النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
٢٨- (بابُ المغْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٥
برجلها، أو عَضِّها، أو ذنبها.
وقال مالك: القائد، والسائق، والراكب، كلهم ضامنون لما أصابت الدّابّة إلا أن
تَرْمَحَ الدابة (١) من غير أن يفعل بها شيء ترمح له. وحكاه ابن عبد البرّ عن جمهور
العلماء.
وقال الحنفيّة: إن الراكب، والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابّة برجلها، أو ذنبها، إلا
إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق، فقال القُدُوريّ، وآخرون: إنه ضامن لما
أصابت بيدها، أو رجلها؛ لأن النفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها. وقال
أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضًا، وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا
يمكنه التحرّز عنه، بخلاف الْكَذْم؛ لإمكان كبحِهَا بلجامها. وصححه صاحب
((الهداية)). وكذا قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تُتلفه البهيمة برجلها.
وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة عن شُريح القاضي، والحسن البصريّ،
وإبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعن الحَكّم، والشعبيّ:
يضمن، لا يبطل دم المسلم.
وتمسّك من نَفَى الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث، مع الرواية التي فيها:
((الرِّجْلُ جُبار)). لكنه ضعيف لتفرّد سفيان بن حسين، عن الزهريّ، وهو ضعيف في
الزهريّ، ولا سيّما مع مخالفته للحفاظ، فقد خالف أبا صالح، السمّان، وعبد الرحمن
الأعرج، وابن سيرين، ومحمد بن زياد، وغيرهم، فإنهم لم يذكروا الرِّجْل.
وذكروا أيضًا من حيث المعنى أنه لا اطلاع له على رَمْحِها، ولا قدرة له على دفعه.
ومن أوجب الضمان قال: باب الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع
البهيمة حاكم لها، فهي كالآلة بيده، ففعلها منسوب إليه، حَمَلَها عليه، أم لا، عَلِمَ به،
أم لم يعلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الظاهرية أرجح؛ لظهور
حديث الباب في الدلالة عليه.
وحاصله أن ما أتلفته البهيمة لا يُضمَن، سواء كان صاحبها معها، أم لا، إلا إذا كان
الفعل منسوبًا إليه، بأن حملها على ذلك الفعل بضرب، أو نَخْسٍ، أو زَجْر، أو نحو
ذلك، فأما إذا أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نَفْحَتها بالرجل، أو ضربت
بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه؛ لكونه جُبَارًا بنصّ الشارع.
(١) - قال في ((المصباح)): رَمَحَ ذو الحافر رَمْحًا، من باب نَفَعَ: ضرب برجله اهـ.

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استُدِلّ بهذا الحديث على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع،
وغيرها من الأموال بين أن يكون ذلك ليلًا أو نهارًا، وهو قول الحنفيّة، والظاهريّة.
وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارًا، وأما بالليل، فإن عليه
حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت.
ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعيّ، وأبو داود، والنسائيّ(١)، وابن ماجه
كلهم من رواية الأوزاعيّ، والنسائيُّ أيضًا، وابن ماجه من رواية عبد الله بن عيسى،
والنسائيُّ أيضًا من رواية محمد بن ميسرة، وإسماعيل بن أميّة، كلهم عن الزهريّ، عن
حرام بن مُخَيِّصة الأنصاريّ، عن البراء بن عازب رَّتًا، قال: كانت له ناقةٌ ضارية،
فدخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه وَلير ((أن حفظ الحوائط بالنهار على
أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ما
شیتهم بالليل».
وأخرج ابن ماجه أيضًا من رواية الليث، عن الزهريّ، عن ابن محيّصة: أن ناقة
للبراء، ولم يسمّ حرامًا. وأخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهريّ، فزاد فيه
رجلًا، قال: ((عن حرام بن محيّصة، عن أبيه)). وكذا أخرجه مالكٌ، والشافعيّ عنه،
عن الزهريّ، عن حرام بن سَعْد بن محيّصة أن ناقة.
وأخرجه الشافعيّ في رواية المزنيّ، في ((المختصر)) عنه، عن سفيان، عن الزهريّ،
فزاد مع حرام سعيدَ بنَ المسيّب، قالا: ((إن ناقة للبراء)». وفيه اختلاف آخر أخرجه
البيهقيّ من رواية ابن جُريج، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، فاختُلِفَ فيه على
الزهريّ على ألوان، والْمُسنَد منها طريق حرام، عن البراء.
وحرام -بمهملتين- اختُلِف، هل هو ابن محيّصة نفسه، أو ابن سَعْد بن محيّصة.
قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول، لم يرو عنه إلا الزهريّ، ولم يوثَّق.
قال الحافظ: قلت: قد وثّقه ابن سعد، وابن حبّان، لكن قال: إنه لم يسمع من
البراء انتهى.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه: ((عن البراء)) أي عن قصّة ناقة البراء،
فتجتمع الروايات. ولا يمتنع أن يكون للزهريّ فيه ثلاثة أشياخ.
وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث، وإن كان مرسلًا، فهو مشهور، حدّث به
(١) - أي في ((السنن الكبرى)) ((كتاب العادية)) باب تضمين أهل الماشية ما أفسدت مواشيهم بالليل ٣/
٤١١ رقم ٥٧٨٤ .

٢٤٣
٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حدیث رقم ٢٤٩٥
الثقات، وتلقّاه فقهاء الحجاز بالقبول. وأما إشارة الطحاويّ إلى أنه منسوخ بحديث
الباب، فقد تعقّبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، مع الجهل بالتاريخ.
وأقوى من ذلك قول الشافعيّ: أخذنا بحديث البراء لثبوته، ومعرفة رجاله، ولا
يخالفه حديث ((العجماءُ جرحها جُبّار))؛ لأنه من العامّ المراد به الخاصّ، فلما قال:
((العجماء جبار))، وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دلّ ذلك على
أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حالٍ حُبّار، وفي حال غير جُبار.
ثم نقض على الحنفيّة أنهم لم يستمرّوا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب
بحديث ((الرِّجْلُ جبار)» مع ضعف راويه، كما تقدّم.
وتَعَقَّب بعضهم على الشافعيّة قولَهُم: إنه لو جرت عادة قوم بإرسال المواشي ليلًا،
وحبسها نهارًا انعكس الحكم على الأصح.
وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القسم الواجب للمرأة لو كان يكتسب
ليلًا، ويأوي إلى أهله نهارًا لانعكس الحكم في حقّه، مع أن عماد القسم بالليل. نعم لو
اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلاً، وبعضهم يرسلها نهارًا،
فالظاهر أنه يقضى بما دلّ عليه الحديث. ذكره في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عملًا
بالحديثين، وحديث البراء، وإن كان الأصحّ أنه مرسل، إلا أنه اعتضد بتلقّي الناس له
بالقبول - كما تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى- فتقوّى بذلك، ألا ترى أن
الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، مع كونه لا يرى الاحتجاج بالمرسل، احتجّ به
لاعتضاده بما ذُكر، فَيُخَصّ به عموم حديث الباب ((العجماء جرحها جبار)).
والحاصل أن البهائم إذا أفسدت بالليل، فإن أصحابها يضمنون، وإذا أفسدت بالنهار
لا يضمنون، لحديث البراء وظّه المذكور، وهذا الجمع أولى من إلغاء أحد الحديثين.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في قوله: ((البئر جُبار))، وفي رواية الأسود بن العلاء عند مسلم:
((والبئر جرحها جُبار)). والمراد بجَرْحها -وهي بفتح الجيم، لا غير، كما نقله في
((النهاية))، عن الأزهريّ- ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة
مخصوصةً بذلك، بل كلّ الإتلافات ملحقةٌ بها.
قال عياضٌ، وجماعة: إنما عبّر بالجرح لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نبه به على ما
(١) - ((فتح)) ج١٢ ص ٢٦٩- ٢٧٠. طبعة دار الريّان.

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
عداه، والحكم في جميع الإتلافات بها سواء، أكان على نفس، أو مال؟. ورواية الأكثر
تتناول ذلك على بعض الآراء، ولكن الراجح أنّ الذي يحتاج لتقدير، لا عموم فيه.
قال ابن بطال: وخالف الحنفيّة في ذلك، فضمّنوا حافر البئر مطلقًا، قياسًا على
راكب الذّابة، ولا قياس مع النصّ.
قال ابن العربيّ: اتفقت الروايات المشهورة على التلفّظ بالبئر، وجاءت رواية شاذّة
بلفظ: ((النار جُبار)) -بنون، وألف ساكنة قبل الراء- ومعناه عندهم: أن من استوقد نارًا
مما يجوز له، فتعدّت حتى أتلفت شيئًا، فلا ضمان عليه. قال: وقال بعضهم: صحّفها
بعضهم؛ لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء، لا بالألف، فظنّ بعضهم البئر بالموحّدة
النار بالنون، فرواها كذلك.
قال الحافظ: هذا التأويل نقله ابن عبد البرّ وغيره عن يحيى بن معين، وجزم بأنّ
معمرًا صحّفه، حيث رواه عن همّام، عن أبي هريرة. قال ابن عبد البرّ: ولم يأت ابن
معين على قوله بدليل، وليس بهذا تُردّ أحاديث الثقات.
قال الحافظ: ولا يعترض على الحفّاظ الثقات بالاحتمالات. ويؤيّد ما قاله ابن معين
اتفاق الحفّاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر، دون النار. وقد ذكر مسلم أنَّ
علامةَ المنكر في حديث المحدّث أن يَعمِدَ إلى مشهور بكثرة الحديث، والأصحاب،
فيأتي عنه بما ليس عندهم، وهذا من ذاك. ويؤيّده أيضًا أنه وقع عند أحمد من حديث
جابر بلفظ ((والجُبّ جبار)) -بجيم مضمومة، وموحّدة ثقيلة، وهي البئر.
وقد اتفق الحفّاظ على تغليط سفيان بن حسين، حيث رَوَى عن الزهريّ في حديث
الباب: ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)) -بكسر الراء، وسكون الجيم- وما ذاك إلا أن الزهريّ مكثر من
الحديث، والأصحاب، فتفرّد سفيان عنه بهذا اللفظ، فعدّ منكرًا، وقال الشافعيّ: لا
يصحّ هذا. وقال الدارقطنيّ: رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة،
وعبيدالله بن عبد الله، والأعرج، وأبو صالح، ومحمد بن زیاد، ومحمد بن سیرین،
فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزهريّ، وهو المعروف.
نعم الحكم الذي نقله ابن العربيّ صحيح، ويمكن أن يتلقّى من حيث المعنى من
الإلحاق بالعجماء، ويلتحق به كلّ جماد، فلو أنّ شخصًا عَثَرَ، فوقع رأسه في جدار،
فمات، أو انكسر، لم يجب على صاحب الجدار شيء انتهى كلام الحافظ(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي في اعتراض الحافظ على الإمام ابن عبد البرّ
(١) - ((فتح)) ج١٢ ص٢٦٦-٢٦٧.

٢٤٥
٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٥
في تعقّبه ابنَ معين، بما نقله عن الإمام مسلم نظرٌ، وذلك لأنه لم يَنقُل كلام الإمام
مسلم رحمه الله تعالى على وجهه، فوقع على غير ما أراده مسلم، ودونك ملخّص
عبارته في ((صحیحه))، قال:
((وعلامة المنكر في حديث المحدّث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره
من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب
من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مُستَعمَلِهِ، إلى أن قال: لأن
حكم أهل العلم، والذي نَعرِف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدّث من الحديث
أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم، والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك
على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلت
زيادته، فأما من تراه يَعمِد لمثل الزهريّ في جلالته، وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين
لحديثه، وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوطٌ،
مشتركٌ، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما،
أو عن أحدهما العدَدَ من الحديث، مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابه، وليس ممن قد
شاركهم في الصحيح، مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس)) انتهى
كلام مسلم رحمه الله تعالى باختصار(١) .
فأنت ترى أن مسلمًا شرط ليكون ما يتفرّد به الراوي منكرًا أن يكون المتفرّد ممن
ليس يشارك الثقات في روايات ما يروونه من الصحيح، فهذا هو الذي يكون منكرًا،
وأما إذا كان يشارك الثقات فيما يروونه، أو في بعضه، فإن ما يتفرّد به على أصحابه
يكون مقبولًا، ومعلوم أن معمرًا أحد الأثبات المتقنين الذين رووا عن الزهريّ، ويشارك
أصحابه الأثبات في رواياتهم عنه، فإذا انفرد عن أصحابه بشيء، فإنه يكون مقبولًا،
على ما أوضحه الإمام مسلم، في كلامه المذكور.
والحاصل أنّ معمرًا من الصنف الثاني، لا من الأول، فلا يكون ما تفرّد به منكرًا.
ومن الغريب تشبيهه مخالفةً معمر بمخالفة سفيان حسين، فإن معمرًا من الحفّاظ
المتقنين من أصحاب الزهريّ، كما بيّناه آنفا، وسفيان من ضعفاء أصحابه، فكيف يُشبّه
أحدهما بالآخر، إن هذا لشيء عجيبٌ.
والحاصل أن ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ له وجه وجيه فيما أراه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) - ((صحيح مسلم)) ج١ ص ٥- ٦ .

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٢٤٩٦- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ وَِّ، بِمِثْلِهِ) .
(يونس)): هو ابن يزيد الأيليّ. والحديث تقدم الكلام عليه في الذي قبله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٩٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، وَالْبِثْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ
جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((سعيد)): هو ابن المسيّب. والكلام على الحديث
كسابقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٩- (بَابُ زَكَاةِ النَّخلِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((النحل)) - بفتح النون، وسكون الحاء المهملة -:
ذُباب العسل، للذكر والأنثى، واحدتها نَحْلَةٌ، بهاء. أفاده في ((القاموس)).
والمراد بزكاة النحل، زكاة عسلها، كما يتبيّن من سياق الحديث، لأنه لا قائل بتعلّق
الزكاة بنفسها، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٩٩ - (أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، عَنْ
مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِهِ، قَالَ:
جَاءَ هِلَالٌ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَهِ بِعُشُورِ نَحْلِ لَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَخْمِيَ لَهُ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ،
فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، ذَلِكَ الْوَادِيَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ،
إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، يَسْأَلُهُ، فَكَتَبَ عُمَّرُ، إِنْ أَدَّى إِلَيَّ، مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ،
مِنْ عُشْرٍ نَحْلِهِ، فَاخْم لَهُ سَلَبَةَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ، يَأْكُلُهُ مَنْ شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (المغيرة بن عبد الرحمن) بن عون بن حبيب الأسديّ الحرّانيّ، أبو أحمد، ثقة،

٢٤٧
٢٩ - (بابُ زَكَاةِ النَّخل) - حديث رقم ٢٤٩٩
من صغار [١٠] ٢٠٢٥/٩٤ .
٢- (أحمد بن أبي شعيب) هو: أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب مسلم، نُسب
لجدّه، القرشيُّ مولاهم، أبو الحسن الحزّانيّ، ثقة [١٠]
قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). مات سنة (٢٣٣) وقيل:
(٢٣١) وقيل: غير ذلك. روى عنه البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف
بواسطة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا و٤٢٦٨ حديث عديّ بن حاتم رَزاله:
((إذا أرسلت كلبك المعلّم ... )) الحديث، وأعاده برقم ٤٢٧٥ و٤٢٩٩.
٣- (موسى بن أعين) القرشيّ مولاهم، أبو سعيد الْجَزَرِيّ، ثقة عابد [٨]١١ /٤١٥.
٤- (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيه
حافظ [٧]٧٩/٦٣ .
٥- (عمرو بن شعيب) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوق [٥]١٤٠/١٠٥.
٦- (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله الطائفيّ، صدوق [٣]١٤٠/١٠٥.
٧- (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما١١١/٨٩. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
موثقون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو
رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَاءَ هِلَالٌ) وفي رواية أبي داود: «هلالٌ أحد بني
مُتْعَان)). وهو غير هلال بن سعد، كما استظهره الحافظ في ((الإصابة)). وقيل: هما
واحد. وبنو مُتْعان -بضمّ الميم، وسكون المثنّاة الفوقيّة -: قبيلة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه
بِعُشُورِ نَخْلٍ لَهُ) أي بعشر عسل نحله، وليس المراد أنه أتى بعشر النحل نفسها، كما
قَدّمناه (وَسَأَلَهُ) أي سأل هلالٌ النبيّ ◌َِّ (أَنْ يَخْمِيَ لَه وَادِيًا) أي يحفظ واديًا، له خاصّةً،
ويمنع غيرَه من الرعي فيه. يقال: حَمَيتُ المكان من الناس حَمْيًا، من باب رَمَى،
وحِمْيَةً - بالكسر -: منعته عنهم، والْحِمَاية اسم منه، وأحميته بالألف: جعلته حِمّى، لا
يُقْرَب، ولا يُجترأ عليه، قال الشاعر [من الطويل]:

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وَتَرْعَى حِمَى الأَقْوَامِ غَيْرَ مُحَرَّم عَلَيْنَا وَلَا يُرْعَى حِمَانَا الَّذِي نَحْمِي(١)
وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم إذا نزل منزلاً مُخْصِبًا استعوى كلبًا على
مکان عالٍ، فإلی حیث انتھی صوته حماه من كل جانب، فلا يَرعی فیه غيره، ويَرعی
هو مع غيره فيما سواه. والحمى هو المكان الْمَحمِيّ، وهو خلاف المباح، ومعناه أن
يمنع من الإحياء من ذلك الموات؛ ليتوفّر فيه الكلأ، فترعاه مواشٍ مخصوصة، ويمنع
غيرها. قاله في ((الفتح))(٢).
(يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ) أي يسمّى ذلك الوادي سَلَبَةَ - بفتح السين المهملة، واللام: هو واد
لبني مُتْعان. قاله البكريّ في ((معجم البلدان))(٣) (فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ ذَلِكَ الْوَادِيَّ)
أي جعله له وَ لَّ سَلَبَة حِمّى مختصًا بأنعامه، لا يرعى فيه أنعام غيره من أهل بلده. وفيه
جواز أن يحمي الإمام لبعض الناس بعض الأراضي، إذا كان فيه مصلحة.
(فَلَمَّا وَلِيَ) بفتح الواو، وكسر اللام، من باب عَلِمَ: أي تولّى الخلافة. ويحتمل أن
يكون بضمّ الواو، وتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول: أي جُعِل واليًا. فعلى الأول يكون
قوله (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) وَّ فاعلًا، وعلى الثاني نائب فاعل (كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ)
هكذا في رواية عمرو بن الحارث عند المصنّف، وأبي داود ((سفيان بن وهب)).
ووقع في رواية عبد الرحمن بن الحارث المخزوميّ، وأسامة بن زيد الليثيّ، كلاهما
عن عمرو بن شعيب ((سفيان بن عبد الله الثقفيّ)) بدل ((سفيان بن وهب))، والظاهر أنه
الصواب .
فأما رواية عبد الرحمن، فساقها أبوداود في ((سننه)) عن أحمد بن عبدة الضبّيّ،
أخبرنا المغيرة -ونسبه إلى عبد الرحمن بن الحارث المخزوميّ - حدّثني أبي، عن عمرو
ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن شَبَابةَ، بطنٌ من فَهْم، فذكر نحوه، قال: ((من كلّ
عشر قِرَب قربة))، وقال: ((سفيان بن عبد الله الثقفيّ، قال: وكان يحمي لهم واديين،
زاد: فأدَّوًا إليه ما كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه وََّ، وحَمَى لهم وادييهم.
وأما رواية أسامة بن زيد، فأخرجها أبو داود مختصرًا، وأخرجها الطبرانيّ في
((معجمه)) مطوّلًا، من طريق أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن بني شبابة، بطن من فَهْم، كانوا يؤذون
إلى رسول اللّه ◌َ﴿ عن نحل، كان لهم العشرَ، من كلّ عَشْرِ قِرَبٍ قربةً، وكان يحمي
(١) - ((المصباح المنير)) في مادة حمى.
(٢) - ((فتح)) ج٥ ص٣٢٠ .
(٣) - انظر ((نيل الأوطار)) ٤ ص١٥٨.

=
٢٤٩
٢٩- (بابُ زكاة النَّخل) - حديث رقم ٢٤٩٩
واديين لهم، فلما كان عمر استعمل على ما هناك سفيان بن عبد الله الثقفيّ، فأَبَوا أن
يؤدُّوا إليه شيئًا، وقالوا: إنما كنّا نؤديه إلى رسول اللَّه وَلتر، فكتب سفيان إلى عمر،
فكتب إليه عمر، إنما النحل ذباب غيث، يسوقه اللَّه عز وجل رزقًا إلى من يشاء، فإن
أدوا إليك ما كانوا يؤذون إلى رسول اللَّه وَلّر، فاحم لهم أوديتهم، وإلا فخلّ بينه وبين
الناس، فأدَّوا إليه ما كانوا يؤدُّون إلى رسول اللَّه وَ له، وحمى لهم أو ديتهم. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن سفيان بن عبد الله هو الصواب؛
لأمرين:
(أحدهما): اتفاق عبد الرحمن بن الحارث، وأسامة بن زيد عليه.
(الثاني): أن سفيان بن عبد الله هو المعروف بأنه كان عامل عمر بن الخطّاب تصوراتها
على الطائف، وهو صحابيّ معدود في أهل الطائف، ولّاه عمر على الطائف، لَمّا عزل
عثمان بن أبي العاص عنها، ونقله إلى البحرين. انظر ترجمته في ((الاستيعاب))
جـ٤ ص٢١٣. و((الإصابة)) جـ٤ص٢٠٨-٢٠٩ .
وأما سفيان بن وهب الخولانيّ، فهو أيضًا صحابيّ يُعدّ في أهل مصر، وولي إمرة
إفريقية زمن عبد العزيز بن مروان، ومات سنة (٨٢) ولم يعدّه أحدٌ فيمن ولّاه عمر
تُؤثّها، انظر ترجمته في ((الإصابة)) جـ٤ص٢١٤. و((الاستيعاب)) في هامشه.
وعمرو بن الحارث، وإن كان مقدّما في الحفظ على المغيرة، وأسامة، إلا أن
اتفاقهما يقوّي روايتهما، ويؤيّد ذلك الأمر الثاني الذي ذكرته آنفًا.
والحاصل أن سفيان بن عبد الله هو الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب.
(إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) وَّهِ (يَسْأَلُهُ) عن أخذ عشور هلال (فَكَتَبَ عُمَرُ) ◌َّه (إِنْ
أَذَّى إِلَيْكَ) هكذا في النسخة ((الهندية))، و((الكبرى)) ((إليك))، ووقع في النسختين
المطبوعتين: ((إليّ) بياء المتكلّم، والظاهر أنه تصحيف (مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
◌َ*، مِنْ عُشْرِ نَخلِهِ) أي من نحل ذلك الوادي (فَاحِم لَهُ سَلَبَةَ ذَلِكَ) اسم الإشارة بدل
من سلبة، وإنما ذكْره باعتبار المكان (وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَأَبُ غَيْثٍ) أي وإن لم يؤدّ إليك ما
كان يؤدّيه إلى رسول اللّه وَله، فلا تحم له ذلك الوادي، ويكون عسله مباحًا لمن شاء.
والمراد بالذباب النحل، وأضافه إلى الغيث الذي هو المطر؛ لأن النحل يَرْعَى
الأزهار، والأعشاب التي تنشأ عن المطر. وسمَّى النحل ذبابًا؛ لأنه يقع على الأزهار
كما يقع الذباب على الأشياء الدَّسِمَة، والحلواء (يَأْكُلُهُ مَنْ شَاءَ) يعني العسل، فالضمير
المنصوب راجع إلى النحل على حذف مضاف، أي يأكل عسله. وفيه دليلٌ على أن
العسل الذي يوجد في الجبل مباح، فمن سبق إليه يكون أحقّ به من غيره.

٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال السنديّ في ((شرحه)): قوله: ((وإلا فإنما هو ذباب غيث)) أي وإلا فلا يلزم
عليك حفظه؛ لأن الذباب غير مملوك، فيحلّ لمن يأخذه. وعُلِم أن الزكاة فيه غير
واجبة على وجه يُجبر صاحبه على الدفع، لكن لا يلزم الإمام حمايته إلا بأداء الزكاة
انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٤٩٩/٢٩ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٧٨/٣١. وأخرجه (د) في ((الزكاة))
١٦٠٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعيّة الزكاة في العسل، كما هو ظاهر ترجمة المصنّف، وظاهر سياق
الحديث يدلّ على أن عشر العسل مقابَلٌ بحماية واديه، لا أنه زكاة تؤخذ كسائر
الزكوات، وسيأتي بيان الخلاف بين الأئمة في المسألة التالية، إن شاء الله
تعالى (ومنها): جواز أكل العسل، وأنه من الأشياء المباحة (ومنها): أن مِنْ أَدَبِ الوالي
أن لا يعمل شيئًا حتى يستأذن الخليفة، أو الأمير الذي فوقه (ومنها): أن النحل لمن
سبقت يده إليه؛ لأنه من الأشياء المباحة.
(ومنها): مشروعيّة الحمى إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك. وقد أخرج البخاري
رحمه الله تعالى في (صحيحه)) عن ابن عباس رَّت، أن الصَّعْبَ بن جَثّامة ◌َّه قال:
إِنّ رسول اللَّهِ وَ لّ قال: ((لا حِمَى إلا للَّه، ولرسوله))، وقال: بلغنا أن النبيّ وَّ حَمَى
التَّقِيع، وأن عمر تَّهِ حَمَى الشَّرَف، والرَّذَةَ. انتهى.
قال في ((الفتح)): قال الشافعيّ: يحتمل معنى الحديث شيئن: أحدهما ليس لأحد أن
يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبيّ وَّر. والآخر معناه إلا على مثل ما حماه النبيّ وَّل،
فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي. وعلى الثاني يختصّ الحمى بمن قام
مقام رسول اللّه وَلّر، وهو الخليفة خاصّة. وأخذ أصحاب الشافعيّ من هذا أن له في
المسألة قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجحوا
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص٤٦-٤٧.

٢٥١ =====
٢٩- (بابُ زکاةِ النَّخل) - حديث رقم ٢٤٩٩
الثاني بما تقدم أن عمر حمى بعد النبيّ وَّل.
وقال في موضع آخر: والأرجح عند الشافعيّة أن الحمى يختصّ بالخليفة، ومنهم من
ألحق به وُلاة الأقاليم. ومحلّ الجواز مطلقًا أن لا يضرّ بكافّة المسلمين. قال: وقال
الْجُوريّ(١) من الشافعيّة: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهيّ ما يُحمَى من
الموات الكثير العُشب لنفسه خاصّة، كفعل الجاهليّة. والمباح ما لا منفعة للمسلمين فيه
شاملة، فافترقا .
وإنما تُعدّ أرض الحمى مواتًا لكونها لم يتقدّم فيها ملك لأحد، لكنها تشبه العامر؛
لما فيها من المنفعة العامة انتهى. (٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم زكاة العسل:
ذهب مالك، والشافعيّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر إلى أنه لا
زكاة في العسل.
قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة
فيه .
وذهب أحمد إلى أن في العسل العشرَ. ويُروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز،
ومكحول، والزهريّ، وسليمان بن موسى، والأوزاعيّ، وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة إلى أن العسل إن كان في أرض العشر، ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة
فيه، وهذا بناء على مذهبه في أن العشر والخراج لا يجتمعان، وقد تقدّم الردّ عليه في
ذلك.
احتجّ الموجبون بأحاديث كثيرة:
(فمنها): حديث الباب، وهو صحيح، لكنّه ليس نصًّا، في وجوب الزكاة، بل هو
ظاهر في كونه مقابلًا بحماية الوادي الذي طلب أن يُحمَى له.
(ومنها): ما رواه الترمذيّ من حديث ابن عمر رَبريقها: أن رسول اللّه وَ لإل قال في
العسل: ((في كلّ عشرة أزقاق زِقًّ)). وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ،
وقد خولف، وقال النسائيّ: هذا حديث منكر. ورواه البيهقيّ، وقال: تفرّد به صدقة،
وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد، عن موسى بن يسار. ذكره المروزيّ، ونقل عن
(١) - بضم الجيم آخره راء: نسبة إلى بلد بفارس، ومحلّة بنيسابور. أفاده في ((اللباب)) ج١ ص ٣٠٧ -
٣٠٨ .
(٢) - ((فتح)) باختصار ج٥ص٣٢٠.

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أحمد تضعيفه. وذكر الترمذيّ أنه سأل البخاريّ عنه؟ فقال: هو عن نافع، عن النبيّ
◌َآلۋ، مرسل.
(ومنها): ما أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ من حديث سليمان بن موسى، عن أبي
سيّارة الْمُتَعِيّ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن لي نَحْلًا، قال: ((أد العشور))، قال:
قلت: يا رسول الله، احمها لي، فحماها لي. وهو منقطع؛ قال البخاريّ: لم يدرك
سليمان أحدًا من الصحابة، وليس في زكاة العسل شيء يصحّ. وقال أبو عمر: لا يقوم
بهذا حجة.
(ومنها): ما أخرجه البيهقيّ من حديث أبي هريرة تَظعليه، قال: ((كتب رسول الله
وَال ◌ّ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر)). وفي إسناده عبد الله بن مُحَرَّر، وهو
متروك.
(ومنها): ما رواه البيهقيّ أيضًا من حديث سعد بن أبي ذُبَاب: ((أن النبيّ وَّر استعمله
على قومه، وقال لهم: ((أدّوا العشر في العسل))، وأتى به عمر، فقبضه، فباعه، ثم
جعله في صدقات المسلمين)). وفي إسناده مُنير بن عبد الله، ضعفه البخاريّ،
والأزديّ، وغيرهما.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن ما احتج به الموجبون الزكاة العسل
معظمها ضعاف، لا تصلح للاحتجاج بها، وما صحّ منها، کحدیث الباب لیس صريحًا
في الإيجاب، بل هو ظاهر في كونه مقابلا لحماية واديه، فالصواب عندي مذهب من
قال بعدم وجوب الزكاة فيه؛ لعدم ثبوت أدلّة الوجوب، كما عرفت. قال الزعفرانيّ،
عن الشافعيّ: الحديث ((في العسل العشر)) ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه. وقال
البخاريّ: لا يصحّ فيه شيء. وقال ابن المنذر: ليس فيه شيء ثابت.
ويؤيّد ذلك حديث معاذ رَّه أنه لم يأخذ زكاة العسل، وقال: لم يأمرني رسول الله
وَالترفيه بشيء. رواه أبو داود في ((المراسيل))، والحميديّ في («مسنده))، وابن أبي شيبة،
والبيهقي من طريق طاوس عنه.
وهذا وإن كان مرسلًا؛ لأن طاوسًا لم يلق معاذًا، إلا أنه قويًّ؛ لأنه كان عارفًا بقضايا
معاذ رَّ، كما قال البيهقيّ(١).
والحاصل أن عدم وجوب الزكاة في العسل هو الأرجح. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - انظر ((التلخيص الحبير)) ج٢ ص٣٢٤.

٢٥٣
٣٠۔ (بابُ فرض زكاة رمضان) - حدیث رقم ٢٥٠٠
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٣٠- (بَابُ فَرْضٍ زَكَاةِ رَمَضَانَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فرضيّة زكاة رمضان، أي الزكاة التي التي تجب
بالفطر من صوم رمضان. وأضيفت الزكاة لـ((رمضان)) لكونها تجب بالفطر من صومه، فيكون
من إضافة الشيء إلى سببه. وقيل: من إضافة الشيء إلى شرطه، كحجة الإسلام(١).
وقد ترجم البخاريّ، وغيره باباب صدقة الفطر)). قال في ((الفتح)): وَأَضِيفَتِ
الصدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قُتيبة: المراد بصدقة الفطر
صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة. والأول أظهر، ويؤيّده قوله
في بعض طرق الحديث: ((زكاة الفطر من رمضان) انتهى(٢).
وقال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: قال ابن قتيبة: وقيل لها فطرة؛ لأن الفطرة الخِلقةُ،
قال الله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَهًا﴾ الآية [الروم: ٣٠] أي جِبِلْته التي جبل
الناس عليها، وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس، كما كانت الأولى صدقة عن
(٣)
المال انتهى
.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح المهذّب)): يقال: زكاة الفطر، وصدقة
الفطر، ويقال للمُخرَج: فِطْرة - بكسر الفاء- لا غير، وهي لفظة مولّدة، لا عربيّةٌ، ولا
مُعَرَّبة، بل اصطلاحيّة للفقهاء، وكأنها من الفطرة التي هي الخلقة، أي زكاة الخلقة.
وممن ذكر هذا صاحب ((الحاوي)). انتهى(٤).
وفي ((المنهل)): وتسمية أوّل يوم من شوّال بيوم الفطر تسمية شرعيّة، لم تُعرَف قبل
الإسلام. وفُرضت صدقة الفطر في السنة الثانية من الهجرة. وهي في الشرع اسم لما
يُعطَى من المال لمن يستحقّ الزكاة على وجه مخصوص يأتي بيانه انتهى(٥). والله تعالى
(١) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص ١٨٥.
(٢) - ((فتح) ج٤ ص١٣٩ .
(٣) - ((المغني)) ج٤ ص ٢٨٢-٢٨٣.
(٤) - ((المجموع)) ج ٦ ص ٩١ .
(٥) - ((المنهل العذب المورود)) ج٩ ص٢١٨.

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أعلم بالصواب.
٢٥٠٠ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِوَ الِهِ زَكَاةَ رَمَضَانَ، عَلَى الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ،
وَالْأُنْثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ») .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمران بن موسى) القزاز الليثيّ، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠]٦/٦.
٢- (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة البصريّ التّوريّ،
ثقة ثبت [٨]٦/٦.
٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان البصريّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٥]٤٨/٤٢.
٤- (نافع) مولى ابن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]١٢/١٢.
٥- (ابن عمر) عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيُّ، وابنُ ماجه . (ومنها): أن
الثلاثة الأولين بصريون، والباقيان مدنيّان، وفيه ابن عمر رضي أحد المكثرين السبعة من
الصحابة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة: وهم، ابن عمر،
وابن عبّاس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((فَرَضَ) أي أوجب، وألزم (رَسُولُ
اللَّهِ وََّ) وما فرضه وَلَه إلا عن أمر من الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمُوَ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤]. قال الطيبيّ: دلّ قوله: ((فَرَض)) على أن
٣
صدقة الفطر فريضة. والحنفيّة على أنها واجبة. قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعيّ،
فهو فرض عمليٍّ، لا اعتقاديّ. وقال السنديّ: الحديث من أخبار الآحاد، فمؤدّاه
الظنّ، فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه من خصّ الفرض بالقطع، والواجب بالظنّ
انتھی .
وقال ابن حجر الهيتميّ: في الحديث دليلٌ لمذهبنا، ولَمّا رأى الحنفيّة الفرق بين
الفرض والواجب بأنّ الأول ما ثبت بدليل قطعيّ، والثاني ما ثبت بدليل ظنّيّ، قالوا: إن
المراد بالفرض هنا الواجب. وفيه نظر؛ لأنّ هذا قطعيّ؛ لما علمت أنه مجمع عليه،

٢٥٥ =
٣٠- (بَابُ فَرْض زکاةِ رَمَضَان) - حديث رقم ٢٥٠٠
فالفرض فيه باق على حاله، حتى على قواعدهم، فلا يحتاج لتأويلهم الفرض بالواجب
انتھی .
قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل، وأما أنه
على طريق الفرض، أو الواجب بناءً على اصطلاح الفقهاء المتأخّرين، فغير مسلّم، وأما
قوله: ووجوبها مجمع عليه، كما حكاه المنذريّ، والبيهقيّ، فمنقوض بأن جمعًا حكوا
الخلاف فيها .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعيّة ما أمكن هو
المتعيّن، وأما حمله على المصطلح الحادث فغير صحيح، فإن الصحابة * ما كانوا
يعرفون هذا الاصطلاح الحادث في الفرق بين الفرض والواجب، كما يقول به الحنفيّة،
فعبد الله بن عمر رَعليها حين قال: فرض رسول اللّه ◌َ له زكاة الفطر ما كان يقصد أنه دون
فرض زكاة المال، وفرض صوم رمضان، بل كان يعتقد أنه من الفروض التي كلف الله
تعالى بها المكلّفين، من غير فرق بين فرض، وفرض، فمن فرض صوم رمضان، هو
الذي فرض زکاة رمضان.
والحاصل أن ما ذهب إليه الأئمّة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة هو الحقّ. والله
تعالى أعلم بالصواب.
(زَكَاةَ رَمَضَانَ) أي الزكاة الواجبة عند الفطر من صوم رمضان، فإضافة الزكاة إلى
((رمضان)) من إضافة الشيء إلى سببه، كما سبق أوّل الباب.
فلازكاة)) منصوب على المفعوليّة (عَلَى الْحُرِّ) متعلّق بـ((فرَضَ)). قال السنديّ: ((على))
بمعنى ((عن))، إذ لا وجوب على العبد ، والصغير، كما في بعض الروايات؛ إذ لا مال
للعبد ، ولا تكليف على الصغير، نعم يجب على العبد عند بعض، والمولى نائبٌ عنه
انتھی .
(وَالْعَبْدِ) ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقل به إلا داود، فقال: يجب على
السيّد أن يمكّن العبد من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكّنه من الصلاة. وخالفه
أصحابه، والناس. واحتجوا بحديث أبي هريرة ◌َظي مرفوعًا: ((ليس على المسلم في
عبده صدقة، إلا صدقة الفطر)). رواه مسلم. وسيأتي تمام البحث في ذلك في
المسائل، إن شاء الله تعالى.
(وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، صَاعًا) منصوب على البدليّة من ((زكاةَ رمضان))، أو حال منه، أو
((زكاة)) منصوب على نزع الخافض، أي في زكاة رمضان،، والمفعول ((صاعًا)). أفاده
السنديّ. وقال الحافظ السيوطيّ في ((شرحه)): قيل: إن ((صاعًا)) منصوب على أنه

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
مفعول ثان. وقيل: على التمييز. وقيل: خبر ((كان)) محذوفًا. وقيل: على سبيل
الحكاية انتهى (١) (مِنْ تَمْرٍ) متعلّق بصفة لـ((صاعًا)) (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) ((أو)) هنا للتخيير،
فيُخيّر بين أن يخرج صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (فَعَدَلَ النَّاسُ) أي جعلوه مثله،
يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عدلًا، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائمًا مقامه، قال الله
تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. ذكره في ((المصباح)).
والمراد بالناس معاويةُ رَّه ، ومن تبعه، فقد وقع التصريح به في حديث أيوب،
عن نافع، أخرجه الحميديّ، في ((مسنده))، عن سفيان بن عُيينة: حدّثنا أيوب، ولفظه:
(صدقة الفطر صاعٌ من شعير، أو صاع من تمر، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل
الناس نصف صاع برّ بصاع من شعير)). وهكذا أخرجه ابن خُزيمة في ((صحيحه)) من
وجه آخر عن سفيان، وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد الآتي في ٢٥١٣/٣٨ -
وهو أصرح منه.
وأما ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، قال فيه:
((فلما كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك
الأشياء. فقد حكم مسلم في ((كتاب التمييز)) على عبد العزيز فيه بالوَهَم، وأوضح الرد
عليه. وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عيينة عندي أولى. وزعم الطحاويّ أن الذي عدل
عن ذلك عمر، ثم عثمان، وغيرهما، فأخرج عن يسار بن نُمير أن عمر قال له: ((إني
أحلف لا أعطي قومًا، ثم يبدو لي، فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عنّي عشرة
مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير)).
ومن طريق أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان، فقال: أدوا زكاة الفطر مدّين من حنطة.
وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء اللَّه تعالى (بِهِ) أي بما ذُكر من صاع تمر، أو صاع من
شعير (نِصْفَ ضَاعٍ مِنْ بُرُ))) يعني أنهم جعلوا نصف صاع من برّ يقوم مقام صاع من تمر،
أو شعير، فيجزىء أداؤه عن صدقة الفطر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) - ((شرح السندي)) ج٥ص٤٧. و((شرح السيوطيّ)) ج٥ص٤٧-٤٨.

٢٥٧
٣٠- (بَأَبُ فَرْض زَكَاةِ رَمَضَانَ) - حديث رقم ٢٥٠٠
أخرجه هنا- ٣٠/ ٢٥٠٠ و٢٥٠١/٣١ و٢٥٠٢/٣٢ و ٢٥٠٣/٣٣ و ٢٥٠٤ و٣٤/
٢٥٠٥ و٢٥١٦/٤١ و٢٥٢١/٤٥- وفي «الكبرى»٢٢٧٩/٣٢ و٢٢٨٠/٣٣ و٣٤/
٢٢٨١ و٢٢٨٢/٣٥ و٢٢٨٣ و٢٢٨٤/٣٦ و٢٢٩٥/٤٣ و٢٣٠٠/٤٧ . وأخرجه (خ)
في ((الزكاة)» ١٥٠٣ و١٥٠٤ و١٥٠٧ و١٥٠٩ و١١٥١١ و١٥١٢ (م) في ((الزكاة)) ٩٨٤
و٩٨٦ (د) في ((الزكاة)) ١٦١١ و١٦١٣ و١٦١٤ (ت) في ((الزكاة)) ٦٧٥ و٦٧٦ و٦٧٧
(ق) في ((الزكاة)) ١٨٢٦ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٧٢ و٥١٥٢ ٥٢٨١ و٥٣١٧
و٥٣٢٣ و٥٧٤٧ و٥٩٠٦ و٦١٧٩ و٦٣٥٣ و٦٣٩٣ و٦٤٣١ و(مالك) في ((الزكاة))
٦٢٧ (الدارميّ) في ((الزكاة)) ١٦٦١ و١٦٦٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم صدقة الفطر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: أجمع عوام أهل العلم على وجوب زكاة
الفطر. وقال إسحاق -يعني ابن راهويه- هو كالإجماع من أهل العلم. وقال الخطّابيّ:
قال به عامّة أهل العلم.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: فأما قوله في حديث ابن عمر: ((فرض
رسول اللّه وَ لجر ... )) فمعناه عند أكثر أهل العلم: أوجب رسول اللَّه وَلغيره، وما أوجبه
رسول اللَّه وَله، فبأمر الله أوجبه، وما كان لينطق عن الهوى، فأجمعوا على أن رسول
اللَّه وَلهو أمر بزكاة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها:
فقالت فرقةٌ: هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عُبَادة: أن رسول الله
و * كان يأمر بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا بها، ولم ينهنا عنها،
ونحن نفعله(١).
وقال جمهور من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم: هي فرضٌ واجبٌ على حسب
ما فرضها رسول اللّه وَلتر، لم ينسخها شيء.
وممن قال بهذا: مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو
حنيفة، وأبو یوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. قال
إسحاق: هو الإجماعُ.
وقال أشهب: سألت مالكًا عن زكاة الفطر، أواجبة هي؟ قال: نعم. وذكر أبو
التَّمَّام، قال: قال مالك: زكاة الفطر واجبة. قال: وبه قال أهل العلم كلّهم إلا بعض
أهل العراق، فإنه قال: هي سنّة مؤكّدةٌ.
(١) - سيأتي للمصنف برقم ٢٥٠٧. وأخرجه ابن ماجه برقم ١٨٢٨.

=
٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال أبو عمر: اختلف المتأخّرون من أصحاب مالك في وجوبها، فقال بعضهم: هي
سنّةٌ مؤكّدة. وقال بعضهم: هي فرضٌ واجبٌ. وممن ذهب إلى هذا أصبغ بن الفَرَج.
واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضًا: أحدهما: أنها فرض واجبٌ.
والآخر أنها سنةٌ مؤكّدةٌ. وسائر العلماء على أنها واجبةٌ. انتهى كلام ابن عبد البرّ في
((الاستذكار))(١).
وقال في ((التمهيد)»: وأما قول ابن عمر في هذا الحديث: ((فرضَ الخ)) فإنه يحتمل
وجهين: أحدهما -وهو الأظهر - فرض بمعنى أوجب، والآخر فرض بمعنى قدّر من
المقدار، كما تقول: فرض القاضي نفقة اليتيم: أي قدّرها، وعرف مقدارها.
والذي أذهبُ إليه أن لا يزال قوله: فَرَضَ على (٢) معنى الإيجاب، إلا بدليل الإجماع،
وذلك معدوم في هذا الموضع. وقد فَهِمَ المسلمون من قوله عز وجل: ﴿فَرِيضَةٌ مِنْ
اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١١].، ونحو ذلك أنه شيء أوجبه، وقدّره، وقضى به، وقال الجميع
للشيء الذي أوجبه الله هذا فرض، وما أوجبه رسول الله ێ، فعن الله أوجبه، وقد فرض
اللَّه طاعته، وحذّر مخالفته، ففَرْضُ اللَّه، وفَرْضُ رسوله سواء، إلا أن يقوم الدليل على
الفرق بين شيء من ذلك، فیسلّم للدليل الذي لا مدفع فيه.
قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضًا؛ لأنّ القول بأنها غير
واجبة شذوذ، أو ضرب من الشذوذ.
قال: ولعلّ جاهلًا يقول: إن زكاة الفطر لو كانت فريضة، لكُفْرَ من قال: إنها ليست
بفرض، كما لو قال في زكاة المال المفروضة، أو في الصلاة المفروضة: إنها ليست
بفرض، كُفْرَ.
فالجواب عن هذا ومثله أنّ ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يَقطَعُ العذر، كُفّرَ
دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه. وكلّ فرض ثبت بدليل، لم يُكَفِّر صاحبه، ولكنّه يُجَهَّل،
ويُخطّأُ، فإن تمادى بعد البيان له هُجِر، وإن لم يُبيّن له عُذِر بالتأويل، ألا ترى أنه قد قام
الدليل الواضح على تحريم المسكر، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليله، وقد قام الدليل على
تحريم نكاح المتعة، ونكاح السّرّ، والصلاة بغير قراءة، وبيع الدرهم بالدرهمين يدّا
بيد ... إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة، والزكاة، والحجّ، وسائر الأحكام،
ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليل شيء من ذلك؛ لأن الدليل في ذلك يوجب العمل، ولا
يقطع العذر، والأمر في هذا واضح لمن فهم. انتهى كلام ابن عبد البرّ(٣).
(١) - ((الاستذكار)) ج٩ ص٣٤٨ -٣٥٠.
(٢) - هكذا في نسخة ((التمهيد)): ((على)) والظاهر أنها ((عن)).
(٣) - ((التمهيد)) ج١٤ ص٣٢٣-٣٢٤ .

٢٥٩
٣٠- (بابُ فَرْض زكاة رمضان) - حديث رقم ٢٥٠٠
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى
كلام نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن الحقّ ما عليه جمهور أهل العلم، من أن صدقة الفطر فريضة، كفرض
زكاة المال، وغيرها من فرائض الله تعالى، ولا ينافي هذا تفاوت درجات فرضيتها فيما
بينها، فإن الفرائض تختلف، فمنها ما يُكفّر جاحده، ومنها ما ليس كذلك، كما بينه
رحمه الله تعالى آنفًا، ولكن يجمع الكلّ كونها مما فرضه الله تعالى، يجب اعتقاده،
والعمل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): لم يُقَيِّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار، لكن لا بدّ من
القدرة على ذلك؛ لما عُلِمٍ من القواعد العامّة، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا
شيء على من لا شيء له. انتهى.
واختلف العلماء في ضابط ذلك، فذكر الشافعيّة، والحنابلة أنّ ضابط ذلك أن يملك
فاضلاً عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد، ويومه ما يؤدي في زكاة الفطر.
وحكاه العبدريّ عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبيّ، وابن سيرين، وأبي العالية،
والزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. انتهى.
وغاير ابن المنذر في ذلك بين مذهبي مالك، والشافعيّ، فقال: كان أبو هريرة يراه
على الغنيّ، والفقير، وبه قال أبو العالية، والشعبيّ، وعطاء، وابن سيرين، ومالك،
وأبو ثور. وقال ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد: إذا فضل عن قوت المرء، وقوت من
يجب عليه أن يقوته مقدارُ زكاة الفطر، فعليه أن يؤدّي انتهى.
قال وليّ الدين: وما حكاه ابن المنذر أقرب إلى مذهب مالك، فإن ابن شاس قال في
((الجواهر)): لا زكاة على معسر، وهو الذي لا يفضل له عن قوت يومه صاع، ولا وجد
من يُسلفه إيّاه. انتهى.
فقوله: ولا من يُسلفه إياه لا يُوافق عليه الشافعيّ، وأحمد، ثم قال ابن شاس:
وقيل: هو الذي يُجِف به في معاشه إخراجها. وقيل: من يَحلّ له أخذها، ثم قيل
فيمن يحلّ له أخذها: إنه الذي يحلّ له أخذ الزكاة. وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها في
يومه ذلك انتھی.
وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصابًا من الذهب أوالفضة، أو ما قيمته
قيمة نصاب، فاضلاً عن مسكنه، وأثاثه الذي لا بدّ منه. قال العبدريّ: ولا يُحفَظ هذا
عن أحد غير أبي حنيفة. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه قال: من كان له
خمسون درهمًا فهو غنيّ، وإلا فهو فقير. قال: وقال غيره: أربعون درهمًا انتهى.

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي هريرة ◌َّه في زكاة الفطر: ((على كلّ حرّ، وعبد،
ذكرٍ، وأنثى، صغير، أو كبير، فقير، أو غنيّ، صاع من تمر، أو نصف صاع من
قَمْحَ))(١). قال معمر: وبلغني أن الزهريّ كان يرويه إلى النبيّ ◌َِّ .
وروى الدار قطنيّ عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير، عن أبيه أنّ رسول اللّه وَله
قال: ((أدوا صاعًا من قَمح، أو قال: برّ، عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ
والمملوك، والغنيّ والفقير، أما غنيّكم، فيزكّيه اللَّه، وأما فقيركم، فيرد عليه أكثر مما
أعطى))(٢).
ومال ابن العربيّ المالكيّ إلى مقالة أبي حنيفة في ذلك، فقال: والمسألة له قويّة،
فإن الفقير لا زكاة عليه، ولا أمر النبيّ وَ لته بأخذها منه، وإنما أمر بإعطائها له، وحديث
ثعلبة لا يُعارض الأحاديث الصحاح، ولا الأصول القويّة، وقد قال: ((لا صدقة إلا عن
ظهر غنى، وابدأ بمن تعول))، وإذا لم يكن هذا غنيًّا، فلا تلزمه الصدقة انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: وهو ضعيف، وليس التمسّك في ذلك بحديث ثعلبة، وإنما
التمسّك بالعموم الذي في قوله: ((فرض رسول اللّه وَ ل رول زكاة الفطر من رمضان على
الناس)). وقد ذكر هو في أول كلامه: إلا أنا اعتبرنا القدرة على الصاع؛ لما عُلِم من
القواعد العامة، فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه. والله أعلم انتهى كلام وليّ الدين(٣).
وقال الشوكاني رحمه اللّه تعالى في ((النيل)): قد اختلف في القدر الذي يُعتبر ملكه
لمن تلزمه الفطرة، فقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنه يُعتبر أن يكون المخرج غنيًّا غنى
شرعيًّا. واستُدلّ لهم بقوله وَله: ((إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى)). أخرجه أحمد،
من حديث أبي هريرة وظيفي، مرفوعًا. وبالقياس على زكاة المال.
ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر
غنی)). کما أخرجه أبو داود انتھی.
وأخرجه البخاريّ أيضًا بهذا اللفظ، وهو مشعر بأن النفي في رواية أحمد للكمال، لا
للحقيقة، فالمعنى: لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى.
قال الشوكانيّ: وأما الاستدلال بالقياس، فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ إذ
وجوب الفطرة متعلّق بالأبدان، والزكاة بالأموال.
وقال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا
(١) - هو موقوف رجاله ثقات.
(٢) - ضعيف؛ لكثرة اضطرابه سندًا، ومتنا. انظر ((نصب الراية)) ج٢ ص٤٠٦ -٤١٠.
(٣) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص ٦٥ - ٦٦.