النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٨- (قَوْلُهُ عز وجل: ﴿وَلَا تَعَّمُوا ... - حديث رقم ٢٤٩٢ = ٢٢١ ولون الْحُبَيق، وكان الناس يتيمّمون شرّ ثمارهم، فيُخرجونها في الصدقة، فُهوا عن لونين من التمر، ونزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾)). انتهى. وإسناده صحیح. وروي أيضًا من حديث البراء بن عازب رَوقت، فقد أخرجه الترمذيّ في ((جامعه))، فقال : ٢٩٨٧ حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي(١)، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾، قال: نزلت فينا معشرَ الأنصار، كنّا أصحابَ نخل، فكان الرجل يأتي من نخله، على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو، والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصُفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع، أتى القنو، فضربه بعصاه، فيسقط من البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس، ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجلُ بالقنو، فيه الشّيصُ، والْحَشَفُ، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل اللَّه وتبارك تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْرِضُواْ فِيَةٍ﴾ قال: لو أن أحدكم أُهدِيَ إليه مثلُ ما أعطاه، لم يأخذه إلا على إغماض، أو حياء، قال: فكنا بعد ذلك، يأتي أحدنا بصالح ما عنده . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأبو مالك هو الغفاري، ويقال: اسمه غَزْوَان. وقد روى سفيان الثوري، عن السدي شيئا من هذا. وأخرجه ابن ماجه، وابن جرير، وابن مردويه، والحاكم في ((المستدرك)) من طريق السدّيّ، عن عديّ بن ثابت، عن البراء تَظ ◌ّه بنحوه. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وفيه نظر فإن السدّيّ ما أخرج له البخاريّ. والحاصل أن حديث الباب صحيح بهذه الشواهد. والله تعالى أعلم . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٨/ ٢٤٩٢ - وفي «الكبرى» ٢٢٧١/٢٨. وأخرجه (د) في ((الزكاة)» ١٦٠٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى الآية المذكورة، (١) - هو إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة السُّدّيّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوق يَهم، ورمي بالتشيّع، من الطبقة الرابعة، مات ١٢٧، من رجال مسلم، والأربعة. اهـ (ت)). = ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وسبب نزولها (ومنها): أنه لا يجوز للمالك أن يدفع في الزكاة رديء ما عنده، بل يدفع أطيب ما يجده؛ لينال بذلك الأجر العظيم، وقد تقدّم في ٢٤٤٧/٥ - قوله وَله: ((ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمةٌ، ولا ذات عَوَارٍ ... )) الحديث (ومنها): أن اللَّه تعالى غنيّ عن الصدقات، وإنما يأمر الأغنياء لأجل مواساة الفقراء، فتحصلَ المساواة بين المجتمع، ويسود الودّ والإخاء، ويزول الحسد والبغضاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٩٣ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَخْتِى، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَةَ الْحَضْرَمِيّ، عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ، وَبِيَدِّهِ عَصًا، وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ قِنْوَ حَشَفٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُ فِي ذَلِكَ الْقِنْوِ، فَقَالَ: ((لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْ هَذَا، إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، يَأْكُلُ حَشَفَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ») . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي الحافظ الثبت [١٠] ٢٢/٢١ . ٢- (يحيى) بن سعيد القطان المذكور قبل باب. ٣- (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاريّ المدنيّ، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [٦] ٢٦ /٩١٤ . ٤- (صالح بن أبي عَرِيب) -بفتح المهملة، وكسر الراء، آخره موحّدةٌ- اسمه قُلَيب -بالقاف، والموحّدة، مصغّرًا- ابن حَزْمل بن كُلَيب الحضرميّ، مقبول [٦]. روى عن كثير بن مرّة، وخلّاد بن السائب، ومختار الحِمْيريّ. وعنه الليث، وحَيْوة ابن شُرَيح، وابن ◌َهِيعة، وعبد الحميد بن جعفر الأنصاريّ، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث، وله عند أبي داود حديث آخر أيضًا: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)). ٥- (كثير بن مرّة الْحَضْرميّ) أبو شَجَرَة الحمصيّ، ثقة [٢]١٨٨/١. ٦- (عوف بن مالك) الأشجعيّ، أبو حمّاد، ويقال: غير ذلك الصحابيّ المشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة (٧٣) تقدمت ترجمته في - ٥٠/ ٦٢ - والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. والله تعالى أعلم. ٢٢٣ = ٢٨- (قَوْلُهُ عز وجل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا ... - حديث رقم ٢٤٩٣ شرح الحديث (عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ) الأشجعيّ، رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَله) أي من بيته إلى المسجد. ولفظ أبي داود: ((دخل علينا رسول اللّه وَه المسجد ... )) (وَبِيَدِهِ عَصًا) جملة اسمية في محلّ نصب على الحال من الفاعل (وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ) جملةٌ فعلية في محلّ نصب على الحال أيضا عطف على الحال الأولى (قِنْوَ حَشَفٍ) بالنصب مفعول ((علّق))، والإضافة بمعنى ((من)). وفي نسخة: قَناَ حَشَفٍ)) بالإضافة أيضا. ولفظ أبي داود: وقد علّق رجلٌ منّا قنًا حَشَفًا)). و(القِنْو)) -بالكسر، والضمّ- و((القِنَا)) -بالكسر، والفتح، مقصورًا -: الْكِبَاسة، والجمع أقناء، وقِنْوَان، وقِنْيَان، قُلبت الواو ياء. أفاده في ((اللسان)). وقال في ((المصباح)): و((القِنْو)) -بالكسر - وزان حِمْل: الْكِبَاسَة(١)، هذه لغة الحجاز، وبالضمّ في لغة قيس، والجمع قِنْوَان - بالكسر، فیمن کَسَرَ الواحد، وبالضم، فيمن ضمّ الواحد، ومثله في الجمع صِنْوَانٌ جمع صِنْوٍ، وهو فَرْخُ الشّجَرة، ورِئِدٌ ورِثْدَان، وهو التّرْبُ، وحُشِّ، وحُشّان، ولفظ المثنى في الرفع، والوقف كلفظ المجموع في الوقف انتهى. و((الْحَشَفُ)) -بفتح الحاء المهملة، والشين المعجمة -: أردءُ التمر، وهو الذي يَجِفُّ من غير نُضْج، ولا إدراكٍ، فلا يكون له لحم، الواحدة حَشَفَة، وأحشفت النخلة بالألف: صارّت ذات حَشَفٍ. قاله في ((المصباح)). وإنما علّق الرجل ذلك الحَشَفَ المذكور؛ لأنهم كانوا يعلّقون القِنْوَ في المسجد؛ ليأكل منه من يحتاج إليه، من فقراء المهاجرين، كما تقدّم في حديث البراء بن عازب (فَجَعَلَ يَطْعَنُ) قال في ((القاموس)): طَعَنَه بالرمح، كمنعَهُ، ونَصَرَه طَعْنًا: ضربه، ووَخَزَه، فهو مطعونٌ، وطَعِينٌ انتهى (فِي ذَلِكَ الْقِنْوِ) يعني أنه نَّهِ شَرَعَ يطعُن بعصاه في ذلك القنو المعلّق؛ إشارةً إلى حَقَارة ذلك القنو المعلّق، وأنّ صاحبه لم يؤدّ ما طُلِب منه على الوجه الأكمل (فَقَالَ) بَّهِ (لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْ هَذَا) يعني لو كان صاحب هذه الصدقة مريدًا من الله تعالى الثواب العظيم الذي وعده اللّه تعالى لمن تصدّقٍ لتصدّق بغير هذا الْحَشَف، من أطيب ما لديه من خيار المال (إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، يَأْكُلُ حَشَفًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) يعني يُجازى على فعله السيّء هذا، بأن يكون أكله (١) - الْكِبَاسة -بالكسر -: عنقود النخل، والجمع كبائس. اهـ المصباح. ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ يوم القيامة من الحشَفٍ. وقال السنديّ في ((شرحه)): ((يأكل حَشَفًا)) أي جزاء حَشَف، فسمّي الجزاء باسم الأصل. ويحتمل أن يُجعل الجزاء من جنس الأصل، ويخلق الله تعالى في هذا الرجل اشتهاء الْحَشَف، فيأكله، فلا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾ الآية [فصلت: ٣١]. انتهى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الصواب عندي هو الاحتمال الثاني؛ لأنه لا مانع من حمله على ظاهره، فلا يُعدل عنه إلى المجاز. والله تعالى أعلم. وزاد في رواية أحمد من طريق أبي بكر الحنفيّ، عن عبد الحميد بن جعفر: قال: ثم أقبل علينا، فقال: ((أما والله، يا أهل المدينة، لَتَدَعُنَّها أربعين عاما للعَوَافي))، قال: فقلت: الله أعلم، قال : -يعني الطير، والسباع- قال: وكنا نقول: إن هذا لَلَّذِي تسميه العجم هي الگراکي انتھی. والحديث دليل على ذمّ إخراج الرديء في الزكاة، وتقدّم بيانه في الحديث السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عوف بن مالك تَ هذا حسنٌ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٤٩٣/٢٧ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٧٢/٢٨. وأخرجه (د) في ((الزكاة)» ١٦٠٨ (ق) في ((الزكاة)) ١٨٢١ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٤٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٢٨- (بَابُ الْمَعْدِنِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المعدن) -بفتح الميم، وکسر الدال- کمّجلِسٍ: مَثْبِتُ الجواهر، من ذهب ونحوه، سمّي به لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات اللَّه تعالى (١) - (شرح السنديّ)) ج٥ ص ٤٤. ٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٤ ٢٢٥ = إياه فيه، ومكان كلّ شيء فيه أصله. أفاده في ((القاموس)). وفي ((المصباح)): عَدَنَ بالمكان عَدْنًا، وعُدُونًا، من بابي ضرب، وقَعَد: أقام، ومنه: ﴿جنّات عدن﴾ أي جنّات إقامة، واسم المكان مَعْدِنٌ، مثالُ مَجْلِسٍ؛ لأن أهله يُقيمون عليه الصيف والشتاء، أو لأنّ الجوهر الذي خلقه الله فيه عَدَنَ به. قال في (مختصر العين)): مَعْدِنُ كلّ شيءٍ حيث يكون أصله. وعَدَنت الإبل تَعْدِنُ، وتَعْدُنُ: أقامت ترعى الْحَمْضَ، وعَدَن بفتحتين: بلدٌ باليمن، مشتقّ من ذلك، وأُضيف إلى بانيه، فقيل: عدنُ أبين انتهى. (١) . والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٩٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرٍو ابْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، عَنِ اللَّقَطَةِ؟ فَقَالَ: ((مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيَّ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَعَرِّفْهَا سَنَّةٌ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيّ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠]١/١. ٢- (أبو عوانة) الوَضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطي، القة الثبت [٧]٤٦/٤١. ٣- (عُبيدالله بن الأخنس) أبو مالك الْخَزاز النخعيّ، صدوق يخطىء [٧]٣٢/ ١٦٨٦ . ٤- (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥]١٠٥/ ١٤٠. ٥- (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله الطائي، صدوق [٣]١٤٠/١١٠٥. ٦- (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن جده، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو(عَنْ جَدِهِ) (١) - ((المصباح المنير)) في مادة عدن. ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ عبد الله بن عمرو بن العاص وَفيها، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، عَنِ الْقَطَةِ؟) أي عن حكم الشيء الذي يُلْتَقَط. قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى: لَقَطْتُ الشيءَ لَقْطًا، من باب قَتَلَ: أخذته، وأصله الأخذ من حيث لا يُحسّ، فهو مَلْقُوطٌ، وَلَقِيطٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ، والتقطته كذلك، ومن هنا قيل: لقطتُ أصابعه: إذا أخذتها بالقطع، دون الكفّ، والتقطت الشيءَ: جمعتُهُ، ولَقَطتُ العلمَ من الكُتُب لَقْطًا: أخذتُهُ من هذا الكتاب، ومن هذا الكتاب، وقد غلب اللقيط على المولود المنبوذ، والُّقَاطة - بالضمّ -: ما التقطتَ من مال ضائع، واللَّقَاط بحذف الهاء، واللُّقَطةُ وزان رُطبة كذلك. قال الأزهريّ: اللَّقَطَةُ -بفتح القاف -: اسم الشيء الذي تَجِده مُلْقَى، فتأخذه. قال: وهذا قول جميع أهل اللغة، وحُذّاق النحويين. وقال الليث: هي بالسكون، ولم أسمعه لغيره. واقتصر ابن فارسٍٍ، والفارابيّ، وجماعةٌ على الفتح، ومنهم من يَعُدّ السكون من لَخن العوامّ. ووجه ذلك أن الأصل لُقَاطةٌ، فثقُلَت عليهم؛ لكثرة ما يلتقطون في النهب، والغارات، وغير ذلك، فتلعّبت بها ألسنتهم؛ اهتمامًا بالتخفيف، فحذفوا الهاء مرّةً، وقالوا: ((لُقَاط))، والألفَ أُخرى، وقالوا: (لُقَطَّة))، فلو أُسكن اجتمع على الكلمة إعلالان، وهو مفقود في فصيح الكلام، وهذا، وإن لم يذكروه، فإنه لا خفاء به عند التأمّل؛ لأنهم فسَّروا الثلاثة بتفسير واحد. انتهى كلام الفيوميّ(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فظهر بما تقدّم أن ((الْلِقَطَّةَ)) بفتح القاف أفصح من سكونها، بل جعله بعضهم من لحن العوام. والله تعالى أعلم. وهذا الحديث مختصرٌ، وقد ساقه أبو داود في ((سننه)) مطوّلًا، فقال: ١٧١٠ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول اللَّه وَلّ، أنه سئل عن الثمر المعلق؟، فقال: ((من أصاب بفيه، من ذي حاجة، غير متخذ خُبْنَة، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئا، بعد أن يُؤويه الْجَرِين، فبلغ ثمن الْمِجَنِّ، فعليه القطع، وذكر في ضالة الإبل والغنم، كما ذكره غيره، قال: وسئل عن اللقطة؟، فقال: ((ما كان منها في طريق الْمِيتَاء، أو القرية الجامعة، فعَرِّفها سنة، فإن جاء طالبها، فادفعها إليه، وإن لم يأت، فهي لك، وما كان في الخراب -يعني ففيها، وفي الركاز الخمس)). انتهى. (١) - ((المصباح المنير)). ٢٢٧ ٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٤ (فَقَالَ) وَّ ( ((مَا كَانَ فِي طَرِيقِ مَأْتِيٍّ) اسم مفعول، من أتى، وأصله مَأْتُويّ، اجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصار مَأْتِيًّا، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضِ عَرِيَا وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا فَيَاءٌ الْوَاوَ اقْلِيَنَّ مُذْغِمَا ومعنى ((مأتيّ)): أي طريق مسلوك، يسلكه الناس كثيرًا، ولفظ أبي داود: ((في طريق الميتاء)) - بكسر الميم، مِفعالٌ، من الإتيان، والميم زائدة، وبابه الهمزة، أي طريقة مسلوكة، يأتيها الناس. قاله الخطّابِيّ، وابن الأثير (أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ) يقال: عَمَرَ المنزلُ بأهله عَمْرًا، من باب قَتَلَ، فهو عامر، وعَمَرَه أهلُهُ: سَكَنوه، وأقاموا به، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله في ((المصباح)). والمناسب هنا هو اللازم. ولفظ أبي داود: ((أو القرية الجامعة)) (فَعَرِّفْهَا) أمرٌ من التعريف، وهو أن يُنادِي في الموضع الذي لقيها فيه، وفي الأسواق، وأبواب المساجد، فيقول: من ضاع له شيء، فليأتني (سَنَّةً) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بما قبله. وفيه أنّ تعريف اللقطة يكون سنة واحدة فقط، ويعارضه حديث أبيّ بن كعب رتزيه ، عند الشيخين، حيث إنّ فيه أن التعريف ثلاث سنين، وسيأتي الجمع بينهما في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) في خلال مدّة التعريف، فأدها إليه، فجواب الشرط محذوف؛ لدلالة السياق عليه. ولفظ أبي داود: ((فإن جاء طالبها، فادفها إليه)) (وَإِلَّا) هي ((إن)) الشرطيّة، و((لا)) النافية، وفعل الشرط مقدّر بدلالة ما قبله عليه، أي وإن لم يجىء صاحبها، وجواب الشرط قوله (فَلَكَ) بتقدير مبتدإ، أي فهي لك. ولفظ أبي داود: ((وإن لم يأت، فهي لك)». وذكر الحافظ السيوطيّ، عن ابن مالك رحمهما الله تعالى أنّ في هذا الكلام حذفَ جواب الشرط، وحذفَ فعل الشرط بعد ((إلا))، والمبتدإ من جملة الجواب الاسميّة، والتقدير: فإن جاء صاحبها أخذها، وإن لا يجىء، فهي لك انتهى (١). ومعنى ((فهي لك)) أي فهي مباحة الاستعمال لك، فيجوز أن تصرفها إلى ما تصرف فيه مال نفسك، فالمراد جواز التصرّف فيها، ولا يلزم من ذلك أنه مَلَّكَها، بل هي على ملك صاحبها، بدليل أنه لو جاء صاحبها بعد ذلك لزمه أداء بدلها، لحديث زيد بن خالد (١) - ((زهر الربى)) ج٥ ص ٤٤ . ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الجهنيّ تَّه المتفق عليه: ((قال: عرّفها سنةً، ثمّ اعرف وكاءها، وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأذها إليه ... )) الحديث. فقد صرّح بالردّ إلى صاحبها بعد التصرّف فيها. وقال السنديّ رحمه الله تعالى: وظاهر الحديث أنه يملكها الواجد مطلقًا. وقد يقال: لعلّ السائل كان فقيرًا، فأجابه على حسَبِ حاله، فلا يدلّ أنّ الغنيّ يملك. وفيه أنه كم من فقير يصير غنيًّا، فالإطلاق في الجواب لا يحسن إلا عند إطلاق الحكم. فليُتَأَمَّلْ انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما دلّ عليه ظاهر الحديث هو الصواب، لكن بمعنى أنه يملك التصرّف فيها، لا أنه يزول ملك مالكها بالكلّيّة، وإن قال به بعضهم. وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. (وَمَا) موصولة، أي والذي (لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيَّ) أي مسلوك (وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ) ولفظ أبي داود: ((وما كان في الْخَرَاب)). قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: يريد الخراب العاديّ الذي لا يُعرف له مالك، وسبيلُهُ سبيلُ الركاز، وفيه الخمس، وسائر المال لواجده، فأما الخراب الذي كان عامرًا، مِلْكًا لمالك، ثم خرب، فإن المال الموجود فيه ملك لصاحب الخراب، ليس لواجده منه شيء، وإن لم يُعرَف صاحبه، فهو لقطة انتهى (فَفِيهِ) أي في الذي لم يكن في الطريق المأتيّ (وَفِي الرِّكَازِ) -بكسر الراء، وتخفيف الكاف، وآخره زائيّ -: المال المدفون في الجاهليّة، فِعَالٌ بمعنى مفعولٍ، كالبساط بمعنى المبسوط، والكتاب بمعنى المكتوب، وهو مأخوذ من الرَّكْز -بفتح الراء - يقال: رَكْزَ الرمحَ رَكْزًا، من باب قتل: أثبته في الأرض، فارتكز، والْمَرْكِزُ وزان مسجد: موضع الثبوت. أي كنوز الجاهليّة المدفونة في الأرض. أفاده في ((المصباح)). وقال في ((الصحاح)): دَفِين أهل الجاهلية، كأنه رُكز في الأرض، أي غُرِز. وقال في (المحكم)): قِطَعُ ذهب وفضّة، تُخرَج من الأرض، أو المعدن. وقال في ((المشارق)): وهو عند أهل الحجاز من الفقهاء، واللغويين الكنوز، وعند أهل العراق المعادن؛ لأنها رُكزت في الأرض، أي ثَبتت. وقال الإمام الهرويّ في ((غريبه)): اختَلَف أهل العراق، وأهل الحجاز في تفسير الركاز، قال أهل العراق: هو المعادن، وقال أهل الحجاز: هو كنوز أهل الجاهلية، (١) - ((شرح السنديّ) ج٥ص٤٤ . ٢٢٩ = ٢٨- (بَابُ الْمَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٤ وكلّ محتمل في اللغة انتهى. وقال في ((النهاية)): الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهليّة المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المعادن، والقولان تحتملهما اللغة؛ لأن كلا منهما مركوز في الأرض، أي ثابت، يقال: ركزه يَرْكُزُه رَكْزًا: إذا دفنه، والحديث إنما جاء في التفسير الأول، وهو الكنز الجاهليّ، وإنما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه، وسهولة أخذه انتهى. وقال ابن العربيّ: حقيقة الركز الإثبات، والمعدن ثابت خلقةً، وما يُدفن ثابتٌ بتكلّف مُتَكلّف. وقال الحافظ وليّ الدين: هذا الحديث -يعني حديث أبي هريرة الآتي - يدلّ على إرادة دَفِين الجاهليّة أيضًا؛ لكونه ي عطف الركاز على المعدن، وفرق بينهما، وجعل لكلّ منهما حكمًا، ولو كانا بمعنى واحد لجمع بينهما، وقال: والمعدن جُبار، وفيه الخمس، وقال: والركاز جبار، وفيه الخمس، فلما فرق بينهما دلّ على تغايرهما. انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن جمهور أهل العلم على أن الركاز هو دِفنُ(٢) الجاهليّة، وفيه الخمس، وأما المعدن ففيه الزكاة إذا بلغ نصابًا، وسيأتي البحث عنه في شرح حديث أبي هريرة ◌َّ الآتي، إن شاء الله تعالى. وقوله (الْخُمْسُ) مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله. أي الخمس واجب في الموجود في القرية الغير العامرة، وفي الكنوز التي دفنها أهل الجاهلية، وإنما وجب الخمس فيهما لكثرة نفعهما، وسُهولة أخذهما. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: والأصل في صدقة الركاز ما روى أبو هريرة رَيّ، عن رسول اللّهِ وَ ﴿ل أنه قال: ((العجماء جُبَارٌ، وفي الركاز الخمس)). متّفقٌ عليه. يعني الحديث الآتي. وهو أيضًا مجمع عليه. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف هذا الحديث، إلا الحسن، فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب، وأرض العرب، فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة، وأو جب الخمس في الجميع الزهريّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم. انتهى (٣). وسيأتي تمام البحث في الركاز في المسألة السابعة، إن شاء الله (١) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص ٢٠-٢١. (٢) - ((الدِّفْزُ)) -بكسر، فسكون -: بمعنى المدفون، وأما الدَّفْن -بفتح، فسكون- فمصدر، ولا یناسب هنا . (٣) - ((المغني)» ج٥ص٢٣١-٢٣٢. ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رؤيتها هذا صحيح، وقد تابع عُبَيَدَاللَّه بنَ الأخنس محمدُ ابنُ عجلان، والوليد بن كثير، ومحمد بن إسحاق، كلهم عن عمرو بن شعيب به، أخرج أحاديثهم أبو داود في ((سننه)) في ((كتاب اللقطة)). والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٤٩٣/٢٨ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٧٣/٣٠. وأخرجه (د) في ((اللقطة)) ١٧١٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان حكم اللقطة، وأنه مُختَلِفٌ، فمنها ما يجب تعريفه، وهو ما وُجد في الطريق المسلوك، والقرية الجامعة، ومنها ما لا يجب، وهو ما كان في موات الأرض التي لم يسكنها مسلم قطّ (ومنها): أن تعريف اللقطة سنةً كاملةً واجبٌ (ومنها): أن الملتقط يملك التصرف باللقطة بعد التعريف المشروع (ومنها): أنه يجب الخمس فيما وجد من اللقطة في الخراب العاديّ الذي لم يسكنه المسلمون (ومنها): وجوب الخمس في الركاز، وهو دِفْنُ الجاهليّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): هذا الحديث يدلّ على أنّ اللقطة تُعَرَّف سنة واحدةً فقط، لكن يعارضه ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أبيّ بن كعب رَيه أن النبيّ وَلّ أمره أن يعرّفها ثلاثة أعوام، ولفظ البخاريّ من طريق شعبة، عن سَلَمة بن كُهيل، عن سُوَيد ابن غَفَلَة، قال: لقيت أبي بن كعب، رضي الله عنه، فقال: أخذت صُرَّة، فيها مائةُ دينار، فأتيت النبي وَّه، فقال: ((عَرِّفْها حَوْلًا))، فعرّفتها حولا، فلم أجد من يَعرِفها، ثم أتيته، فقال: ((عرّفها حولا))، فعرفتها، فلم أجد، ثم أتيته ثلاثا، فقال: ((احفظ وعاءها، وعددها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها))، فاستمتعت، فلقيته بعدُ بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولا واحداً (١). انتهى. (والجواب): أن التعريف سنةً واحدة هو الأرجح، لأن سلمة بن كُهيل شكّ في التعريف ثلاثة أعوام، بدليل أن شعبة قال: فلقيته بعدُ بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة (١) - والقائل: لا أدري هو سلمة بن كهيل. ٢٣١ ٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٤ أحوال، أو حولا واحدًا، بخلاف رواية ((عَرِّفها سنة)) فقد صحّت في حديث عبد الله بن عمرو المذكور في الباب، وفي حديث زيد بن خالد الجهنيّ عند الشيخين، وغيرهما، لم يختلف الرواة فيها، فوجب تقديمها. وجزم ابن حزم، وابن الجوزيّ بأن هذه الزيادة غَلَطْ، والذي يظهر أن سلمة أخطأ فيها، ثم تثبّت، واستذكر، واستمرّ على عام واحد، ولا يؤخذ إلا بما لم يشكّ فيه راویه . ومن العلماء من حمل حديث أبيّ بن كعب على مزيد الوَرَع عن التصرّف في اللقطة، والمبالغة في التعفّف عنها، وحديثَ عبد الله وزيد على ما لا بدّ منه، أو لاحتياج الأعرابيّ في حديث زيد، واستغناء أُبيّ. والوجه الأول أولى. قال المنذريّ لم يقل أحد من أئمّة الفتوى أن اللقطة تُعرَّف ثلاثة أعوام، إلا شيء جاء عن عمر انتهى. وقد حكاه الماورديّ عن شواذٌ من الفقهاء. وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال: يُعرّفها ثلاثة أحوال، عامًا واحدًا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام. ويُحمّل ذلك على عظم اللقطة، وحقارتها. وزاد ابن حزم عن عمر قولًا خامسًا، وهو أربعة أشهر. والحاصل أن التعريف سنة واحدة هو الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلف في وجوب دفع اللقطة إذا جاء صاحبها، وذَكَرَ علامتها: ذهب مالك، وأحمد رحمهما اللَّه تعالى إلى وجوب الدفع،، وقال أبو حنيفة، والشافعيّ رحمه الله تعالى: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن يدفع إليه، ولا يُجبر على ذلك إلا ببيّنة؛ لأنه قد يُصيب الصفة. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي مذهب الأوَّلَين هو الأرجح؛ لظاهر قوله وَل : ((فإن جاء صاحبها، وإلا فلك))، وعند البخاريّ في حديث زيد بن خالد الجهنيّ رَالله: ((فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها))، ولمسلم في حديثه أيضًا: ((فإن جاء أحدٌ يُخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها، فأعطها إيّاه)) انتهى. فقد أمر وَلّ بالدفع لمن أصاب العلامة، ولم يشترط بينة، والأمرُ للوجوب، فالحقّ وجوب الدفع بغير بيّنة، إذا أصاب الوصف. والله تعالى أعلم. وقد ادّعى أبو داود رحمه الله تعالى في ((سننه)) أنّ حمّاد بن سلمة زاد: ((إن جاء صاحبها، فعَرَفَ عِفَاصها، ووِكَاءها، فادفها إليه)» قال: وهي زيادة ليست بمحفوظة. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه الدعوى غير صحيحة، فإن حمّاد بن سلمة لم ينفرد بها، بل تابعه سفيان الثوريّ، وزيد بن أبي أنيسة، عند مسلم في ((صحیحه))، ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ فليست شاذة، بل هي زيادة صحيحة، يجب قبولها، والعمل بها. قال الخطابيّ رحمه اللّه تعالى: إن صحّت هذه اللفظة لم يجز مخالفتها، وهي فائدةٌ قولِهِ: ((اعرف عفاصها الخ))، وإلا فالاحتياط مع من لم ير الرّدّ إلا بالبيّنة. قال: ويُتَأوّل قوله: ((اعرف عفاصها)) على أنه أمره بذلك لئلا تختلط بماله. أو لتكون الدعوى فيها معلومة . قال الحافظ رحمه الله تعالى: قد صحّت هذه الزيادة، فتعيّن المصير إليها. قال: وما اعتلّ به بعضهم من أنه إذا وصفها، فأصاب، فدفعها إليه، فجاء شخصٌ آخر، فوصفها، فأصاب، لا يقتضي الطعن في الزيادة، فإنه يصير الحكم حينئذ كما لو دفعها إليه بالبيّنة، فجاء آخر، فأقام بيّنة أخرى أنها له، وفي ذلك تفاصيل للمالكيّة وغيرهم. وقال بعض متأخري الشافعيّة: يمكن أن يحمل وجوب الدفع لمن أصاب الوصف على ما إذا كان ذلك قبل التملّك؛ لأنه حينئذ مال ضائعٌ، لم يتعلّق به حقّ ثان، بخلاف ما بعد التملّك، فإنه حينئذ يحتاج المدّعي إلى البيّنة؛ لعموم قوله وَليقول: ((البيّنة على المدّعِي)). ثم قال: أما إذا صحت الزيادة فَتُخَصُّ صورة الملتقط من عموم ((البيّنة على المدّعي)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت أن هذه الزياة قد صحت، فالحقّ وجوب الدفع لمن أصاب وصفها بدون بيّنة، مطلقًا، سواء كان بعد التملّك، أو قبلها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): معنى قوله وَله: «فهي لك)» أن اللقطة للملتقط بعد تعريفها سنةً، وهل يملك التصرّف فقط، أو تكون ملكا له كسائر أمواله، بحيث إنه إن جاء صاحبها لا يُضَمِّنُهُ، قولان: والأول قول الجمهور، وهو الحق، لصحّة قوله ل# بعد أمره بالاستنفاق بها: ((فإن جاء صاحبها، فأدها إليه)). قال في ((الفتح)): واختلف العلماء فيما إذا تصرّف في اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها، هل يضمنها، أم لا؟: فالجمهور على وجوب الرّدّ، إن كانت العين موجودة، أو البدل، إن كانت استهلكت. وخالف في ذلك الكرابيسيّ، صاحب الشافعيّ، ووافقه صاحباه البخاريّ، وداود بن - (١) - راجع ((الفتح)) ج٥ ص٣٦٢ ((كتاب اللقطة). ٢٨- (بَابُ الْمَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٤ ٢٣٣ عليّ إمام الظاهريّة، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. ومن حجة الجمهور قوله في حديث زيد بن خالد الجهنيّ تظمثله عند مسلم من طريق بُسْر بن سعيد، عن زيد بن خالد: «فاعرف عفاصها، ووكاءها، ثمّ كُلْها، فإن جاء صاحبها، فأذها إليه))، وفي رواية له من طريق يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد: (ثم عرّفها سنةً، فإن لم تُعرَف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر، فأدّها إليه)). فإن ظاهر قوله: ((فإن جاء صاحبها الخ)) بعد قوله: ((كُلُها)» يقتضي وجوب ردّها بعد أكلها، فيُحملُ على ردّ البدل. ويحتمل أن يكون في الكلام حذفٌ يدلّ عليه بقيّة الروايات، والتقدير: فاعرف عفاصها، ووكاءها، ثم كُلُها، إن لم يجىء صاحبها، فإن جاء صاحبها، فأدّها إليه. وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: ((فإن جاء باغيهافأدّها إليه، وإلا فاعرف عفاصها، ووكاءها، ثم كُلْها، فإن جاء باغيها، فأدها إليه)). فأمره بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور. وروى أبو داود أيضًا من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن أبيه، عن زيد بن خالد في هذا الحديث: ((فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها، وعفاصها، ثم اقبضها في مالك، فإن جاء صاحبها، فادفها إليه)). وإذا تقرّر هذا أمكن حمل قول البخاريّ: ((باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة، فهي لمن وجدها)) أي في إباحة التصرّف فيها حينئذ، وأما أمر ضمانها بعد ذلك، فهو ساكت عنه. أي فيكون موافقًا للجمهور. وقال النوويّ: إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتّصلة، والمنفصلة، وأما بعد التملّك، فإن لم يجىء صاحبها فهي لمن وجدها، ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها، فإن كانت موجودة بعينها استحقّها بزوائدها المتّصلة، ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك، وهو قول الجمهور. وقال بعض السلف: لا يلزمه، وهو ظاهر اختيار البخاريّ. والله أعلم انتهى ما في ((الفتح)) ببعض تصرّف(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب أداء بدلها لصاحبها، إن جاء بعد إنفاق الملتقط إياها على نفسه هو الحقّ؛ لظهور دليله، كما (١) - ((فتح)) ج٥ ص٣٦٩ -٣٧٠ . ٢٣٤ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ عرفت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): فيما يتعلّق بالركاز، وفيها مباحث: (الأول): أن الركاز الذي يتعلّق به وجوب الخمس هو ما كان من دِفْن الجاهليّة، هذا قول الحسن، والشعبيّ، ومالك، والشافعيّ، وأبي ثور، ويعتبر ذلك بأن تُرى عليه علاماتهم، كأسماء ملوكهم، وصُوَرهم، وصُلُبهم، وصور أصنامهم، ونحو ذلك، فإن كان عليه علامات الإسلام، أو اسم النبيّ وَّه أو أحدٌ من خلفاء المسلمين، أو وَالٍ لهم، أو آية من القرآن، ونحو ذلك، فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم، لم يُعلّم زواله عنه، وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك. كما نَصّ عليه أحمد في رواية عنه؛ لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم، ولم يُعلم زواله عن ملك المسلمين، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين. ذكره ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم. (الثاني): الكلام في موضع الركاز: وذلك أن موضعه لا يخلو من أربعة أقسام: (أحدها): أن يجده في موات، أو ما لا يُعلم له مالك، مثل الأرض التي يوجد فيها آثار المُلْكِ، كالأبنية القديمة، والتُّلُول، وجُذْران الجاهليّة، وقبورهم. فهذا فيه الخمس بغير خلاف، سوى ما سبق عن الحسن. (ثانيها): أن يجده في ملكه المنتَقِلِ إليه، فهو له في إحدى الروايتين عن أحمد، لأنه مال كافر مظهورٌ عليه في الإسلام، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم. والرواية الثانية أنه للمالك قبله، إن اعترف به، وإن لم يعترف به فللذي قبله، إلى أول مالك، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأن يده كانت على الدار، فكانت على ما فيها. (ثالثها): أن يجده في ملك آدميّ مسلم معصوم، أو ذميّ. فعن أحمد ما يدلّ على أنه لصاحب الدار، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن. ونُقل عن أحمد ما يدلّ على أنه لواجده، وهو قول الحسن بن صالح، وأبي ثور، واستحسنه أبو يوسف. وقال الشافعيّ: هو لمالك الدار، إن اعترف به،َ وإلا فلأول مالك؛ لأنه في يده. (رابعها): أن يجده في أرض الحرب، فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين، فهو غنيمة لهم، وإن قدر عليه بنفسه، فهو لواجده، وهذا مذهب أحمد؛ لأنه ليس لموضعه مالك محترم، فأشبه ما لو لم يُعرَف مالكه. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: إن عُرف مالك الأرض، وكان حربيًّا، فهو غنيمة أيضًا؛ لأنه في حرز مالك معيّن، فأشبه ما لو أخذه من بيت، أو خزانة. والله تعالى أعلم بالصواب. (الثالث): في صفة الركاز الذي فيه الخمس : ٢٣٥ ٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٤ = هو كلّ ما كان مالًا على اختلاف أنواعه، من الذهب، والفضّة، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والآنية، وغير ذلك. وهو قول إسحاق، وأبي عُبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعيّ، والقول الآخر: لا تجب إلا في الأثمان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح؛ لعموم قوله ◌َّر: ((وفي الركاز الخمس. والله تعالى أعلم بالصواب. (الرابع): في حکم الخمس المتعلّق به: (اعلم): أنه يخمس قليل الركاز، وكثيره. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو قول قديم للشافعيّ، ومن أصحابه من لم يُثبته. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعيّ في الجديد: يعتبر فيه النصاب، فلا تجب الزكاة فيما دونه، إلا إذا كان في ملكه ما يكمله من جنس النقود الموجود. قال ابن المنذر القول الأول أولى بظاهر الحديث، وبه قال جلّ أهل العلم (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. (الخامس): في قدر الواجب في الركاز، ومصرفه: أما قدره فهو الخمس؛ للحديث السابق، وللإجماع، وأما مصرفه، فقيل: هم مصارف الزكاة، وبه قال أحمد، والشافعيّ. وقيل: مصرفه مصرف الفيء، وهي رواية عن أحمد، قال ابن قدامة: وهذه الرواية أصحّ، وأقيس على مذهبه. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وهو الذي يترجّح عندي؛ لإطلاق اسم الخمس عليه. والله تعالى أعلم بالصواب. (السادس): فیمن یجب علیه الخمس: هو كلّ من وجده من مسلم، وذميّ، وحرّ، وعبد، ومكاتب، وكبير، وصغير، وعاقل، ومجنون. وهو قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه العلم على أنّ على الذميّ في الركاز يجده الخمس. قاله مالكٌ، وأهل المدينه، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأهل العراق، من أصحاب الرأي، وغيرهم. وقال الشافعيّ: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة. وحُكي عنه في الصبيّ، والمرأة أنهما لا يملكان الركاز. وقال الثوريّ، (١) - انظر ((طرح التثريب)) ج٤ ص٢٣. = ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ والأوزاعيّ، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبدًا يُرضَخ له منه، ولا يعطاه كلّه(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المذهب الأول هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله وَل: ((وفي الركاز الخمس))، فإنه يدلّ بعمومه على وجوب الخمس في كلّ ركاز، وأن باقيه لواجده، أيًّا كان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . . ٢٤٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ وَِّحِ وأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ الشَِّيِِّهِ، قَالَ: ((الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِثْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظلي المروزي ابن راهويه، الثقة الحجة [١٠]٢/٢. ٢- (سفيان) بن عيينة المكي، الثقة الحجة [٨]١/١. ٣- (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الثقة الحافظ [٩]٦١ / ٧٧. ٤- (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني الثقة الثبت [٧]١٠/١٠. ٥- (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر الإمام الحجة [٤]١/١. ٦- (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة، من كبار[٣]٩/٩. ٧- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه الحجة [٣]١/١ . ٨- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن سعيدًا، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، وأن فيه أبا هريرة ◌َّ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. (١) - لخّصت هذه المسألة السابعة من كتاب ((المغني)) للإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ج٤ ص ٢٣١-٢٣٨ تحقيق د/ عبدالله بن عبدالمحسن التركي، ود/ عبدالفتاح محمد الحلو. (٢) - وفي نسخة ((أنا)). ٢٣٧ ٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٥ شرح الحديث (عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ) كذا جمعهما معمرهنا، والليث، عند البخاريّ. قال في ((الفتح)): كذا جمعهما الليث، ووافقه الأكثر، واقتصر بعضهم على أبي سلمة، وللبخاريّ في ((الزكاة)) من رواية مالك، عن ابن شهاب، فقال: ((عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن)). وهذا قد يُظنّ أنه عن سعيد مرسلٌ، وعن أبي سلمة موصول. وقد أخرجه مسلم، والنسائيّ من رواية يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن المسيّب، وعبيدالله بن عبد الله، عن أبي هريرة. قال الدارقطنيّ: المحفوظ: عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، وليس قول يونس بمدفوع. قال الحافظ: قد تابعه الأوزاعيّ عن الزهريّ في قوله: ((عن عبيدالله))، لكن قال: ((عن ابن عباس))، بدل أبي هريرة، وهو وَهَمّ من الراوي عنه، يوسف بن خالد، كما نبّه عليه ابن عديّ. وقد روى سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة شيئًا منه. وروى بعض الضعفاء عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس بعضه. ذكره ابن عديّ، وهو غلط. وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء، عن العلاء، عن أبي سلمة. وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غير من ذكرنا، منهم محمد ابن زياد، عند البخاريّ، وهمّام بن منبه، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. انتهى ما في (الفتح)) ببعض تصرف(١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَِّ (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((الْعَجْمَاءُ) - بفتح المهملة، وسكون الجيم، وبالمذ، تأنيث أعجم، وهي البهيمة، ويقال أيضًا لكلّ حيوان غير الإنسان، ويقال لمن لا يُفصِح، والمراد هنا الأول (جَرْحُهَا) قال صاحب ((النهاية)): هو هنا بفتح الجيم على المصدر، لا غير. قاله الأزهريّ، فأما الْجُرْح بالضمّ فهو الاسم انتهى (٢). وقال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: يجوز في إعراب هذه الجملة وجهان: أحدهما: أن يكون قوله: ((جَرْحُها جُبَار)) جملةً من مبتدأ وخبر، وهي خبر عن المبتد! الذي هو ((العجماءُ)). والثاني: أن يكون قوله: ((جَرْحُها)) بدلًا من ((العجماء))، وهو بدل (١) - ((فتح)) ج ١٢ ص ٢٦٥-٢٦٦. طبعة دار الريان. (٢) - ((النهاية)) ج ١ ص ٢٥٥. ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ اشتمال، والخبر قوله: ((جُبَار))، والكلام جملة واحدة، والمصدر في قوله: ((جَرْجها)» مضاف للفاعل، أي كون العجماء تجرح غير مضمون انتهى(١). (جُبَارٌ) -بضمّ الجيم، وتخفيف الموحدة - هو الْهَدَرُ الذي لا شيء فيه. كذا أسنده ابن وهب، عن ابن شهاب، وعن مالك: ما لا دية فيه. أخرجه الترمذيّ. وأصله أن العرب تُسَمِّي السيلَ جُبَارًا، أي لا شيء فيه. وقال الترمذيّ: فسر بعض أهل العلم، قالوا: العجماء الذّابّة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها، فلا غُرم على صاحبها. وقال أبو داود بعد تخريجه: العجماءُ التي تكون منفلتة، لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار، ولا تكون بالليل. ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت ◌َّه: ((والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والْجُبّار: هو الهدر الذي لا يُغرَم)). كذا وقع التفسير مدرجًا، وكأنه من رواية موسى بن عُقبة. قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ)): وليس ذكر الجرح قيدًا، وإنما المراد به إتلافها بأيّ وجه، سواء كان بجرح، أو غيره. وفي رواية البخاريّ من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة رَظَلّه، عن النبيّ ◌َِّ، قال: ((العجماء عَقْلُها جُبار ... )) الحديث. والمراد بالعقل الدية، أي لا دية فيما تُتْلِفُه(٢) . وذكر ابن العربيّ أن بناء (ج ب ر) للرفع، والإهدار، من باب السلب، وهو كثير في العربيّة، يأتي اسم الفعل، والفاعل لسلب معناه، كما يأتي لإثبات معناه. وتعقّبه الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)» بأنه لا حاجة لجعله من السلب، بل هو للرفع على بابه؛ لأن إتلافات الآدميين مضمونة مقهور مُتْلِفُها على ضمانها، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد انتهى(٣). (وَالْبِرُ جُبَارٌ) في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: ((والبئر جَرحها جُبار)). أما البئر فهي بكسر الموحدة، ثم ياء ساكنة، مهموزة، ويجوز تسهيلها، وهي مؤنّئة، وقد تذكّر على معنى القَلِيب، والطّوَى، والجمع أَبْؤُر، وآبار بالمدّ، والتخفيف، بهمزتين بينهما موحّدة ساكنة. قال أبو عُبيد: المراد بالبئر هنا العاديّة القديمة التي لا يُعلَم لها مالك، تكون في (١) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص ١٧ . (٢) - ((فتح)) ج١٢ ص٢٦٩. (٣) - راجع ((طرح التثريب)) ج٤ ص١٧ . ٢٨- (بابُ المَعْدِنِ) - حديث رقم ٢٤٩٥ ٢٣٩ = البادية، فيقع فيها إنسانٌ، أو دابّةٌ، فلا شيء في ذلك على أحد. وكذلك لو حفر بئرًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيها إنسانٌ، أو غيره، فَتَلِف، فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبّبٌ إلى ذلك، ولا تغرير. وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر، فانهارت عليه، فلا ضمان، وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذنٍ، فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفّارة في ماله، وإن تَلِفَ بها غير آدميّ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كلّ حفرة على التفصيل المذكور. قاله في (الفتح)). وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: ((والمعدن جرحها جُبّار)). والحكم فيه ما تقدّم في البئر، لكن البئر مؤنثةٌ، والمعدن مذكّر، فكأنه ذَكَرَهُ بالتأنيث للمؤاخاة، أو لملاحظة أرض المعدن. فلو حفر معدنًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيه شخصٌ، فمات، فدمه هدَرٌ، وكذا لو استأجر أجيرًا، يَعمل له، فانهار عليه، فمات، ويلتحق بالبئر، والمعدن في ذلك كلّ أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها، فمات. قاله في ((الفتح)). وقال ابن قدامة: اشتقاق المعدن، من عَدَن بالمكان يَعدِنُ: إذا أقام به، ومنه سميت الجنّة جنّة عدن؛ لأنها دار إقامة، وخلود. قال أحمد: المعادن: هي التي تُستَنْبَط، ليس هو شيء دُفِن. وقال أيضًا: هو كلّ ما خرج من الأرض، مما يُخلق فيها، مما له قيمة، كالذهب، والفضّة، والرصاص، والصفر، والحديد، والياقوت، والزبرجد، والْبِلَّوْر، والعقيق، ونحوها، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، والكبريت، ونحو ذلك. فمن أخرج شيئًا من ذلك فعليه الزكاة من وقته، عند أحمد، وقال مالك، والشافعيّ: لا تتعلّق الزكاة إلا بالذهب والفضّة؛ لقوله ◌َلإر: ((لا زكاة في حَجَر)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه أحمد هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. والحديث الذي احتجّ به مالكٌ، والشافعيّ ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه رواه عن عمرو بن شعيب، كلٌّ من عُمَر بن أبي عمر الكَلَاعِيّ، وعثمان بن عبد الرحمن الوقّاصيّ، ومحمد بن عبيدالله العَرْزَميّ، وكلهم ضعفاء. وأوجب الحنفيّة في المعدن الخمس؛ لأنه عندهم ركاز، والصحيح أن الواجب فيه الزكاة، كما هو قول الجمهور؛ لأن الحديث فرق بينهما، فجعل لكلّ منهما حكما ليس للآخر، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر، كما تقدم بيان ذلك في شرح الحديث الماضي. والله تعالى أعلم. ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) تقدم الكلام عليه في شرح الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ◌َّه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٤٩٥/٢٨ و٢٤٩٦ و٢٤٩٧ و٢٤٩٨ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٧٤/٣٠ و ٢٢٧٥ و٢٢٧٦ و٢٢٧٧. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٩٩ و((المساقاة)) ٢٣٥٥ و((الديات)) ٢٩١٢ و٦٩١٣ (م) في ((الحدود)) ١٧١٠ (د) في ((الخراج، و((الإمارة، والفيءٍ)) ٣٠٨٥ و((الديات)) ٤٥٩٣ (ت) في ((الزكاة)) ٦٤٢ و((الأحكام)) ١٣٧٧ (ق) في ((الأحكام)) ٢٥٠٩ و((الديات)) ٢٦٧٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٤٠٧ و ٧٦٦٧ و٧٧٦٩ و٢٧٤٧٢ و٨٧٧٩ و٩٠١٣ و٩٥٧٢ و٢٧٢٦٣ و١٠٠٤٤ و١٠١٦ و١٠١٣٧ و١٠٢٠٩ (مالك) في ((الزكاة)) ٥٨٣ و((العقول)) ١٦٢٢ (الدارميّ) في ((الزكاة)) ١٦٦٨ و ((الديات)) ٢٣٧٧ و٢٣٧٨ و٢٣٧٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن ما أتلفته البهائم لا شيء فيه، على تفصيل للعلماء فيه، سيأتي (ومنها): أن من حفر بئرًا في ملكه، أو في محلّ مباح، كالموات، فتلف إنسان، أو نحوه، فلا ضمان عليه (ومنها): أن من استخرج معدنًا من محلّ يباح له، فتلف بسببه إنسان، أو نحوه فلا ضمان عليه (ومنها): أن من وجد ركازًا وجب عليه أداء خمسه، ثم الباقي له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون البهيمة منفردةً، أو معها صاحبها، وبهذا أخذ أهل الظاهر، فلم يُضمّنوا صاحبها ولو كان معها، إلا إن كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل فيما إذا كان راكبًا، أو قادها حتى أتلفت ما مشت عليه فيما إذا كان قائدًا، أو حملها عليه بضرب، أو نخس، أو زجر فيما إذا كان سائقًا، فإن أتلفت شيئًا برأسها، أو بعضها، أو ذنبها، أو نفحتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه. وقال الشافعية: متى كان مع البهيمة شخصٌ، فعليه ضمان ما أتلفته، من نفس، أو مالٍ، سواء أتلفت ليلا أو نهارا، وسواء كان سائقها، أو قائدها، أو راکبها، وسواء كان مالكها، أو أجيره، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو غاصبًا، وسواء أتلفت بيدها، أو