النص المفهرس
صفحات 201-220
د ٢٥- (بَابُ مَا يُوجِبُ العُشْرَ، وَمَا ... - حديث رقم ٢٤٨٨ ٢٠١ = في ردّ مثل هذا الحديث الذي ذكروه لمعارضة عموم الأدلة الصحيحة. (ثانيها): أن طلحة بن يحيى مختلف فيه، فهو وإن وثّقه جماعة، فقد تكلّم فيه آخرون، قال يحيى القطّان: لم يكن بالقويّ. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: لا بأس به، في حديثه لين. وقال ابن حبّان: كان يخطىء. وقال الساجيّ: صدوق لم يكن بالقويّ(١) فتفرُّد مثله بمثل هذا الحديث الذي يعارض الأحاديث الصحيحة محلّ نظر. (ثالثها): أنه اختلف في رفعه، ووقفه، فقد رواه البيهقيّ، كما سبق، ورواه (١٢٥/٤) من طريق الثوريّ أيضًا، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، ومعاذ تَّ أنهما حين بُعثا إلى اليمن لم يأخذا إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. قال الإمام ابن دقيق العيد في ((الإمام)): وهذا غير صريح في الرفع انتهى(٢). والحاصل أن هذا الحديث لا يصحّ، فلا تُعارَض به الأدلّة السابقة. (ومنها): ما روى ابن أبي شيبة، وأبو عُبيد في ((الأموال)) (ص٤٦٨) ويحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٤٨) عن موسى بن طلحة، أمر رسول اللَّه ◌َلّر معاذًا حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والنخل، والعنب)). وهذا منقطع؛ لأنّ موسى بن طلحة لم يُدرك معاذًا، كما قاله ابن حزم (٢٢٢/٥) وقال الحافظ في (التلخيص)): فيه انقطاع. وقال أبو زرعة: موسى بن طلحة بن عُبيدالله، عن عمر مرسلة، ومعاذٌ توفّي في خلافة عمر، فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال. وقال تقيّ الدين في ((الإمام)): وفي الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا أن وفاة موسى سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة. ذكره الزيلعيّ (٣٨٧/٢). وقال ابن عبد البرّ: لم يلق موسى معاذًا، ولا أدركه انتهى. والمشهور في ذلك ما رُوي عن عمرو بن عثمان ، عن موسى بن طلحة، قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل، عن النبيّ وَالر أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. أخرجه أحمد (٢٢٨/٥) والدارقطنيّ (٩٦/٢) والبيهقيّ (١٢٩/٤) وابن حزم في ((المحلّى)) (٢٢٢/٥) وأبو يوسف في ((الخراج)) (ص٦٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا وجادة والوجادة عند المحدّثين منقطعة، فلذا تعقّب صاحب (التنقيح)) تصحيح الحاكم، والذهبيّ للحديث بالانقطاع، وقد أصاب في هذا التعقّب. (١) - راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج٢ ص٢٤٤-٢٤٥. (٢) - نصب الراية ج٢ ص٣٨٩. ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ فاعتراض الشيخ الألباني على صاحب ((التنقيح)) وتعقّبه، بأن الوجادة حجة على الراجح فيه نظر؛ لأنها وإن كانت حجة للعمل بها إذا صحّت النسخة، لكن الرواية بها منقطعة، كما حرره علماء أصول الحديث، ودونك ما قاله صاحب ((التقريب)) مع شرحه ((التدريب)) جـ٢ ص٦٣: وهي -يعني الوجادة- أن يَقِف على أحاديث بخطّ راويها غير المعاصر له، أو المعاصر، ولم يسمع منه، أو سمع منه ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصّة عنه بسماع، ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت بخطّ فلان، أو في كتابه .... إلى أن قال: وهو من باب المنقطع. فقد صرّح بأن الوجادة منقطعة. والحاصل أن تقوية الحديث بهذه الوجادة حتى يكون متّصلّاً غير صحيح. والله تعالى أعلم . (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٩٧/٢) والحاكم (٤٠١/١) والبيهقيّ (١٢٩/٤) والطبرانيّ من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمّه موسى بن طلحة، عن معاذ أن رسول اللَّه وَل ◌َّه قال: «فيما سقت السماء، والْبَعْل، والسيل العشرُ، وفيما سُقي بالنضح نصفُ العشر، وإنما يكون ذلك في التمر، والحنطة، والحبوب، فأما القّاء، والبطيخ، والرمان، والقصب، فقد عفا عنه رسول اللَّه وَالنت)). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، لم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ. قلت: هذا التصحيح منهما غير صحيح، فإن إسحاق بن يحيى متروك، تركه أحمد، والنسائيّ، وقال ابن معين: لا يُكتب حديثه،. وقال البخاريّ: يتكلّمون في حفظه. وقال يحيى بن سعيد القطّان: شبه لا شيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث(١). وفيه أيضًا الانقطاع المذكور بين موسى ومعاذ بن جبل. (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٩٦/٢) وأبو يوسف في ((الخراج)) (ص ٦٥) من طريق محمد بن عبيدالله العرزميّ، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن عمر بن الخطّاب، قال: إنما سنّ رسول اللَّه وَ ل # الزكاة في الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. وفيه أن العرزميّ متروك أيضًا، وفيه أيضا الانقطاع المتقدّم. (ومنها): ما روى ابن ماجه رقم (١٨١٥) من طريق العزرميّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: إنما سنّ رسول اللّه ◌َليور الزكاة في هذه الخمسة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة)). والعرزميّ هو محمد بن عبيدالله المتروك المتقدّم. (١) - انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص١٢٩ - ١٣٠. ٢٥- (بَأَبُ مَا يُؤْجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا ... - حديث رقم ٢٤٨٨ ٢٠٣ ورواه يحيى بن آدم في (الخراج)) (ص ١٥٠) من طريق يحيى بن أبي أُنسية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، مرفوعًا، بلفظ: ((أربع ليسٍ فيما سواها شيء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب)). وفيه يحيى بن أبي أنيسة، قال أحمد، والنسائيّ، والدارقطنيّ: متروك الحديث. وقال عمرو الفلّاس: صدوق كان يِهِم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه إلا من لا يعلم. وقال أخوه زيد بن أبي أُنيسة: إنه كذاب(١). (ومنها): ماروى الدارقطنيّ (١٠٠/٢) من حديث جابر نَّه قال: لم تكن المقائي(٢) فيما جاء به معاذ، إنما أخذ الصدقة من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في المقائي شيء. وفي سنده عديّ بن الفضل متروك الحديث. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم في ((الخراج)) عن أبي حمّاد الحنفيّ، عن أبان، عن أنس، قال: لم يَفرِض رسول اللّه وَالر الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والأعناب. وفيه أبو حماد، مفضّل بن صدقة الحنفيّ الكوفيّ، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائيّ: متروك. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم في (الخراج)) أيضًا، والبيهقيّ من طريقه (١٢٩/٤) عن عتاب ابن بشير، عن خُصيف، عن مجاهد، قال: ((لم تكن الصدقة في عهد رسول اللَّه ◌َ لر إلا في خمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة)). وهذا مرسل، وفيه خُصيف، صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره، أنكروا عليه أحاديث رواها عنه عتّاب بن بشير. وعتاب أيضا متكلّم فيه. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم أيضًا (ص١٤٩) والبيهقيّ من طريقه (١٢٩/٤) عن ابن عُيينة، عن عمرو بن عُبيد، عن الحسن البصريّ، قال: ((لم يَفرِض رسول اللَّه وَله الصدقة، إلا في عشرة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب،)). قال ابن عيينة: أُراه قال: ((والذُّرَة)). وذكر في رواية للبيهقيّ: ((السُّلْت)) مكان ((الذرة)). وهذا أيضًا مرسل. وقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح. وفيه عمرو بن عُبيد قدريّ داعية، متروك الحديث، وكان يَكذِب على الحسن في الحدیث . (١) - انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج٤ ص٣٤١-٣٤٢. (٢) - ((المقائي)) جمع مقتأة، وهي موضع القثّاء. ٢٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ (ومنها): ما رواه يحيى بن آدم أيضًا (ص١٤٩) والبيهقيّ من طريقه (١٢٩/٤) عن أبي بكر بن عيّاش، عن الأجلح، عن الشعبيّ، قال: ((كتب رسول اللَّه وَّل إلى أهل اليمن، إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب)). وهذا أيضا مرسل، وأبو بكر بن عيّاش ثقة إلا أنه لَمّا كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. والأجلح متكلّم فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث حصر وجوب الصدقة في الأربعة المذكورة كلها ضعافٌ جدًّا، لا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة المتقدّمة، وأَمثلُها حديث يحيى بن طلحة المتقدّم، وقد عرفت ما فيه من العلل، وتصحيح الحاكم لها من تساهلاته، وأما غيره کالذهبيّ، وغيره فقد تابعوه في تساهله. فالأرجح عندي قول من قال بوجوب الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض من الحبوب الذي يقتات به الآدميّون، وهذا معنى الحبّ المذكور في الحديث الصحيح: ((ليس في حبّ، ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق))، على ماقاله أهل اللغة، وهو المخصّص لعموم آية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، ولعموم حديث: ((فيما سقت السماء العشر ... )) الحديث. وأما ما قاله ابن حزم في ((المحلّى)) جـ٥ص٢٢٠-٢٢١ من أن الحبّ المذكور في الحديث هو الحنطة والشعير، ولا يطلق في لغة العرب على غيرهما، ونقل ذلك عن بعض أهل اللغة، ففيه تقصير، ومن غريب ما اتفق له في ذلك أن بعض ما نقله يردّ عليه، فإنه قد نقل عن أبي حنيفة الدِّينوريّ، عن الكسائيّ، قال: واحد الْحِبّة حَبّة - بفتح الحاء، فأما الْحَبّ، فليس إلا الحنطة والشعير، واحدها حَبّة - بفتح الحاء-، وإنما افترقتا في الجمع، ثم ذكر أبو حنيفة بعد هذا الفصل إثر كلام ذكره لأبي نصر، صاحب الأصمعيّ كلاما نصّه: وكذلك غيره من الحبوب، كالأرز، والدخن. قال ابن حزم: فهذه ثلاثة جموع: الحبّ للحنطة، والشعير خاصّة، والحبّة -بكسر الحاء، وزيادة الهاء في آخرها- لكلّ ما عداهما من البزور خاصّة، والحبوب للحنطة، والشعير، وسائر البزور. انتهى كلامه. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: كلام أبي حنيفة المذكور يدلّ على أن الحبّ يطلق على جميع الحبوب، لأن الحبوب جمع للْحَبّ، فتفطّن. ودونك ما قاله أهل اللغة في هذا الباب: قال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى في ((المصباح المنير)): والْحَبّ -أي بالفتح -: اسمُ جنس للحنطة، وغيرها، مما يكون في السُّنْبُل، والأَكْمَّام، والجمع حُبوب، مثلُ فَلْس وفُلُوس، الواحدة حَبَّةٌ، وتجمع على حبّات على لفظها، وعلى حِبّابٍ، مثل كلبة ٢٥- (بَابُ مَا يُؤْجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا ... - حديث رقم ٢٤٨٨ ٢٠٥ === وكِلاب، والحِبُّ -بالكسر -: ما لا يُقتات، مثل بُزُور الرياحين، الواحدة حِبّةٌ انتهى(١). وقال ابن منظور رحمه اللّه تعالى في ((لسان العرب)): والْحَبُّ: الزرعُ، صغيرًا كان أو كبيرًا، واحدته حبّةٌ، والحَبُّ معروف، مستعملٌ في أشياء جَّةٍ: حَبّةٌ من بُرّ، وحَبّةٌ من شعيرٍ، حتى يقولوا: حَبّةٌ من عِنَب. قال: وقال الجوهريّ: الْحَبةُ واحدة حَبّ الحنطة، ونحوها، من الحبوب، والْحِبّةُ: بَزْرُ كلّ نبات، ينبت وحده من غير أن يُبْذَر، وكلُّ ما بُذِرَ، فَبَزْرُهُ حَبَّةٌ بالفتح. قال: وقال الأزهريّ: ويقال لِحَبَ الرَّيَاحين: حِبَّةٌ، وللواحدة منها حَبَّةٌ - بالفتح-، والحِيَّةُ حَبُّ الْبَقْلِ الذي يَنتَثِرُ، والْحَبّةُ: حَبَّةُ الطعَامِ، حَبَّةٌ من بُرّ، وشَعيرٍ، وعَدَسٍ، وأَرُزِّ، وكلُّ ما يأكله الناس. انتهى المقصود من كلام ابن منظور(٢). فظهر بهذا ردّ ما ادعاه ابن حزم من أن الحبّ مقصور في لغة العرب على الحنطة، والشعير، فلا تجب الزكاة فيما عدا البرّ، والشعير، والتمر عنده، متمسّكًا بما ذكره. فالحقّ أن الحبّ كلّ ما يقتات به الناس، من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، والدُّخْن، والأرز، وغيرها من الحبوب. فثبت بالنّصّ وجوب الزكاة في جميع أنواع الحبوب التي يقتات به الآدميّون، وما عدا ذلك، فالأصل عدم وجوب الزكاة فيه، لعدم وجود نصّ صحيح في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في اجتماع العشر والخراج في أرض واحدة : ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العشر، أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب، سواء زرعه في أرض له، أو في أرض غيره، عشريّة كانت، أو خراجيّة، سقي بماء العشر، أو بماء الخراج. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به عمر ابن عبد العزيز، وربيعة، والزهريّ، ويحيى الأنصاريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود(٣). فيجتمع عندهم العشر والخراج في أرض واحدة، ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر. وقال أبو حنيفة: لا عشر فيما أصيب في أرض الخراج، فاشترط لوجوب العشر أن تكون الأرض عشريّة، فلا يجتمع عنده العشر والخراج في أرض واحدة. (١) - ((المصباح المنير)) في مادة حبّ. (٢) - ((لسان العرب)) في مادّة حبّ. (٣) - ((المجموع)) ج٥ص٤٧٩ . ببعض تصرّف. ٢٠٦ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقول النبيّ وَّر: ((فيما سقت السماء العشر ... )) الحديث، متّفق عليه، وغيرها من عمومات الأخبار. قال ابن الجوزيّ في ((التحقيق)) بعد ذكر هذا الخبر: هذا عامّ في الأرض الخراجيّة وغيرها. وقال ابن المبارك: يقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، ثم يقول: نترك القرآن لقول أبي حنيفة. واستدل الشيخ ابن دقيق العيد في الإمام)) للجمهور بما روى يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٦٥) والبيهقيّ من طريقه (١٣١/٤) عن سفيان بن سعيد، عن عمرو بن ميمون بن مِهْرَان، قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن مسلم يكون في يده أرض خراج، فَيُسألُ الزكاة، فيقول: عليّ الخراجُ؟ قال: فقال: الخراج على الأرض، وفي الحبّ الزكاة، قال: ثمّ سألته مرّة أخرى ، فقال: مثل ذلك. ورواه أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٨٨) عن قبيصة، عن سفيان. قال الحافظ في ((الدراية)) (ص٢٦٨): وصحّ عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمن قال: إنما عليّ الخراجُ: الخراج على الأرض، والعشر على الحبّ. أخرجه البيهقيّ من طريق يحيى بن آدم. وأخرج أيضًا عن يحيى، ثنا ابن المبارك، عن يونس -وفي ((الخراج)) ليحيى (ص١٦٦) ((عن معمر)) مكان ((عن يونس))- قال: سألت الزهريّ عن زكاة الأرض التي عليها الجزية؟ فقال: لم يزل المسلمون على عهد رسول اللَّه وَ له، وبعده يُعاملون على الأرض، ويستكرونها، ويؤدّون الزكاة مما خرج منها، فنرى هذه الأرض على نحو ذلك انتهى. وهذا فيه إرسال. وروى يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٦٥)، وأبو عبيد في ((الأموال)) (ص٨٨) عن إبراهيم ابن أبي عَبْلَة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي عوف، عاملِهِ على فلسطين، فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية، قال ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك، ومنّ أخذوا الجزية - يعني خراج الأرض -. واستدلّ الحنفيّة بما رواه ابن عديّ في ((الكامل))، والبيهقيّ من طريقه عن يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رَبِّ، قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم)). وبأن أحدًا من أئمّة العدل وولاة الْجَوْر لم يأخذ من أرض السواد عشرًا إلى يومنا هذا، فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع، فيكون باطلاً. قال صاحب «الهداية»: ٢٥- (بَابُ مَا يُوْجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا ... - حديث رقم ٢٤٨٩ ٢٠٧ = لم يجمع أحدٌ من أئمة العدل والجور بينهما، وكفى بإجماعهم حجة. انتهى. وأجيب عن الحديث بأنه باطلٌ، لا أصل له. قال البيهقيّ: هذا حديثٌ باطلٌ وَصْلُه، ورَفْعُه، ويحيى بن عنبسة متّهمٌ بالوضع، وقال ابن عديّ: يحيى بن عنبسة منكر الحديث، وإنما يُروَى هذا من قول إبراهيم. وقد رواه أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم قولَهُ، فجاء يحيى بن عنبسة، فأبطل فيه، ووصله إلى النبيّ وَّل، ويحيى مكشوف الأمر في ضعفه؛ لروايته عن الثقات الموضوعات انتهى. وقال ابن حبّان: ليس هذا من كلام النبيّ وَّل، ويحيى بن عنبسة دجّالٌ يضع الحديث، لا تحلّ الرواية عنه. وقال الدارقطنيّ: يحيى هذا دجّال يضع الحديث، وهو كذب على أبي حنيفة، ومن بعده إلى رسول اللَّه وَله. وذكره ابن الجوزيّ في ((الموضوعات)). كذا في ((نصب الراية)) ج٣/ ص ٤٤٢ . وأجيب عن دعوى الإجماع بأنها باطلة جدًّا. قال الحافظ في ((الدراية)) رادًا على صاحب ((الهداية)): ولا إجماعَ مع خلاف عمر بن عبد العزيز، والزهريّ، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما انتهى. وقال أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٩٠): لا نعلم أحدًا من الصحابة قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج، ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يُروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان، يُكنى أبا المنيب، سمعه يقول ذلك انتھی . وقال صاحب ((المرعاة)) (٧٩/٦) بعد ذكر ما تقدّم: وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يقم دليل صحيح، أو سقيم على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل الآية المذكورة، وحديث: ((فيما سقت السماء العشر))، وما في معناه يدلّان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وأثر الزهريّ يدلّان على أن العمل كان ذلك في عهد رسول اللّه وَ ل وبعده، فالحقّ، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الجمهور انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله صاحب ((المرعاة)) رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٨٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ(١) بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو (٢)، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: (١) - بتشديد الواو. (٢) - هو ابن السرح المصريّ. ٢٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ، وَالْأَنََّارُ، وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح: وقد تقدموا غير مرّة. و«عمرو بن سوّاد))- بتشديد الواو -: هو أبو محمد المصري، ثقة [١١]. و((أحمد بن عمرو)): هو ابن السرح المصري، ثقة [١٠]. و((عمرو بن الحارث)): هو المصري الثقة الثبت [٧]. و((أبو الزبير)): هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق [٤]. والحديث أخرجه المصنّف هنا-٢٤٨٩/٢٥ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٦٨/٢٦. وأخرجه (م) في ((الزكاة)) ٩٨١ (د) في ((الزكاة)) ١٥٩٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٢٥٦ و١٤٣٨٩، وشرحه يُعلم من شرح الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا (١) هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشِ - عَنْ عَاصِم، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: ((بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَّرَنِي أَنْ آخُذَ مِّمَّا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ، وَفِيمَا سُقِيَ (٢) بِالدَّوَالِي نِصْفَ الْعُشْرِ))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عاصم)): هو ابن أبي النَّجُود المقرىء. و(أبو وائل)): هو شقيق بن سلمة. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢٥/ ٢٤٩٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٦٩/٢٦. وأخرجه (ق) في ((الزكاة)) ١٨١٨ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢١٥٣ (الدارميّ) في (الزكاة)) ١٦٦٧. وفي إسناده اختلاف، فمنهم من أدخل بين أبي وائل وبين معاذ مسروقًا، لکن یشهد له ما قبله. وقوله: ((بالدوالي)) جمع دالية: آلةٌ لإخراج الماء. قال في ((المصباح)): الدالية: دَلْوٌ، ونحوُها، وخشبٌ يُصنَع كهيئة الصليب، ويُشدّ برأس الدَّلْو، ثمّ يُؤخذ حَبْلٌ يُربَط طَرَفه بذلك، وطرَفه بِجِذْع قائم على رأس البئر، ويُسقى بها. فهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة، والجمع الدَّوالي، وشّذّ الفارابيُّ، وتبعه الجوهريّ، ففسّرها بالْمَنْجَنُونِ. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - وفي نسخة: ((أخبرني)). (٢) - وفي نسخة ((وما سُقِي)). (٣) - ((المصباح المنير». ٢٠٩ = ٢٦- (کَمْ یتُكُ الخَارِصُ) - حديث رقم ٢٤٩١ ٢٦- (كَمْ يَتْرُكُ الْخَارِصُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الخارص): اسم فاعل من ((الْخَرْصِ)) -بفتح المعجمة، وحكي كسرها، وبسكون الراء، بعدها مهملة -: وهو حَزْرُ ما على النخل من الرُّطَب تمرًا. وحكى الترمذيّ عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب، والعنب، مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصًا ينظر، فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، وكذا وكذا تمرًا، فيُحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيثبته عليهم، ويخلّي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر انتهى. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأن في منعهم تضييقًا لا يخفى. وقال الخطّابيّ: أنكر أصحاب الرأي الخرص، وقال بعضهم: إنما كان يُفعل تخويفًا للمزارعين؛ لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم؛ لأنه تخمين وغُرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار. وتعقّبه الخطّابيّ بأن تحريم الربا والميسر متقدّم، والخرص عُمِل به في حياة النبيّ وَلـ حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبيّ. قال: وأما قولهم: إنه تخمين وغُرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. وحكى أبو عُبيد عن قوم منهم أنّ الخرص كان خاصًّا بالنبيّ وَّرِ؛ لأنه كان يُوفَّق من الصواب ما لا يوفّق له غيره. وتعقّبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يُسدّد لما كان يُسدّد له سواه أن تثبت بذلك الخصوصيّة، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدّد فيه كتسديد الأنبياء لسقط الاتباع. وتردّ هذه الحجّة أيضًا بإرسال النبيّ وَلّ الخرّاص في زمانه. والله تعالى أعلم. واعتلّ الطحاويّ بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفةٌ فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذًا بدلًا مما لم يَسلّم له. وأجيب بأن القائلين به لا يضمّنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يُحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان. ذكره في ((الفتح))(١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - ((فتح)) ج٤ ص١٠٨ - ١٠٩ . ٢١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٢٤٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: أَتَانَا وَنَحْثَ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ: ((إِذَا خَرَضْتُمْ فَخُذُوَا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا))، أَوْ ((تَدَعُوا الثُّلُثَ)) - شَكَّ شُعْبَةُ - ((فَدَعُوا الرُّبُعَ))) . رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (محمد بن بشار) بندر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٧٠/٢٤ ٢- (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الثبت البصري [٩] ٤/٤. ٣- (محمد بن جعفر) غندر البصري، ثقة [٩] ٢٢/٢١. ٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت[٧] ٢٧٠/٢٤ ٥- (خُبيب بن عبد الرحمن) أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤]٦٤٠/١٠. ٦- (عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَار) -بكسر النون، بعدها تحتانية- الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [٤]. روى عن سهل بن أبي حَثْمة. وعنه خُبيب بن عبد الرحمن. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال البزار: معروف. وقال ابن القطّان: لكنّه لا يُعرف حاله. أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط. ٧- (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المثلّثة- ابن ساعدة بن عامر الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيٍّ صغيرٌ، وُلد سنة ثلاث من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية رؤيتها، تقدم في ٧٤٨/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى عبد الرحمن بن مسعود كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَهْلِ بْنٍ أَبِي حَثْمَةَ) الأنصاري الصحابي الصغير رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ) الضمير لعبد الرحمن، أي قال: عبد الرحمن بن مسعود (أَتَانًا) الضمير لسهلٍ بن أبي حثمة، وقوله: (وَنَحْنُ فِي السُّوقِ) جملة في محل نصب على الحال، يعني أنه أَتَي سهلُ ابن أبي حثمة عبد الرحمن بنَ مسعود، ومن معه، والحال أنّهم كائنون في السوق، ٢١١ = ٢٦- (كَمْ يَتْرُكُ الْخَارِصُ) - حديث رقم ٢٤٩١ والظاهر أنه أراد سوق المدينة. وفي رواية أبي داود: ((جاء سهل بن أبي حثْمَة إلى مجلسنا، فقال: أمرنا رسول اللّه وَله، إذا خرصتم، فَجَذُّوا ... (فَقَالَ) سهل رَّه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا خَرَضْتُمْ) من باب قَتَلَ: أي قدّرتم، وحَزَرْتم أيُّها السُّعَاة، والْمُصَدِّقُون (فَخُذُوا) أمر من الأخذ - بالخاء، والذال المعجمتين -: أي خُذُوا زكاة المخروص، إن سَلِمَ من الآفة. والخرص: تقدير ما على النخل من الرُّطَبِ تمرًا، وما على الكرم من العنب زبيبًا؛ ليُعرَف مقدار عُشره، ثمّ يُخلَّ بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار. وفائدته التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، وهو جائز عند الجمهور، خلافًا للحنفيّة؛ لإفضائه إلى الربا، وحملوا أحاديث الخرص على أنها كانت قبل تحريم الربا. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ووقع في بعض نسخ أبي داود ((فَجَذُّو)» - بالجيم، والذال المعجمة بصيغة الماضي -: أي فقَطَّعُوا، وفي بعضها ((فَجَدُّوا)) - بالدّال المهملة- وهو القطع أيضًا، وعلى هاتين النسختين جزاء الشرط محذوفٍ: أي إذا خَرَصتم، ثم قَطَع أرباب النخل ثمرها، فخذوا زكاة المخروص. وقيل: ((جُذُّوا)) -بضم الجيم، بصيغة الأمر، وهو جزاء الشرط، ويكون أمرًا لأرباب النخل: أي إذا قدّر العامل الثمارَ، وعرفتم حقّ الفقراء، فاقطعوا ما شئتم، وهو أمر إباحة. (وَدَعُوا) أي اتركوا (الثُّلُثَ) - بضمّ اللام، وسكونها- يحتمل أن يكون المراد: اتركوا ثلث الزكاة ليتصدّق به ربّ المال بنفسه على أقاربه، وجيرانه، فلا يَغرَم لهم من ماله شيئًا . ويحتمل أن يكون المراد: اتركوا الثلث من نفس الثمرة، فلا يؤخذ عليه زكاة، رأفةً بأرباب الأموال، فإنه يكون منه الساقطة، والهالكة، وما يأكله الطير والناس، فلو أخذت الزكاة على جميع المال أضرّ بربّه. وكان عمر بن الخطّاب وَنَّه يأمر الخرّاص بذلك. قال في ((الفتح)): وقال بظاهره الليث، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. وفَهِمَ أبو عُبيدة في ((كتاب الأموال)) أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه، فقال: يُترك قدرُ احتياجهم. وقال مالك، وسفيان: لا يُترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعيّ. قال ابن العربيّ: والمتحصّل من صحيح النظر أن يُعمل بالحديث، وهو قدر المؤونة، ولقد جرّبناه، فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رُطَبًا انتهى(١). وقال ابن قدامة في ((المغني)): على الخارص أن يترك في الخرص الثلث، أو الربع؛ توسعةً على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم، ويُطعمون (١) - ((فتح)) ج٤ ص ١١٢ . ٢١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ جيرانهم، وأهلَهم، وأصدقاءَهم، وسُؤَالَهُم، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابها الطير، وتأكل منها المارّة، فلو استوفى الكلّ منهم أضرّ بهم. وبهذا قال إسحاق، ونحوه قال الليث، وأبو عُبيد. والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى في الأَكّلَة كثرةً ترك الثلث، وإن كانوا فيهم قلّةٌ ترك الربع، وذكر حديث الباب. وقال: وروى أبو عُبيد بإسناده عن مكحول قال: كان رسول اللَّه وَليل إذا بعث الخرّاص قال: ((خفّفوا على الناس، فإن في المال العَرِيّة، والواطئة، والأكلة)). و(العريّة)) نخَلَاتٌ يَهبها ربّ المال لشخص يَجني ثمارها. و((الواطئة)): المارّة في الطريق، سُمُّوا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مُجتازين. و((الأكلة)): أرباب الثمار، وأقاربهم، وجيرانهم. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف(١). (فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا)) (أَوْ) للشكّ (تَدَعُوا) أي تتركوا. وقوله (الثُّلُثَ) بالنصب تنازعه الفعلان قبله (شَكَّ شُعْبَةُ) بن الحجّاج في لفظ خُبيب شيخِهِ، هل هو ((تأخذوا))، أو هو (تدعوا))، ومعنى ((فإن لم تأخذوا)) -والله أعلم -: أي إن لم تأخذوا ثلث الثمار في الاستثناء، بمعنى أنهم لم يروا استثناء الثلث مناسبًا؛ لكثرته حيث كانت حاجة صاحب الثمار قليلةً، فيكون بمعنى («تَدَعُوا الثلث)) ( ((فَدَعُوا الرُّبُعَ))) أي اتركوا لهم ربع الزكاة؛ ليتصدّقوا بأنفسهم، أو ربع الثمار، فلا يؤخذ عليه زكاة، على ما تقدّم من الاحتمالين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن أبي حثمّة رَّ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وقد قال ابن القطّان لا يُعرف؟. [قلت]: إنما حكمت بصحّته لأمرين: (أحدهما): أن عبد الرحمن قال فيه البزار: إنه معروف، ووثقه ابن حبّان. (الثاني): أن له شواهد یصحّ بها: (فمنها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أبي حميد الساعدي تَّه، قال: غزونا مع النبي وَّر، غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى، إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبيِ وَِّ لأصحابه: ((اخرُصُوا))، وخَرَصَ رسولُ اللَّه ◌ُ له، عشرة أوسق، فقال لها: (١) - ((المغني)) ج ٤ ص١٧٧ -١٧٨. ٢١٣ ٢٦- (كَمْ يَتْرُكُ الخَارِصُ) - حديث رقم ٢٤٩١ ((أحصي ما يخرج منها)) ... وفيه: فلما أتى وادي القرى، قال للمرأة: ((كم جاء حديقتك؟))، قالت: عشرة أوسق، خَرْصَ رسول اللَّه وَله ... الحديث بطوله. (ومنها): ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ويأتي للمصنف برقم ٢٦١٨/١٠٠ عن سعيد بن المسيّب، عن عتّاب بن أَسيد رَ فيه: أمر رسول اللَّه وَل ◌ّر أن يُخرص العنب، كما يُخرص النخل، وتؤخذ زكاته زَبيبًا، كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا)). [فإن قلت]: هذا غير صحيح، لأنه منقطعٌ، فقد قيل: إن عتابًا لم يسمع منه ابن المسيّب، فإنه مات يوم مات أبو بكر الصدّيق تؤيت، على ما قاله الواقديّ، وسعيد إنما وُلد لسنتين مضتا من خلافة عمر رَشه . [قلت]: دعوى عدم الصحة فيه غير صحيحة؛ لأمرين: (الأول): أن دعوى الانقطاع فيه مبنيّ على قول الواقديّ: إنه مات يوم مات أبو بكر، والواقديّ ضعيف، والراجح أن عثّابًا كان من عمّال عمر تًَّا، وإنما توفّي في أواخر حياته . قال الحافظ رحمه الله تعالى في ترجمة عّب تَظّم: روى الطيالسيّ، والبخاريّ في ((تاريخه)) من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار(١)، عن عمرو بن أبي عقرب(٢)، سمعت عتّابًا، فذكر حديثًا، وإسناده حسنٌ، ومقتضاه أن عتّابًا تأخرت وفاته عما قال الواقديّ؛ لأن عمرو بن أبي عقرب ذكره البخاريّ في التابعين، وقال: سمع عتّابًا. ويؤيّد ذلك أن الطبريّ ذكر عتّابًا فيمن لا يُعرف تاريخ وفاته، وقال في ((تاريخه)): إنه كان والي عمر سنة عشرين، وذكره قبل ذلك في سني عمر، ثم ذكره في سنة (٢٢) ثمّ قال في مقتل عمر سنة (٢٣) قتل، وعامله على مكّة نافع بن عبد الحارث انتهى. فهذا يُشعر بأن موت عتّاب كان في أواخر سنة (٢٢) أو أوائل سنة (٢٣)، فعلى هذا فيصحّ سماع سعيد بن المسيّب منه انتهى كلام الحافظ(٣). (الثاني): أن مرسلات سعيد بن المسيّب من أصحّ المراسيل، كما نُقِل عن الشافعيّ، وأحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وغيرهم من أئمة كبار المحدثين، انظر ((شرح علل الترمذيّ)) للحافظ ابن رجب في بحث المرسل ص١٧٩ - ١٨٦ . بتحقيق صبحي السامرائيّ. (١) - ترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ج٢ ص٢٥٢، وقال: روى عنه عبدالله وخالد ابنا أبي عثمان، يعدّ في البصريين انتهى. ووثقه ابن حبّان. (٢) - ترجمه البخاريّ في ((التاريخ الكبير)) ج٦ ص٣٥٦. (٣) - ((تهذيب التهذيب)) ج٣ ص٤٨ . ٢١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ فظهر بهذا أن الحديث أقلّ أحواله أن يكون حسنًا. والله تعالى أعلم. (ومنها): حديث ابن عمر تَّا في ((صحيح ابن حبّان)): أن رسول اللّه وَله غلب أهل خيبر على الأرض، والزرع، والنخل، فصالحوه، وفيه: فكان ابن رواحة يأتيهم، فيخرصها عليهم، ثم يضمّنهم الشطر)). (ومنها): حديث جابر رَّه قال: أفاء الله على رسوله وَ له بني النضير، فأقرّهم رسول اللَّه ويسير على ما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة، فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر اليهود أنتم أبغض الناس إليّ، قتلتم أنبياء الله، وكَذَبتم على اللَّه، وليس شيء يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عليكم عشرين ألف وسق من تمر، إن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قالوا: قد أخذنا، فاخرجوا عنّا. رواه البيهقيّ بسند رجاله ثقات(١). فثبت بما ذُكر أن حديث الباب صحيح. والله تعالى أعلم . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦/ ٢٤٩١- وفي ((الكبرى))٢٢٧٠/٢٧. وأخرجه (ت) في ((الزكاة)) ٦٤٣ (أحمد) في ((مسند المكيين))، و((مسند المدنيين)) ١٥٦٦٢ (الدارميّ) في ((البيوع)) ٢٦١٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف، وهو بيان ما يتركه الخارص، وهو الثلث، أو الربع على حسب ما يراه (ومنها): مشروعية الخرص، خلافًا لمن نفاه، كما سيأتي في المسألة التالية (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها على المكلّفين، حيث تراعي أحوال الجميع، وتدفع عنهم الحرج، فلَمّا كان بعض أرباب الثمار يتحرّجون عن التصرف في ثمارهم حيث تعلّقت به حقوق الفقراء، ويتساهل بعضهم، فيتصرّف بغير حدّ، ويُضَيّق على الفقراء حقوقهم شُرع الخرص رعايةً لمصلحة الجانبين، وهذا من فضل الله تعالى (ومنها): أن الخارص عليه أن يراعي حاجة أرباب الثمار، فمن كانت حاجته أكثر من غيره، يترك له الثلث، ومن كان أقلّ يترك له الربع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الخرص: ذهب أكثر أهل العلم إلى مشروعيّة الخرص في العنب والنخل، منهم عمر بن (١) - ((السنن الكبرى)) ج٤ ص١٢٣. ٢١٥ _ ٢٦- (كَمْ يَتْرُكُ الخَارِصُ) - حديث رقم ٢٤٩١ الخطّاب، وسهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، وعطاء، والزهريّ، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور. ثم اختلفوا، هل هو واجبٌ، أو مستحب؟ فقال الشافعيّ في أحد قوليه بوجوبه، مستدلا بما في حديث عتّاب بن أَسيد: أمر رسول اللَّه وَ الهر أن يُخرص العنب، كما يُخرص النخل، ويؤخذ زكاته زبيبًا)). رواه أحمد، وأصحاب السنن. قال الصنعانيّ رحمه الله تعالى: والحديث دليلٌ على وجوب خرص التمر والعنب؛ لأن قول الراوي: ((أمر)) يُفهم منه أنه أتى بَله بصيغة تفيد الأمر، والأصل فيه الوجوب انتهى. وقال الجمهور: هو مستحبّ، وهي رواية عن الشافعيّ، إلا إن تعلّق به حقٍّ لمحجور مثلًا، أو كان شركاؤه غير مؤتمنين، فيجب لحفظ مال الغير. وروي عن الشافعيّ أنه جائز فقط. وقال الشعبيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: الخرص مكروه. وقال الشعبيّ: الخرص بدعة. وقال الثوريّ: خرص الثمار لا يجوز. وقال ابن رُشد: قال أبو حنيفة، وصاحباه: الخرص باطلٌ، وعلى ربّ المال أن يؤذي عشر ما تحصّل بیده، زاد علی الخرص، أو نقص منه. واستدلّ الجمهور لمشروعيّة الخرص بالأحاديث المتقدّمة في المسألة الأولى. وأجاب الحنفيّة عنها بوجوه: (الأول): الكلام في أسانيدها. قال ابن العربيّ: ليس في الخرص حديث صحيح، إلا حديث أبي حميد الساعديّ عند الشيخين، ويليه ما روي في خرص ابن رواحة على أهل خيبر. وتُعقّب بأن حديث سهل بن أبي حثمة صحيح، وحديث عتّاب حسنٌ، كما تقدّم البحث عنهما مستوفىّ. (الثاني): أنه منسوخ بنسخ الربا. قال الخطابيّ: قال بعض أصحاب الرأي إنما كان جوازه قبل تحريم الربا والقمار. وتعقّبه في ((المعالم)) (٤٤/٢) بأن تحريم الربا والقمار والميسر متقدّم، والخرص عُمل به في حياة النبيّ وَلّر حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا عن التابعين خلاف فيه، إلا عن الشعبيّ انتهى. وقال الإمام ابن القيّم في ((إعلام الموقّعين)): ((المثال التاسع والعشرون)) ردّ السنّة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة، والعرايا، وغيرها، إذا بدا صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص، ثم قال: فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٢١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ اَْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزُْ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، قالوا: والخرص من القمار والميسر، فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار. وهذا من أبطل الباطل، فإن الفرق بين القمار والميسر، والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمذكّى، وقد نزّه اللَّه رسوله وَله، وأصحابه عن تعاطي القمار، وعن شرعه، وإدخاله في الدين، ويا للَّه العجب أكان المسلمون يُقامرون إلى زمن خيير، ثم استمرّوا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة، وعصر التابعين على القمار، ولا يعرفون أنّ الخرص قمار حتى بيّنه بعض فقهاء الكوفة، هذا والله الباطل حقًّا. انتهى كلام ابن القيم. وقد ذكر صاحب ((المرعاة)) ما تعلّق به الحنفيّة في ردّ أدلّة الخرص كلها وناقشها كلّها، فأجاد، وأفاد، فراجعه في ج٦ص١٥١- ١٥٤ . تستفد. وبالله تعالى التوفيق. [تنبيهان]: (الأول): اختلف القائلون بالْخَرْص، هل يختصّ بالنخل، أو يُلحق به العنب، أو يعمّ كلّ ما ينتفع به رطبًا وجافًّا؟ وبالأول قال شُريح القاضي، وبعض أهل الظاهر. وبالثاني قال الجمهور. وإلى الثالث نحا البخاريّ. قال الجامع: مذهب الجمهور عندي أرجح، لصحة الأدلّة به. والله تعالى أعلم. وهل يمضي قول الخارص، أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول قول مالك، وطائفة. والثاني قول الشافعيّ، ومن تبعه. قال الجامع: قول مالك عندي أظهر. والله تعالى أعلم. وهل يكفي خارصٌ واحد عارف ثقةٌ، أو لابدّ من اثنين؟ وهما قولان للشافعيّ، والجمهور على الأول. قال الجامع: قول الجمهور هو الموافق لظاهر أحاديث الخرص. والله تعالى أعلم. واخْتُلف أيضًا، هل هو اعتبار، أو تضمينٌ؟ وهما قولان للشافعيّ، أظهرهما الثاني. وفائدته جواز التصرّف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أُخذت منه الزكاة بحساب ما خُرص. (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ١١٢ . -٢١٧ ٢٨- (قَوْلُهُ عز وجل: ﴿وَلَا تَعَّمُوا ... - حديث رقم ٢٤٩٢ ٢٨- (قَوْلُهُ عز وجل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] ٢٤٩٢ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ، الْتَخْصِِّيُّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِيَ أَبُو أَمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُتَيْفٍ، فِي الْآَيَّةِ الَّتِي، قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ أَلْخِيثَ مِنْهُ تُنِفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قَالَ: هُوَ الْجُعْرُورُ، وَلَوْنُ حُبَيْقٍ، فَتَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، أَنْ تُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ الرُّذَالَةُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [١٠]٤٤٩/١ . ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠]٩/٩. ٣- (ابن وهب) عبد الله، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد[٩]٩/٩. ٤- (عبد الجليل بن حُميد الْتَخصَبيّ) أبي مالك المصريّ، لا بأس به [٧]. قال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أحمد بن رِشْدِين، عن أحمد بن صالح: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٢٦٢٠) ((إن الله تعالى كتب عليكم الحج .. )) الحديث. [تنبيه]: ((اليحصبيّ)) -بفتح الياء، وسكون الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة، وموحّدة -: نسبة إلى قبيلة من حمير. هكذا ذكر نحو هذا الضبط في ((لبّ اللباب)ج٢ ص٣٣٨. والذي في ((القاموس)) أنه مثلّث الصاد، والنسبة مثلثة أيضًا، لا بالفتح فقط، كما زعم الجوهريّ انتهى. ٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة [٤]١/١. ٦- (أبو أمامة بن سهل بن حُنيف) اسمه أسعد الأنصاري، مشهور بکنیته، له رؤية، ولم يسمع، مات سنة مائة، وله (٩٢) سنة ٥٠٩/٨ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال ٢١٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الصحيح، غير الحارث، فإنه من أفراد المصنف، وأبي داود، وغير عبد الجليل، فإنه من أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عبد الجليل، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: ابن شهاب، عن أبي أمامة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن ابن شهاب الزهريّ رحمه اللَّه تعالى، أنه قال (حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلٍ ابْنِ حُنَيْفٍ) له رؤية، ولم يسمع من النبيّ رَّت، وتقدم في -٥٠٩/٨ . وأبوه صحابيّ مشهور دائما . هكذا في رواية المصنف رحمه الله تعالى مرسلًا، وقد صحّ متصلًا بذكر أبيه، كما سنذكره في المسألة الأولى، إن شاء اللّه تعالى. (فِي الْآيَةِ الَّتِي) متعلّق بـ((حدثني))، أي حدثني فيما يتعلّق بمعنى هذه الآية (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) جملة القول صلة الموصول بتقدير عائد، أي قال الله عز وجل فيها (وَلَا تَيَمَّمُوا) بحذف إحدى التاءين، والأصل تتيمّموا، فحذفت إحدى التاءين، تخفيفًا، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَزْ واختُلف، هل المحذوفة هي الأولى؛ وعليه الكوفيّون؛ لأن الثانية لمعنى المطاوعة، وحذفها يُخلّ به، أو الثانية وعليه البصريون؛ لحصول الثقل بها. وحكى الطبريّ، والنّحاس أن في قراءة عبد الله: ((ولا تَأَمَّمُوا))، وهما لغتان. وقرأ مسلم بن جندب: ((ولا تُيَمِّمُوا)) بضمّ التاء، وكسر الميم. وقرأ ابن كثير ((ولاتَّيَمَّمُوا)) بتشديد التاء. وفي اللفظة لغات: منها ((أَمَمْتُ الشيءَ)) مخففة الميم الأولى، و((أَمَّمْتُه)) بتشديدها، و((يَمَّمته، وتَيَمَّمْتُه)). وحكى أبو عمر أن ابن مسعود قرأ ((ولا تُؤَمِّمُوا)) بهمزة بعد التاء المضمومة. ذكره القرطبيّ(١). أي لا تقصدوا (الْخَبِيثَ) أي الرديء (مِنْهُ) أي من المذكور، في قوله: ﴿مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِعَآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾، فإفراد الضمير باعتبار المذكور، فالجارّ والمجرور نعت للخبيث، أو حال منه. ويحتمل أن يكون متعلّقا بقوله (تُنْفِقُونَ) والجملة حال من ضمير ((تيمّموا)). وتمام الآية: ﴿وَلَسْتُم بَِاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُفْمِضُواْ فِيَةٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ (١) - تفسير القرطبيّ ج ٣ ص٣٢٦. ٢١٩ = ٢٨ - (قَوْلُهُ عز وجل: ﴿وَلَا تَيَنَّمُوا ... - حديث رقم ٢٤٩٢ [البقرة: ٢٦٧] ومعنى قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِحَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْرِضُواْ فِيهٍ﴾ أي لستم بآخذيه في ديونكم، وحقوقكم من الناس إلا أن تتساهلوا في ذلك، وتتركوا من حقوقكم، وتكرهونه، ولا ترضونه. أي فلا تفعلوا مع اللّه تعالى ما لا ترضونه لأنفسكم. قال معناه البراء بن عازب، وابن عبّاس، والضحاك . وقال الحسن: معنى الآية: ولستم بآخذيه، ولو وجدتموه في السوق يُباع إلا أن يُضَم لكم من ثمنه. وروي نحوه عن عليّ ◌َّ. قال ابن عطية: وهذان القولان يُشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة. قال ابن العربيّ: لو كانت في الفرض لما قال: ﴿وَلَسْتُم بِحَاخِذِيهِ﴾، لأن الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال، لا مع تقدير الإغماض، ولا مع عدمه، وإنما يؤخذ مع عدم الإغماض في النفل. وقال البراء بن عازب أيضًا: معناه: ﴿وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ﴾ أي لو أُهدي لكم ﴿إِلَّ أَنْ تُفْرِضُواْ فِيهِ﴾ أي تستحيي من المهدي، فتقبل منه ما لا حاجة له به، ولا قدر له في نفسه. قال ابن عطية: وهذا يُشبه كون الآية في التطوّع. وقال ابن زيد: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تُغمضوا في مكروهه. ومعنى قوله: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَسَمِيدٌ﴾: أي إنّ اللَّه عز وجل غنيّ عن صدقاتكم، لا حاجة به إليها، فمن تقرّب، وطلب مثوبة، فليفعل ذلك بما له قَدْرٌ، وبَالٌ، فإنما يُقدّم لنفسه. ومعنى ((حميد)): محمود في كلّ حال. أفاده القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(١). (قَالَ: هُوَ الْجُعْرُورُ) -بضمّ الجيم، وسكون العين المهملة، بوزن عُصْفُور -: ضربٌ من التمر صِغَارٌ، لا يُنتفع به. وقال الأصمعيّ: الْجُعْرُورُ ضرب من الدَّقَلِ يَحْمِلُ رُطَبًا صِغَارًا، لا خير فيه. ذكره في ((اللسان)) (وَلَوْنُ حُبَيْقٍ) -بضمّ الحاء المهملة، وفتح الموحّدة -: تمر صغير، رديء، أغبر، فيه طولٌ، منسوبٌ إلى ابن حُبيق، اسم رجل. وقال في ((اللسان)): وعِذْقُ الْحُبيق - مصغّرٌ -: نوع من التمر رديء، منسوب إلى ابن حُبيق، وهو تمر أغبر، صغيرٌ، مع طول فيه. يقال: حُبِيقٌ، ونُبَيَقٌ، وذوات الْعُنَيق لأنواع من التمر، والنَُّيق أغبر مُدوّرٌ، وذوات العُنَيق لها أعناقٌ، مع طول، وغُبْرَة، وربّما اجتمع ذلك كلّه في عِذْقٍ واحدٍ انتهى بتصرّف . والمعنى أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ هذان الصنفان من التمر. والله تعالى أعلم. (فَتَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَ، أَنْ تُؤْخَذَ) بالبناء للمفعول. وفي نسخة: ((يأخذ)) (فِي الصَّدَقَةِ) (١) - ((تفسير القرطبيّ)) ج٣ص٣٢٦-٣٢٨. ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ نتعلّق بما قبله (الرُّذَالَةُ) نائب فاعل ((تُؤخذ)). وهو بضمّ الراء، بعدها ذال معجمة: الرديء. يعني أنه وَل نهى عن أخذ الرديء في الزكاة مطلقًا، سواء كان في التمر، أو في غيره. ووقع في النسخة ((الهنديّة)): ((الرزالة)) بالزاي المعجمة، بدل الذال المعجمة، وهو تصحيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أمامة بن سهل تَّ هذا صحيح. [فإن قلت]: کیف یصحّ، وهو مرسل؟ [قلت]: قد رُوي متّصلًا بذكر أبيه، فقد أخرجه أبو داود في ((سننه))، فقال: ١٦٠٧ حدثنا محمد بن یحیی بن فارس، حدثنا سعيد بن سلیمان، حدثنا عباد، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، قال: ((نهى رسول اللَّهِ وَِّ، عن الْجُعْرُور، ولون الْحُبَيق، أن يؤخذا في الصدقة)). قال الزهري: لونين من تمر المدينة. وقد أخرجه الحاكم، والدارقطنيّ بأتمّ من هذا، ولفظه: قال: أمر رسول اللَّه وَالتل بصدقة، فجاء رجلٌ من هذا السُّخِّل بكَبَائس - قال سفيان: يعني الشّيصَ - فقال: ((من جاء بهذا؟))، وكان لا يجيء أحدٌ بشيء إلا نُسِب إلى الذي جاء به، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾، قال: ونهى رسول اللّه وَ له عن الْجُعْرُور، ولون الْحُبَيق أن يؤخذا في الصدقة)). قال الزهريّ: لونين من تمر المدينة. و ((السُّخِّل)) -بضمّ السين المهملة، وتشديد الخاء المعجمة المفتوحة -: الشّيص، كما قال سفيان. و((الكبائس)) جمع كِبَاسة -بكسر الكاف -: الْعِذْق، وهو من التمر کالعُنقُود من العنب. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في إسناده سُفيان بن حُسين، قد ضعفُوه في الزهريّ، لكن تابعه سليمان بن كثير، كما أشار إليه أبو داود بعد أن أخرجه من طريقه، فقال: وأسنده أيضا أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهريّ. انتهى. ورواية سليمان أخرجها الدارقطنيّ في ((سننه))، فقال: حدّثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبو الوليد، ثنا سليمان بن كثير، ثنا الزهريّ، عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنيف، عن أبيه، أن رسول اللَّه وَلّى: ((نهى عن لونين من التمر: الْجُعْرُور،