها الدارقطنيّ في ((سننه))، وأنها رُويت عن ابن شَوْذَب، عن أيوب، عن نافع انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى. وقال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن عبد البرّ: لم يختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أنّ قتيبة بن سعيد، رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو قلابة الرقَاشِيّ، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن تبعه أن مالكًا تفرّد بها، دون أصحاب نافع. وهو متعقّبٌ برواية عمر بن نافع المذكورة في ((صحيح البخاريّ)). وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق الضخّاك بن عثمان، عن نافع بهذه الزيادة. وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): لم يقل فيه: ((من المسلمين)) غير مالك، والضحاك. ورواية عمر بن نافع تردّ عليه أيضًا. وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك، وعمر بن نافع: رواه عبد الله العمريّ، عن نافع، فقال: ((على كلّ مسلم)). ورواه سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحِيّ، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، فقال فيه: ((من المسلمين)). والمشهور عن عبيدالله، لیس فیه «من المسلمین) انتھی. وقد أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة. وأخرجه الدار قطنيّ، وابن الجارود من طريق عبد الله العمريّ. وقال الترمذيّ في «الجامع» بعد رواية مالك: رواه غیر واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه ((من المسلمين)). وقال في ((العلل)) التي في آخر ((الجامع)): روى أيوب، وعُبيد الله ابن عمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث عن نافع، ولم يذكروا فيه ((من المسلمين)). وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه انتهى. وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا يُدرى مَن عَنَى بذلك. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع، والضحاك انتھی . قال الحافظ: وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما، منهم: كثير بن فَرْقَد ، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ، والحاكم. ويونسُ بن يزيد عند الطحاويّ. والْمُعَلَّى بن إسماعيل عند ابن حبّان في ((صحيحه)). وابنُ أبي ليلى عند الدارقطنيّ، أخرجه من طريق عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، وعبيد الله بن عمر، كلاهما عن ٢٧١ ٣٣- (فَرْضُ زكاة رَمَضَانَ عَلى ... - حديث رقم ٢٥٠٣ نافع. وهذه الطريق تردّ على أبي داود في إشارته إلى أنّ سعيد بن عبد الرحمن تفرّد بها عن عبيدالله بن عمر، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيدالله. وقد اختلف فيه على أيوب أيضًا، كما اختُلف على عبيدالله بن عمر، فذكر ابن عبد البرّ أن أحمد بن خالد ذكر عن بعض شيوخه، عن يوسف القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن أيوب، فذكر فيه ((من المسلمين)). قال ابن عبد البرّ: وهو خطأ، والمحفوظ فيه عن أيوب ليس فيه ((من المسلمين)) انتهى. وقد أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من طريق عبد الله بن شَوْذَب، عن أيوب، وقال فيه أيضًا: ((من المسلمين)). قال الحافظ: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملَقّن في ((شرحه)) تبعًا لمغلطاي أن البيهقيّ أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم، عن نافع، وفيه الزيادة. وقد تتبعْتُ تصانيف البيهقيّ، فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة. وفي الجملة ليس فيمن رَوَى هذه الزيادة أحدٌ مثلُ مالك، لأنه لم يُتّفق على أيوب، وعبيدالله في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في الراوي عنه، وهو یحیی بن أيوب مقال. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن القول بأن مالكًا رحمه الله تعالى تفرّد بزيادة ((من المسلمين)) غير صحيح، فقد تابعه جماعة من الرواة الذين تقدم ذكرهم آنفًا، إلا إذا أراد من قال ذلك أن هؤلاء الذين تابعوا مالكًا ليسوا مثله، أو لم يُتَّفقْ عليهم كما اتُّفِقَ عليه، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في وجوب زكاة الفطر على الكافر: (اعلم): أن زيادة ((من المسلمين)) في حديث الباب تدلّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر، عن نفسه، وهو متّفقٌ عليه، وهل يُخرجها عن غيره، كمستولدته المسلمة مثلًا؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعيّة، ورواية عن أحمد، وهل يُخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا، خلافًا لعطاء، والنخعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وإسحاق، واستدلُّوا بعموم قوله: ((ليس على المسلم في عبده صدقةٌ، إلا صدقة الفطر)). وأجاب الآخرون بأن الخاصّ يقضي على العامّ، فعموم قوله: ((في عبده)) مخصوصً بقوله: ((من المسلمین)). ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وقال الطحاويّ: قوله: ((من المسلمين)) صفةٌ للمخرجِين، لا للمخرَج عنهم. وظاهر الحديث يأباه؛ لأن فيه العبد ، والصغير في رواية عمر بن نافع، وهما ممن يُخرَجُ عنه، فدلّ على أنّ صفة الإسلام لا تختصّ بالمخرِجِين. ويؤيّده رواية الضّخّاك عند مسلم، بلفظ: ((على كلّ نفسٍ، من المسلمين، حرَّ، أو عبدٍ ... )) الحديث. وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة، ومن تجب عليه، ولم يقصد فيه بيان من يُخرجها عن نفسه، ممن يُخرجها عن غيره، بل شمل الجميع. ويؤيّده حديث أبي سعيد الآتي(١)، فإنه دالّ على أنهم كانوا يُخرجون عن أنفسهم، وعن غيرهم؛ لقوله فيه: ((عن كلّ صغير، وكبير)). لكن لا بدّ من أن يكون بين المخرج، وبين الغير ملابسةٌ، كما بين الصغير ووليّه، والعبد وسيّده، والمرأة وزوجها. وقال الطيبيّ: قوله: ((من المسلمين)) حال من العبد، وما عُطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضادّ؛ للاستيعاب، لا للتخصيص، فيكون المعنى: فرض على جميع الناس، من المسلمين. وأما كونها فيم وجبت، وعلى من وجبت؟ فيُعلم من نصوص أخرى انتهى. ونقل ابن المنذر أن بعضهم احتج بما أخرجه من حديث ابن إسحاق، ((حدثني نافع أنّ ابن عمر كان يُخرج عن أهل بيته، حرِّهم، وعبدِهم، صغيرِهم، وكبيرهم، مسلمهم، وكافرهم، من الرقيق)). قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقّب بأنه لو صحّ حُمِل على أنه كان يخرج عنهم تطوّعًا، ولا مانع منه. واستُدلّ بعموم قوله: ((من المسلمين)) على تناولها لأهل البادية -وهو الحقّ-، خلافًا للزهريّ، وربيعة، والليث في قولهم: إنّ زكاة الفطر تختصّ بالحاضرة. ذكره في ((الفتح))(٢) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب إخراج زكاة (١) - يعني ما أخرجه مسلم في ((صحيحه))، ونصّه: ٩٨٥ حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود -يعني ابن قيس- عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: ((كنا نخرج، إذ كان فينا رسول الله وَّهر، زكاة الفطر، عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، صاعا من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، فلم نزل نخرجه، حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان، حاجا أو معتمرا، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس، أن قال: إني أرى، أن مدين من سمراء الشام، تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه، كما كنت أخرجه، أبدا ما عشت)) انتهى. (٢) - ((فتح)) ج ١٤٢ - ١٤٣. ٢٧٣ ٣٤- (کمْ غرض) - حدیث رقم ٢٥٠٥ الفطر عن العبد الكافر هو الأرجح عندي؛ عملًا بالحديثين، فيُخصَّصُ عموم قوله وَله: ((ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر بقوله وَلير: ((من المسلمين)) في حديث الباب، فالعمل بهما متعيّنٌ بالوجه المذكور، وإلا أدّى إلى إلغاء أحد النصّين، مع إمكان العمل بهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٠٤ ١- (أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَم، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَّى الَّحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى، قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ») . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجالَ الصحيح، و((يحيى بن محمد بن السكن)) البصريّ، نزيل بغداد، صدوق [١١]٦٠/ ١٧٧٠ . و((محمد بن جَهْضَم)) البصريّ خراسانيّ الأصل، صدوق [١٠]١٧٧٠/٦٠. و((إسماعيل بن جعفر)) بن أبي كثير المدنيّ، ثقة ثبت [٨]١٧/١٦. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله، وسيأتي الكلام على قوله: ((وأمر بها أن تُؤَدِّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) في -٢٥٢١/٤٥ - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٣٤- (كَمْ فُرِضَ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: و((فرض)) يحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول، ونائب فاعله ضمير ((زكاة الفطر))، وذكّره بتأيله بالْمُؤَدَّى. ويحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، وفاعله ضمير رسول اللّه وَله. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٠٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ صَدَقَّةَ الْفِطْرِ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالذَّكَرِ وَالْأَنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح: وقد تقدّموا غير مرة. و((عيسى)): هو ابن يونس ابن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ. و((عبيدالله)): هو ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفّى قريبًا، وإنما أذكر هنا ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مقدار زكاة الفطر، فأقول: (مسألة): اختَلَفَ أهلُ العلم في مقدار المخرَج في زكاة الفطر، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف إلى أن الواجب إخراجه في زكاة الفطر صاع، من أيّ جنس أُخرج. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ، وأبي العالية، وجابر بن زيد، وإسحاق بن راهويه. قال ابن قدامة: وروي عن أبي سعيد الخدريّ انتهى. وقال أبو حنيفة: إنما يُخرِج صاعًا، إذا أَخرج تمرًا، أو شعيرًا، فأما إذا أخرج قَمْحًا، أو دقيقه، أو سويقه، فالواجب نصف صاع، وعنه في الزبيب روايتان: أشهرهما عنه أنه مثل القَمْح، فيُخرج منه نصف صاع. والثانية: أنه كالشعير، فيخرج منه صاعًا، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وأكثر أهل الكوفة، غير أبي حنيفة. قال: وروينا عن جماعة من الصحابة، والتابعين أنه يجزىء نصف صاع من البرّ، روينا ذلك عن أبي بكر، وعثمان، وليس يثبت ذلك عنهما، وعن عليّ، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء. وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي قلابة، وعبد الله ابن شداد، ومصعب بن سعد. واختلف فيه عن عليّ، وابن عبّاس، والشعبيّ، فروي عن كلّ منهم القولان جمیعًا انتهى. قال وليّ الدين: وهو قول في مذهب مالك أنه يُجزىء من القمح نصف صاع. واحتجّ هؤلاء بما في ((سنن أبي داود)) عن ثعلبة بن أبي صُعير، عن أبيه، عن النبيّ وَلقر، أنه قال: ((صاع من قَمْح، على كلّ اثنين))(١). وعن ابن عبّاس ◌َّا: ((فرض رسول اللَّه وَ ل هذه الصدقة، صاعًا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع قَمْح)). (١) - هذا الحديث ضعيف، وله طرق عند أحمد، وأبي داود، والدارقطنيّ، وغيرهم، إلا أن مدار الجميع على الزهريّ، عن عبدالله بن ثعلبة، وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه، وقد أوضح هذا الاختلاف الدارقطنيّ في ((علله))، ونقله الزيلعيّ في ((نصب الراية))، وقال ابن التركمانيّ في ((الجوهر النقيّ)): هو حديث اضطرب إسنادًا ومتنًا، وقد بيّن البيهقيّ بعض ذلك. وقال ابن عبدالبرّ: هذا حديث مضطرب لا يثبت، وليس دون الزهريّ في هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضًا انتهى. انظر ((المرعاة)) ج٦ ص٢١١-٢١٢. ٢٧٥ ٣٤- (گمْ فرض) - حدیث رقم ٢٥٠٥ وروى الترمذيّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ وَّ بعث مناديًا في فِجاج مكّة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كلّ مسلم، ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد ، صغير، أو كبير، مدّان من قَمْح، أو سواه صاعٌ من طعام)). قال الترمذيّ: حسنٌ غريبٌ(١). واحتجّ الأوّلون بأن في بَعض طرُق حديث ابن عمر ((صاعًا من بُرْ))، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. وروي أيضًا من حديث عليّ، وزيد بن ثابت. وفي ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدريّ رَّه: كنّا نعطيها في زمان رسول اللَّه وَ ل﴿ل صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السَّمْرَاء، قال: أرى مدَّا من هذا يعدل مدّين)). قال ابن عبد البرّ: ولم يختلف مَن ذكر الطعام في هذا الحديث أنه أراد به الحنطة. وثبت في ((الصحيحين)) في حديث ابن عمر: أمر النبيّ وَالله بزكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعجل الناس عدله مدّين من حنطة)). وهذا صريح في أنّ إخراج نصف صاع من القمح لم يكن في زمن النبيّ وَّ، وإنما حدث بعده. وأجابوا عن أحاديث نصف الصاع من القمح بأنها لا تثبت عن النبيّ وَلجر. قاله ابن المنذر(٢). وقال في ((الفتح)): وقال ابن المنذر أيضًا: لا نعلم في القَمْح خبرًا ثابتًا عن النبيّ وَله، يُعتَمد عليه، ولم يكن البرّ بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمّة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وجابر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وأمّه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى. وهذا مصيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيّة. لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة، خلافًا للطحاويّ. وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لَمّا كانت متساويةً في مقدار ما يخرج منها مع ما يُخالفها في القيمة دلّ على أنّ إخراج هذا المقدار من أيّ جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجّة الشافعيّ. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أن (١) - بل هو ضعيف؛ لأن فيه عنعنعة ابن جريج، وهو مشهور بالتدليس، قال الدارقطني: تجنّب تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلّس إلا فيما سمعه من مجروح. وقال الترمذيّ: سألت محمدًا -يعني البخاريّ- عن هذا الحديث؟ فقال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب انتهى. انظر ((المرعاة)) ج٦ ص٢٠٩ . (٢) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص٥٢-٥٣ . ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كلّ زمان، فيختلف الحال، ولا ينضبط، وربّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُع من حنطة، ويدلّ على أنهم لحظوا ذلك ما رَوَى جعفر الفريابيّ في ((كتاب صدقة الفطر)) أن ابن عبّاس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيّن لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من برّ. قال: فلما جاء عليّ، ورأى رخص أسعارهم، قال: اجعلوها صاعًا من كلِّ. فدلّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل. انتهى(١) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأحوط أن يُخرج من الحنطة صاعًا، وإن أخرج نصف صاع تبعًا لما نُقل عن جلّ الصحابة، كما تقدّم، فلا مانع؛ لأنه اجتهاد منهم لم يصادم نصًّا صحيحًا، إذ لم يصحّ عن النبيّ ◌َّر في صاع البر، ولا نصفه شيء يُعتمد عليه. وأما دعوى الإجماع من الصحابة على نصف صاع من برّ، كما زعمه الزيلعيّ وغيره فغير صحيح؛ لصحة مخالفة أبي سعيد الخدريّ، وابن عمر ». فلا إجماع مع مخالفتهما. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٥- (بَابُ فَرْضٍ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ) ٢٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكْمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِیلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ ابْنِ عُبَدَةً(٢)، قَالَ: ((كُنَّا نَصُّومُ عَاشُورَاءَ، وَنُؤَدِّيَ زَكَّةَ الْفِطْرِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَّضَانُ، وَتَزَّلَتِ الزَّكَاةُ، لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ، وَلَمْ تُنْهَ عَنْهُ، وَكُنَّا نَفْعَلُهُ))) . رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (إسماعيل بن مسعود) الجَخدَرِيُّ البصريّ، ثقة [١٠]٤٧/٤٢. (١) - ((فتح)) ج٤ ص١٤٦ - ١٤٧ . (٢) - وفي نسخة ((عن قيس بن سعد)) بدون ((ابن عبادة)). ٣٥- (بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبَلَ ... - حديث رقم ٢٥٠٦ = ٢٧٧ ٢- (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨]٥/٥ . ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧]٢٧/٢٤. ٤- (الحكم بن عتيبة) الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس[٥]٨٦/ ١٠٤ . ٥- (القاسم بن مخيمرة) الهمداني الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل [٣]١٢٨/٩٩. ٦- (عمرو بن شُرَحبيل) الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة عابد مخضرم [٢]١٨٠/ ٢٨٥ . ٧- (قيس بن سعد) بن عُبادة الخزرجي الأنصاري الصحابي ابن الصحابي، مات سنة ستين تقريبًا، وقيل: بعد ذلك، وتقدَّم في ١٩٢١/٤٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه. (ومنها): أنَّ فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الحَكّم، عن القاسم، عن عمرو. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيّون، إلا الصحابيّ، فمدنيٍّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) رَا أنه (قَالَ: ((كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ) أي اليوم العاشر من المحرّم (وَنُؤَدِي زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَلَمَّا نَزَّلَ رَمَضَانُ) أي نزل وجوب صومه، وكان وجوبه في شعبان من السنة الثانية من الهجرة، فقد أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) بسنده عن عائشة، وابن عمر، وأبي سعيد الخدريّ ، قالوا: فُرض صوم رمضان بعد ما حُوّلت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان، على رأس ثمانية عشر شهرًا، من مُهاجَر رسول اللَّهِ وَّله، وأمر عليهم لَله في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن يُفرض الزكاة في الأموال، وأن يُخرَج عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والعبد ، صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو مدّان من بُرّ، وأمر بإخراجها قبل الغدوّ إلى الصلاة، وقال: ((أغنُوهم - يعني المساكين - عن الطواف هذا اليوم)) انتهى(١). وفي إسناده الواقديّ، وهو متروك. (وَنَزَّلَتِ الزَّكَاةُ) أي نزل وجوب أداء زكاة المال (لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ) الظاهر أن الضمير راجع (١) - ((الطبقات)) لابن سعد ج٣ص٨. وانظر نصب الراية ج٢ ص ٤٣٢. -- ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ إلى المذكور، من كلِّ من عاشوراء، والزكاة، أي لم نؤمر بصوم عاشوراء، وأداء زكاة الفطر (وَلَمْ تُنْهَ عَنْهُ) أي عن كلّ مما ذُكر (وَكُنَّا تَفْعَلُهُ) وفي الرواية التالية: ((أمرنا رسول اللّه وَ له بصدقة الفطر قبل أن تَنزل الزكاة، فلمّا نزلت الزكاة، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحن نفعله)). وأخرجه أحمد في ((مسنده))، فقال: ٢٣٣٢٨ - حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، قال: سألت قيس بن سعد، عن صدقة الفطر؟ فقال: ((أمرنا رسول اللَّه ◌َ له قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم ننه عنها، ولم نؤمر بها، ونحن نفعله)). وسألته عن صوم عاشوراء؟ فقال: ((أمرنا رسول اللَّه وَلتله قبل أن ینزل رمضان، ثم نزل رمضان، فلم نؤمر به، ولم ننه عنه، ونحن نفعله)). وقد استدلّ به من قال: إن وجوب زكاة الفطر نُسخ، وهو إبراهيم ابن عُليّة، وأبو بكر بن كيسان الأصمّ، وأشهب من المالكيّة، وابن اللبّان، من الشافعيّة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وتُعُقّب بأن في إسناده راويًا مجهولًا . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال الحافظ في ((الفتح)) جـ٤ ص١٣٩ -: ولا أدري من هو الراوي المجهول في هذا السند، والسند الذي بعده؟، فإنهم كلّهم ثقات مشهورون، من رجال الصحيح، غير أبي عمّار، وهو عَرِيب بن حميد، وهو كوفيّ ثقة، فلتُراجَع تراجمهم من (تهذيب الكمال))، و(تهذيب التهذيب))، و((التقريب)). قال: وعلى تقدير الصّحّة، فلا دليل فيه على النسخ؛ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر انتهى. والحاصل أن فرض الزكاة لا يستلزم نسخ فرض صدقة الفطر، لأن النسخ إنما يثبت ببيان الشارع أن هذا الأمر بدل عن هذا الأمر، كما بَيّن ◌َ لّ حينما فُرض رمضان أن وجوب صوم عاشوراء نُسخ، ففي حديث عائشة تعيشها عند الشيخين: أن قريشا كانت تصوم عاشوراء، في الجاهلية، ثم أمر رسول الله پلټ بصيامه، حتى قُرض رمضان، فقال رسول اللَّه وَل: ((من شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره)). فقد صرّح النبيّ رَالله بنسخ وجوب صوم عاشوراء، وأما إذا أمر بشيء، ثم أمر بعده بشيء آخر، كما نحن فيه، فهيهات أن يُفهَم منه أن الأول منسوخ بالثاني، ولذا قال الصحابيّ هنا: وكنّا نفعله، أي لأن الأمر الأول باق، ولم يقل: فمنا من فعله، ومنا من تركه، كما صح ذلك في عاشوراء، ففي ((الصحيحين)): من حديث عائشة تعنيها أيضًا: («فلما فرض رمضان، تُرك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه)). فقد اتضح الفرق بين فرض صوم عاشوراء، حيثُ نُسخ، وفرض زكاة الفطر، حيث لم يُنسخ، وكان فعلُ الصحابة له بالأمر السابق، إذهو باق لم يتغيّر عن صفته. ٢٧٩ ٣٥- (بَأَبُ فَرْض صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبَلَ ... - حديث رقم ٢٥٠٧ فقول السنديّ: قوله: ((لم نؤمر به، ولم ننهه عنه الخ)): الظاهر أن المراد سقط الأمر به، لا إلى نهي، بل إلى إباحة الخ غير صحيح، فبأي دليل سقط الأمر، وأين ذلك، فهل أخبر النبيّ وَّ به، أو هل ترك الصحابة أداء زكاة الفطر؟ كلا. وكذا قوله: وبالجملة، فهذا الحديث يضعّف كون الافتراض قطعيا، ويؤيّد القول بأنه ظنيّ الخ غير صحيح أيضًا، فأين محلّ تضعيفه؟، وأيّ حجة على ذلك؟ هيهات هيهات. والحاصل أن حديث الباب لا يدلّ على النسخ أصلًا، ولا على ما زعمه السنديّ من أنه يؤيّد رأي الحنفيّة بأن صدقة الفطر واجبة، وليست فرضًا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث قيس بن سعد رَقِّ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٥٠٦/٣٥ و٢٥٠٧ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٨٥/٣٧ و٢٢٨٦ وفي ((الصوم)) ٢٨٤٢/١٠٥ و٢٢٨٦ بتمامه، وفي ٢٨٤١/١٠٥ بقصّة الصوم فقط. وأخرجه (ق) في ((الزكاة)) ١٨٢٨. (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥٠٥١ و((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٣٣١ و٢٣٣٢٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدْثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أَبِي عَمَّارِ الْهَمْدَانِيّ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَمَرَنَاَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَّلَتِ الزَّكَاةُ، لَمْ يَأْمُزْنَا، وَلَمْ تِنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ)) . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو عَمَّارٍ: اسْمُهُ عَرِيبُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَخْبِيلَ، يُكْتَى أَبَا مَيْسَرَةَ، وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ، خَالَفَ الْحَكَمَ فِي إِسْنَادِهِ، وَالْحَكَمُ أَثْبَتُ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسنا كلهم رجال الصحيح، و((سفيان)): هو الثوريّ. و((أبو عمّار الْهَمْدَاني)): عَرِيب بن حُميد - بفتح أوله، وكسر الراء- كوفيّ، ثقة [٣] ٢٣٨٥/٧٥ . [تنبيه]: قوله: ((الهمدانيّ)) -بفتح الهاء، وسكون الميم، بعدها دالٌ مهملة- ونسبه في (تهذيب الكمال)) إلى ((دُهْنِ)) أيضا، فقال جـ٢٠ ص٤٦ -: عَرِيب بن حُمَيد، = ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ أبو عَمَّار الهمدانيّ الدُّهْنِيّ الكوفي. انتهى. ونسبه في (تهذيب التهذيب)) جـ ٣ ص٨٧-، و((التقريب)) ص٢٣٨: إلى ((دُهْنٍ))، فقط. و((الهمدانيّ)) -بفتح الهاء، وسكون الميم، فدال مهملة -: نسبة إلى شَعْب عظيم، من فَخْطَان. و((الدهنيّ)) : -بضمّ الدال المهملة، وسكون الهاء، بعدها نون -: نسبة إلى دُهن - بضم، فسكون- بطن من بَجِلية. قاله في ((لبّ اللباب)) ج١ ص٣٣٠ وج ٢ ص٣٢٩. وقوله: (عَرِيبُ بْنُ حُمَيْدٍ) بفتح العين المهملة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة، ثمّ موحّدة، و((حميد)) بضم المهملة، مصغّرًا. وقوله (شُرحبيل) بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة، وكسر الموحّدة. وقوله: (وَالْحَكَمُ أَثْبَتُ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) يعني أن رواية الحكم، عن القاسم بن مُخيمِرة، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن قيس بن سعد، أصحّ، من رواية سلمة بن کُهيل عن القاسم، عن أبي عمّار، عن قيس؛ لكون الحكم أثبت من سلمة. وهذا الذي قاله المصنف، من تقديم الحكم على سلمة يخالفه فيه ما نُقل عن عبد الرحمن بن مهديّ، فإنه يرى كون سلمة أثبت من الحكم، لأنه قال: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة: منصورٍ، وسلمة، وعمرو بن مرّة، وأبي حصين. وقال أيضًا: أربعة في الكوفة لا يُختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو مخطىء، فذكره منهم. انتهى ((تهذيب التهذيب)) جـ٢ ص٧٧ . وقال في الحكم: الحكم بن عُتيبة ثقة ثبت، ولكن يُختَلف -يعني في حديثه انتهى (تهذيب التهذيب)) جـ١ ص ٤٦٧ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنف يرى ترجيح رواية الحكم على رواية سلمة؛ لكونه أثبت عنده، لكن الذي يبدو لي أن الروايتين صحيحتان؛ لأن سلمة حافظ ثبت، كما سبق في كلام ابن مهدي، فيكون القاسم رواه عن كلٌّ من عمرو بن شُرَحِبيل وأبي عمار الهمداني، كلاهما عن قيس رَزّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٣٦- (مِكْيَلَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْمِكْيَلَة)) -بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح التحتانيّة، بعدها لام -: اسم لما يُكال به. قال في ((القاموس)): و((الكَّيْلُ))، و((الْمِكْيَل))،