النص المفهرس
صفحات 1-20
شرح سُبْ النَّائى المُسَمَّى ذَخِيرَة العُقى فى شرح المجتبى لجامِعِه الْفَقَيْرُ إلى مَوْلَهِ الفَنِيّالقَدِيُر محمّد بنالشّيخ العَّ ◌َة ◌َ بْ آَمْبُوَاأَيُونِي الْوَلَّيِّ المُرّسُ بَدَارُ الْحَدَيْثُ الخيرِيَّة بمكّة المكرّمة عَفَا اللّه عَنَّه رَعَنْ وَالَيْهِ آمِينْ الجزء الثانى والعشرون مكتب تنسيق ومريح ويُحقيقة وُجُمْ إعلارى قم: ٢٥٢٤٠ آل بَدوم للنشر وَالتوزيع دارآ جميع الحقوق محفُوطُعَّة الطَّبَعَّة الأولى ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م دَارُال برُويم للنشروَالتَوزيخ المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسيّ التّعيم صَبْ: ٤١٤٥- (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) شرح سُبْ النََّّائي بسمالله الرحمن الرحيم ٢- (بابُ التغليظِ فِي حَبْس الزكاة) - حدیث رقم ٢٤٤٠ ٢- (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي حَبْسِ الزَّكَاةِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على تشديد العقوبة على من حبس الزكاة، ومنعها من مستحقّها. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيِدٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَِّيِّ وَِّ، وَهُوَ جَالِسٌ، فِي ظِلٌ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي، مُقْبِلًا، قَالَ: ((هُمُ الْأَخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ))، فَقُلْتُ: مَا لِي، لَعَلِي أَنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ، قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: ((الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَّ هَكَّذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، حَتَّى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ»، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَمُوتُ رَجُلٌ، فَيَدَعُ إِلًا، أَوْ بَقَرًا، لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُّهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِها، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا، أُعِيدَتْ أُوْلَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هناد بن السريّ) أبو السري الكوفي، ثقة [١٠] تقدم ٢٥/٢٣. ٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة من أثبت الناس في الأعمش [٩] تقدم ٣٠/٢٦. ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي الثقة الحجة الثبت، لكنه يدلس [٥] تقدم ١٨/١٧ . ٤- (مَعْرُور بن سُويد) الأسديّ، أبي أُميّة الكوفيّ، ثقة [٢]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو حاتم. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، من أصحاب عبد اللَّه. وقال الأعمش: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة. وقال ابن مهديّ، عن شعبة، عن واصل: كان المعرور يقول لنا: تعلّموا مني يا بَنِي أخي، وكان كثير الحديث. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة. وليس له عند المصنّف في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده في - ٢٤٥٦/١١. [تنبيه]: ليس في الكتب الستة من اسمه معرور إلا معرور بن سويد هذا. والله تعالى أعلم. ٥- (أبو ذرّ) جندب بن جنادة الصحابيّ المشهور رَله تقدم ٣٢٢/٢٠٣. والله تعالى أعلم. ٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي ذَرَّ) جُندب بن جُنادة رَّهِ (قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، وَهُوَ جَالِسٌ، فِي ظِلُّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي، مُقْبِلًا، قَالَ: ((هُمُ الْأَخْسَرُونَ) يأتي تفسيره بقوله: ((الأكثرون أموالًا)) (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ))) فيه جواز القسم بهذه الصيغة (فَقُلْتُ: مَا لِي) أي أيُّ شيء ثبت لي حتى حلف رسول اللَّه وَلّ في وجهي هذا الحلف (لَعَلِّ أَنْزِلَ فِيَّ شَيْءٍ) مما يُستَحَقُّ به الوعيدُ (قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟، فِدَاكَ أَبِي وَأَمِي) ولفظ مسلم: ((قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقارّ أن قمتُ، فقلت: يا رسول اللَّه، فداك أبي وأمي من هم؟ (قَالَ: «الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا) أي هم الذين كانوا أكثر الناس أموالًا (إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: استثناءٌ من هذا الحكم، وفيه رجوع الضمير إلى الحاضر في الذهن، ثم تفسيره للمخاطب إذا سأل عنه، ومعنى: ((إلا من قال هكذا)): أي إلا من تصدق من الأكثرين في جميع الجوانب، وهو كناية عن كثرة التصدّق، فذاك ليس من الأخسرين . وقوله: ((قال)) إما بمعنى ((تصدّق))، وقوله: ((هكذا)) إشارة إلى حَثِهِ في الجوانب الثلاث، أي تصدّق في جميع جهات الخير، تصدّقًا كالحثي في الجهات الثلاث. أو بمعنى ((فَعَل)) أي إلا من فعل بماله فعلًا مثل الحثي في الجهات الثلاث، وهو كناية عن التصدّق العامّ في جهات الخير، وحَثْيُّهُ وَ لَّ بيان للمشار إليه بـ((هكذا))، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال انتهى كلام السنديّ. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله السنديّ رحمه الله تعالى حسنٌ، إلا قوله: ((أو بمعنى فعل الخ، فإنه لا فرق بينه وبين المعنى الأول، فما الذي دعاه إلى أن يذكره احتمالاً ثانيًا؟ . فليُتَأَمّل. وقوله (حَتَّى) هكذا نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ ((حتّى)) بالتاء المثناة،، وهو مصحف من ((حتى)) بالثاء المثلثة، بدون شكّ، ووقع في ((الكبرى)) على الصواب، ولفظه: «فَخَثَی بین یدیه الخ)». و((الْحَثْيُ)): قبض الشيء، ثم رميه، قال الفيوميّ رحمه الله تعالى: حَثَا الرجلُ الترابَ یخثُوه حثوا -ويحثِیه حَثْیًا، من باب رمی لغةً - : إذا هاله بيده، وبعضهم يقول قبضه بيده، ٢- (بابُ التغليظِ فِي حَبْس الزكاة) - حديث رقم ٢٤٤٠ ٧ ثم رماه، ومنه ((فاحثوا التراب في وجهه))، ولا يكون إلا بالقبض، والرمي. انتهى(١). (بَيْنَ يَدَئِهِ) زاد في رواية مسلم: ((ومن خلفه)) (وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا تفسير لاسم الإشارة في قوله: ((هكذا الخ. وإشارته ◌َل﴿ إلى قُدّام، ووراء، والجانبين، فمعناه أنه ينفق في وجوه الخير، ولا يقتصر على نوع واحد من وجوه البرّ، بل ينبغي أن ينفق متى حضر أمرٌ مِهمّ. أفاده النوويّ(٢). (ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَمُوِتُ رَجُلٌ، فَيَدَعُ إِلَا، أَوْ بَقَرًا، لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَها، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُّهُ بِأَخْفَّافِهَا) راجع للإبل؛ لأن الخفّ مخصوص بها، كما أن الظُّلْفَ وهو الْمُنشَقُّ من القوائم - مختصّ بالبقرِ، والغنم، والظباءِ، والحافرَ مختصّ بالفرس، والبغل، والحمارِ، والقدمَ للآدميّ. ذكره الحافظ السيوطيّ في ((حاشية الترمذيّ))(٣) (وَتَنْطِّحُهُ بِقُرُونَها) راجع للبقر، والمشهور في الرواية كسر الطاء، ويجوز الفتح (كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا) بكسر الفاء، وإهمال الدال، أو بفتحها، وإعجام الذال. قال النوويّ: ضبطناه بالدال المهملة أي مع كسر الفاء- وبالمعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما صحيح (أُعِيدَتْ أَولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ النَّاسِ))) أي يمتدّ عليه هذا التعذيب إلى أن يفرغ الله تعالى من الحكم بين الناس في عرصات القيامة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي ذرّ ◌َظّ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٢٤٤٠- وفي ((الكبرى))٢٢٢٠/٢. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٦٠ (م) في ((الزكاة)) ٩٩٠ (ت) في الزكاة)) ٦١٧ (ق) في ((الزكاة)) ١٧٨٥ (أحمد) في (مسند الأنصار)) ٢٠٨٤٤ و٢٠٨٩٠ و٢٠٩٨٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تغليظ العقوبة في منع الزكاة (ومنها): أن من كان أكثر الناس مالًا، ثم لم يَقُم بحقّه من أداء الزكاة، وغيره، يعاقب بالعقاب المذكور، وهو أن يكون جنسُ ذلك المال عذابا يعذّب به (ومنها): (١) - ((المصباح المنير)). (٢) - ((شرح مسلم)) ج٧ص٧٦. (٣) - راجع ((شرح السنديّ)) ج٥ص١١ . ٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الحثّ على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البرّ، بل ينفق في كلّ وجه من وجوه الخير (ومنها): جواز الحلف بغير تحليف، قال النوويّ: بل هو مستحبّ إذا كانت فيه مصلحة، كتوكيد أمر، وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول اللَّه ◌َ لقر في هذا النوع لهذا المعنى انتهى (١). (ومنها): أن بعض العصاة يُعذّب عذابًا خاصًا في عرصات القيامة قبل فصل القضاء (ومنها): أن البعث في القيامة لا يخصّ العقلاء، بل يعم سائر الحيوانات. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٤١ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِ رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ، لَهُ مَالٌ، لَا يُؤَدِي حَقَّ مَالِهِ، إِلَّا جُعِلَ لَهُ طَوْقًا، فِي عُنُقِهِ، شُجَاعٌ أَقْرَعُ، وَهُوَ يَفِرُ مِنْهُ، وَهْوَ يَتْبَعُهُ))، ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَهُمَّ بَلَّ هُوَ شَرّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَعِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَئِمَةُ﴾ الْآَيَّةَ [آل عمران: ١٨٠]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (مجاهد بن موسى) الْخُتّليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]١٠٢/٨٥. ٢- (ابن عيينة) سفيان الإمام الحجة الثبت [٨]. ٣- (جامع بن أبي راشد) الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ، ثقة فاضل[٥]. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبتٌ صالح، وأخوه ربيع، يقال: إنه لم يكن بالكوفة في زمانه أفضل منه، وهما في عِدَاد الشيوخ، ليس حديثهم بكثير. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقة ثقة. وقال البخاريّ في ((التاريخ)): قال عليّ، عن سفيان: جامع أحبّ إليّ من عبد الملك بن أعين. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): جامع بن أبي راشد، وربما رَوَى عنه شريكٌ، فقال: جامع بن راشد، والصحيح ما قاله سفيان، وغيره -يعني ابن أبي راشد -. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا٢٤٤١ و ٣٧٩٨ حديث: ((هذا البيع يحضره الحلف والكذب .. )) الحديث. ٤- (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم ثقة [٢]٢/٢. ٥- (عبد الله) بن مسعود رَيشيّ ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال .(١) - ((شرح مسلم)) ج٧ص٧٦ . ٢- (بابُ التغليظِ فِي حَبْس الزكاةِ) - حدیث رقم ٢٤٤١ ٩ الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. (ومنها): أن فيه ((عبد الله)) مهملًاو وقد سبق أنه إذا وقع ((عبد الله)) مهملًا في الصحابة يُنظَرُ فيمن روى عنه فإن كان كوفيًا كما هنا فهو ابن مسعود، وإن کان مدنيًا فهو ابن عمر، وإن کان مکیًا فهو ابن الزبير، وإن کان بصريًا فهو ابن عباس، وإن كان مصريًا أو شاميًا فهو ابن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وإلى هذا أشار السيوطي في ((نظم الدرر)) حيث قال: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ ((عَبْدُ اللَّهِ) فِي طَيْبَةَ فَآَبْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي بِكُوفَةٍ فَهْوَ أَبْنُ مَسْعُودٍ يُرَى بِمَكَّةٍ فَأَبْنُ الزُّبَيْرِ أَوْجَرَى وَالشَّامِ مِهْمَا أُطْلِقَ آبْنُ عَمْرٍو وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رَزُِّه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((مَا مِنْ رَجُلِ، لَهُ مَالٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّ مَالِهِ) أي لا يؤدي زكاته، أو أعمّ من ذلك (إِلَّا جُعِلَ لَهُ) أي ذلك المال حقیقة، والظاهر جميع المال، لا قدر الزكاة فقط، فضمير ((جُعِلَ)) يعود إلى المال، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني قوله (طَوْقًا فِي عُنُقِهِ) بفتح الطاء المهملة: أي حلقةً تعلّق في عنقه . قال في ((القاموس)): الطّوْق: حَلْيّ للعنق، وكلّ ما استدار بشيء، والجمع أطواق انتهى (شُجَاعٌ) بالرفع خبر لمحذوف، أي هو شجاع، والجملة حال. ويحتمل أن يكون ((شجاع)) هو النائب عن فاعل ((جُعل))، لكن الأولى جعل النائب ضمير المال، كما أسلفناه. وفي بعض النسخ، وهو الذي في ((الكبرى)): ((شجاعًا)) بالنصب، فيكون منصوبًا على الحال، أو بدلًا من ((طوقًا)). قال في ((القاموس)): الشجاع: كغُرَاب، وكِتَاب: الحيّة، أو الذكر منها، أو ضرب منها صغير، جمعه شِجعانٌ، بالكسر، والضمّ انتهى. وقال القرطبيّ: والشجاع من الحيّات الذكر الذي يواثب الفارس، والراجل، ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى. وقيل: هو الثعبان انتهى(١) (أَقْرَعُ) قال في ((النهاية)): هو الذي لا شعر له على رأسه، يريد حيّة قد تَمَعَط جلد رأسه لكثرة سمه، وطُول عمره. وقال القاضي عياض: قيل: هو الأبيض الرأس من كثرة السمّ. وقيل: نوع من الحيّات أقبح منظرًا. قال: وظاهر هذه الرواية: أنّ ماله صُيِّرَ، (١) - ((المفهم)) ج٣ص ٣٠. ١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وخُلق على صورة الشجاع. ويحتمل أن اللَّه تعالى خلق الشجاع لعذابه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الأول هو الأقرب، لظاهر النصّ. والله تعالى أعلم. قال: وقيل: خصّ الشجاع بذلك لشدّة عداوة الحيّات لبني آدم انتهى. وزاد في حديث أبي هريرة رَزي: ((له زَبيبتان)»: وهو تثنية زَبيبة - بفتح الزاي، وموحدتین- وهما الزبدتان اللتان في الشدقین، يقال: تكلّم حتی زبد شدقاه، أي خرج الزبد منهما. وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه. وقيل: نقطتان يكتنفان فاه. وقيل: هما في حلقه بمنزلة زَنَّمَتي العَنْز. وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين. وقيل: نابان يخرجان من فيه (١) . (وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ) أي يفرّ صاحب المال من ذلك الشجاع خوفًا من أذاه، وهذا في أول الأمر قبل أن يصير طَوْقًا في عنقه. ولفظ ((الكبرى)): ((وهو يَقدُمُه))، والظاهر أنه بضم الدال، أي يتقدّمه فرارًا منه (وَهُوَ يَتْبَعُهُ) أي يتبع الشجاعُ الرجلَ، وفي حديث جابر رَّيهِ عند مسلم: ((يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فرّ منه، فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته، فأنا عنه غنيّ، فإذا رأى أن لا بدّ منه، سلك يده في فيه، فيَقْضِمها قَضْمَ الفحل)). (ثُمَّ قَرَأ) النبيّ وَلِّه، وفي رواية للترمذيّ: ((قرأ رسول اللَّه ◌َا))، ولابن ماجه: ((ثم قرأ علينا رسول اللّه وَلِّ)) (مِصْدَاقَهُ) -بكسر، فسكون- أي ما يشهد لصدقه. قال في ((القاموس)): مِصْداق الشيء: ما يُصَدِّقُهُ انتهى (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللهُ﴾) بالمدّ أي أعطاهم (﴿مِن فَضْلِهِ،َ هُوَ خَيْرًا لَهُمَّ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَئِمَةٌ﴾ الْآيَةَ [آل عمران: ١٨٠]) ظاهر الآية أنه يُجعل قدر الزكاة طَوْقًّا له؛ لأنه الذي بخل به، وظاهر الحديث أنه كلّ المال، ويمكن أن يقال: المراد في الآية ما بخلوا بزكاته، وهو كلّ المال، فيرجع إلى معنى الحديث. والله تعالى أعلم. والحديث يدلّ على أن المراد بالتطويق في الآية الحقيقة، خلافا لمن قال: إن معناه سيطوّقون الإثم. [فإن قلت]: كيف يجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيَّهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية؟ [التوبة: ٣٤، ٣٥]. [قلت]: فيه جوابان: (١) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص ١٥ . ١١ ٢- (بابُ التغليظِ فِي حَبْس الزكاة) - حدیث رقم ٢٤٤٢ (أحدهما): أنه يُحمل على أن بعض أنواع المال يكون طَوْقًا، وبعضها يُحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره. (والثاني): أنه يحمل على أنه يُعَذّب حينًا بهذه الصفة، وحينًا بتلك الصفة. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: في قراءة النبيّ وَ﴾ الآية دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أكثر أهل العلم بالتفسير. وقيل: إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة النبيّ وَّه . وقيل: نزلت فيمن له قرابة لا يَصِلهم. قاله مسروق(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مسعود تَظّ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٤٤١/٢- وفي ((الكبرى))٢٢٢١/٢. وأخرجه (ت) في (التفسير)» ٣٠١٢ (ق) في ((الزكاة)) ١٧٨٤٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٤٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي عَمْرِو الْغُدَانِيِّ، أَنَّ أَبَّ هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ بِهِ، يَقُولُ: ((أَيُّمَا رَجُلِ، كَانَتْ لَهُ إِلٌ، لَا يُعْطِي حَقَّهَا، فِي نَجْدَتها وَرِسْلِهَا))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجْدَثََّاً وَرِسْلُهَا؟، قَالَ: ((فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، فَإِنّا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَغَذُّ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنِهِ، وَآَشَرِهِ، يُبْطَحُ لَّهَا، بِقَاعِ قَرْقَرٍ، فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، إِذَا جَاءَتْ أُخْرَاهَا، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا،َ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ، كَأَنَتْ لَهُ بَقَرْ، لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتَها وَرِسْلِهَا، فَإِنَّا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَغَذَّ مَا كَانَثّ، وَأَسْمَنَهُ، وَآَشَرَهُ، يُبْطَحُ لَهَا، بِقَاعِ قَرْقَرٍ، فَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتٍ قَرْنٍ بِقَرْنَهَا، وَتَطَوُّهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا، إِذَا جَاوَزَتْهُ أَخْرَّاهَا، أَعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلِ كَانَتْ لَهُ غَنَمْ، لَا يُعْطِي حَقَّهَا، فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا، فَإِنَّا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ، وَأَكْثَرِهِ، وَأَسْمَتِهِ، وَأَشَرِهِ، ثُمَّ يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعِ (١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ١٥ . = ١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قَرْقَرِ، فَتَطَؤُّهُ كُلُّ ذَاتٍ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتٍ قَرْنٍ بِقَرْنِها، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَاَ عَضْبَاءُ، إِذَا جَاوَزَتْهُ أَخْرَاهَا، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، فِي يَوْمَ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ») . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدري، أبو مسعود البصري، ثقة [١٠] من أفراد المصنف . ٢- (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨]٥/٥. ٣- (سعيد بن أبي عروبة) مهران، أبو النضر البصري، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [٦]. ٤- (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الثقة الثبت الحجة، كان يدلس [٤]. ٥- (أبو عُمَر الْغُدَانيّ) ويقال: ((أبو عَمْرو)) بفتح، فسكون، وهو الواقع في بعض النسخ. و((الغدانيّ)) بضمّ المعجمة، وتخفيف الدّال المهملة، البصريّ، مقبول [٣]. حديثه في البصريين. روى عن أبي هريرة حديث الباب بطوله. وعنه قتادة. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وروى حديثه الحاكم في ((المستدرك))، وقال: إن اسمه يحيى بن عُبيد الْبَهْرَانيّ. لكن قال في ((ت)): ووهم من قال: اسمه يحيى بن عبيد. انتهى. تفرّد به أبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أبو هريرة) رَتَّه ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والغداني كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُمَرَ) بضم العين المهملة، وفتح الميم، ويقال: أبو عمرو بفتح العين، كما في بعض النسخ، كما مرّ آنفًا (الْغُدَانِيَّ) -بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة: نسبة إلى غُدَانة بن يَرْبوع بن حنظلة بن بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قاله في ((اللباب))(١) (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((أَيُّمَا رَجُلِ)، ومثله في ذلك المرأة، فليس التنصيص للتخصيص، بل نظرًا للأغلبية، فتبصَّر وَاللَّه (١) - ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ج٢ص٣٧٥ و((الأنساب)) ج٤ ص٢٨٣. ٢- (بابُ التغليظِ فِي حَبْس الزکاةِ) - حدیث رقم ٢٤٤٢ ١٣ = تعالى أعلم (كَانَتْ لَهُ إِلٌ، لَا يُعْطِي حَقَّهَا) أي لا يؤدي زكاتها، أو أعمّ من ذلك. وسأتي من طريق الأعرج، عن أبي هريرة -٢٤٤٨/٦ - زيادة: ((ومن حقها أن تُحلب على الماء))، ويأتي الكلام عليه هناك، إن شاء اللّه تعالى (فِي نَجْدَتَها وَرِسْلِهَا)))قال في ((النهاية)): النَّجدة -أي بفتح، فسكون -: الشدّة، والرِّسْلُ -بالكسر -: الْهِيئَة، والتأنّي. قال الجوهريّ: يقال: افعل كذا وكذا علی رِسْلِكَ -بالکسر -: أي انئد فيه، كما يقال: على هِينَتك. قال: ومنه الحديث: ((إلا من أعطى في نَجْدتها، ورسلها)): أي الشّدّة والرخاء، يقول: يُعطي، وهي سِمَانْ حِسَانٌ، يشتدّ عليه إخراجها، فتلك نجدتها، ويُعطي في رِسْلِها، وهي مَهَازيلُ مُقاربة. وقال الأزهريّ: معناه: إلا من أعطى في إبله ما يَشُقّ عليه إعطاؤه، فيكون نَجْدةً عليه، أي شِدَّةً، ويعطي ما يَهُون عليه إعطاؤه منها مُستَهِينًا على رِسْلِهِ. وقال الأزهريّ: وقال بعضهم(١): ((في رِسْلِها)): أي بطيب نفس منه. وقيل: ليس للَّهُزال فيه معنى؛ لأنه ذَكَرَ الرُّسْل بعد النّجْدة على جهة التفخيم للإبل، فجرى مجرى قولهم: إلا من أَعطَى في سِمَنها وحُسْنها، ووُفُور لبنها، وهذا كلّه يرجع إلى معنى واحد، فلا معنى للهُزَالِ، لأن من بذل حقّ اللَّه من المضنون به، كان إلى إخراجه مما يَهُون عليه أسهل، فليس لِذكرِ الْهُزَال بعد السمن معنى. قال صاحب ((النهاية)): والأحسن -والله أعلم- أن يكون المراد بالنجدة الشدّة، والْجَذْب، وبالرسل الرخاء والْخِصْب؛ لأن الرسل اللبنُ، وإنما يكثر في حال الرخاء والخصب، فيكون المعنى أنه يُخرج حقّ اللّه في حال الضيق والسعة، والجدب والخصب؛ لأنه إذا أخرج حقّها في سنة الضيق والجدب، كان ذلك شاقًا عليه، فإنه إجحاف، وإذا أخرجها في حال الرخاء، كان ذلك سهلًا عليه، ولذلك (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجْدَثَها وَرِسْلُهَا؟، قَالَ: ((فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا) فسَمَّى النَّجْدَة ◌ُسرًا، والرِّسْلَ يُسرّا؛ لأن الجدب عسر، والخصب يُسر، فهذا الرجل يعطي حقّها في حال الجدب والضيق، وهو المراد بالنجدة، وفي حال الخصب والسعة، وهو المراد بالرسل ، والله أعلم انتهى كلام صاحب ((النهاية)) بتغيير يسير(٢). (فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَغَذْ مَا كَانَتْ) بالغين، والذال المعجمتين: أي أسرع، وأنشط، يقال: أَغَذّ يُغَذّ: إذا أسرع في السير. و((أغذّ)) مضاف إلى ((ما)) المصدية، والوقتُ مقدّر، وهو متعلق بحال محذوف، أو الكاف اسم بمعنى ((مثل)): أي تأتي حال كونها مماثلة لأكمل أحوالها، من الإسراع، والنشاط. (١) - هو ابن الأعرابيّ، كما صرّح به الهرويّ، كما في ((اللسان)). (٢) - ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ج٢ ص٢٢٢-٢٢٣ . ١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ووقع في ((الكبرى)): ((كأعدّ)) بالعين، والدال المهملتين، في الموضعين بَدَلَ ((كأغذّ)) بالمعجمتين))، وأظنه تصحيفا. والله تعالى أعلم. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: ((أوفر ما كانت)). قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قوله: ((أوفر ما كانت)) أي عند مانع زكاتها؛ لأنها قد تكون عنده على حالات، مرّةً هزيلة، ومرّة سمينةً، ومرّة صغيرة، وأخرى كبيرة، فتأتي يوم القيامة على أوفر أحوالها عنده؛ زيادة في عقوبته بقوّتها، وكمال خَلْقها، فتكون أثقل في وطئها، وأيضًا فيأتي جميها، لا يفقد منها شيئًا، حتى الفصيل - بفتح الفاء، وكسر الصاد -: ولد الناقة إذا فُصل عن أمه، وقد تجب فيه الزكاة، إما لبلوغه حولًا، وإما لبناء حوله على حول أمه. قال: وهذا الذي ذكرته هو الظاهر، وذكر والدي رحمه اللّه تعالى- يعني الحافظ العراقيّ- في ((شرح الترمذيّ)) احتمالين آخرين: (أحدهما): أنها تأتي أوفر ما كانت عليه في الدنيا مطلقًا، فقد تكون عند صاحبها الذي منع زكاتها هزيلة في جميع مدتها عنده، وتسمن بعد ذلك عند غيره، أو تكون قبل أن يملكها سمينة، فتحشر على أتمّ حالاتها؛ تغليظًا عليه. (الثاني): أنها تجيء على أعظم حالات الإبل مطلقًا، هي وغيرها، وكذلك البقر، والغنم، ويدلّ له قوله بعد ذلك: ((ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء))، وفي حديث جابر وَلَّه عند مسلم أيضًا: ((ليس فيها جماء، ولا منكسرٌ قرنُها)). وربما كان في بقره، وغنمه في الدنيا ما هو بهذه الصفة من النقص، فأخبر وَ * أنها تأتي تامّة الخلقة؛ تغليظًا انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر. والله تعالى أعلم. (وَأَسْمَتِهِ، وَآَشَرِهِ) -بمدّ الهمزة، والشين المعجمة، وتخفيف الراء -: أي كأبطر ما كانت، وأنشطه. وفي بعض النسخ: ((وأَسَرِّهِ)) -بالسين المهملة، وتشديد الراء -: أي كأسمن ما كانت، وأوفره، من سِرِّ كلّ شيءٍ، وهو لُبُّهُ ومُخُهُ. وقيل: من السرور؛ لأنها إذا سمنت سَرَّتْ الناظر إليها. ويروى: ((وأَبْشَره)): أي أحسنه، من البِشْر، وهو طلاقة الوجه، وبشاشته. أفاده في ((النهاية))(٢). (يُبْطَحُ) بالبناء للمفعول: أي يُلقى على وجهه. وقال النوويّ: قوله: ((بُطح)) قال جماعة: معناه ألقي على وجهه. قال القاضي: قد جاء في رواية البخاريّ: ((تَخْبِط وجهه بأخفافها)) قال: وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البَطْح كونه على الوجه، وإنما هو في (١) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص١٢ - ١٣. (٢) - ((النهاية)) ج٢ ص ٣٦٠. وج ١ ص١٢٩ . = ١٥ ٢- (بابُ التغليظِ فِي حَبْس الزکاةِ) - حدیث رقم ٢٤٤٢ اللغة بمعنى البسط والمدّ، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، ومنه سمّيت بطحاء مكة؛ لانبساطها انتهى (١) (لَهَا) أي لأجل تلك الإبل، وهو متعلّق بما قبله. (بِقَاعِ قَوْقَرٍ) ((القاع)): المستوي الواسع من الأرض، يعلوه ماء السماء، فيمسكه. قال الهرّويّ: وجمعه قِيَعَة، وقِيعان، مثل جار، وجِيَرَة، وجِيران، و(القرقر)) -بفتح القافين -: المستوي أيضًا من الأرض الواسعُ. قاله النوويّ. وقال في ((النهاية)): القاع المكان المستوي من الأرض الواسع، والقَرْقَرُ: الأملس انتهى. فيكون ذكر القرقر بعد القاع تأكيدًا (فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا) جمع خُفّ، وهو للبعير، كالقدم للآدميّ، والحافر للفرس، والبغل، والحمار (إِذَا جَاءَتْ أَخْرَاهَا، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا) ووقع في ((صحيح مسلم)) من طريق زيد بن أسلم، عن أبي صالح: ((كلما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها)). قال القاضي عياض: قالوا هو تغيير، وتصحيف، وصوابٍهٍ ما في الرواية التي بعده، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه: ((كلما مرّ عليه أخراها، رُدّ عليه أولاها))، وبهذا ينتظم الكلام. وكذا وقع عند مسلم من حديث أبي ذرّ أيضًا. وأقرّه النوويّ على هذا، وحكاه القرطبيّ، وأوضّحَ وجهَ الردّ بأنه إنما يُردّ الأول الذي قد مرّ قبلُ، وأما الآخرُ فلم يردّ بعدُ، فلا يقال فيه: رُدّت. قال: ويظهر لي أن الرواية الصحيحة ليس فيها تغيير، لأن معناها: أنّ أول الماشية كلما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه، تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى تنتهي إلى آخره، وهكذا إلى أن يقضي الله بين العباد. والله تعالى أعلم (٢). وكذا وجّهه الطيبيّ، فقال: إنّ المعنى: أولاها إذا مرّت عليه تتابع إلى أن تنتهي إلى الأخرى، ثم ردّت الأخرى من هذه الغاية، وتبعها ما كان يليها، فما يليها إلى أن تنتهي أيضًا إلى الأولى، حصل الغرض من التتابع والاستمرار انتهى. فيكون الابتداء في المرّة الأولى من الإبل الأولى، وفي المرّة الثانية من الأخرى، والحاصل أنه يحصل هذا بعد أخرى(٣) . (فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) أي على هذا المعذّب، وإلا فقد جاء أنه يُخفّف علىّ المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة (٤). قاله السنديّ. وقيل: (١) - ((شرح مسلم)) ج ٧ ص ٦٧ - ٦٨. (٢) - ((المفهم) ج ٣ص٢٧ . (٣) - انظر ((المرعاة)) ج٦ ص١٢ -١٣. (٤) - قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)): ج١٠ ص٣٣٧: رواه أحمد، وأبو يعلى، وإسناده حسنٌ، على ضعف في راويه. انتهى. ١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ لو حاسب فيه غير اللَّه سبحانه لكان بهذا العدد (حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ) بالبناء للمفعول: أي حتی یُفرغ من حساب الناس . قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ)): يمكن أن يؤخذ منه أن مانع الزكاة آخر من يُقضَى فيه، وأنه يُعذّب بما ذُكر حتى يُفرغ من القضاء بين الناس، فيُقضى فيه بالنار، أو الجثّة. ويحتمل أن المراد حتى يُشرع في القضاء بين الناس، ويجيء القضاء فيه، إما في أولهم، أو وسطهم، أو آخرهم على ما يريد الله، وهذا أظهر انتهى. قال ولده وليّ الدين رحمه الله تعالى: قد يشير إلى الأول قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، ويقال: إنما ذُكر في معرض استيعاب ذلك اليوم بتعذيبه؛ لجواز أن يكون القضاء فيه آخر الناس، وإن احتمل أن يكون فصل أمره في وسطه، والله أعلم انتهى(١). (فَيَرَى سَبِيلَهُ) زاد في رواية مسلم: ((إما إلى الجنّة، وإما إلى النار)). قال النوويّ: قوله: ((فيرى سبيله)): ضبطناه بضم الياء، وفتحها، وبرفع لام ((سبيله))، ونصبها انتھی(٢) . وقال الحافظ وليّ الدين: الوجهان في رفع لام ((سبيله)) ونصبها إنما يجيئان مع ضمّ الياء، فأما مع فتح الياء، فيتعيّن نصب اللام انتهى (٣). (وَأَيُّمَا رَجُلٍ، كَانَتْ لَهُ بَقَرْ) اسم جنس، واحدته بقرة بهاء (لَا يُعْطِي حَقَّهَا) أي لا يؤدي زكاتها، أو ما هو أعمّ من ذلك. وفيه دليل على وجوب الزكاة في البقر، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا أصحّ الأحاديث الواردة في زكاة البقر انتهى (فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا، فَإِنَّا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخَذُّ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، وَآَشَرَهُ، يُبْطَحُ لَهَا، بِقَاعِ قَرْقَرٍ، فَتَنْطَحُهُ) - بكسر الطاء المهملة، وفتحها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، والكسر أفصح، وهو المعروف في الرواية. قاله النوويّ (كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنَها، وَتَطَؤُّهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا) ((الظلف)) -بكسر، فسكون -: للبقر، والغنم، والظباء، وهو المنشقّ من القوائم. قاله النوويّ. وقال القرطبيّ: هو الظفر من كلّ دابة مشقوقة الرجل، ومن الإبل الخفّ، ومن الخيل، والبغال، والحمير: الحافر انتهى (٤) (إِذَا جَاوَزَتْهُ) أي مرّت عليه، وتعدّته (أُخْرَاهَا، (١) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص١٠. (٢) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص٦٨ . (٣) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص١٠. (٤) - ((المفهم) ج٣ص٢٧ . ١٧ ٢- (بابُ التغليظِ فِي حَبْس الزکاةِ) - حديث رقم ٢٤٤٢ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ) زاد في رواية مسلم أيضًا: ((إما إلى الجنّة، وإما إلى النار))، وتقدّم ضبطه قريبًا . (وَأَيُّمَا رَجُلِ كَانَتْ لَهُ غَثَمْ) قال الفيّوميّ: ((الغنم)): اسم جنس يُطلق على الضأن، والمعز، وقد تُجمع على أغنام، على معنى قُطَعَانات من الغنم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباريّ. وقال الأزهريّ أيضًا: الغنمُ الشاء، الواحدة شاة. وتقول العرب: راح على فلان غَنَمانِ: أي قَطيعان من الغنم، كلُّ قَطيع منفردٌ بمرعَى، وراعٍ. وقال الجوهريّ: الغنم اسم مؤنثٌ موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور، والإناثَ، وعليهما، ويُصغّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنَيمةٌ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغْرت، فالتأنيث لازم لها انتهى كلام الفيّوميّ(١). (لَا يُعْطِي حَقَّهَا، فِي نَجْدَتَها وَرِسْلِهَا، فَإِنَّا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ، وَأَكْثَرِهِ، وَأَسْمَنِهِ، وَآَشَرِهِ، ثُمَّ يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَطَّؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاةً، وَلَا عَضْبَاءُ) ولفظ مسلم من طريق أبي صالح: ((ليس فيها عَقصاء، ولا جَلْحاء، ولا عَضْبَاء)). قال النوويّ: قال أهل اللغة: العقصاء: ملتوية القرنين، والجلحاء التي لا قرن لها، والعضباء التي انكسر قرنها الداخل (٢) انتھی . ووقع في ((الكبرى)): ((عقصة، ولا عضة))، بدل ((عقصاء، ولاعضباء))، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم. (إِذَا جَاوَزَتْهُ) أي مرّت عليه، وتعدّته (أُخْرَاهَا، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ))) زاد مسلم في روايته أيضًا: ((إما إلى الجنة، وإما إلى النار)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة تَّ هذا متفق عليه. (١) - ((المصباح المنير)) في مادة غنم. (٢) - ((شرح مسلم» ج٧ ص ٦٧ . ١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ [فإن قلت]: كيف يكون متفقًا عليه، وقد تقدم أن أبا عمر الغُدَانيّ ليس من رجال الشيخين؟ . [قلت]: ليس الحديث من روايته فقط، بل أخرجه البخاريّ من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة ◌َّه، ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأخرجه البخاريّ من هذا الوجه أيضًا مختصرًا، ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مختصرًا أيضًا، وله طرق أخرى أيضًا. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٤٤٢/٢ و٢٤٤٨/٦ - وفي «الكبرى» ٢٢٢٢/٢و٢٢٢٨/٦. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٠٢ و١٤٠٣ (م) في ((الزكاة)»٩٨٧ (د) في ((الزكاة)) ١٦٥٨ (ق) في ((الزكاة)) ١٧٨٦ (أحمد) في باقي مسند المكثرين)) ٧٥٠٩ و ٧٦٦٣ و ٧٦٩٨ و٢٧٤٠١ و٨٤٤٧ و٢٧٣٣ و٨٧٥٤ و٩٩٧١ و١٠٤٧٤ (الموطأ) في ((الزكاة» ٥٩٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو التغليظ في عقوبة منع الزكاة (ومنها): الدلالة على وجوب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم (ومنها): التنفير من جمع المال، لمن لا يقوم بواجبه، بل يمنع الحقوق الواجبة فيه؛ لما فيه من الوعيد الشديد (ومنها): أنه لا يُقطع لمانع الزكاة بالنار، إن لم يستحلّ ذلك؛ لقوله: ((فيرى سبيله إما إلى الجنّة، أو إلى النار)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: فيه أن هذا الوعيد في حقّ المسلمين والكفّار، فإن الذي يرى سبيله إلى الجنة هو المسلم، وأما الذي يرى سبيله إلى النار، فيحتمل أن يكون على سبيل التأبيد فيها، فهو الكافر، ويحتمل أن يكون على سبيل التعذيب والتمحيص، ثم دخول الجنة، وهو المسلم. وفي دخول المسلم في هذا الوعيد الرّ على المرجئة الذين يقولون: إنه لا يضرّ مع الإسلام معصية؛ كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والكتاب والسنّة مشحونان بما يُخالف قولهم، واعتذروا عن ذلك بأن المراد به التخويف؛ لينزجر الناس عن المعصية، وليس على حقيقته وظاهرٍهٍ، وهو باطل، ولو صحّ قولهم لارتفع الوثوق عما جاءت به الشرائع، واحتمل في كلّ منها ذلك، وهذا يؤدّي إلى هدم الشرائع، وسقوط فائدتها. وفي دخول الكافر في هذا الوعيد دليل على أن الكفّار مخاطبون بفروع الشريعة، وبه قال الشافعيّة، خلافًا للمعتزلة، والحنفيّة، وقد يجيبون عن هذا بأن المراد دخوله النار ١٩ ٣- (بابُ مانع الزكاة) - حدیث رقم ٢٤٤٣ على سبيل التعذيب، لا على سبيل التخليد، وليس في اللفظ ما يدلّ على ذلك. والله أعلم انتهى كلام وليّ الدين(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مسألة الخلاف في تكليف الكفار بالفروع قد تقدّم تحقيقها قبل باب مُسْتَوفّى، وأن الحقَّ هو القول بتكليفهم، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب» . ٣- (بَابُ مَانِعِ الزَّكَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم مانع الزكاة، وهو مقاتلته. وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((كتاب استتابة المرتدين)) من ((صحيحه)) لحديث الباب ترجمة عامّة، فقال: ((باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نُسبوا إلى الردّة)). فقال في ((الفتح)): أي جواز قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة، والعمل بها. قال المهلّب: من امتنع من قبول الفرائض نُظر، فإن أقرّ بوجوب الزكاة مثلًا، أُخذت منه قهرًا، ولا يُقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع. قال مالك في ((الموطإ)): الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقًّا عليهم جهاده. قال ابن بطّال: مراده إذا أقرّ بوجوبها، لا خلاف في ذلك انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنٍ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَّمَّا تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَّرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟، وَقَدْ قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقْهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ))، فَقَالَ (٣) أَبُو بَكْرِ (١) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص ١٠ - ١١. (٢) - ((فتح)) ج١٤ ص٢٧٧ -٢٧٨ . (٣) - وفي نسخة: ((قال)). ٢٠ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَتَعُونِي عِقَالًا، كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ، إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠]١/١. ٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الحجة [٧] ٣٥/٣١ . ٣- (عُقيل) -مصغرًا- بن خالد بن عَقِيل- مكبرًا-، أبو خالد الأموي مولاهم، الأيلي، ثم المدني، ثم الشامي، ثم المصري، ثقة ثقة [٦]١٨٧/١٢٥. ٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الحافظ [٤]١/١ . ٥- (عُبيد اللَّه بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٥٦/٤٥. ٦- (أبو هريرة) رطي ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسیات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجالہ کلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد الله، وفيه أبو هريرة رَفيه رأس المكثرين من الرواية، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَيه أنه (قَالَ) قال في ((الفتح)): وهكذا رواه الأكثرون عن الزهريّ بهذا السند على أنه من رواية أبي هريرة عن عمر، وأبي بكر *#﴾، وقال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة أخبره أن رسول اللَّه وَلّ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس ... )) الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هريرة، ولم يذكر أبا بكر، ولا عمر. أخرجه مسلم. وهو محمول على أن أبا هريرة سمع أصل الحديث من النبيّ ◌َّ، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّه بلا واسطة من طرُق، فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه- ومن طريق أبي صالح ذكوان- كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الْعَنْبَس سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه- وأخرجه أحمد من طريق همّام بن منبه- ورواه مالك خارج ((الموطإِ)) عن أبي الزناد، عن الأعرج- وذكره ابن منده في ((كتاب الإيمان)) من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة- كلهم