النص المفهرس
صفحات 161-180
١٨- (بابُ زکاة الورِقِ) - حدیث رقم ٢٤٧٣
١٦١=
هذا مقيّد بغير صدقة الفطر، فقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، فقال:
٩٨٢ -حدثني أبو الطاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن عيسى، قالوا:
حدثنا ابن وهب، أخبرني مَخْرَمَة، عن أبيه، عن عراك بن مالك، قال: سمعت أبا
هريرة، يحدث عن رسول اللَّه وَ لغيره، قال: ((ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر)).
قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): هذا صريح في وجوب صدقة الفطر على
السيّد عن عبده، سواء كان للقنية، أم للتجارة، وهو مذهب مالك، والشافعيّ،
والجمهور. وقال أهل الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة. وحكي عن داود أنه قال: لا
تجب على السيّد، بل تجب على العبد ، ويلزم السيّد تمكينه من الكسب ليؤذيها، وحكاه
القاضي عن أبي ثور أيضًا. ومذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء أن المكاتب لا فطرة
عليه، ولا على سيّده. وعن عطاء، ومالك، وأبي ثور وجوبها على السيّد، وهو وجه
لبعض أصحاب الشافعيّ؛ لقوله وَلفر: ((المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم(١))). وفيه وجه
أيضًا لبعض أصحابنا أنها تجب على المكاتب؛ لأنه كالحرّ في كثير من الأحكام انتهى
كلام النوويّ(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٤٧٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِّمِ صَدَقَّةٌ، فِي غُلَامِهِ، وَلَا فِي
فَرَسِهِ»).
((حماد)): هو ابن زيد. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه قريبًا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٨- (بَابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على وجوب الزكاة في الفضّة.
قال في ((المصباح المنير)): ((الْوَرِقُ -بكسر الراء، والإسكان للتخفيف -: النُّقْرَةُ -أي
(١) - حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والبيهقي، من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.
(٢) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص٥٨-٥٩ .
١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الفضّة- المضروبة، ومنهم من يقول: النُّقْرة مضروبةً كانت، أو غير مضروبة. قال
الفارابيّ: الْوَرِقُ: المال، من الدراهم، ويُجمع على أوراق انتهى.
وقال في ((لسان العرب)): والْوَرِقُ -بفتح، فكسر - والْوِزْقُ - بكسر، فسكون-
والْوَزْقُ -بفتح، فسكون- والرِّقَةُ: الدراهم، مثلُ كَبِدٍ، وكِبْدٍ، وكَبْدٍ، وكَلِمَة، وكِلْمَةٍ،
وكَلْمَةٍ؛ لأن منهم من ينقل كسرة الراء، إلى الواو بعد التخفيف، ومنهم من يتركها على
حالها. وفي ((الصحاح)): الْوَرِقُ: الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء عوض من
الواو. وحُكِي في جمع الرِّقَة رِقَات، قال ابن بَرِّيٍّ: شاهد الرّقَة قول خالد بن الوليد يوم
مُسَيْلِمَة :
إِنَّ السِّهَامَ بِالرَّدَى مُفَوَقَة وَالْحَزْبُ وَزْهَاءُ الْعِقَالِ مُطْلَقَةْ
وَخَالِدٌ مِنْ دِينِهِ عَلَى ثِقَهْ لَا ذَهَبٌ يُثْجِيكُمُ وَلَا رِقَهْ
وقال أبو عبيدة: الورق: الفضّة، كانت مضروبةً كدراهم، أو لا. وقال شَمِرٌ:
الرّقَة: العين، يقال: هي من الفضّة خاصّة. وقال ابن سِيدَه: والرقة الفضّة، والمال
(عن ابن الأعرابيّ). وقيل: الذهب والفضّة (عن ثعلب). انتهى ((لسان العرب))
بتصرّف .
وقال النوويّ في ((شرح المهذّب)): و((الرقة)) - بتخفيف القاف، وكسر الراء -: هي
الوَرِقُ، وهو كلّ فضّة. وقيل: الدراهم خاصّة. وأما قول صاحب ((البيان)): الرقة هي
الذهب والفضّة، فغلط فاحشّ. ولم يقل أصحابنا، ولا أهل اللغة، ولا غيرهم: إن
الرقة تطلق على الذهب، بل هي الوَرِقُ انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن يردّ قوله: ((ولا أهل اللغة)) ما مرّ عن ثعلب أنها
تطلق على الذهب والفضّة، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٧٣ - (أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى -وَهُوَ
ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتِى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَهُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ(٢) أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ(٣) ذَوْدٍ صَدَقَةٌ،
وَلَيْسَ (٤) فِيمَا دُونَ خَمْسِةِ (٥) أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ))) .
(١) - ((المجموع)) ج٥ص٤٨٨ .
(٢) -وفي بعض النسخ: ((خمس))، والأول أولى.
(٣) -وفي بعض النسخ: ((خمسة)).
(٤) -وفي بعض النسخ: ((ولا)) بدل ((ليس)).
(٥) -وفي بعض النسخ: ((خمس))، والأول أولى.
١٦٣ =
١٨- (بابُ زكاة الورق) - حديث رقم ٢٤٧٣
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((يحيى بن حبيب بن عربيّ)) البصريّ ثقة [١٠]٧٥/٦٠. و((عمرو بن يحيى))
هو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ ثقة [٦]٨٠/ ٩٧ .
و((حمّاد)): هو ابن زيد. و((يحيى بن سعيد)): هو الأنصاريّ المدنيّ الفقيه الثقة [٥].
و((والد عمرو)): هو يحي بن عمارة بن أبي الحسن الأنصاريّ المازني، ثقة [٣]٨٠٪
٩٧ .
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في -٢٤٤٥/٥ - وبقي
الكلام على ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى هنا، وهو وجوب زكاة الورِقِ، وفيه
مسائل :
(المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حكم زكاة الفضّة، والذهب، والجواهر:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: تجب الزكاة في الذهب بالإجماع، ودليل المسألة
النصوص، والإجماع ، وسواء فيهما المسبوك، والتبر، والحجارة منهما، والسبائك،
وغيرها من جنسها، إلا الحليّ المباح، على أصحّ القولين.
قال: ولا زكاة فيما سوى الذهب، والفضة من الجواهر، كالياقوت، والفيروز،
واللؤلؤ، والمرجان، والزّمرّد، والزبرجد، والحديد، والصفر، وسائر النحاس،
والزجاج، وإن حسنت صنعتها، وكثرت قيمتها، ولا زكاة أيضًا في المسك، والعنبر.
قال الشافعيّ رحمه الله تعالى في ((المختصر)): ولا في حلية بحر. قال أصحابنا: معناه:
كلّ ما يستخرج منه، فلا زكاة فيه. ولا خلاف في شيء من هذا عندنا.
وبه قال جماهير العلماء، من السلف وغيرهم. وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن
البصريّ، وعمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وأبي يوسف، وإسحاق بن راهويه أنهم
قالوا: يجب الخمس في العنبر، قال الزهريّ: وكذلك اللؤلؤ. وحكى أصحابنا عن
عبد الله بن الحسن العنبريّ أنه قال: يجب الخمس في كلّ ما يخرج من البحر، سوى
السمك. وحكى العنبريُّ وغيره عن أحمد روايتين: إحداهما: كمذهب الجماهير.
والثانية: أنه أوجب الزكاة في كلّ ما ذكرنا إذا بلغت قيمته نصابًا حتى في المسك
والسمك(١).
ودليلنا الأصل أن لا زكاة إلا فيما ثبت الشرع فيه. وصحّ عن ابن عباس رَّهنا أنه
قال: ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء دَسَرَه البحر. وهو بدال وسين مهملتين
(١) - القول الأول الذي عليه الجماهير هو المختار في مذهب أحمد رحمه الله تعالى. انظر ((المغني))
ج٥ ص٢٤٤ .
١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
مفتوحتين: أي قذفه ودفعه. فهذا الذي ذكرناه هو المعتمد في دليل المسألة، وأما
الحديث المرويّ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ وَّل: ((لا زكاة في
حجر)). فضعيفٌ جدًّا، رواه البيهقيّ، وبيّن ضعفه (١) انتهى ما قاله النوويّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب ما قاله الجمهور من عدم وجوب الزكاة في
غير الذهب والفضّة؛ لما ذكره النوويّ، ولأنه - كما قال ابن قدامة -: قد كان يُخرَج
على عهد رسول اللّه وَطير، وخلفائه، فلم تأت فيه سنّة عنه، ولا عن أحد من خلفائه من
وجه يصحّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في أقوال أهل العلم في نصاب الذهب والفضّة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم على أن نصاب الفضّة مائتا
درهم، وأن فيه خمسة دراهم، واختلفوا فيما زاد على المائتين، فقال الجمهور: يُخرج
مما زاد بحسابه ربع العشر، قلّت أم كثرت.
وممن قال به عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، والنخعيّ، ومالك، وابن أبي ليلى،
والثوريّ، والشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد.
قال: وقال سعيد بن المسيّب، وطاوس، والحسن البصريّ، والشعبيّ، ومكحول،
وعمرو بن دينار، والزهريّ، وأبو حنيفة: لا شيء في الزيادة على مائتين حتى تبلغ
أربعين، ففيها درهم.
قال ابن المنذر: وبالأول أقول. ودليل الوجوب في القليل والكثير قوله وَلقّ: ((في
الرقة ربع العشر)). أخرجه البخاريّ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وبما رجّحه ابن المنذر أقول؛ لوضوح دليله. والله
تعالى أعلم.
قال النوويّ: وأما الذهب فمذهبنا أن نصابه عشرون مثقالًا، ويجب فيما زاد بحسابه
ربع العشر، قلّت الزيادة أم كثرت، وبه قال الجمهور من السلف والخلف.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا، وقيمتها مائتا درهم
وجبت فيه الزكاة، إلا ما اختلف فيه عن الحسن، فروي عنه هذا، وروي عنه أنه لا زكاة
(١) - وسبب ضعفه كما نبّه عليه البيهقيّ أنّ الذين رووه عن عمرو بن شعيب كلهم ضعفاء. انتهى.
قلت: رواه عنه عمر بن أبي عمر الكلاعيّ الدمشقيّ، وهو منكر الحديث. وعثمان بن
عبدالرحمن الوقاصيّ، قال أبو حاتم: متروك الحديث ذاهب. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه،
يكذب. ومحمد بن عبيدالله العززَميّ، متروك.
(٢) - ((المجموع) ج٥ ص٤٨٩-٤٩٠.
١٦٥
١٨- (بابُ زکاة الورق) - حدیث رقم ٢٤٧٣
فيما هو دون أربعين مثقالًا، لا تساوي مائتي درهم.
واختلفوا فيما دون عشرين إذا ساوى مائتي درهم، فقال كثير منهم: لا زكاة فيما دون
عشرين، وإن بلغت مائتي درهم، وتجب في عشرين، وإن لم تبلغها.
وممن قال به عليّ بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، وعروة،
والنخعيّ، والحكم، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والشافعيّ، وأبو حنيفة،
وأبو یوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد.
وقال طاوس، وعطاء، والزهريّ، وأيوب، وسليمان بن حرب: يجب ربع العشر
في الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالًا، ولا شيء في
الزيادة حتى تبلغ أربعة دنانير.
وأما إذا كانت الفضّة تنقص عن مائتي درهم، والذهب ينقص عن عشرين مثقالًا
نقصًا يسيرًا جدًّا بحيث يروج رواج الوازنة، فلا زكاة في مذهب الشافعيّ، وبه قال
إسحاق، وابن المنذر، والجمهور. وقال مالك: تجب انتهى كلام النوويّ بتصرّف(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مذهب الجمهور عندي أرجح. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في ضمّ تكميل نصاب الدراهم بالدنانير، والعكس:
قال النووي رحمه الله تعالى أيضًا: مذهبنا أنه لا يكمّل نصاب الدراهم بالذهب، ولا
عكسه، حتى لو ملك مائتين إلا درهما، وعشرين مثقالًا، إلا نصفًا، أو غيره فلا زكاة
في واحد منهما.
وبه قال جمهور العلماء(٢). حكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح،
وشريك، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عُبيد.
قال ابن المنذر: وقال الحسن، وقتادة، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومالك، وأبو
حنيفة، وسائر أصحاب الرأي: يضمّ أحدهما إلى الآخر. واختلفوا في كيفيّة الضمّ:
فقال الأوزاعيّ: يخرج ربع عشر كلّ واحد، فإذا كانت له مائة درهم، وعشرة دنانير
أخرج ربع عشر كلّ واحد منهما.
وقال الثوريّ: يضمّ القليل إلى الكثير. ونقل العبدريّ عن أبي حنيفة، أنه قال: يضمّ
الذهب إلى الفضّة بالقيمة، فإذا كانت له مائة درهم، وله ذهب قيمته مائة درهم وجبت
الزكاة، قال: وقال مالك، وأبو يوسف، وأحمد: يضمّ أحدهما إلى الآخر بالأجزاء،
(١) - ((المجموع" ج٥ص٥٠٣ -٥٠٤ .
(٢) - فيه نظر، فإن المذهب الآخر أيضا فيه الجمهور، بل الظاهر أنهم أكثر من هؤلاء.
١٦٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
فإذا كان معه مائة درهم، وعشرة دنانير، أو خمسون درهمًا، وخمسة عشر دينارًا ضمّ
أحدهما إلى الآخر، ولو كان له مائة درهم، وخمسة دنانير، قيمتها مائة درهم، فلا
ضم.
قال النوويّ: دلينا قوله ◌َالغير: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)). انتهى
كلام النوويّ(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بعدم الضمّ أرجح؛
لأن الورق في اللغة يُطلق على الدرهم فقط، ولا يطلق على الدينار، فالحديث المذكور
يدلّ على أنه لا يجب فيما دون خمس أواق من الدراهم زكاة، فلو كان الضمّ معتبرًا لبيّنه
والحاصل أن الدراهم، والدنانير يعتبر تمام نصاب كلّ منهما بمفرده. واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ضبط: ((الأواق))، ومعناها:
قال الإمام ابن الملقّن رحمه الله تعالى: ((الأواق)) جمع أوقيّة - بتشديد الياء- ويقال
في كلّ جمع إذا كان مفرده مشدّدًا -بتشديد الياء، وتخفيفها- كالأواقيّ، والبَخَانيّ،
والكَرّاسيّ، وما أشبه ذلك. قال ذلك ابن السّكْيت، والجوهريّ. وقد ثبت في هذا
الحديث في الجمع حذف الياء، فيصير في الجمع للأوقية ثلاث لغات: التشديد،
والتخفيف، والحذف.
والأوقيّة بضمّ الهمزة. وأنكر جمهور أهل اللغة حذف الهمزة. وحكى اللحيانيّ جواز
فتح الواو، وتشديد الياء، وجمعهما وَقَايَا، كضحيّة وضحايا. وفي ((مجمع الغرائب)):
وزنها أُفعولة، والهمزة زائدة، ولكنها لما لزمت في الواحد، والجمع صارت كالأصل،
وحقّها أن تُذكر في فصل الواو والقاف. وقيل: اشتقاقها من الأوقة، وهو موضع
منهبط، يجتمع فيه الماء. وقيل: هو من باب وقى يقي.
وأجمع العلماء، من المحدّثين، والفقهاء، واللغويين على أن المراد بالأوقيّة الشرعيّة
أربعون درهما، وهي أوقيّة الحجاز.
قال القاضي عياض: ولا يصحّ أن تكون الأوقيّة، والدراهم مجهولة في زمنه وَلَه
وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات، والأنكحة، كما ثبت في
الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يُبيّن أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى
(١) - ((المجموع" ج٥ص٥٠٤ .
١٦٧ =
١٨- (بابُ زكاة الورِقِ) - حدیث رقم ٢٤٧٣
زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كلّ عشرة سبعةً مثاقيل،
وزن الدرهم ستة دوانيق. قول باطل.
وإنما معنى ما نُقل في ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا
تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس، والروم، وصغارًا، وكبارًا، وقطع فضّة
غير مضروبة، ولا منقوشة، ويمنيّة، ومغربيّة، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام،
ونَقشِهِ، وتصييرها وزنا واحدًا، لا يختلف، وأعيانًا يُستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا
أکبرها، وأصغرها، وضربوه على وزنهم.
قال القاضي: ولا شكّ أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فکیف کان یتعلّق بها
حقوق الله تعالى، من الزكاة وغيرها، وحقوق العباد، ولهذا كانت الأوقيّة معلومة.
قال ابن الملقّن: وقال بعض أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا
الوزن المعروف، وهو أن الدراهم ستة دوانيق، وكلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم
يتغيّر المثقال في الجاهليّة ولا في الإسلام.
(واعلم): أن الدراهم كانت في الجاهليّة على نوعين مختلفين: بغليّة، وطبريّة، نوع
عليه نقش فارس، والآخر نقش الروم. فالبغليّة نسبة إلى ملك يقال له: رأس البغل،
وهي السود، كلّ درهم منها ثمانية دوانيق. والطبرية نسبة إلى طبرية الشام، وزن كلّ
درهم منها أربعة دوانيق، وهي العتق، فقدّر الشرع في الإسلام الدرهم ستة دوانيق،
جمعًا بينهما، ووقع الإجماع عليه من غير ضرب، وكانوا يتعاملون بهذا التقدير الشطر من
هذه، والشطر من هذه عند الإطلاق، ما لم يعيّنوا بالنصّ أحد النوعين، وكذلك كانو
يؤدّون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه، ومائة من هذه في النصاب. هكذا
قاله أبو عُبيد وغيره. وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث، ولم يُخالف في ذلك
أحدٌ إلا ابن حبيب الأندلسيّ، فإنه زعم أن كلّ بلد يتعاملون بعرفهم في الدراهم، وهو
خلاف قول الجمهور، ويَعضد قولهم ما ثبت أنه وَّ ر قال: ((الوزن وزن مكّة(١) وهذا
المقدار هو الذي كان أهل مكة يتعاملون به في عصره بَّر، فلما تمكّن الإسلام،
واتسع، ضُربت الدراهم على ضرب الإسلام تحرّجًا من تلك النقوش، وتحرّيًا لمعاملتهم
الإطلاقیّة، فتُسب التقدير إلى من ضربت في زمنه ابتداءً، ولیس کذلك، بل كان ذلك
إظهارًا للضرب، لا ابتداء تقدير.
واختلف في زمن من ابتدىء إظهار ذلك: فقيل: في زمن عمر بن الخطّاب. وقيل:
(١) - سيأتي للمصنف في - ٤٤/ ٢٥٢.
١٦٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
في زمن بني أُميّة انتهى كلام ابن الملقّن(١).
[تنبيه]: اختلف في مقدار النصاب في الذهب والفضة بالوزن المتعارف في الوقت
الحاضر :
وقد درس الدكتور يوسف القرضاوي -جزاه الله خيرًا- في كتابه ((فقه الزكاة)) دراسة
مطوّلة، قال في آخرها: ما حاصله:
نصاب الفضّة بالوزن الحديث هو ٩٧٥ و٢ط ٢٠٠ = ٥٩٥ من الجرامات، ونصاب
الذهب هو ٢٥ و٤ ط ٢٠ = ٨٥ جرامًا من الذهب.
فمن ملك من الفضة الخالصة -نقودًا، أو سبائك- ما يزن ٥٩٥ جرامًا وجبت عليه
فيه الزكاة: ٢,٥ بالمئة. انتهى(٢).
وكتب الشيخ أبو بكر الجزائريّ -حفظه الله- في رسالته ((زكاة العُمَل)) أن نصاب
الذهب بالجرام ٧٠ جرامًا ونصاب الفضة به ٤٦٠ جرامًا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: والأول هو الذي عليه غير واحد من المعاصرين، وما
قاله الشيخ الجزائريّ أحوط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في زكاة الوَرَقِ المالِيّ:
كتب الدكتور يوسف القرضاويّ جزاه الله تعالى خيرًا في هذه المسألة أيضًا بحثًا
نفيسًا، قال فيه:
لم تُعرف النقود الورقيّة إلّا في العصر الحاضر، فلا نطمع أن يكون لعلماء السلف
فيها حكم، وكلّ ما هنالك أن كثيرًا من علماء العصر يحاولون أن يجعلوا فتواهم تخريجًا
على أقوال السابقين، فمنهم من نظر إلى هذه النقود نظرة فيها كثير من الحرفيّة
والظاهريّة، فلم ير هذه نقودًا؛ لأن النقود الشرعيّة إنما هي الفضّة والذهب، وإذا لا زكاة
فيها .
وبهذا أفتى الشيخ عليش مفتي المالكيّة في مصر في عصره، فقد استُفتِي في حكم
(«الكاغد)» -الورق- الذي فيه ختم السلطان، ويُتعامل به كالدراهم والدنانير، فأفتى أن لا
زکاة فیه.
وكذا أفتى بعض الشافعيّة بأن لا زكاة فيها، حتى تقبض قيمتها ذهبًا، أو فضّة،
ويمضي على ذلك حولٌ بناءً على أن المعاملة بها حوالة غير صحيحة شرعًا؛ لعدم
الإيجاب والقبول اللفظيين.
(١) - الإعلام ج٥ص٣٢-٣٦.
(٢) - ((فقة الزكاة)) ج١ ص ٢٦٠.
١٦٩
١٨- (بابُ زکاةِ الوَرِقِ) - حديث رقم ٢٤٧٣
وفي كتاب ((الفقه على المذاهب الأربعة)) الذي ألّفته لجنة تمثّل علماء هذه المذاهب
في مصر نقرأ ما يأتي:
١- الشافعيّة قالوا: الورق النقديّ التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته،
فيملك قيمته دينًا على البنك، والبنك مليء مُقرَّ مستعدّ للدفع حاضرٌ، ومتى كان المدين
بهذه الأوصاف، وجبت زكاة الدين في الحال. وعدم الإيجاب والقبول اللفظيّين في
الحوالة لا يبطلها، حيث جرى العرف بذلك. على أن بعض أئمة الشافعيّة قال: المراد
بالإيجاب والقبول كلّ ما يُشعر بالرضا من قول أو فعل، والرضا محقّق.
٢- الحنفيّة قالوا: الأوراق الماليّة -البنكنوت- من قبيل الدين القويّ، إلا أنها يمكن
صرفها فضّة فورًا، فيجب فيها الزكاة فورًا.
٣- المالكيّة قالوا: أوراق البنكنوت، وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها
فضّة فورًا، وتقوم مقام الذهب في التعامل، فيجب فيها الزكاة بشروطها.
٤- الحنابلة قالوا: لا تجب زكاة الورق النقديّ إلا إذا صُرف ذهبًا أو فضّةً، ووجدت
فيه شروط الزكاة.
ومن هذه الأقوال المنسوبة إلى المذاهب، نعلم أن أساسها هو اعتبار هذه الأوراق
سندات دين على بنك الإصدار، وأنها يمكن صرف قيمتها فضّة فورًا، فتجب الزكاة فيها
فورًا عند المذاهب الثلاثة، وعند الصرف فعلًا على مذهب الحنابلة. ونحن نعلم أن
القانون أصبح يُعفي أوراق النقد المصرفيّة ((البنكنوت)) من أن يلتزم البنك صرفها بالذهب
والفضّة، وبهذا ينهار الأساس الذي بني عليه إيجاب الزكاة في هذه الأوراق.
هذا، مع أن هذه الأوراق أصبحت هي أساس التعامل بين الناس، ولم يعُذْ يرى
الناس العملة الذهبيّة قط، ولا الفضيّة، إلا في المبالغ التافهة، أما عماد الثروات،
والمبادلات، فهو هذه العملة الورقيّة.
إن هذه الأوراق أصبحت -باعتماد السلطات الشرعيّة إياها، وجريان التعامل بها-
أثمان الأشياء، ورؤوس الأموال، وبها يتمّ البيع والشراء، والتعامل داخل كلّ دولة،
ومنها تُصرَف الأجور، والرواتب، والمكافآت، وغيرها، وعلى قدر ما يملك المرء منها
يعتبر غناه، ولها قوّة الذهب والفضة في قضاء الحاجات، وتيسير المبادلات، وتحقيق
المكاسب والأرباح، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية، أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب
والفضّة .
صحيح أن الذهب والفضّة لهما قيمة ماليّة ذاتية من حيث إنهما معدنان نفيسان، حتى
لو بطل التعامل بهما نقدين لبقيت قيمتهما الماليّة معدنين، نعم هذا صحيح، ولكن الذي
١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
يفهم من روح الشريعة، ونصوصها أنها لم توجب الزكاة في الذهب والفضّة لمحض
ماليّتهما، إذ لم توجب الزكاة في كلّ مال، بل في المال المعدّ للنماء، والذهب والفضّة
إنما اعتبرهما الشارع مالًا معدًا للنماء من جهة أنهما ثمنان للأشياء، وقِيَمٌ لها، فالثمنيّة
مراعاة مع الماليّة أيضًا، ولهذا كان عنوان زكاة الذهب والفضة في كثير من الكتب ((زكاة
الأثمان))، أو ((زكاة النقدين)).
ومن أجل هذا لا يسوغ أن يقال للناس: إن بعض المذاهب لا يرى إخراج الزكاة عن
هذه الأوراق، وينسب ذلك إلى مذهب أحمد، أو مالك، أو الشافعيّ، أو غيرهم.
حتی
فالحقّ أن هذا أمر مستحدثٌ، ليس له نظير في عصر الأئمة المجتهدين
یقاس علیه، ويُلحق به.
والواجب أن يُنظر إليه نظرة مستقلّة في ضوء واقعنا، وظروف حياتنا وعصرنا.
وإني لأسجْل بالتقدير هنا ما كتبه، وأفتى به العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف
العدويّ رحمه اللّه تعالى -في رسالته ((التبيان في زكاة الأثمان))، إذ قال معقّبًا على
تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدين المعروف عند الفقهاء القدامى، واعتبار هذه
الأوراق سند دين (صكا كالكمبيالة) لا تجب تزكيته إلا على مذهب من لا يشترط القبض
في تزكية الدين إذا كان على مليء مقرّ.
قال: ولا يخفى أن تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدين -مع كونه مُجحِفًا
بحقّ الفقراء على غير ما ذهب إليه الشافعيّة- مبنيّ على اعتبار القيمة المضمونة بهذه
الأوراق كدين حقيقيّ في ذمة شخص مدين، وأن هذه الأوراق كمستندات ديون
حقيقيّة .
مع أن هناك فرقًا بين هذه الأوراق، وما هو مضمون بها، وبين الدين الحقيقيّ،
وسنده المعروف عند الفقهاء، فإن الدين ما دام في ذمّة المدين لا ينمو، ولا ينتفع به
ربّه، ولا يجري التعامل بسنده رسمًا، ولذا قيل بعدم وجوب زكاته؛ لأنه ليس مالًا
حاضرًا مُعدًّا للنماء، بحيث ينتفع به ربّه، بخلاف قيمة هذه الأوراق، فإنها نامية، منتفع
بها، كما ينتفع بالأموال الحاضرة، وكيف يقال: إنّ هذه الأوراق من قبيل مستندات
الديون، ومستند الدين ما أخذ على المدين للتوثّق، وخشية الضياع، لا لتنمية الدين في
ذمّة المدين ، ولا للتعامل به؟ :: أو يقال: لا تجب الزكاة فيها حتى يقبض بدلها نقدًا
ذهبًا أو فضّةً، مع أن عدم الزكاة في الدين كما علمت إنما هو لكونه ليس معدًا للنماء،
ولا محفوظًا بعينه في خزانة المدين؟. والفقهاء إنما حكموا بعدم زكاة الدين ما دام في
ذمة المدين حتى يقبضه المالك، نظرًا لهذه العلّة، واستثنى الشافعيّة دين الموسر إذا كان
١٧١
١٨- (بابُ زکاة الورق) - حديث رقم ٢٤٧٣
حالاً، فإنه يزَّى قبل قبضه كالوديعة، نظرًا إلى أنه في حكم الحاضر المعدّ للنماء. فلو
فُرض نماؤه كما في بدل الأوراق الماليّة لما كان هناك وجه لتوقّف الزكاة على القبض،
ولما خالف في ذلك أحدٌ من العلماء.
فالحقّ أن هذا النوع من الدين نوع آخر مُستَحدَثٌ لا ينطبق عليه حقيقة الدين،
وشروطه المعروفة عند الفقهاء، ولا يجري فيه الخلاف الذي جرى في زكاة الدين، بل
ينبغي أن يُتَفَق على وجوب الزكاة فيه ، لما علمت أنه كالمال الحاضر ...
إلى أن قال: ولو فُرض أنه ليس في البنك شيء من النقود، ونظر إلى تلك الأوراق
في ذاتها بقطع النظر عما يعادلها، وعن التزام التعهّد المرقوم بها، واعتبر وجهة إصدار
الحكومة لها، واعتبار العلّة لها أثمانًا رائجةً، لكانت كالنقدين تجب زكاتها على القول
بأن الزكاة في النقدين معلولة بمجرّد الثمنيّة، ولو لم تكن خلقيّة كما تقدّم في زكاة
الفلوس، وقِطَع الجلود، والكواغد.
فتحصّل أن الأوراق الماليّة يصحّ أن تُزكّى باعتبارات أربعة:
(الأول): باعتبار المال المضمون بها في ذمّة البنك، وأنه كمالٍ حاضرٍ مقبوضٍ، وإن
لم يكن كالدين المعروف عند الفقهاء من كلّ وجه.
(الثاني): زكاتها باعتبار الأموال المحفوظة بخزانة البنك، وعلى هذين الاعتبارين
فالزكاة واجبة فيها اتفاقًا .
(الثالث): زكاتها باعتبار قيمتها دينًا في ذمّة البنك، فتزكّى زكاة الدين الحالّ على
مليء، كما ذهب إليه الشافعيّ.
(الرابع): زكاتها باعتبار قيمتها الوضعيّة عند جريان الرسم بها في المعاملات، واتفاق
الملّة (١) على اتخاذها أثمانًا للمقوّمات، وعلى ذلك فوجوب الزكاة فيها ثابت بالقياس
کزکاة الفلوس والنحاس انتهى.
قال القرضاويّ: هذا الاعتبار الأخير هو الذي يجب أن يُعوّل عليه في حكم النقود
الورقيّة الإلزاميّة التي هي عمدة التبادل والتعامل الآن، والتي لم يعد يشترط أن يقابلها
رصيد معدنيّ بالبنك، ولا يلتزم البنك صرفها بذهب أو فضّة.
وربما كان الخلاف في أمر هذه الأوراق مقبولًا في بدء استعمالها، وعدم اطمئنان
الجمهور إليها شأنَ كلّ جديد، أما الآن فالوضع قد تغيّر تمامًا.
لقد أصبحت هذه الأوراق النقديّة تحقّق داخل كلّ دولة ما تحقّقه النقود المعدنية،
(١) - هكذا النسخة، ولعله ((الأمّة)).
١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وينظر المجتمع إليها نظرته إلى تلك.
إنها تُدفع مهرًا، فتستباح بها الفروج شرعًا دون أيّ اعتراض. وتدفع ثمنًا، فتنقل
ملكيّة السلعة إلى دافعها بلا جدال. وتدفع أجرًا للجهد البشريّ، فلا يمتنع عاملٌ، أو
موظّفٌ من أخذها جزاءً على عمله. وتدفع بها دية في القتل الخطأ، أو شبه العمد،
فتبرىء ذمّةَ القاتل، ويرضى أولياء المقتول. وتُسْرَقُ فيستحقّ سارقها عقوبة السرقة بلا
مراء من أحد. وتدّخر وتملك، فيعدّ مالكها غنيًّا بقدر ما يملك منها، فكلما كثرت في
يده عظم غناه عند الناس، وعند نفسه (١) .
ومعنى هذا كلّه أن لها وظائف النقود الشرعيّة، وأهمّيّتها، ونظرة المجتمع إليها،
فكيف يسوغ لنا أن نَحرِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وسائرَ المستحقين من الانتفاع بهذه النقود،
ووظائفها المتعدّدة الوفيرة؟ أليس الناس كلّ الناس يسعون إلى تحصيلها جاهدين؟ أليس
مُلاكها يعُدّونها نعمة يجب شكرها؟ أليس الفقراء يتطلّعون إليها، ويسيل لعابهم شوقًا
إليها؟ أليس يفرحون بها إذا أعطوا القليل منها؟ بلى والله.
وأختم هذه النقطة بما قرّره أساتذة الاقتصاد أنه يمكن القول بأن النقود هي كلّ ما
يُستعمل مقياسًا للقيم، وواسطة للتبادل، وأداة للادخار، فأي شيء يؤدي إلى هذه
الوظيفة يعتبر نقودًا، بصرف النظر عن المادة المصنوع منها، وبصرف النظر عن الكيفيّة
التي أصبح بها وسيلة التعامل في مبدإ الأمر، فما دامت هناك مادة يقبلها كلّ المنتجين
في مجتمع مّا للمبادلة نظير ما يبيعون، فهذه المادة نقود انتهى ما كتبه الدكتور القرضاويّ
شكر الله سعيه، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنيُّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ: قَالَ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ (٣) أَوْسُقٍ، مِنَ التَّمْرِ،
صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ، مِنَ الْوَرِقِ، صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ،
مِنَ الْإِبِلِ، صَدَقَةٌ))) .
(١) - كتب في الهامش: ما نصّه: لا معنى إذن لما يقوله بعض المتحذلقين في عصرنا من أن النقود
الشرعيّة هي الذهب والفضّة؛ فهي التي تجب فيها الزكاة، وهي التي يجري فيها الربا :: : .
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) -وفي نسخة: ((خمس)) والأول أولى.
١٨ - (بابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ) - حديث رقم ٢٤٧٦
١٧٣ ===
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير:
١- (محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة) الأنصاريّ النجّاريّ، أبي
عبد الرحمن المدنيّ، ومنهم من نسبه إلى جده، ومنهم من نسبَ عبدَالله إلى جدّه،
والجميع واحد، ثقة [٦].
قال مالك: كان لآل أبي صعصعة حلقة في المسجد، وكانوا أهل علم، ودراية،
وكلّهم كان يفتي. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال محمد بن إسحاق:
كان ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه،
وليس له عند المصنف إلا هذا الحديث كرره ثلاث مرات ٢٤٧٤ و٢٤٧٥ و٢٤٧٦ .
و((عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَغْصَعة)) المدنيّ، ثقة [٣]٦٤٤/١٤.
والحديث متفق عليه، كما تقدّم الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٧٥ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ کَثِيرٍ ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ يَخْيَى بْنِ عُمَارَةَ، وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: (لَا صَدَقَةَ فِيمَا دُونَ خَفِّسَةٍ (١)
أَوْسَاقٍ مِنَ الثَّمْرِ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ، صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ (٢)
ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ، صَدَقَةٌ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدموا.
و((هارون بن عبد اللَّه)): هو الحمّال البغداديّ الثقة.
و((أبو أسامة)): هو حماد بن أسامة الكوفيّ الثقة الثبت. و((محمد بن عبد الرحمن)):
هو ابن عبد الله المترجم في الحديث السابق، نَسَبَه هنا لجدّه.
و(الوليد بن كثير)): هو المخزوميّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوق عارف بالمغازي،
رُمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢.
و ((عبّاد بن تميم)) بن غَزِية الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقة [٣]٧٤/٥٩.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم البحث عنه مُستَوفىّ قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ الطَّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي،
(١) - وفي نسخة: ((خمس))، والأول أولى؛ لأن الوسق مذكر.
(٢) - وفي نسخة: ((خمسة))، والأول أولى؛ لأن الذود مؤنث.
١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعِصَعَةَ - وَكَانَا ثِقَةً- عَنْ يَحْتِى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنِ، وَعَبَّدِ بْنِ
تَمِيم -وَكَانَا ثِقَّةً- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَيْسَ
فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ، مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ، مِنَ الْإِلِ صَدَقَّةٌ،
وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ () .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى
شيخه ((محمد بن منصور الطوسيّ)) نزيل بغداد، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو ثقة،
من صغار [١٠]٧٤١/٤٦.
و((يعقوب)): هو ابن سعد بن إبراهيم الزهريّ المدنيّ الثقة الفاضل، من صغار [٩].
و((أبوه)): هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، القاضي، ثقة فاضل
عابد[٥].
وقوله: ((وكانا ثقة)). إنما أخبر عن المثنّى بمفرد، وهو ((ثقة))؛ لأنه يجوز إطلاقه لغةً
على الواحد، وغيره، يقال: هو، وهي، وهم، وهنّ ثقة؛ لأنه في الأصل مصدرٌ، وقد
يُجمع في الذكور والإناث، فيقال: ثقات، كما قيل: عِدَات. قاله في ((المصباح)).
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٧٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِم بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
((قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ، وَالرَّقِيقِ، فَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً)) ) .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة [١٠]٣٧/٣٣ .
٢- (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم، ثقة ثبت، ربما دلس، من
كبار [٩]٤٤/ ٥٢ .
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [٧]٣٧/٣٣.
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمداني الكوفي، ثقة عابد، اختلظ
بآخره [٣]٤٢/٣٨.
٥- (عاصم بن ضمرة) السَّلوليّ الكوفيّ، صدوق [٣]٨٧٤/٦٥.
٦- (علي تَّ) هو ابن أبي طالب ٧٤/ ٩١ . والله تعالى أعلم.
١٨- (بأبُ زَكَاةِ الوَرقِ) - حديث رقم ٢٤٧٨
١٧٥ ==
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة
المبشرين بالجنة، وابن عم المصطفى وَّر، وزوج ابنته فاطمة رََّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب (رَضِي اللَّهُ عَنْهُ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((قَدْ عَفَوْتُ
عَنِ الْخَيْلِ، وَالرَّقِيقِ) أي تركتِ لكم أخذ زكاتها، وتجاوزت عنها، وهذا لا يقتضي سبق
وجوبه، ثَم نسخَهُ (فَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنٍ خَمْسَةً))) أي من كلّ مائتي درهم
خمسة دراهم. ولفظ أبي داود: ((فهاتوا صدقةَ الرِّقَةَ، من كلّ أربعين درهما درهم،
وليس في تسعين ومائة شيءٍ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)).
والحديث دليل على عدم وجوب الزكاة في الخيل والرقيق مطلقًا، لأن (ال)) في كلّ من
(الخيل))، و((الرقيق)) للجنس، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك حماد بن أبي
سليمان، وأبو حنيفة، وزفر، وروي عن زيد بن ثابت رَمَّه، فقالوا: تجب الزكاة في الخيل
على تفصيل فيه، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وترجيح مذهب الجمهور قبل باب، فراجعه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ رَّ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٨/ ٢٤٧٧ و٢٤٧٨ - وفي ((الكبرى)) -٢٢٥٦/١٩ و٢٢٥٧.
وأخرجه(د) في ((الزكاة)) ١٥٧٢ و١٥٧٤ (ت) في ((الزكاة)) ٦٢٠ (ق) في ((الزكاة))
١٧٩٠ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٧١٣ و٩١٥ و١١٠٠ و١٢٣٧ و١٢٤٧ و١٢٧٠
(الدارميّ) في ((الزكاة)) ١٦٢٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٢٤٧٨ - (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِم بْنِ ضَمْرَةً، عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلّ: ((قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ، وَالرَّقِيقِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ مِائَتَيْنِ زَكَاةٌ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((حسين بن منصور)): هو أبو عليّ النيسابوريّ الثقة
الفقيه [١٠]٢٥ / ١٦٦٤ .
١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
و(ابن نُمير)): هو عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الخارفيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة
صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار[٧]٢٥/ ١٦٦٤ .
و((الأعمش)) سليمان بن مهران الثقة الثبت الحجة [٥]١٨/١٧. والباقون تقدموا في
السند الماضي.
والحديث صحيح، وتقدم الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
١٩- (بَابُ زَكَاةِ الْحُلِيّ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ظاهر الترجمة أنّ المصنف رحمه الله تعالى يرى
ترجيح مذهب القائلين بوجوب زكاة الحليّ -وهو مذهب الحنفيّة- وهو الحقّ؛ لقوة
دليله، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى.
و ((الْحُليّ)) -بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد التحتانية - جمع ((حَلْيٍ)) -بفتح
المهملة، وسكون اللام- كثَذي وتُدِيٍّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٧٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعيلُ بَنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدْهِ، أَنَّ امْرَأَةَ، مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، أَتَتْ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، وَبِنْتٌ(١) لَهَا،
فِي ◌َدِ ابْتَتِهَا(٢) مَسَكَتَانٍ، غَلِيظَتَانِ، مِنْ ذَهَبَ، فَقَالَ: ((أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟))، قَالَتْ: لَا،
قَالَ: ((أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوْرَكِ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟، قَالَ:
فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِ، فَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ وَلَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصري، ثقة [١٠] من أفراد المصنف ٤٢/ ٤٧ .
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (حسينٌ) بن ذكوان الْمُعَلِّم البصريّ، ثقة [٦] ١٧٤/١٢٢ .
٤ - (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥]١٠٥/ ١٤٠.
(١) -وفي نسخة: ((وابنة)).
(٢) - وفي نسخة: ((وفي يد ابنتها)) بالواو، وفي أخرى: ((وبيد)) بالباء بدل ((في)).
١٧٧
١٩- (بابُ زکاةِ الحُلِيّ) - حديث رقم ٢٤٧٩
٥- (أبوه) شعيب بن محمد الطائفي، صدوق [٣]١٤٠/١٠٥.
٦- (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما١١١/٨٩. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
(ومنها): أنه مسلسل بالبصرين إلى حسين، ومنه مدنيون، أو طائفيون. (ومنها): أن فيه
رواية الابن عن أبيه، عن جده، وتابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد العبادلة
الأربعة، وقد تقدموا غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص،
(عَنْ جَدِّهِ) الضمير لشَّعيب، أي جدّ شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص
الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّها وقد ثبت سماع شعيب منه (أَنَّ امْرَأَةً، مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) هذا
يردّ قول من قال: إنها أسماء بنت يزيد بن السَّكَّن، كما نقله في ((المنهل))، فإنها
أنصاريّة، وليست يمنيّة (أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ، وَبِنْتْ لَهَا) بالرفع عطفًا على الضمير
الفاعل، لفصله بالمفعول (فِي يَدِ ابْتَتِهَا مَسَكَتَانٍ) جملة في محلّ نصب على الحال.
و((الْمَسَكَتان)): تثنية مَسَكَة -بفتح الميم، والسين المهملة- وهي في الأصل السِوَار من
الذَّبْلِ، وهي قرون الأوعال، وقيل: جلود دابّة بحريّة، والجمع مَسَكٌ. وفي (تهذيب
الأزْهَريّ)): الْمَسَكُ: الذَّبْلُ من العاج كهيئة السِّوَار، تجعله المرأة في يديها، فذلك
الْمَسَكُ، والذّبْلُ -أي بفتح، فسكون -: القُرُون، فإن كان من عاج فهوِ مَسَكٌ، وعاجٌ،
وَوَقْفٌ، وإذا كان من ذَبْلِ فهو مَسَكٌ لا غير. وقال أبو عمرو: الْمَسَكُ مثل الأسوِرَة،
من قُرُون، أو عاج، قالَ (من الطويل]:
تَرَى الْعَبَسَ الْحَوْلِيَّ جَوْنَا بِكُوعِهَا لَهَا مَسَكًا مِنْ غَيْرِ عَاجٍ وَلَا ذَبْلٍ.
أفاده في ((لسان العرب)). والمراد به هنا سواران من ذهب، كما بيّنه بقوله (غَلِيظَتَانِ،
مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ) وَّهِ (أَتُؤَدِّينَ) وفي نسخة: ((أتؤديان زكاته)) بمضير التثنية، للمرأة وابنتها
(زَكَاةَ هِّذَا؟) إنما أفرد اسم الإشارة مع أنّ المشار إليه مثنى، بتأويله بالملبوس، أي
أتؤذين زكاة هذا الملبوس في يديك؟. (قَالَتْ: لَا) أي لا أَأدّي زكاته (قَالَ: ((أَيَسُرُكِ) -
بضمّ السين المهملة- أي يُفرحك، يقال: سَرَّهُ سُرُورًا - بالضمّ- والاسم السَّرُور -
بالفتح -: إذا أفرحه. قاله في ((المصباح)) (أَنْ يُسَوْرَكِ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ) أي يُلبسك، يقال:
١٧٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
سَوَّرته السِّوَار: ألبسته إياه (بِهِمَا) أي بسبب عدم أداء زكاتهما (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سِوَارَيْنِ) تثنية
سِوَارِ -بالكسر، والضمّ - قال في ((القاموس)): والسّوار، ككِتَاب، وغُرَاب: الْقُلْبُ،
كالأُسْوَارِ - بالضمّ - والجمع أَسْوِرَةٌ، وأَسَاورُ، وأَسَاورَةٌ، وسُوْرٌ، وسُؤْرٌ انتهى. وقال
في ((المصباح)): وسِوَارُ المرأة: معروفٌ، والجمع أَسْوِرَةٌ، مثلُ سِلَاح وأسْلِحَة،
وأَسَاورةٌ أيضًا، وربّما قيل: سُورٌ، والأصل بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، لكن أُسكن
للتخفيف، والسُّوَار - بالضمّ - لغةٌ فيه انتهى.
(مِنْ نَارٍ؟) متعلّق بصفة (سوارين))، و((من)) بيانيّة.
وفيه دلالة على وجوب الزكاة في الحليّ الذي تلبسه المرأة للزينة، وهو المذهب
الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى (قَالَ) الراوي
(فَخَلَعَتْهُمَا) من باب نَفَع: أي نَزَعتهما من يدي ابنتها (فَأَلْقَتْهُمَا) أي رمتهما (إِلَى رَسُولٍ
اللَّهِ وَهِ، فَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ وَالَّ) أي هما صدقتان مدفوعاتان إلى الله عز وجل
وإلى رسوله وَّة، ليصرفهما في مصارفهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو تطيبها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٤٧٩/١٩ و٢٤٨٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٥٨/٢٠ و٢٢٥٩ . وأخرجه
(د) في ((الزكاة)) ١٥٦٣٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٦٢٩ و٦٨٦٢ و٦٩٠٠ . والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف، وهو وجوب زكاة الحليّ (ومنها): جواز التحلّي
للنساء بحليّ الذهب، من السوار، وغيره، إذا أدّت زكاته.
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع
التحلّي من الفضّة والذهب جميعًا، كالطوق، والعِقْد، والخاتم، والسوار، والخلخال،
والتعاويذ، والدَّمَالج، والمخانق، وكلّ ما يُتّخذ في العنق وغيره، وكلّ يَعْتدن لبسه،
ولا خلاف في شيء من هذا. انتهى(١).
(١) - ((المجموع)) ج٥ص٥٢٢-٥٢٣ .
١٧٩ =
١٩- (بابُ زَكَاةِ الْحُلِيِّ) - حديث رقم ٢٤٧٩
(ومنها): تغليظ وعيد مَن منع الزكاة (ومنها): أن الجزاء يوم القيامة يكون من جنس
العمل (ومنها): جواز التصدّق بالحليّ، وسيأتي للمصنّف في ٢٥٨٣/٨٢ - حديث
زينب امرأة عبد الله بن مسعود رَؤيتها: أن النبيّ وَّر قال: ((يا معشر النساء تصدّقن، ولو
من حليّكنّ ... )) الحديث، وهو حديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب زكاة الحليّ:
ذهبت طائفة من العلماء إلى وجوب الزكاة في الحليّ.
رُوي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة
ـة .
وبه قال عبد الله بن شداد، وابن المسيّب، وسعيد بن جُبير، وعطاء، وابن سیرین،
وجابر بن زيد، ومجاهد، والزهريّ، وطاوس، وميمون بن مهران، والضحّاك،
وعلقمة، والأسود، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعيّ، وذَرّ الهمدانيّ،
والأوزاعيّ، وابن شُبْرُمة، والحسن بن حيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ،
وعبد الله بن المبارك وابن المنذر، وابن حزم، وهي رواية عن أحمد، كما في
((المغني))، وهو أحد أقوال الشافعيّ.
وذهبت طائفة إلى أنه لا تجب الزكاة فيها:
روي ذلك عن ابن عمر، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء
٨ .
وبه قال القاسم بن محمد، والشعبيّ، وقتادة، ومحمد بن عليّ، وعمرة، وأبو
عبيد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعيّ في أظهر قوليه. قال ابن المنذر: وقد
كان الشافعيّ قال بهذا إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وقال: هذا مما أستخير الله
تعالى فيه. ذكره المنذريّ في ((الترغيب)).
وذهب الليث إلى أن ما كان من حليّ يُلبس، ويُعار، فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرّز
من الزكاة.
وقال أنس بن مالك رَّه: يزكّى عامًا واحدًا لا غير.
والحاصل أن في هذه المسألة أربعة أقوال: (أحدها): الوجوب؛ عملًا بما ورد في
ذلك من الأحاديث. (والثاني): عدم الوجوب؛ لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم
وجوبها. (والثالث): أن زكاتها عاريتها. (والرابع): إنها تجب مرّة واحدة، رواه البيهقيّ
عن أنس رَظفيه.
وأصحّ الأقوال الأول؛ لقوة أدلّته، فقد دلّت عليه دلائل واضحة، عامّة، وخاصّة:
١٨٠=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(فمن الأدلة العامّة): قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية
[التوبة: ٣٤].
(ومنها أيضًا): عموم قوله وَّر: (وفي الرقة ربع العشر)) رواه البخاريّ. قال ابن
قُتيبة: ((الرقة)): الفضّة، سواء كانت الدراهم، أو غيرها. نقله ابن الجوزيّ في
«التحقیق)).
(ومنها): قوله {وَلير: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)). متفق عليه.
والوَرِق يُطلق على الفضّة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، يدلّ على ذلك ما جاء في
الحدیث: أن عرفجة ٹ اتخذ خاتما من ورِقٍ. حدیث صحیح، رواه أبو داود،
والمصنّف(١).
قال أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى: لَمَّا صحّ عن رسول اللَّه ◌َله: ((في الرقة
ربع العشر))، و((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها
خمسة دراهم))، وكان الحليّ وَرِقًا وجب فيه الزكاة؛ لعموم هذين الأثرين الصحيحين.
وأما الذهب فقد صحّ عن رسول اللَّه وَلقوله: ((ما من صاحب ذهب، لا يؤدّي ما فيها، إلا
جُعل له يوم القيامة صفائح من نار، يُكوى بها)). فوجبت الزكاة بالنصّ في كلّ ذهب
وفضّة، ولم يجز تخصيص شيء منهما، إذ قد عمّهما النصّ، فلا يجوز أن يقال: إلا
الحليّ بغير نصّ في ذلك، ولا إجماع. انتهى كلام ابن حزم باختصار(٢).
(ومن الأدلة الخاصّة): حديث الباب، وهو حديث صحيح، كما تقدّم.
(ومنها): ما أخرجه أبو داود، بسند صحيح، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه
قال: دخلنا على عائشة، زوج النبي ◌َّ، فقالت: دخل عليّ رسول اللّه وَالخير، فرأى في
يدي فَتَخَات، من وَرِقٍ، فقال: ((ما هذا، يا عائشة؟))، فقلت: صنعتهن، أَتَزَیّن لك، یا
رسول الله، قال: ((أتؤدين زكاتهن؟))، قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: ((هو حسبك من
النار)) .
ثم أخرج بسنده: قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره.
(ومنها): حديث أم سلمة رَّها، قالت: كنت ألبس أوضاحا، من ذهب، فقلت:
يا رسول الله، أکنز هو؟، فقال: «ما بلغ أن تؤدی زكاته، فزُکْيَ، فليس بكنز». أخرجه
أبو داود، بإسناد صحيح أيضًا.
(ومنها): ما أخرجه أحمد عن أسماء بنت يزيد رَّها، قالت: دخلت أنا، وخالتي
(١) = سيأتي للمصنّف برقم ٥١٦١ - و٥١٦٢.
(٢) - راجع المحلّى ج٦ ص ٨٠ .