النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
٥- (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
تعالى: فيه من الفقه أن كلّ واحدة من الشاتين، والعشرين درهما أصلٌ في نفسه، ليست
ببدل، وذلك لأنه قد خيّره بينهما بحرف ((أو)) انتهى.
وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: حمله بعضهم على أن ذلك تفاوت قيمة ما بين
الجذعة والحقّة في تلك الأيام، فالواجب هو تفاوت القيمة، لا تعيّن ذلك، فاستَدَلّ به
على جواز أداء القيم في الزكاة. والجمهور على تعيين ذلك القدر برضا صاحب المال،
وإلا فليطلب السنّ الواجب، ولم يُجوّزوا القيمة(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ عملًا بظاهر
النصّ. والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ) أي وجبت الحقّة عليه، لأجل أن كانت إبله ستا
وأربعين (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ) وفي نسخة: ((وليست عنده إلا جذَعة، فإنها
تقبل منه)) (فَإِنَّا تُقْبَلُ مِنْهُ) أي تُقبل الجذعة عوضًا عن الحقّة ، وإن كانت الجذعة زائدة
على ما يلزمه، فلا يُكلّف تحصيل ما ليس عنده (وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) - بضمّ الميم،
وتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة، كمحدِّثٍ: آخذ الصدقة، وهو الساعي الذي
يأخذ الزكاة. وأما المصدّق -بتشديد الصاد، والدال- فهو المزكّي، ولا يناسب هنا
(عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَيْنٍ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) كما سلف في عكسه (وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ
صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ
اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا) قال الطيبيّ: فيه دليل على أن الخيرة في الصعود
والنزول من السنّ الواجب إلى المالك انتهى. وعُلّل بأنهما شُرعتا تخفيفًا له، ففوّض
الأمر إلى اختياره (٢) (وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةٍ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّ حِقَّةٌ، فَإِنَّا تُقْبَلُ
مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) أي الساعي (عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ
ابْنَةِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ بِئْتُ لَبُونٍ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا
شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمَا، وَمَنْ بَلَغَثَ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ، وَلَيْسَ
عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ، ذَكَرٌ) تقدّم وجه تقييده بالذكر، فلا تغفل (فَإِنَةً يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ
شَيْءٍ) أي لا يلزمه مع ابن لبون شيء آخر من الجبران.
قال ابن الملك تبعًا للطيبيّ: وهذا يدلّ على أن فضيلة الأنوثة تُجبر بفضل السنّ.
وقال الخطّابِيّ: هذا دليلٌ على أن ابنة المخاض ما دامت موجودةً، فإن ابن اللبون لا
يُجزىء عنها، وموجب هذا الظاهر أنه يُقبل منه، سواء كانت قيمته قيمة ابنة مخاض، أو
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص٢٠.
(٢) - ((المرعاة)) ج٦ ص١١٠.
٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
لم تكن، ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يُجعل بدل ابنة مخاض قيمتها، دون
أن يأخذ الذكران من الإبل، فإن سنّة الزكاة قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الإناث إلا ما
جاء في البقر من التَّبِيع.
وزعم بعض أهل العلم أنه إذا وجد قيمة ابنة مخاض لم يُقبل منه ابن لبون؛ لأن
واجد قيمتها كواجد عينها؛ ألا ترى أن من وجد ثمن الرقبة في الظهار لم ينتقل إلى
الصيام؟ .
قلت: وهذا خلاف النصّ، وخلاف القياس الذي قاله، وتمثّل به، وذلك أنه قال في
الآية: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَهِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]. فعلّق الحكم
بالوجود، ووجودُ القيمة وجودٌ لما يتقوّم بها، وإنما قال في الحديث: ((ومن بلغت
صدقته ابنة مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه)). فعلق الحكم بكونه
عنده، لا بقدرته عليه، فالأمران مختلفان انتهى كلام الخطابيّ(١).
وفيه دليل على أن ابن اللبون يجزىء عن بنت المخاض عند عدمها، وهو أمر متفقٌ
عليه، لا خلاف في ذلك عند الأئمة، حكى هذا الإجماع جمع من الشُّاح، كالباجيّ،
وابن قدامة، وابن رُشد، والحافظ .
لكن المدار عند الحنفيّة على القيمة، وعليه حمَلُوا الحديث بأن ابن اللبون كانت
قيمته مساوية لقيمة بنت المخاض في ذلك الزمان، فعند الحنفيّة لا يتعيّن أخذ ابن
اللبون، خلافًا لمن عداهم من أهل العلم، فإنه يتعيّن عندهم أخذه، وهو الحقّ
والصواب.
ولو لم يجد واحدًا منهما ، لا ابنة مخاض، ولا ابن لبون يتعيّن عليه شراء بنت
مخاض، وهو قول مالك، وأحمد. والأصح عند الشافعية أن له أن يشتري أيهما شاء؛
لظاهر الخبر، وعمومه(٢).
وحجة الأولين أنهما استويا في العدم، فلزمته بنت مخاض، كما لو استويا في
الوجود، والحديث محمول على وجوده، لأن ذلك للرفق به؛ إغناءً له عن الشراء، ومع
عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى، ذكره ابن قدامة(٣).
(١) - ((معالم السنن)) ج٢ ص ١٨١- ١٨٢.
(٢) - وعبارة الحافظ: وهذا الحكم متفق عليه، فلو لم يجد واحدًا منهما، فله أن يشتري أيهما شاء
على الأصح عند الشافعيّة. وقيل: يتعيّن شراء بنت مخاض، وهو قول مالك، وأحمد انتهى فتح
ج٤ ص٧٨ .
(٣) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص١١١ - ١١٢ .
=
٦٣
٥- (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله مالك، وأحمد رحمهما الله تعالى عندي
أرجح، لأن قوله في حديث الباب: ((وليس عنده إلا ابن لبون)) يؤيّد هذا المعنی؛ حيث
شرط في قبول ابن اللبون مكان ابنة المخاض أن يوجد ابن اللبون، مع فقدها. فيفيد أنه
إذا عُدما معًا لا بدّ منها. والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، إِلَّا أَرْبَعْ مِنَ الْإِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) أي لا يجب عليه فيها
إعطاء شيء؛ لكونها دون النصاب (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبّا) أي إلا أن يريد صاحب الإبل
الأربع أن يتصدّق بشيء منها، تبرّعًا، فله ذلك. والله تعالى أعلم.
(وفي صدقة الغنم) متعلّق بفعل محذوف، أي يَجب في صدقة الغنم، وقوله: ((شاة))
هو الفاعل، أو متعلّق بمبتدإ مقدّر، أي الواجب في صدقة الغنم، وخبره قوله: ((شاةٌ)).
وقوله (في سائمتها) بدل مما قبله، وفي تكرار الجارّ إشارة إلى أن للسوم في هذا الجنس
مَدْخلًا قويّا. والله تعالى أعلم.
و((السائمة)): هي التي ترعى، ولا تُعلف في الأهل، والمراد بالسوم لقصد الدّرّ
والنسل، فلو أُسيمت الإبل، أو البقر، أو الغنم للحمل، أو الركوب، أو اللحم، فلا
زكاة فيها، وإن أُسِيمت للتجارة ففيها زكاة التجارة، وإن كانت أقلّ من النصاب إذا
ساوت مائتي درهم.
والمعتبر عند أحمد، وأبي حنيفة السوم في أكثر الحول؛ لأن اسم السوم لا يزول
بالعلف اليسير؛ ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرّز عنه، فاعتباره في جميع السنة يُسقط
الزكاة بالكليّة، سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة، فإنه إذا أراد إسقاط الزكاة
أسامها يومًا فأسقطها بالإسامة؛ ولأن الضرورة تدعو إليه في بعض الأحيان، ولأن هذا
وصفٌ معتبر في رفع الكلفة في الزرع والثمار. واعتبر الشافعيّ السوم في جميع الحول،
فلا تجب الزكاة فيها إذا لم تكن سائمة في جميع السنة.
وسيأتي تمام البحث في زكاة الغنم في بابه - ٢٤٥٥/١٠ - إن شاء الله تعالى.
(إِذَا كَانَتْ) الغنم (أَرْبَعِينَ) وقوله (فَفِيهَا) توكيد لقوله: ((في صدقة الغنم))، وقوله
(شَاةٌ) فاعل للفعل المقدّر على الوجه الأول، أو خبر المبتدإ المقدّر على الوجه الثاني،
كما أسلفته (إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) فصاعدًا، ففي كتاب عمر تَمّ:
((فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة حتى تبلغ مائتين، ففيها شاتان))، وقد تقدّم قول
الإصطخريّ في ذلك، والتعقيب عليه، فلا تَغْفُل (فَفِيهَا شَاتَانٍ، إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ
وَاحِدَةً) أي ولو واحدةٌ (فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاءٍ، إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ) على ثلاثمائة مائةً
أخرى، لا أقلّ منها (فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) ففي أربعمائة أربعُ شياه، وفي خمسمائة خمس،
٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وفي ستمائة ست، وهكذا.
قال الخطابيّ رحمه اللّه تعالى: قوله: ((فإذا زادت على ثلاثمائة الخ)) إنما معناه أن
يزيد مائة أخرى، فيصير أربعمائة، وذلك لأن المئين لما توالت أعدادها حتى بلغت
ثلاثمائة، وعُلّقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة، ثم قيل: ((فإذا زادت)) عُقل أن هذه
الزيادة اللاحقة بها إنما هي مائة، لا ما دونها. وهو قول عامّة الفقهاء: الثوريّ،
وأصحاب الرأي، وقول الحجازيين: مالك، والشافعيّ، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
وقال الحسن بن صالح بن حيّ: إذا زادت على ثلاثمائة واحدةً، ففيها أربع شياه
انتھی(١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: قوله: ((فإذا زادت على ثلاثمائة الخ)): مقتضاه أنه لا
تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة، وهو قول الجمهور، قالوا: فائدة ذكر الثلاثمائة
لبيان النصاب الذي بعده؛ لكون ما قبله مختلفًا. وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن
صالح بن حيّ، ورواية عن أحمد: إذا زادت على الثلاثمائة واحدة وجبت الأربع
انتھی
(٢)
(وَلَّا يُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية: ((ولا تُخرج)) (فِي الصَّدَقَةِ) أي المفروضة،
وهي الزكاة (هَرِمَةٌ) بفتح الهاء، وكسر الراء: أي كبيرة سقطت أسنانها. وقال ابن الأثير:
الطاعنة في السنّ. وقال التوربشتيّ: أراد التي نال منها كِبَرُ السنّ، وأضرّ بها (وَلَا ذَاتُ
عَوَارٍ) بفتح العين المهملة، وضمها: أي معيبة. وقيل: بالفتح: العيب، وبالضمّ الْعَوَرُ
في العين. قاله في ((الفتح)). وقال ابن الأثير: بفتح العين، ويضمّ: أي صاحبة عيب
ونقص. وعطف ((ذات العوار)) على ((الهرمة)) من عطف العامّ على الخاصّ إذ العيب
يشمل المرض، والْهَرَم، وغيرهما.
واختلف في ضبط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة فالأكثر على أنه ما يَثْبُت به
الزّةّ في البيع -وهو ما يوجب نقصان الثمن عند التجّار -. وقيل: ما يَمنع الإجزاء في
الأضحيّة. ويَدخُل في المعيب المريض، والذكور بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير بالنسبة
إلى سنّ أكبر منه. أفاده في ((الفتح))(٣).
ومحلّ عدم إجزاء المعيبة إذا كان المال كلّه سليمًا، فإن كان فيه سليمٌ ومعيبٌ أُخِذ
سليمٌ وسطٌ، قيمته بين المعيب والسليم، وإن كان كلّه معيبًا أَخذ المصَدِّقُ واحدة من
(١) - ((معالم السنن)) ج٢ ص ١٨٣ .
(٢) - (فتح) ج٤ ص٧٩ .
(٣) - ((فتح) ج٤ ص٨٠.
٦٥
۔۔ (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
أوسطه. وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، ورواية عن مالك. وفي
أخرى له يكلّف رب المال الإتيان بصحيحة، أخذًا بظاهر الحديث، وهو مشهور
المذهب(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الأخير هو الظاهر؛ لأن قوله ويلشير: (ولا يؤخذ
في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار)) مطلقٌ، حيث لم يقيّده بقوله: إلا إذا كانت كلها
معيبة، فدلّ على أن الواجب في الصدقة مطلقًا هو السليم من العيب، فليتنبّه. والله
تعالى أعلم.
(وَلَا تَيْسُ الْغَنَم) -بفتح الثناة الفوقانيّة، وسكون التحتانيّة، بعدها سين مهملة -:
فَحْلُ الغنمِ الْمُعَدّ لضِرَابها. قال في ((القاموس)): هو الذكر من الظباء، والمعز،
والوُعُول، أو إذا أتى عليه سنة. وقال الباجيّ: التيس الذكر من المعز، وهو الذي لم
يبلغ حدّ الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب، ولا لدَرّ، ولا نسل، وبنحوه فسّر الإمام
مالك، كما في ((المدوّنة)).
وقال العينيّ: معناه إذا كانت ما شيته كلها أو بعضها إناثًا، لا يؤخذ منه الذكر، إنما
تؤخذ الأنثى، إلا في موضعين، وردت بهما السنّة: أحدهما أخذ التَّبيع من ثلاثين من
البقر. والآخر أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الإبل، بدلَ بنت مخاض، عند
عدمها. وأما إذا كانت ما شيته كلها ذكورًا، فيؤخذ الذكر. وقيل: إنما لا يؤخذ
التيس؛ لأنه مرغوب عنه لنتنه، وفساد لحمه. أو لأنه ربما يقصد به المالك منه الفحولة،
فيتضرّر بإخراجه انتهى (٢).
(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ) اختلف في ضبطه ومعناه، فقيل: المراد ربّ الماشية، لا
الساعي، وعلى هذا هو إما بتخفيف الصاد، وفتح الدال المشدّدة، وهذا اختيار أبي
عُبيد، أي الذي أُخذت صدقة ماله، أو بتشديد الصاد، وكسر الدال المشددة، وأصله
المتصدّق، فأدغمت التاء بعد قلبها في الصاد. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ
وَالْمُضَّيِّقَتِ﴾ الآية [الحديد: ١٨]. أو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة، اسم فاعل
من قوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلَ صَلَى﴾ [القيامة: ٣١]. قال الراغب: يقال: صدّق،
وتصدّق.
وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة، ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس إلا برضا
المالك؛ لكون المالك يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا
-
(١) - انظر ((المنهل العذب)) ج٩ ص١٤٧. وشرح السنة ج ٦ ص١٣-١٤.
(٢) - ((عمدة القاري)) ج٩ ص٢٢-٢٣.
٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
فالاستثناء مختصّ بالثالث، وهو التیس.
وقيل: المراد به الساعي، وعلى هذا هو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة لا
غير. وهذا هو المشهور في ضبطها، وهو قول المحدّثين، وعامّة الرواة، كما قال
الخطّابيّ، أي العامل الذي يستوفي الزكاة من أربابها. قال في ((القاموس)): الْمُصَدِّقُ،
كمُحَدِّثْ: آخذ الصدقات انتهى. والاستثناء متعلّق بالأقسام الثلاثة.
قال الحافظ: وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده؛ لكونه يجري مجرى
الوكيل، فلا يتصرّف بغير المصلحة، فيتقيّد بما تقتضيه القواعد. وهذا قول الشافعيّ في
((البويطيّ))، ولفظه: ((ولا تُؤخذ ذات عوارٍ، ولا تيس، ولا هرمة؛ إلا أن يرى المصدّق
أن ذلك أفضل للمساكين، فيأخذه على النظر)) انتهى.
وهذا أشبه بقاعدة الشافعيّ في تناول الاستثناء جميعَ ما ذُكر قبله، فلو كانت الغنم كلها
معيبةً مثلًا، أو تيوسًا أجزأه أن يُخرج منها. وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة
مجزئة؛ تمسّكًا بظاهر هذا الحديث. وفي رواية أخرى عندهم كالأول انتهى كلام
الحافظ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تقدم ترجيح القول الأول من قولي مالك رحمه الله
تعالى، فلا تغفل.
وقيل: الاسثناء مخصوص بما إذا كانت المواشي كلها معيبة، أو تيوسًا. قال ابن
قدامة رحمه الله تعالى: وعلى هذا -أي على ضبط ((المصَدِّق)) بكسر الدال، بمعنى
العامل- لا يأخذ المصدق، وهو الساعي أحدَ هذه الثلاثة، إلا أن يرى ذلك بأن يكون
جميع النصاب من جنسه، فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة من الهرمات،
وذات عوار من أمثالها، وتيسًا من التيوس. وقال مالك، والشافعيّ: إن رأى المصدّق
أن أخذ هذه الثلاثة خير له، وأنفع للفقراء، فله أخذه؛ لظاهر الاستثناء. انتهى المقصود
من كلام ابن قدامة(٢).
وقال الطيبيّ: ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى لا يُخرج المزكّي الناقص
والمعيب، لكن يُخرج ما شاء المصدّق من السليم الكامل(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم قريبًا ترجيح القول بعدم جوز أخذ الهرمة،
ونحوها في الصدقة، وهذا لا ينافي قولَهُ: ((إلا أن يشاء المصدّق)) على القول بأن
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ٨٠.
(٢) - ((المغني)) ج ٢ ص ٤٠-٤١ .
(٣) - انظر ((المرعاة)) ج٦ ص١١٦-١١٧ .
٦٧
۔۔ (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
الاستثناء للجميع؛ لأنه إذا رأى المصدّق أن الأصلح للفقراء أخذ الهرمة، أو ذات
العوار، أو التيس، حيث إن قيمتها أكثر من قيمة غيرها، كانت بمنزلة السليم، بل أفضل
منه، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(وَلَا يُجْمَعُ) -بضم أوله، وفتح ثالثه، على البناء للمفعول، أي لا يجوز للمالك،
ولا للمصدّق أن يجمع (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التاء على الفاء، من التفرّق. وفي رواية
(مفترق)) بتقديم الفاء على التاء، من الافتراق (وَلَا يُفَرَّقُ) -بضم أوله، وفتح ثالثه(١)
مشدّدًا، أو مخفّفًا، على البناء للمفعول أيضًا، أي لا يجوز للمالك، ولا للمصدّق أن
يفرق (بَيْنَ مُجْتَمِع) بصيغة اسم الفاعل (خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) بالنصب على أنه مفعول لأجله،
متعلّق بالفعلين على سبيل التنازع. ويحتمل أن يتعلّق بفعل مقدّر، يعمّ الفعلين، أي لا
يفعل شيئًا من ذلك خشية الصدقة، أي خشية وجوب الصدقة، أو كثرتها، هذا إن عاد
الكلام إلى المالك، أو خشية سقوط الصدقة، أو قلّتها، إن عاد إلى المصدّق، فالنهي
للمالك والساعي كليهما، فالخشية خشيتان:
إحداهما: خشية المالك أن تجب الصدقة، أو تكثر، فيجمع، أو يفرّق:
مثال جمعه خشية كثرة الصدقة: أن يكون لرجل أربعون شاةً، فجمعها ، وخلطها
بأربعين لغيره عند حضور المصدق؛ فرارًا عن لزوم الشاة إلى نصفها. أو يكونوا ثلاثة،
لكلّ واحد منهم أربعون شاةً متفرّقة، فجمعوها عند قدوم الساعي بعد الحول، حتى
تجب عليهم شاة واحدة.
ومثال تفريقه خشية وجوب الصدقة، أن يكون له عشرون شاة مخلوطة بمثلها لغيره،
ففرقها لئلا يكون نصابًا، فتجبَ عليه شاة. أو يكون لرجلين أو رجال أربعون شاةً
مختلطةً، ففرقوها عند قدوم الساعي، حتى لا تجب عليهم زكاة أصلًا.
ومثال تفريقه خشية كثرتها أن يكون لرجل مائة شاة، وشاة مخلوطة بمثلها لغيره،
فيكون عند الاجتماع والخلط ثلاث شياه، ففرقا مالهما؛ لتقلّ الصدقة، ويكون على كلّ
واحد شاة واحدة فقط. ونهوا عن ذلك لأنه هُرُوب عن الحقّ الواجب، وإجحاف
بالفقير .
والثاني: خشية الساعي أن تسقط الصدقة، أو تَقِل، فيجمع، أو يفرّقّ:
مثال جمعه خشية سقوط الصدقة: أن يكون رجلان لهما أربعون شاة متفرقة، فجمعها
المصدّق، وخلطها حتى تجب فيها شاة.
(١) - لم يتعرّض لثانيه، مع أنه يختلف في الحالين، فمع تشديد الثالث يفتح، ومع تخفيفه يُسَكّنُ،
فليُتنبّه .
٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ومثال جمعه خشية أن تقلّ أن يكون لكلّ واحد منهما مائة وعشرون، فجمع بينهما
ليأخذ ثلاث شیاه، بدل شاتین.
ومثال تفريقه خشية قلّة الصدقة: أن يكون لثلاثةٍ خُلَطاءَ مائة وعشرون شاة، وواجبها
شاة واحدة، ففرقها الساعي أربعين أربعين، ليكون فيها ثلاث شياه.
ومحلّ النهي عن الجمع والتفريق خشية الصدقة في الجنس الواحد، ومن الجنس
الواحد الضأن والمعز، والبقر والجاموس، والبخت والعراب من الإبل -والبخت هو
المتولّد بین عربيّ وعجميّ- فلا يدخل في النهي ما اختلف جنسه، فمن كان عنده دون
نصاب من البقر، ودون نصاب من الغنم مثلًا، لا يضمّ بعضه إلى بعض اتفاقًا كي يصير
نصابًا تجب فيه الزكاة.
ومحلّ النهي المذكور أيضًا إذا تعدد المالك، وأما إذا اتحد المالك، وكان له ماشية
ببلد لا تبلغ نصابًا، وله بأخرى ما يكمله من جنس تلك الماشية، فإنه يضمّ بعضها إلى
بعض. وكذا من له نصاب في جهة، وآخر في جهة أخرى، فإنه يضمّ بعضه إلى بعض
أيضًا، ولا يضرّ اختلاف الأمكنة.
وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ووافقهم أحمد فيما إذا كانت ماشية الرجل المتفرّقة
دون مسافة القصر، وأما إذا كانت بينهما مسافة القصر، فما فوقُ فلا يجمع بينها وينزل
كلّ منها منزلة مال مستقلّ، فما بلغ منها نصابًا زكّاه، وإلا فلا.
قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح عندي؛ لظواهر
النصوص الواردة في وجوب الزكاة، حيث إنها علّقت الوجوب بالملك، لا باتحاد
المحلّ. والله تعالى أعلم.
ويؤخذ من عموم النهي في الحديث أن من كان عنده دون النصاب من الفضّة، ودون
النصاب من الذهب لا يضمّ بعضه إلى بعض، وعلى ذلك أكثر العلماء.
وقالت الحنفيّة، والمالكيّة: يُضمّ بعضه إلى بعض؛ ليصير نصابًا كاملًا، فتجب فيه
الزكاة، وحملوا النهي في الحديث على الماشية(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه أكثر العلماء هو الراجح؛ لموافقته
لحديث الباب. والله تعالى أعلم.
(وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنٍ، فَإِنَّمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْتَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) ((ما)) هنا نكرة تامّة، متضمنة
(١) - راجع ((المنهل العذب)) ج٩ ص١٤٨ -١٤٩.
٦٩
٥- (بابُ زْكَاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
معنى حرف الاستفهام، ومعناها: أيّ شيء كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسويّة
على قدر أموالهما.
ومعنى ذلك عند الشافعيّ، وجماعة أن ما كان متميّزًا لأحد الخليطين من المال، فأخذ
الساعي من ذلك المتميّز يرجع على صاحبه بحصّته، كأن يكون لكلّ منهما عشرون شاة،
وأخذ الساعي من مال أحدهما، فإنه يرجع بقيمة نصف شاة على الآخر، وإن كان لأحدهما
عشرون، وللآخر أربعون مثلًا، فأخذ من صاحب العشرين، فإنه يرجع على صاحب
الأربعين بالثلثين، وإن أخذ من صاحب الأربعين، فإنه يرجع على صاحب العشرين بالثلث.
وعند مالك هو كخليطين بينهما مائة شاة لأحدهما ستّون، وللآخر أربعون، ففيها عليهما
شاة واحدة، يكون على صاحب الأربعين خمساها، وعلى صاحب الستّين ثلاثة أخماسها،
فإن أخذ الساعي الشاة الواجبة من الأربعين رجع صاحبها على صاحب الستين بقيمة ثلاثة
أخماسها، وإن أخذها من الستين رجع صاحبها على صاحب الأربعين بخمسيها .
وعند أبي حنيفة يُحمل الخليط على الشريك، إذ المال إذا تميّز، وأُخذ من ذلك
المشترك، فعنده يجب التراجع بالسويّة، أي يرجع كلّ منهما على صاحبه بقدر ما
يساوي ماله.
مثلًا إذا كان لأحدهما أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون، والمال مشترك غير متميّز،
فأخذ الساعي عن صاحب الأربعين مسنّةً، وعن صاحب الثلاثين تبيعًا، وأعطى كلّ
منهما من المال المشترك، فيرجع صاحب الأربعين بأربعة أسباع التبيع على صاحب
الثلاثين، وصاحبُ الثلاثين بثلاثة أسباع المسنّة على صاحب الأربعين.
وسيأتي تحقيق المسألة بالتفصيل، وترجيح المذهب الراجح بدليله في المسألة
التاسعة، إن شاء الله تعالى.
(فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ) ومثله المرأة (نَاقِصَةً) منصوب على أنه خبر ((كانت)) (مِنْ
أَرْبَعِينَ شَاةً) منصوب على التمييز (وَاحِدَةً) بالنصب على نزع الخافض، أي بواحدة، أو
على أنه مفعول ((ناقصة))، أو حال من ضمير ((ناقصة)). ويحتمل أن يكون ((شاة)) مفعول
(ناقصة))، و((واحدةً)) وصفٌ لها، والتمييز محذوف؛ للدلالة عليه. وروي ((بشاة واحدةٍ))
بالجرّ (فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٍ) يعني أنه إذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين، فلا
زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا على ذلك (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي إلا إذا أراد
صاحب تلك السائمة الناقصة أن يتطوّع بالتصدق منها، فله ذلك، وله الأجر العظيم.
(١) - سيأتي ترجيحُ ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ◌َُّْ في تفسير الخليط في المسألة التاسعة، إن
شاء اللّه تعالى.
٧٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(وَفِي الرِّقَةِ) بكسر الراء، وتخفيف القاف: هي الفضة الخالصة، مضروبة كانت، أو
غير مضروبة. قيل: أصلها الورق، فحذفت الواو، وعُوّضت الهاء. وقيل: يطلق على
الذهب والفضّة، بخلاف الورق، وعلى هذا قيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب
الفضّة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة، وهي ربع
العشر. وهذا قول الزهريّ، وخالفه الجمهور، وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة
الورق - ٢٤٧٣/١٨ - إن شاء الله تعالى.
(رُبْعُ الْعُشْرِ) بضم الأول، وسكون الثاني، وضمّهما فيهما (فَإِنْ لَمْ تَكُن) أي الرقة
التي عنده (إِلَّ تِسْعِينَ وَمِائَةَ دِرْهَم، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) يعني أنه إذا كانت الفضّة ناقصة عن
مائتي درهم، فلا يجب عليه فيها شيء، إجماعًا.
قال البغويّ رحمه الله تعالى في ((شرح السنة)): هذا يوهم أنها إذا زادت عليها - أي
على تسعين ومائة- شيئًا قبل أن يتمّ مائتين كانت فيه الصدقة، وليس الأمر كذلك؛ لأن
نصابها مائتان، وإنما ذكر تسعين لأنه آخر فصل، -أي عَقْدٍ- من فصول المائة،
والحسابُ إذا جاوز المائة كان تركيبه بالفصول، كالعشرات، والمئين، والألوف، فَذَكَرَ
التسعين ليدلّ على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين، بدليل قوله وَلاغير: ((ليس
فيما دون خمس أواق من الورِقٍ صدقة)) انتهى كلام البغويّ(١).
وقال الطيبيّ: أراد أن دلالة هذا الحديث على أقلّ ما نقص من النصاب إنما يتمّ
بحديث: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)). ويُسمّى هذا في ((الأصول)) النصَّ المقيّد
بمفارقة نصّ آخر، وينصره الحديث المرويّ عن عليّ رَّه: ((وليس في تسعين ومائة
شيء، فإذا بلغت مائتين، ففيها خمسة دراهم)) انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث عليّ رَمّه المذكور أخرجه أحمد، وأبو داود
بإسناد حسن، وسيأتي للمصنّف برقم ٢٤٧٧ و٢٤٧٨ مختصرًا. والله تعالى أعلم.
(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا))) أي يريد مالكها أن يُعطي على سبيل التبرّع، فله ذلك، وهذا
كقوله وَّر في حديث ضمام بن ثعلبة تَّه: ((إلا أن تطّوّع)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس تَظّه هذا أخرجه البخاريّ.
(١) - ((شرح السنة)) ج٦ ص١٧ .
۵
٧١ ==
٥- (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في عشرة مواضع من
((صحيحه))، في ((الزكاة)) في ستّة مواضع، وفي ((الشرِكَة))، وفي ((الخمس))، وفي
((اللباس))، وفي ((ترك الحيل))، مطوّلًا، ومختصرًا بسند واحد:
قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، قال: حدثني أبي، قال:
حدّثني ثُمَامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدّثه: ((أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب
الخ)).
وقد انتقد عليه الدارقطنيّ في ((التتبّع، والاستدراك)) حيث قال: إن ثمامة لم يسمع
من أنس، ولا سمعه عبد الله بن المثنى من ثُمامة. ثم روى عن عليّ بن المدينيّ، عن
عبد الصمد، حدثني عبد الله بن المثنى، قال: دفع إليّ ثمامة هذا الكتاب، قال: وثنا
عفّان، ثنا حمّاد، قال: أخذت من ثمامة كتابًا عن أنس، نحو هذا، وكذا قال حماد بن
زيد، عن أيوب: أعطاني ثمامة كتابا، فذكر هذا انتهى.
قال الحافظ في ((مقدّمة الفتح)): ليس فيما ذكر الدارقطنيّ ما يقتضي أن ثمامة لم
يسمعه من أنس، كما صدّر به كلامه، فأما كون عبد الله بن المثنّى لم يسمعه من ثُمامة
فلا يدلّ على قدح في هذا الإسناد، بل فيه دليل على صحّة الرواية بالمناولة، إن ثبت أنه
لم يسمعه مع أن في سياق البخاريّ عن عبد الله بن المثنى، حدثني ثمامة أن أنسًا حدّثه،
وليس عبد الصمد فوق محمد بن عبد الله الأنصاريّ في الثقة، ولا أعرفَ بحديث أبيه
منه انتهى(١) .
وقال في ((الفتح)) في ((باب زكاة الغنم)) -١٤٥٤/٣٨ -: هذا سند مسلسل بالبصريين
من آل أنس بن مالك. وعبد الله بن المثنى اختَلَف فيه قولُ ابن معين، فقال مرّة:
صالح، ومرّةً ليس بشيء، وقوّاه أبو زرعة، وأبو حاتم، والعجليّ، وأما النسائيّ،
فقال: ليس بالقوي، وقال العقيليّ: لا يتابع في أکثر حديثه انتهى.
وقد تابعه على حديثه هذا حماد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنه أعطاه كتابًا زعم أن أبا
بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول اللَّه وَ لهل حين بعثه مصدّقًا ... فذكر الحديث.
هكذا أخرجه أبو داود عن أبي سلمة -موسى بن إسماعيل التبوذكيّ- عنه.
ورواه أحمد في ((مسنده)) قال: ((حدّثنا أبو كامل، حدّثنا حماد، قال: أخذت هذا
الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس أن أبا بكر ... )) فذكره.
وقال إسحاق بن راهويه في ((مسنده)): أخبرنا النضر بن شميل، حدّثنا حماد بن
(١) - ((هدي الساري)) ص ٥١٥ .
٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
سلمة، أخذنا هذا الكتاب من ثمامة ، يحدّثه عن أنس، عن النبيّ وَّر، فذكره. فوضح
أن حمادًا سمعه من ثمامة، وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعلّه بكونه مكاتبة، وانتفى
تعليل من أعلّه بكون عبد الله بن المثنى لم يُتابع عليه انتهى كلام الحافظ(١).
وقد تكلّم ابن معين أيضًا على حديث أنس هذا، ففي ((الأطراف)) للمقدسيّ: قيل
لابن معين: حديث ثمامة، عن أنس في الصدقات، قال: لا يصحّ، وليس بشيءٍ، ولا
يصحّ في هذا حديث في الصدقات انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد ردّ على كلام ابن معين هذا ابن حزم وغيره:
قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في ((المحلّى)) بعد أن ساقه من طريق
البخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ، وغيرهم: ما نصّه:
هذا الحديث في نهاية الصحّة، وعَمِلَ به أبو بكر الصدّيق نَظّه بحضرة جميع
الصحابة، لا يُعرف له منهم مخالف أصلًا، وبأقلّ من هذا يدّعي مخالفونا الإجماع،
ويشنّعون علينا، رواه عن أبي بكرٍ أنسٌ، وهو صاحبٌ، ورواه عن أنس ثمامة بن
عبد الله بن أنس، وهو ثقة سمعه من أنس، ورواه عن ثمامة حماد بن سلمة، وعبد الله
ابن المثنّى، وكلاهما ثقة وإمام، ورواه عن ابن المثنّى ابنه القاضي محمد، وهو مشهور
ثقة، وَلي قضاء البصرة، ورواه عن محمد بن عبد الله محمدُ بنُ إسماعيل البخاريّ،
جامع ((الصحيح))، وأبو قلابة، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، والناس. ورواه عن
حماد بن سلمة يونس بن محمد، وشُريح بن النعمان، وموسى بن إسماعيل التبوذكيّ،
وأبو كامل الْمُظَفِّر بن مُدرِك، وغيرهم، وكلّ هؤلاء إمام ثقة، مشهور.
والعجب ممن يعترض في هذا الخبر بتضعيف يحيى بن معين لحماد بن سلمة هذا!
وليس في كلّ من رواه عن حمّاد بن سلمة -ممن ذكرنا- أحد إلّا وهو أجلّ وأوثق من
يحيى بن معين، وإنما يؤخذ كلام يحيى بن معين وغيره إذا ضعّفوا غير مشهور بالعدالة،
وأما دعوى ابن معين، أو غيره ضعف حديثٍ رواه الثقات، أو ادّعوا فيه أنه خطأ من غير
أن يذكروا فيه تدليسًا، فكلامهم مطّرَحْ مردودٌ، لأنه دعوى بلا برهان، وقد قال الله
تعالى: ﴿قُلْ هَاتُّواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، ولا مَغْمَزَ لأحد في أحد
من رُواة هذا الحديث، فمن عانده، فقد عاند الحقّ، وأَمْرَ اللَّه، وأمرَ رسوله وَلَّ، لا
سيّما من يحتجّ في دينه بالمرسلات، وبرواية ابن لهيعة، ورواية جابر الجعفيّ المتهم في
دينه: ((لا يؤمّنّ أحدٌ بعدي جالسًا))، ورواية حرام بن عثمان -الذي لا تحلّ الرواية عنه-
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ٧٥ .
(٢) - انظر ((الجوهر النقيّ)) ج٤ ص٨٩ -٩٠ ..
٧٣
٥- (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
في إسقاط الصلاة عن المستحاضة بعد طهرها ثلاثة أيام، ورواية أبي زيد مولی عمرو بن
حُريث في إباحة الوضوء للصلاة بالخمر، وبكل(١) نطيحة، أو مترذية، وما أهلّ لغير
الله به في مخالفة القرآن والسنن الثابتة، ثم يتعلّل في السنن الثابتة التي لم يأت ما
يُعارضها، بل عَمِلَ بها الصحابةُ ﴾، ومن بعدهم انتهى كلام ابن حزم (٢).
وقال الإمام البيهقيّ رحمه اللّه تعالى في كتابه ((المعرفة)): لا نعلم من حَمَلة الحديث
وحفّاظهم من استقصى في انتقاد الرواة ما استقصى محمد بن إسماعيل البخاريّ رحمه
الله تعالى، مع إمامته، وتقدمه في معرفة الرجال، وعلل الأحاديث، ثم إنه اعتمد في
هذا الباب على حديث عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، عن ثمامة ، عن أنس، فأخرجه
في (الصحيح)) عن محمد بن عبد الله بن المثنى، عن أبيه، وذلك لكثرة الشواهد لحديثه
هذا بالصحّة انتهى (٣).
وقال في ((السنن الكبرى)): قد روينا الحديث من حديث ثُمامة بن عبد الله بن أنس،
عن أنس، من أوجه صحيحة، ورويناه عن سالم، ونافع، موصولًا، ومرسلًا، ومن
حديث عمرو بن حزم موصولًا، وجميع ذلك يشُدّ بعضه بعضًا انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبین بما ذُكر أن العلل التي ذُکرت في حديث أنس رَُه
هذا غير مقبولة، فهو حديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤٤٧/٥ و٢٤٥٥/١٠- وفي («الكبرى»٢٢٢٥/٥ و٢٢٣٥/١٠.
وأخرجه(خ) في ((الزكاة)) ١٤٥٠ و١٤٥١ و١٤٤٨ و١٤٥٤ و١٤٥٥ و((الشركة)٢٤٨٧
و((فرض الخمس)) ٣١٠٦ و((اللباس)) ٥٨٧٩ و(الحيّل))٦٩٥٥ (د) في ((الزكاة)) ١٥٦٧
(ق) في ((الزكاة)) ١٨٠٠ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٧٣ و((باقي مسند المكثرين)) ١١٥٧٨
و١٢٣٦ و١٢٣٢٧ و١٢٤٥٣ و١٢٥٢٩ و١٢٦٣٤ و١٢٧٧١ و١٢٩١٤ و١٣٥٠٤
و١٣٦٧٧ (ابن خزيمة في ((صحيحه))) ٢٢٦١ و٢٢٧٩ و٢٢٨١ و٢٢٩ (ابن حبان في
((صحيحه))) ٣٢٦٦ (الشافعيّ في («مسنده))) ٢٣٥/١-٢٣٦ (الطحاويّ)) ٣٣/٢ (ابن
الجارود) ٣٤٢ (البيهقيّ) ٨٥/٤ (الدارقطنيّ) ١١٣/٢-١١٤ (البغويّ) ١٥٧٠ (أبو
يعلى) ١٢٧ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - هكذا نسخة ((المحلّى))، ولعلّ الصواب ((وبأكل الخ))، فليحرّر.
(٢) - ((المحلّى)) ج ٥ ص٢٠-٢١ .
(٣) - ((معرفة السنن والآثار)) ج٣ ص ٢١٧.
(٤) - ((السنن الكبرى)) ج ٤ ص ٩٠.
٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم زكاة الإبل، ونصابها
(ومنها): أنه احتجّ بقوله: ((إن هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول اللّه وَ له على
المسلمين)) من قال: إن الكفّار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وقد تقدم تحقيق الخلاف
في ذلك، وأن الراجح أنهم مخاطبون بها، وأن المراد بقوله: ((على المسلمين)) أنها تؤخذ
منهم في الدنيا، وأما الكافر فلا تؤخذ منه في الدنيا، وإنما يعاقب بها في الآخرة
(ومنها): أن زكاة المواشي، ونحوها، من الأموال الظاهرة تُدفع للإمام (ومنها): أنه لا
طاعة للإمام فيما خالف الشرع، حيث قال: ((ومن سئل فوق ذلك، فلا يُعط)) (ومنها):
أن ما بين كلّ نصابين من أنصبة الماشية عفوٌ لا زكاة فيه، وهو المعروف عند الفقهاء
بالْوَقَص (ومنها): أن السَّوْم شرط في وجوب زكاة الغنم، وهو مذهب الجمهور،
وكذلك يشترط في زكاة الإبل، لحديث بَهْز بن حكيم المتقدّم في -٢٤٤٤/٤ -
(ومنها): أنه لا يجوز في الزكاة أخذ الْهَرِمة، ولا ذات العَوَار، ولا التيس، إلا أن يشاء
المصدّق (ومنها): أن الحيل في الزكاة حرامٌ، على المالك، وعلى الساعي أيضًا، وذلك
كأن يَجمَع بين متفرّق، أو يُفرِّق بين مجتمع، خشيةً وجوب الصدقة، أو كثرتها، أو عدم
وجوبها، أو قلّتها (ومنها): أن ما كان من الخليطين، إذا أخذ من أحدهما فإنه يرجع
على الآخر بالسويّة (ومنها): أن الفضة إذا بلغت مائتي درهم يجب فيها ربع العشر،
خمسةُ دراهم، وما كان ناقصًا من ذلك، فلا شيء فيه، إلا أن يتطوّع صاحبه. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): استدلّ بقوله: ((فما دون خمس وعشرين، من الإبل، في كلّ
خمسٍ ذَوْدٍ شاءٌ)). على تعيّن إخراج الغنم في مثل ذلك، وهو قول مالك، وأحمد، فلو
أخرج بعيرًا عن الأربع والعشرين لم يجزه.
وذهب الشافعيّ، والجمهور إلى أنه يجزئه، لأنه يجزئه عن خمس وعشرين، فما
دونها أولى؛ ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا
رجع باختياره إلى الأصل أجزأه. فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه، ففيه
خلاف مشهور عند الشافعيّة، وغيرهم، والأقيس - كما قال الحافظ- أنه لا يجزىء.
ويجوز عند الحنفيّة إذا ساوى قيمةُ المؤدَّى قيمة الواجب، كما بسط في فروعهم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه مالك، وأحمد من أن إخراج
الغنم متعيّنّ هو الصواب؛ عملًا بظاهر النصّ، فإن فيه براءةَ الذّمّة بيقين، وما عداه
مشكوك فيه.
٧٥
٥- (بابُ زَكَاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
=
=
ويؤيّده أيضًا ما يأتي من قوله وَّر: ((ومن بلغت عنده صدقة الجَذّعة، وليست عنده
جذَّّعةٌ، وعنده حقّةٌ فإنها تقبل منه الخ، فلو كان البعير يجزىء عن الشياه الأربع مثلاً
لبينه، کما بين ذلك في وجوب ابنة مخاض، حیث قال: «فإن لم تکن بنت مخاض،
فابن لبون ذکر)).
وأما قولهم: ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عُدل عنه رفقًا الخ، فقد
تُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النصّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف في الأوقاص -وهو ما بين الفرضين- على قولين:
فذهب مالك في رواية، والشافعيّ في الجديد، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف،
وداود إلى أنّ الزكاة في النصاب فقط، دون العفو، وهو الصحيح في مذهب مالك.
وقال ابن المنذر: قال أكثر العلماء: لا شيء في الأوقاص.
وذهب مالك في رواية، والشافعيّ في القديم، ومحمد بن الحسن، وزُفَر إلى أنها في
النصاب والعفو جميعًا.
ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلًا تسعٌ من الإبل، فتلف أربعة بعد الحول، وقبل
التمكّن من الأداء، حيث قلنا: إنه شرط في الوجوب، وجبت عليه شاة بلا خلاف،
وكذا إن قلنا: التمكّن شرط في الضمان، وقلنا: الوقص عفوٌ، وإن قلنا: يتعلّق به
الفرض وجب خمسة أتساع شاة.
وقال النوويّ: أكثر ما يتصوّر من الأوقاص في الإبل تسعٌ وعشرون، وفي البقر تسع
عشرة، وفي الغنم مائة وثمان وتسعون، ففي الإبل ما بين إحدى وتسعين، ومائة
وإحدى وعشرين، وفي البقر ما بين أربعين، وستين، وفي الغنم ما بين مائتين وواحدة،
وأربعمائة انتهى.
[تنبيه]: ((الوقص)) -بفتح الواو، والقاف، ويجوز إسكانها، وبالسين المهملة، بدل
الصاد -: هو ما بين الفرضين، عند الجمهور، واستعمله الشافعيّ فيما دون النصاب
الأول أيضًا. قاله في (الفتح))(٢).
وقال النوويّ رحمه اللَّه تعالى في ((شرح المهذّب)): ((الوقص)) - بفتح القاف،
وإسكانها- لغتان، أشهرهما عند أهل اللغة الفتح، والمستعمل منهما عند الفقهاء
الإسكان، واقتصر الجوهريّ وغيره من أصحاب الكتب المشهورة في اللغة على الفتح،
(١) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص١٠٠.
(٢) - (فتح) ج٤ ص٧٧ .
٧٦
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وصنّف الإمام ابن برّيّ المتأخر جزءًا في لحن الفقهاء، لم يُصب في كثير منه، فذكر من
لحنهم ((وقص)) بالإسكان، وليس كما قال. وذكر القاضي أبو الطيّب الطبريّ في تعليقه
في آخر (باب زكاة البقر))، وصاحب ((الشامل)) في ((باب زكاة البقر)) أيضًا، وآخرون من
أصحابنا أن أكثر أهل اللغة قالوا: ((الوقص)) بالإسكان، وكذا قال صاحب ((الشامل)):
أكثر أهل اللغة. وقال القاضي: الصحيح في اللغة الأول. وقال بعض أهل اللغة: هو
بالفتح، فالأول ليس هو بصحيح.
واحتجّ مانع الإسكان بأنّ فَعْلًا الساكن المعتلّ الفاء، لا يُجمع على أفعال. وهذا
غلط فاحش، فقد جاء وَطْبٌ وأوطابٌ، ووَغْدٌ وأوغاد، ووَغْرٌ وأوعار، وغير ذلك.
فحصل في ((الوقص)) لغتان. قال أهل اللغة، والقاضي أبو الطيّب، وصاحب
(الشامل))، وغيرهما من أصحابنا: الشََّقُ -بفتح الشين المعجمة، والنون -: هو أيضًا ما
بين الفريضتين، قال القاضي: أكثر أهل اللغة يقولون: الوَقَص، والشََّقُ سواء، لا فرق
بينهما. وقال الأصمعيّ: الشَّنَق يختصّ بأوقاص الإبل، والوَقَصُ مختصّ بالبقر،
والغنم، واستعمل الشافعيّ رَمّه في ((البويطيّ)) الشنَقَ في أوقاص الإبل، والبقر،
والغنم جميعًا، ويقال أيضًا: وَقَس - بالسين المهملة.
وقال أيضًا: فحصل من هذه الجملة أنه يقال: وَقَصٌ، ووقْصٌ، -بفتح القاف،
وإسكانها- وشَنَقٌّ، ووقس -بالسين المهملة-، وأنه يطلق على ما لا زكاة فيه، سواء كان
بين نصابين، أو دون النصاب الأول، لكن أكثر استعماله فيما بين النصابين. انتهى كلام
النوويّ باختصار(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): اختلفوا فيما إذا زادت الإبل على عشرين ومائة على مذاهب:
(الأول): ذهب الشافعيّ، والأوزاعيّ، وإسحاق بن راهويه إلى أنها إذا زادت على
العشرين ومائة واحدةً، ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تصير مائة وثلاثين، فيجب فيها
حقّة، وبنتالبون، ثم كلما زادت عشرة كان في كلّ خمسين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت
لبون، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمختار عند الحنابلة، وهو قول عمر بن
عبد العزيز، والزهريّ، وأبي ثور، وابن حزم، وداود، وابن القاسم، صاحب مالك،
قال الباجيّ: قول ابن قاسم روايةٌ لمالك أيضًا.
واحتُجّ لهذا القول بقوله وَلَّ: ((فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت
لبون، وفي كلّ خمسين حقّة)). فإنه ◌َ * جعل هذا الحكمَ بنفس الزيادة، والواحدة
(١) - ((المجموع) ج٥ص٣٥٨-٣٥٩.
٧٧
٥- (ہابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
زيادة، فعندها يجب في كلّ أربعين بنت لبون، وقد جاء مصرّحًا بذلك عند الدارقطنيّ
في آخر هذا الحديث: ((فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى
تبلغ تسعًا وعشرين ومائة))، ومثله في كتاب عمر رَزّيه ، وكتاب عمرو بن حزم، كما
تقدّم، والحديث وإن كان فيه ضعف، إلا أنّ له شواهد يتقوّى بها. والله تعالى أعلم.
وقال الخطّابيّ: فيه دليلٌ على أن الإبل إذا زادت على العشرين ومائة لم يستأنف لها
الفريضة؛ لأنه علّق تغيّر الفرض بوجود الزيادة، وقد يحصل وجود الزيادة بالواحدة،
كحصولها بأكثر منها، وعلى هذا وُجد الأمر في أكثر الفرائض، فإن زيادة الواحد بعد
منتهى الْوَقَص توجب تغيّر الفريضة، كالواحدة بعد الخامسة والثلاثين، وبعد الخامسة
والأربعين، وبعد كمال الستين(١).
(الثاني): ذهب أبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق، وأحمد في رواية إلى أنها لا تجب فيما
زاد على العشرين والمائة شيء، حتى تكون مائة وثلاثين، ففيها حقّة، وبنتا لبون، فلا
يتغيّر الفرض عندهم، ولا يتعدّى إلى ثلاثين ومائة، وهو رواية عن مالك، رواها عنه
عبد الملك، وأشهب، وابن نافع.
واستُدلّ لهم بأن قوله وَلير: ((فإذا زادت على عشرين ومائة ... )) الحديث، يقتضي
أن يكون تغيّر الفرض في عدد يجب السِّنَّان معًا، أي المراد بالزيادة هي التي يمكن
اعتبار المنصوص عليه فيها، وذلك لا يكون فيما دون العشر.
وأجيب عنه بأن هذا غير لازم، وذلك أنه إنما علّق تغيّر الفرض بوجود الزيادة على
المائة والعشرين، وجعل بعدها في أربعين ابنة لبون، وفي خمسين حقّة، وقد وجدت
الأربعونات الثلاث في هذا النصاب، فلا يجوز أن يسقط الفرض، ويتعطّل الحكم،
وإنما اشترط وجود السّنّين في محلّين مختلفين، لا في محلّ واحد، فاشتراطهم
وجودهما معًا في واحد غلطْ.
واستُدلّ لهم أيضًا بأن الفرض لا يتغيّر بزيادة الواحدة، كسائر الفروض.
وأجيب عنه بأنه ما تغيّر بالواحدة وحدها، وإنما تغيّر بها مع ما قبلها، فأشبهت
الواحدة الزائدة على التسعين، والستين، وغيرهما.
واستدلّ لهم أيضًا بما روى أبو عُبيد في ((كتاب الأموال)) عن يزيد بن هارون، عن
حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبد الرحمن، أن في كتاب
صدقة النبيّ 18َّ، وفي كتاب عمر في الصدقة: أن في الإبل إذا زادت على عشرين
(١) - ((معالم السنن)) ج٢ ص١٧٨ .
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ومائة، فليس فيما دون العشر شيء، حتى تبلغ ثلاثين ومائة (١).
وأجيب بأن هذا مرسل، ولا حجة فيه. وأيضًا قد رواه الدارقطنيّ، والحاكم،
والبيهقيّ، مطوّلًا، وفيه: ((فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة، ففيها ثلاث بنات
لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك، فليس فيما لا
يبلغ العشر منها شيء حتی یبلغ العشر)) انتهى.
وهذا -كما ترى- نصّ في القول الأول، وصريح في الرّدّ على القول الثاني.
(الثالث): ذهب مطرّف، وابن أبي حازم، وابن دينار، وأصبغ إلى أن الساعي
بالخيار بين أن يأخذ في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، أو حقّتين، أيّ
الصنفين أدّى أجزأه إلى أن يبلغ ثلاثين ومائة، فيجب فيها حقّة وبنتا لبون، وهو رواية
عن مالك أيضًا، وهو مختار فروع المالكيّة.
قال ابن حزم: قول مالك في التخيير بين إخراج حقتين، أو ثلاث بنات لبون خطأ،
فإن رسول اللَّه وَل فرق بين حكم العشرين ومائة، فجعل حقّتين بنصّ كلامه، وبين
حكم ما زاد على ذلك، فلم يجز أن يسوى بين حكمين فرق رسول اللّه وَ ل بينهما، ولا
نعلم أحدًا قبل مالك قال بهذا التخيير انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي المذهب الأول، وهو أنه إذا
زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، إلى أن تصير مائة،
وثلاثين، ففيها حقّة، وبنتا لبون، ثم كلما زادت عشرة، كان في كلّ خمسين حقّة، وفي
كلّ أربعين بنت لبون، لظاهر حديث الباب، وأصرح منه ما في كتاب عمر تَظريه،
وكتاب عمرو بن حزم، من أنه إذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون،
حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، والحديث، وإن تكلّم فيه إلا أنّ له شواهد تقويه، كما
سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اختلف في حكم ما بعد العشرين والمائة:
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد، إلى أنه يدور الحكم بعد العشرين
والمائة على الأربعينات والخمسينات أبدًا، من غير أن تُستأنف الفريضة، فيتغير الفريضة
عندهم بعد العدد المذكور إلى بنت لبون في كلّ أربعين، وإلى حقّة في كلّ خمسين،
ولا تعود إلى الأول.
واحتجّوا لذلك بما روي في كتاب أبي بكر الصدّيق، وفي كتاب عمر، وفي كتاب
(١) - راجع ((كتاب الأموال)) ص ٣٦٧ - ٣٦٩.
(٢) - ((المحلّى)) ج٥ ص٣١ .
٧٩
۔۔ (بابُ زکاةِ الإِبل) - حدیث رقم ٢٤٤٧
عمرو بن حزم، وفي كتاب زياد بن لَبِيد إلى حضرموت، من قوله {َالر: ((فإذا زادت على
عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي خمسين حقّة.
وذهب أبو حنفية، وأصحابه، والثوريّ، والنخعيّ إلى أنه تُستَأنَف الفريضة بعد
العشرين ومائة، كما في الأول إلى مائة وخمسين؛ إلا أنه لا تجب في هذا الاستئناف
بنت لبون وجذعة، فليس عندهم فيما بعد العشرين ومائة إلا حقّتان فقط، حتى تتمّ
خمسًا وعشرين ومائة، فيجب فيها حقّتان وشاة، إلى ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها، ففيها
حقّتان وشاتان إلى خمس وثلاثين ومائة، ففيها حقّتان، وثلاث شياه، إلى أربعين
ومائة، ففيها حقّتان، وأربع شياه، إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقّتان،
وبنت مخاض، إلى خمسين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق. هذا هو الاستئناف
الأول، ثم تُستأنف الفريضة، وتجب فيها بنت لبون أيضًا على خلاف الاستئناف الأول،
فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، ثم كما ذكرنا في كلّ خمس شاة
مع الثلاث حقاق إلى أن تصير خمسًا وسبعين ومائة، فیجب فيها بنت مخاض، وثلاث
حقاق، إلى ستّ وثمانين ومائة، فإذا بلغتها كانت فيها بنت لبون، وثلاث حقاق إلى
ستّ وتسعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة كما
بعد مائة وخمسين، فتجب في كلّ خمس شاة، فإذا صارت مائتين وخمسًا وعشرين،
ففيها أربع حقاق، وبنت مخاض، وفي ستّ وثلاثين ومائتين أربع حقاق، وبنت لبون
إلى ستّ وأربعين ومائتين، فإذا بلغتها كانت فيها خمس حقاق إلى خمسين ومائتين،
وهكذا إلى ما لا نهاية له، كلما بلغت الزيادة خمسين زاد حقّة، ثم استأنف تزكيتها
بالغنم، ثم بينت مخاض، ثم بنت لبون، ثم بالحقّة.
ولا يخفى أن هذا المذهب لا يصدق عليه قوله وَ لير: ((فإذا زادت على عشرين ومائة،
ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة))، فإنه يدلّ على أن مدار الحكم
والحساب بعد العشرين ومائة هو الأربعون والخمسون، وعلى أنه يُجعل الكلّ على عدد
الأربعينات، والخمسينات، وقد عرفت أنهم لم يجعلوا الأربعين والخمسين مدارًا
للحكم، بل قالوا بالعود إلى أول الفريضة والاستئناف، وتقدّم أنه ليس في الاستئناف
الأول بنت لبون أصلًا، ثم إنها وإن كانت في الاستئناف الثاني، لكن الفريضة لا تدور
على الأربعين عندهم، فإنه تجب بنت لبون من ست وثلاثين إلى ستّ وأربعين،
والأربعون واقع في البين، فلم يكن مدارَ الحكم، ولا يكون لتخصيصه بالذكر على
مذهبهم معنى؛ لكون بنت اللبون واجبة فيما دونه، وفيما فوقه أيضًا، وكذا الحقّة تجب
من ستّ وأربعين إلى خمسين، فلا يكون الخمسون مدارًا، ولا يظهر لتخصيصه في
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قوله: ((وفي كلّ خمسين حقّة)) معنى أيضًا.
قال صاحب ((العرف الشذيّ)): الحقّ أن حديث الباب أقرب بمذهب الحجازيين؛
لأنه وَ له قد أجمل بعد مائة وعشرين، ومذهب الحجازيين مستقيم على هذا الحديث بعد
مائة وعشرين إلى الأبد. وأما مذهبنا فاستقامته إنما هو بعد خمسين ومائة انتهى.
قال صاحب ((المرعاة)): الحديث الذي استدلّ به أهل الحجاز لا يصدق على مذهب
أهل العراق أصلًا، فإن مذهبهم كما لا يستقيم قبل الخمسين ومائة، لقوله وَلّ في
حديث أنس ◌َظنّه عند الدارقطنيّ: «فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة، ففي كلّ أربعين
بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة))، كذلك لا يستقيم بعده أيضًا، فإن مدار بنت اللبون
هو ستّ وثلاثون، لا أربعون، ومدار الحقّة ستّ وأربعون، لا خمسون، فإن هذين
العددين يكونان في البين، والحديث نصّ في كون الأربعينات والخمسينات مدارًا بعد
العشرين ومائة، مطّردًا دائمًا.
هذا، وقد تصدّى الحنفيّة، كالطحاويّ في ((شرح معاني الآثار))، والسرخسيّ في
((المبسوط))، وأبي بكر الرازيّ في ((أحكام القرآن))، وابن الهمام في ((فتح القدير))،
والزيلعيّ في ((شرح الكنز))، والعينيّ في ((شرح البخاريّ)) للجواب عن حديث الباب،
والتخلّص من مخالفته.
قال صاحب ((المرعاة)): ولولا أنه يطول البحث جدّا، لذكرنا كلامهم أجمعين، وبيّنًا
ما في أجوبتهم من التكلّف، والتمخل، والتلبيس، والتخليط، والفساد. وقد ذكر تقريرً
ابن الهمام وجوابَهُ الشيخُ عبد العلى بحر العلوم اللكنويّ الحنفيّ في «رسائل الأركان
الأربعة)) - (ص ١٧٠ -١٧١) ثم ردّ عليه، ورجّح مذهب الجمهور، وقال في آخر
كلامه: فالأشبه ما عليه الإمام الشافعيّ، والإمام أحمد.
واحتجّ الحنفيّة لمذهبهم بما روى أبو داود في ((المراسيل))، وإسحاق بن راهويه في
((مسنده))، والطحاويّ في ((مشكله)) عن حماد بن سلمة، قال: قلت لقيس بن سعد: خذ
لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابًا، أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم: ((أن النبيّ وَّ كتبه لجدّه، فقرأته، فكان فيه ذكر ما يُخرج من
فرائض الإبل، فقصّ الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من عشرين
ومائة، فإنه يُعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقلّ من خمس وعشرين ففيه الغنم في
كلّ خمس ذودٍ شاة)). كذا في ((نصب الراية)).
وأجيب عنه بما قال ابن الجوزيّ في ((التحقيق)): إن هذا حديث مرسل. وقال هبة
الله الطبريّ: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع، ولا يَعرِفُ أهلُ المدينة كلهم عن كتاب