النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ٤٦- ( بابُ ما یکْرَهُ مِنَ الصِّيام فِي السَّفر) - حديث رقم ٢٢٥٦ = = الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم، فخالفوا، وهو شاهد لما قلناه من أن الفطر لمن شقّ عليه الصوم، ويتأكّد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوي به على لقاء العدو. وروى الطبريّ في ((تهذيبه)) من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر، فقال: لقد أمرتُ غلامي أن يصوم، قال: فقلت له: فأين هذه الآية: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾، فقال: إنها نزلت، ونحن نرتحل جياعًا، وننزل على غير شبع، وأما اليوم، فنرتحل شباعًا، وننزل على شبع، فأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم. وأما الحديث المشهور: ((الصائم في السفر، كالمفطر في الحضر))، فقد أخرجه ابن ماجه، مرفوعًا من حديث ابن عمر رَوائها بسند ضعيف، وأخرجه الطبريّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة، مرفوعًا أيضًا، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة، عن أبيه، مرفوعًا، والمحفوظ: عن أبي سلمة، عن أبيه موقوفًا، كذلك أخرجه النسائيّ (١)، وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطعٍ؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحته، فهو محمول على ما تقدّم أوّلاً، حيث يكون الفطر أولى من الصوم، والله أعلم انتهى كلام الحافظ (٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي الأرجح في هذه المسألة قول من قال: إن ما كان أيسر على المسافر من الصوم أو الفطر هو الأفضل، كما تقدّم عن عمر بن عبدالعزيز، وابن المنذر رحمهما اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه تعالى شرع الفطر للمرض، والسفر، بقوله: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرَّ﴾، ثم أتبعه بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، بيانا لحكمة تشريع الفطر للأمرين المذكورين، فكلّ ما كان أيسر على المكلّف كان هو محلّ إرادة الشارع. والحاصل أن من يكون الصوم أيسر عليه من الفطر في حال السفر، ويشقّ عليه قضاؤه بعده يكون الصوم في حقّه أفضل، ومن كان الصوم عيه أشقّ فالفطر في حقّه أفضل، وكذا من ثقل على قلبه قبول الرخصة، فإن الفطر في حقّه أفضل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٢٥٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَّامُ فِي السَّفَرِ)). (١) - يأتي للمصنف ٢٢٨٤/٥٣ و٢٢٨٥ و٢٢٨٦ . (٢) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص٦٩٣ - ٦٩٥ . ١٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ، لَا تَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ ابْنَ كَثِيرٍ عَلَيْهِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، ((إبراهيم بن يعقوب)) الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت، و((محمد بن كثير))، فقد تفرد بهما هو، وأبو داود، والترمذيّ، وكلهم تقدموا، سوى: ١- (محمد بن كثير) بن أبي عطاء الثقفيّ مولاهم، أبي يوسف الصنعانيّ -يقال: هو من صنعاء دمشق- نزيل الْمِصْيصَة، صدوق كثير الغلط، من صغار [٩] . قال البخاريّ: ضعفه أحمد، وقال: بَعَثَ إلى اليمن، فأَتي بكتاب، فرواه. وقال عبدالله بن أحمد: ذَكَر أبي محمد بن كثير، فضعّفه جدًّا، وضعف حديثه عن معمر جدًّا، وقال: هو منكر الحديث، وقال: يروي أشياء منكرة. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: لم يكن عندي ثقة، بلغني أنه قيل له: كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلي إنسان من اليمن. وقال أبو داود: لم يكن يفهم الحديث. وقال أبو حاتم: كان رجلاً صالحًا سكن المصيصة، وأصله من صنعاء اليمن، وفي حديثه بعض الإنكار. وقال صالح بن محمد: صدوق كثير الخطإ. وقال البخاريّ: لين الحديث. وعن ابن معين: صدوق، وروي عنه أنه قال: ثقة. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ كثير الخطإ. وقال الساجيّ: صدوق كثير الغلط. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وقال ابن عديّ: له روايات عن معمر، والأوزاعيّ خاصّة عداد، لا يتابعه عليها أحد. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء ويُغْرِب. وقال ابن سعد: كان من صنعاء، ونشأ بالشام، ونزل المصيصة، وكان ثقة، ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره، ومات سنة (٢١٦) وفيها أرخه البخاريّ، وزاد: يوم السبت لتسع عشرة مضت من ذي الحجة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٧) وقال أبو داود: سنة (١٨) أو (١٩). روى له أبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ٢٢٥٦ و٣٣٣٦ حديث أنس رَظاليه، مرفوعًا: ((لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام)). وقول المصنّف رحمه الله تعالى : ((هذا خطا الخ)) يعني أن کون الحدیث من مرسل سعيد بن المسيّب خطأ، والصواب كونه من مسند كعب بن عاصم تَّه ، كما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، في السند الذي قبل هذا، ثم أشار إلى أن الخطأ من محمد بن كثير، حيث تفرّد به، وهو كثير الخطأ، فيكون من جملة مناكيره التي رواها عن الأوزاعيّ، كما أشار إليها ابن عديّ في كلامه المتقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، ٤٧- (الْعِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ ذَلَكَ، ... - حديث رقم ٢٢٥٧ ١٤٣ - وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٤٧- ( الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ ذَلِكَ، وَذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى مُحَمَّدٍ ابْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ فِي حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (فِي ذَلِكَ) أي هذا باب ذكر الأحاديث التي بُيّن بها السببُ الذي من أجله قال النبيّ وَّر: ((ليس من البرّ الصيام في السفر)). وغرض المصنف رحمه الله تعالى من هذه الترجمة أن قوله مَ له: ((ليس من البرّ الصيام في السفر)) محمول على السبب الذي قيل من أجله، فيكون مقصورًا على السبب جمعًا بينه، وبين الأدلة الأخرى التي دلت على جواز الصوم في السفر. ثم وَجْهُ الاختلاف الذي أشار إليه هنا أن عمارة بن غَزيّة رواه عن محمد بن عبدالرحمن، عن جابر بن عبداللَّه ◌َيا، معنعنًا. ورواه شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن، قال: أخبرني جابر بن عبدالله، فصرّح بالإخبار. ورواه الفريابيّ عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبدالرحمن، قال: حدثني من سمع جابرًا تَّ ، فجعله منقطعًا. هذا حاصل ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه إشارة إلى أنَّ محمد بن عبدالرحمن في الأسانيد الثلاثة واحد، وسيأتي أن الصواب أنهما رجلان: محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة، وهو الواقع في سند عمارة بن غزيّة، والفريابيِّ، ومحمد ابن عبدالرحمن بن ثوبان، وهو الواقع في سند شعيب بن إسحاق، فلا تعارض بين الروايات، وسيأتي تمام البحث في ذلك عند الكلام على رواية الفريابيّ، إن شاء الله تعالی. [تنبيه] : أخرج الحديث المذكور البخاريّ في ((صحيحه)) عن آدم، عن شعبة، عن ١٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ محمد بن عبدالرحمن الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ، عن جابر ابن عبدالله تعطفهته ... فقال في ((الفتح)): ما نصّه: أدخل محمد بن عبدالرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمدَ بنَ عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه، واختلف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائيّ من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبدالرحمن، حدثني جابر بن عبدالله ... فذكره. قال النسائيّ (١): هذا خطأ، ثم ساقه من طريق الفريابيّ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبدالرحمن، حدثني من سمع جابرًا، ومن طريق علي بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبدالرحمن، عن رجل، عن جابر، ثم قال: [ذِكرُ تسمية هذا الرجل المبهم] ، فساق طريق شعبة، ثم قال: هذا هو الصحيح - يعني إدخال رجل بين محمد بن عبدالرحمن، وبين جابر. وتعقّبه المزّيّ، فقال: ظنّ النسائيّ أن محمد بن عبدالرحمن شيخ شعبة في هذا الحدیث هو محمد بن عبدالرحمن شیخ یحیی بن أبي كثير فيه. وليس كذلك؛ لأن شیخ یحیی هو محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، وشيخ شعبة هو ابن عبدالرحمن بن سعد بن زُرَارة انتهى. قال الحافظ: والذي يترجح في نظري أن الصواب مع النسائيّ؛ لأن مسلمًا لما روى الحديث من طريق أبي داود، عن شعبة، قال في آخره: قال شعبة: كان بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث: ((عليكم برخصة اللَّه الذي رَخَّصَ لكم))، فلما سألته لم يحفظه انتهى. والضمير في ((سألت)) يرجع إلى محمد بن عبدالرحمن شيخ يحيى؛ لأن شعبة لم يلق یحیی، فدلّ على أن شعبة أُخبرَ أنه کان یبلغه عن یحیی، عن محمد بن عبدالرحمن، عن محمد بن عمرو، عن جابر في هذا الحديث زيادة، ولأنه (٢) لما لقي محمد بن عبدالرحمن شيخ يحيى سأله عنها، فلم يحفظها. وأما ما وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى أنه نسب محمد بن عبدالرحمن، فقال فيه ((ابن ثوبان))، فهو الذي اعتمده المزيّ، لكن جزم أبو حاتم - كما نقله عنه ابنه في ((العلل))- بأن من قال فيه: ((عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان))، فقد وَهِمَ، وإنما هو ابن عبدالرحمن بن سعد انتهى. (١) - أي في ((الكبرى)). (٢) - هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب: ((وأنه لما لقي الخ)) بإسقاط اللام. فليحرّر. ٤٧- ( العلةُ التِّي مِن أَجْلِھا قیل ذلَكَ، ... - حديث رقم ٢٢٥٧ ١٤٥ === وقد اختلف فيه مع ذلك على الأوزاعيّ، وجلّ الرواة عن يحيى بن أبي كثير لم يزيدوا على ((محمد بن عبدالرحمن))، لا يذكرون جدّه، ولا جدّ جدّه. والله أعلم. (١) انتھی (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ردّ به الحافظ كلام الحافظ المزيّ فيه نظر، بل الصواب - والله تعالى أعلم- ما قاله المزّيّ رحمه الله تعالى، كما سيأتي بيانه في كلام الحافظ أبي الحسن ابن القطان رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٢٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ، رَأَ نَاسًا، مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ، فَسَأَلَ، فَقَالُوا: رَجُلٌ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَّامُ فِي السَّفَرِ)) ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (بكر) بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقة ثبت [٨]١٧٣/١٢٢ . ٣- (عمارة بن غَزِيّة) الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] ١١٣٧/١٦٨. ٤- (محمد بن عبدالرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصاريّ، وهو محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبدالله، ومنهم من ينسبه إلى جدّه لأمه، فيقول: محمد بن عبدالرحمن بن أسعد (٢) بن زرارة، ثقة [٦] ٤٠ / ٩٤٦. [تنبيه] : ظاهر تصرّف المصنّف أن محمد بن عبدالرحمن في رواية عمارة بن غزية هنا هو ابن ثوبان، لكن الصحيح أنه ابن سعد، فقد صرّح به ابن حبّان في ((صحيحه)(٣) - ٣٥٥٦- من طريق بشر بن المفضّل، قال: حدثنا عمارة بن غزية، عن محمد بن عبدالرحمن بن زرارة (٤)، و-٣٥٥٧- من طريق بكر بن مضر عن عمارة، عن محمد بن عبدالرحمن بن سعد، وقد ذكر الحافظ أبو الحسن ابن القطان في كتابه ((بيان الوهم والإيهام)) أنه جاء مصرحًا به بأنه ابن سعد بن زرارة في كتاب بَقِيّ بن مخلد. (١) - (فتح)) ج٤ ص٦٩٦ . (٢) - وأسعد، وسعد ابنا زرارة أخوان صحابيان، معروفان أنصاريان من بني النجار. (٣) - انظر ((صحيح ابن حبان)) بترتيب ابن بلبان ج٨ص٣٢١-٣٢٢. (٤) - نسبه إلى جدّه. ١٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام وسيأتي نصّ كلامه إن شاء اللّه تعالى. فتبيّن بهذا أن ما أشار إليه المصنف من أن محمد بن عبدالرحمن في رواية عمارة بن غزية هو ابن ثوبان غير صحيح. فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٥- (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَّمَيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وبكر، فمصريان. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، رَأَى نَاسًا، مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ) وفي الرواية التالية: ((مرّ برجل في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء ... ))، وفي الرواية الآتية بعد باب من طريق محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر رَّهِ: ((أنّ رسول اللَّه وَّه، رأى رجلاً قد ظُلّل عليه في السفر ... )»، وفي رواية ابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة: ((فشقّ على رجل الصومُ، فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة، فأخبر النبيّ وَ ل ﴿ بذلك، فأمره أن يفطر)). وقد بيّن بالرواية الآتية من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن ذلك السفر كان إلى مكة عام الفتح في رمضان (فَسَأَلَ) وفي الرواية التالية: ((قال: ((ما بال صاحبكم هذا؟)) (فَقَالُوا: رَجُلٌ) قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم أقف على اسم هذا الرجل، ولو لا ما قدّمته من أن عبدالله بن رواحة استُشهد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسّر به؛ لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غيرُهُ. وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك ل((مبهمات الخطيب))، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصّة، وإنما أورد حديث مالك، عن حميد بن قيس وغيره: ((أن النبيّ وََّ رأى رجلاً قائمًا في الشمس، فقالوا: نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ولا يجلس، ويصوم ... )) الحديث، ثم قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشيّ العامريّ، ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((كان رسول اللَّه ◌َ لهل يخطب يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من قريش، يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس ... )) ١٤٧ ٤٧- (الْعِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ ذَلَكَ، ... - حديث رقم ٢٢٥٨ الحديث، فلم يزد الخطيب على هذا، وبين القصّتين مغايرات ظاهرة، أظهرها أنه كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصّة في حديث جابر كان في السفر، تحت ظلال الشجرة. والله أعلم. انتهى. (أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ) أي بلغ منه الغايةَ من المشقّة، يقال: جهده الأمرُ، والمرض جَهْدًا، من باب نفع: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه جَهْدُ البلاء، ويقال: جَهَدتُ فلانًا جهدًا: إذا بلغت مشقّته، وجهدت الدّابَّةَ، وأجهدتها: إذا حملت عليها في السير فوق طاقتها. أفاده في ((المصباح)). (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)) ) أي ليس مثلُ صوم هذا الرجل طاعةً محمودةً، بل هي مذمومة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبداللَّه رَّتهتا هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٢٥٧ و٢٢٥٨ و٢٢٥٩ و٢٢٦٠/٤٨ و٢٢٦١ و٢٢٦٢/٤٩ - وفي ((الكبرى))٢٥٦٥/٤٧ و٢٥٦٦ و٢٥٦٧ و٢٥٧٠/٤٨. وأخرجه (خ) في ((الصوم)) ١٩٤٦ (م) في ((الصيام)) ١١١٥ (د) في ((الصوم)) ٢٤٠٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٠٠١ (الدارمي) في ((الصوم))١٧٠٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٢٥٨ - (أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأُوْزَاعِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي بَخْتِی بِنُ أَبِي گَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، مَرَّ بِرَجُلٍ، فِي ظِلُ شَجَرَةٍ، يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، قَالَ: ((مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟))، قَالُوا: يَا رَسُولُ اللَّهِ صَائِمٌ، قَالَ: ((إِنَةُ لَيْسَ مِنَ الْبِرُ، أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد ثقات، وهو مسلسل بالدمشقيين إلى يحيى بن أبي كثير، وهو يماميّ، وسكن المدينة عشر سنين، وكلهم تقدّموا، غير: ١- ( محمدبن عبدالرحمن) بن ثوبان العامريّ مولاهم، أبو عبدالله المدنيّ، ثقة [٣]. (١) هذا بالنسبة لمتن الحديث، وإلا فسند المصنف فيه انقطاع؛ لأن محمد بن عبد الرحمن لم يسمعه من جابر رَّ ، كما سيأتي بيانه. ١٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ قال أبو حاتم: هو من التابعين لا يسأل عن مثله. وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعيد: كان كثير الحديث. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكر أنه مولى الأخنس بن شَرِيق. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ٢٢٥٧ و٢٢٥٨ و٢٢٦٠ و٢٢٦١ و٣٢٤٤ و٣٤٩٧ و٤٢٥٤ . وقوله: ((إنه ليس من البرّ أن تصوموا في السفر)): قال النووي رحمه اللَّه تعالى: معناه إذا شقّ عليكم، وخفتم الضرر، وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل، وهذه الرواية مُبَيِّنَة للروايات المطلقة: ((ليس من البرّ الصيام في السفر»، ومعنى الجميع فيمن تضرّر. انتهى (١). وقوله: ((عليكم برخصة اللّه)). ((عليكم)) اسم فعل منقول من الجازّ والمجرور، بمعنى «الْزَمُوا»، و((برخصة اللَّه)) الباء زائدة، و((رخصة اللَّه)) مفعول به (((عليكم))، وقيل: إن الباء للتعدية، فيكون المعنى استمسكوا برخصة الله. و((الرخصة)) وزان غُرْفة، وتضم الخاء للإتباع، والجمع رُخَص، ورُخُصَات مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيل في الأمر والتيسير فيه، والمعنى هنا: استمسكوا بتسهيل اللّه تعالى لكم فيما شرع لكم من الفطر في السفر، كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ الآية. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): أوهم صاحب ((العمدة)) (٢) أن قوله وَلير: ((عليكم برخصة الله التي رخص لكم)) مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك، وإنما هو بقية في الحديث لم یوصل إسنادها کما تقدّم بيانه، نعم وقعت عند النسائيّ موصولة في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده، وعند الطبرانيّ من حديث كعب بن عاصم الأشعريّ، كما تقدّم انتهى (٣). [تنبيه آخر] : زاد المصنف رحمه الله تعالى بعد إخراج هذا الحديث في ((الكبرى)): ما نصّه: قال أبو عبدالرحمن: هذا خطأ، ومحمد بن عبدالرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر انتھی. يعني أن تصريح محمد بن عبدالرحمن بالإخبار من جابر وظّه في هذا الإسناد، خطأ، فإنه لم يسمع منه هذا الحديث. هذا حاصل ما أشار إليه، لكن سيأتي قريبا أن دعوى الخطإ غير صحيحة، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) - ((شرح مسلم)) ج٨ص٢٣٣-٢٣٤. (٢) - يعني صاحب ((عمدة الأحكام))، وهو المقدسيّ. (٣) - (فتح)) ج٤ ص ٦٩٧ . ٤٧ - (الْعِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ ذلِكَ، ... - حديث رقم ٢٢٥٩ ١٤٩ ٢٢٥٩ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْتِى، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا نَحْوَهُ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الفريابيّ)) - بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانيّة، وبعد الألف موحّدة -: هو محمد بن يوسف الضبّيّ مولاهم، ثقة فاضل [٩] ٤١٨/١٤ . وغرض المصنّف رحمه اللّه تعالى بهذا الإشارةُ إلى بيان وجه الخطا الذي ادعاه في السند السابق، وذلك أن الفريابيّ روى الحديث عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد ابن عبدالرحمن، قال: حدثني من سمع جابرًا، فأدخل بين محمد بن عبدالرحمن، وبين جابر ◌َظله واسطة مبهمة. فتبيّن بهذا أن الصواب أن محمد بن عبدالرحمن لم يسمعه من جابر، وإنما سمعه ممن سمعه منه، وأن تصريحه بإخبار جابر له في السند السابق مما أخطأ فيه شعيب، هذا حاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى. لكن الذي يظهر لي صحة رواية شعيب؛ لأنه لم ينفرد بها، فقد تابعه الوليد بن مسلم عند الطحاويّ في ((شرح معاني الآثار))، فقال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عبدالله بن ميمون البغداديّ، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعيّ، عن یحیی بن أبي کثیر، قال: حدثني محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، قال: حدثني جابر بن عبدالله، قال: مرّ النبيّ وَّه برجل في سفر، في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء، فقال: ((ما بال هذا؟))، قالوا: صائم يا رسول الله، قال: ((ليس من البرّ الصيام في السفر، فعليكم برخصة اللَّه التي رخّص لكم، فاقبلوها)). انتهى (١). ورواه الفريابيّ في ((الصيام)) عن الوليد، نا الأوزاعيّ، حدثني يحيى، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر (٢). والحاصل أن الحديث صحيح متصل لتصريح محمد بن عبد الرحمن بالإخبار من جابر رَّه في هذه الرواية. وقد وجدت للحافظ أبي الحسن ابن القطّان الفاسيّ رحمه الله تعالى تحقيقًا نفيسًا في كتابه ((بيان الوهم والإيهام))، أحببت إيراده هنا لحسنه، قال رحمه الله تعالى في باب ذكر الأحاديث التي ردّها عبدالحقّ في ((أحكامه)) بالانقطاع، وهي متصلة: ما ملخّصله: وذكر -يعني عبدالحقّ - أيضًا من طريق النسائيّ في حديث: ((ليس من البرّ الصيام في (١) - راجع ((معاني الآثار للطحاوي)) ج٢ ص٦٢ . (٢) - انظر ((إرواء الغليل)) ج٤ ص٥٤ . ١٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ السفر)) زيادة، وهي: ((عليكم برخصة اللَّه التي رخصها لكم، فاقبلوها)). ثم قال: رواه من حديث محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال: ولم يسمع من جابر انتهى ما قال (١). وهو خطأ، وإنما هو قول النسائيّ، تلقاه عنه، ولم ينظر فيه، ولا تفقّد صحته، ولا نقله عنه كما قاله، فإن النسائيّ إنما قال: لم يسمع هذا الحدیث محمد بن عبدالرحمن من جابر، فقال هو: لم يسمع من جابر، هکذا بإطلاق، وزاد من عنده أنه ابن ثوبان، وأصاب في ذلك، ولكنه لم يصب من حيث القضاء عليه بأنه لم يسمع من جابر. والنسائيّ إنما قال فيه: إنه لم يسمع من جابر هذا الحديث، وذلك أنه اعتقد فيه أنه رجل آخر. ثم قال الفاسيّ: فأما بيان اتصال الحديث المذكور، وأنه ليس بمنقطع، كما ذَكَر، فهو بأن تعلم أنه حديث يرويه رجلان، كل واحد منهما يقال له: محمد بن عبدالرحمن: أحدهما ابن ثوبان، والآخر ابن سعد بن زرارة، وهذا هو الذي لم يسمعه من جابر، فأما ابن ثوبان، فإنه يقول فيه: حدثني جابر. فلنذكر أحاديثهما بنصّها حتى يتبيّن الاتصال في أحدهما، والانقطاع في الآخر. قال النسائيّ: حدثنا شعيب بن شعيب بن إسحاق، قال: حدثنا عبدالوهاب، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، الخ. قال: هذا إسناد صحيح متصل، يذكر كل واحد منهم ((حدثني)) حتى انتهى ذلك إلى محمد بن عبدالرحمن، فقال: حدثني جابر(٢). وهذا هو الذي أورد أبو محمد، وفسّر محمد بن عبدالرحمن بأنه ابن ثوبان، وأصاب في ذلك، وأخطأ في قوله: لم يسمع من جابر، وهو يروي من قوله، ويسمع: حدثني جابر . والذي بعده من قول النسائيّ: ((هذا خطأ، ومحمد بن عبدالرحمن لم يسمع هذا الحدیث من جابر)». نبيّن الآن - إن شاء الله- أنه إنما قال ذلك معتقدًا أنه محمد بن عبدالرحمن بن سعد، لا محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، وذلك أن كلّ ما أورد بعده منقطعًا إنما هو لمحمد ابن عبدالرحمن بن سعد، لا لابن ثوبان. (١) - ((الأحكام الوسطى)) ٤/ ٧١-٧٢. (٢) - التحديث في ((الكبرى))، وأما في ((المجتبى)) فيحيى، ومحمد بن عبدالرحمن يقولان: ((أخبرني)). ٤٧- (العِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ ذلِكَ، ... - حديث رقم ٢٢٥٩ ١٥١ == فمما أورده بعده: نبأني محمود بن خالد، حدثنا الفريابيّ، حدثنا الأوزاعيّ، حدثنا يحيى، حدثنا محمد بن عبدالرحمن، أخبرني من سمع جابرًا نحوه. فهذا محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة، لا ابن ثوبان. وأورد من رواية وكيع، عن عليّ بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبدالرحمن ابن ثوبان ، عن جابر. هكذا معنعنًا، لم يقل: أخبرني جابر، كما قال شعيب، عن الأوزاعيّ، وصرّح فيه بأنه ابن ثوبان. وقال عثمان بن عمر: عن عليّ بن المبارك، عن یحیی، عن محمد بن عبدالرحمن، عن رجل، عن جابر. وهذا أيضًا هو ابن سعد، لا ابن ثوبان، فعرف النسائيّ أن محمد بن عبدالرحمن هذا الذي يقول في رواية الفريابيّ -عن الأوزاعي، عن يحيى، عنه: حدثني من سمع جابرًا- وفي رواية عثمان بن عمر، عن عليّ بن المبارك، عن يحيى، عنه: عن رجل، عن جابر- أنه محمد بن عبدالرحمن بن سعد، فقضى لذلك بانقطاع روايته للحديث عن جابر، وزاد إلى ذلك أَنْ ظَنّ أنه الذي في رواية شعيب، عن الأوزاعيّ فخطّأ من قال عنه: حدثني جابر، وجزم بأن بينهما رجلاً، ثم أخذ في بيان من هو هذا الرجل الذي بينهما، فقال : ( ((ذكر اسم الرجل)) ) حدثنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا يحيى، وخالد بن الحارث، عن شعبة، عن محمد بن عبدالرحمن، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر، أن رسول اللَّه ◌َلتر رأى رجلاً قد ظُلْل عليه في السفر، فقال: ((ليس البرُّ الصيامَ في السفر)). ثم قال: حديث شعبة هذا هو الصحيح. انتهى ما أورده النسائيّ في بيان انقطاع رواية محمد بن عبدالرحمن بن سعد فيما بينه، وبين جابر في هذا الحديث. والخطأ فيه هو في أن اعتقد في محمد بن عبدالرحمن القائل: حدثني جابر أنه ابن سعد، وليس الأمر كذلك، وإنما هو ابن ثوبان، وهو قد سمعه من جابر، كما أخبر عن نفسه في قوله: ((حدثني جابر))، وقد صرّح بكونه ابن ثوبان في رواية وكيع، عن عليّ بن المبارك. فإن هذا الذي يرويه شعبة عنه، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر ليس هو محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، وإنما هو محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة. وبيان ذلك في كتاب مسلم، وأبي داود في نفس هذا الإسناد، وهو أنصاريّ، وليس في روايته ذكرٌ للزيادة المذكورة، وإنما هي في رواية محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، ١٥٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ ويحيى بن أبي كثير معروف الرواية عن الرجلين، أما عن ابن ثوبان فهو مصرّح به في الإسناد المذكور، من رواية وكيع، عن عليّ بن المبارك، وروايته عن ابن سعد بن زرارة مصرّح به أيضًا في كتاب مسلم في الحديث المذكور دون الزيادة المذكورة (١) . وفي كتاب البخاريّ في ((فضائل القرآن)) من رواية شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن، عن أبي سلمة، عن عبدالله بن عمرو، أن النبيّ وَ لّه قال له: ((في كم تقرأ القرآن؟)) الحديث، وهذا هو ابن سعد بلا خلاف. فإذا كان الأمر هكذا، فلا ينبغي أن يبتّ على الذي يقول: ((حدثني جابر)) بأنه محمد ابن عبدالرحمن بن سعد، كما فعل النسائيّ، ثم يقضي على قوله: ((أخبرني جابر)» بالخطإ، من أجل إدخال الآخر بينه وبين جابر رجلاً، بل يجب أن يقال: إنه ابن ثوبان الصحيح السماع من جابر، ولو لم يثبت أنهما رجلان لما جاز أن يقول في روايته: إنها منقطعة، وهو قد قال: ((حدثني جابر))، ولو رواه بواسطة عنه، فإنه لا مانع من أن يكون سمعه منه، وحدثه به غيره عنه، فأداه على الوجهین. وقد تقرّر أنهما رجلان، فالقائل منهما: ((حدثني جابر)) هو ابن ثوبان، والقائل: ((عن رجل، عن جابر)) هو ابن سعد بن زرارة. [فإن قيل] : فهل عُلم سماعُ محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، من جابر غير هذا الحديث؟ . [قلنا] : نعم، روى شيبان النحويّ، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، أن جابر بن عبدالله أخبره، أن رسول اللَّه وَلتر: ((كان يصلي التطوّع، وهو راكب في غير القبلة)). وقال هشام الدستوائيّ: عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، حدثني جابر بن عبدالله: ((أن النبيّ وَّ و كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل، فاستقبل القبلة)). فهذا نصّ سماعه منه في هذين الحديثين، وهما صحيحان، ذكرهما جميعًا البخاريّ في ((جامعه)) . ومنهما يتبيّن الخطأ في إطلاق القول بأنه لم يسمع من جابر، ولو قال كما قال (١) - هذا وهم من الحافظ الفاسيّ رحمه الله تعالى، فإنه لا وجود لرواية يحيى بن أبي كثير عن محمد ابن عبدالرحمن بن سعد في كتاب مسلم، بل مخارجه كلها تدور على شعبة، عن محمد بن عبدالرحمن، وإنما نسبه غندر عن شعبة (( ابن سعد))، ولم ينسبه غيره. أفاده محقق كتاب الوهم والإيهام. ج٢ ص٥٨١ . ٤٧ - (الْعِلَةُ التِّي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ ذَلَكَ، ... - حديث رقم ٢٢٥٩ ١٥٣ النسائيّ كان أعذر، على أنه قد تبيّن أنه سمع ذلك الحديث كما قدّمناه. وقد ذكر مسلم إثر رواية شعبة، عن محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر أن شعبة قال: كان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث، وفي هذا الإسناد: ((عليكم برخصة اللَّه التي رخص لكم)). قال: فلما سألته لم يحفظه. فجاء من هذا أن رواية شعبة التي جعلها النسائيّ حجة على انقطاع رواية شعيب، عن الأوزاعيّ، ليس فيها ذكر الزيادة المذكورة. فإذن الزيادة المذكورة في حديث محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر كما بيّنّاه. وهنالك أيضًا غلط آخر للنسائيّ في هذا الحديث، وذلك أنه ظنّ في رواية عمارة بن غَزِيّة، عن محمد بن عبدالرحمن، عن جابر لهذا الحديث أنه أيضًا ابن ثوبان، وهو خطأ منه، وإنما يرويه عمارة بن غزية، عن محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة، عن جابر منقطعًا، ساقطًا من بينهما محمد بن عمرو بن حسن. وقع البيان فيه أنه ابن سعد بن زرارة في كتاب بَقِيّ بن مَخْلَد، فاعلم ذلك، والله الموفّق انتهى كلام الحافظ أبي الحسن بن القطان الفاسيّ رحمه اللَّه تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه الحافظ أبو الحسن بن القطان رحمه اللَّه تعالى تحقيق حسنٌ جداً. وحاصله أن الحديث صحيح متصل بسماع محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر ◌َّه، وأن زيادة: ((عليكم برخصة اللّه التي رخّص لكم، فاقبلوها)) زيادة صحيحة، وأن ما ادعاه المصنّف من الانقطاع إنما هو لظنه أن محمد بن عبدالرحمن رجل واحد، والصواب أنهما رجلان: أحدهما: ابن ثوبان، وهو صرح بالسماع من جابر، وهو الذي وقع في سند شعيب ابن إسحاق. والثاني: ابن سعد بن زرارة، وهو الذي أدخل بينه وبين جابر واسطة، وهو الذي وقع في سند الفريابيّ. وخلاصة القول أن رواية شعيب بالزيادة المذكورة صحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - ((بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام)) ج٢ ص ٥٧٦ -٥٨٤ . ١٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ ٤٨- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَلِيٍّ بْنِ الْمُبَارَكِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن وكيعًا رواه عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر ◌َظّه ، وخالفه عثمان بن عمر، فرواه عن عليّ، عن يحيى، عن محمد بن عبدالرحمن، عن رجل، عن جابر رضيه، فأدخل واسطة بين محمد بن عبدالرحمن، وبين جابر رجلاً. ثم إن دعوى الاختلاف المذكور مبنيّ على جعل محمد بن عبدالرحمن رجلا واحدًا، كما هو رأي المصنّف، وقد تقدم قريبًا أن الصواب أنهما رجلان، فمحمد بن عبدالرحمن الذي في رواية وكيع غير محمد بن عبدالرحمن الذي في سند عثمان بن عمر، فالأول هو ابن ثوبان، كما صرّح به، والثاني هو ابن سعد بن زرارة، ويحيى بن أبي كثير معروف بالرواية عنهما، قد روى عنهما حديث جابر بنبيّه هذا. والحاصل أن الحديث صحيح من كلا الطريقين، فأما طريق ابن ثوبان، فقد تقدم أنه صرح بسماعه من جابر، وأما طريق ابن سعد، فإن الواسطة المبهم هو محمد بن عمرو ابن حسن الآتي في رواية شعبة في الباب التالي، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٢٦٠ - (أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَخْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، قَالَ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاقْبَلُوهَا)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((علي بن المبارك)): هو الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٢٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَّ اللَّهِ وَّه : ((قَالَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ، الصِّيَّامُ فِي السَّفَرِ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عثمان بن عمر)) بن فارس العبديّ، البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] ١١١٨/١٥١. و((محمد بن عبدالرحمن)) هو ابن سعد بن ٤٩- ( ذكر اسم الرّجل) - حديث رقم ٢٢٦٢ = ١٥٥ زرارة، كما قد مرّ آنفًا، فتنبّه. والحديث أيضًا صحيح؛ لأن الرجل المبهم سيأتي أنه محمد ابن عمرو بن حسن، وهو ثقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٩- ( ذِكْرُ اسْم الرَّجُلِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أراد بالرجلِ الرجلَ الذي أَبِهِمَ في السند الماضي، لا الرجل الذي أجهده الصوم، فقال النبيّ وَلّ من أجله: (ليس من البرّ الصيام في السفر)). فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٢٦٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ (١)، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، رَأَى رَجُلاَ، قَدْ ظُلْلَ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ، الصِّيَّامُ فِي السَّفَرِ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. ويحيى بن سعيد)): هو القطان. و((خالد بن الحارث)): هو الهجيميّ. و((محمد بن عبدالرحمن)): هو ابن سعد، كما تقدّم بيانه في الباب الماضي. و((محمد بن عمرو بن حسن)) بن عليّ بن أبي طالب، ثقة [٤] تقدم في ١٧/ ٥٢٧ . والسند مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومَن بعده مدنيون. والله تعالى أعلم. وقوله: ((قد ظُلّل عليه)) بتشديد اللام الأولى، والبناء للمجهول، أي جُعل عليه شيء يُظله من الشمس لغلبة العطش عليه، وحرّ الشمس. [تنبيه]: زاد المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) بعد إخراجه الحديث المذكور: ما نصّه: (١) - كتب في هامش النسخة الهندية ما يشير إلى أن في بعض النسخ ((ابن آدم)) بدل ((ابن سعيد)). والظاهر أنه ما هنا هو الصحيح. ١٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام قال أبو عبدالرحمن: حديث شعبة هذا هو الصحيح انتهى. أراد بهذا أن ما تقدم من روایة یحیی بن أبي کثیر من تصریح محمد بن عبدالرحمن بإخبار جابر وَظّيه له ليس بصحيح، بل إنما سمعه من محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر تظنّه. لكن تقدم أن الصواب أن الحديث صحيح من الطريقين؛ لأن محمد بن عبد الرحمن الذي صرَّح بالسماع من جابر هو ابن ثوبان، والذي روی عن محمد بن عمرو بن حسن هو ابن سعد بن زرارة. والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٢٦٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، إِلَى مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ، فِي رَمَضَانَ، فَضَامَ، حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ، قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَّامُ، فَدَعَا بِقَدَحْ مِنَ الْمَاءِ، بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، فَأَقْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ، وَصَامَ بَعْضَّ (١)، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا (٢) صَامَّوا، فَقَالَ: ((أُولَئِكَ الْعُصَاءُ)) ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم) بن أعين المصريّ ثقة فقيه [١١] ١٦٦/١٢٠. ٢- (شعيب) بن الليث بن سعد ، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار [١٠] ١٦٦/١٢٠ . ٣- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٥/٣١ . وهو والد شعيب الراوي عنه في هذا السند. ٤- (ابن الهاد) هو يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣ /٩٠ . ٥- (جعفر بن محمد) بن عليّ المعرف بـ((الصادق))، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق إمام [٦] ١٢٣ / ١٨٢. ٦- (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بـ((الباقر))، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] ١٨٢/١٢٣. والصحابيّ تقدم في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال (١) - وفي نسخة: ((بعضهم)). (٢) - وفي نسخة: ((أناسًا))، وفي أخرى: ((بعضهم)). ٤٩- ( ذِكْرُ اسْم الرَّجُل) - حديث رقم ٢٢٦٣ ١٥٧ == الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من ابن الهاد، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبدالله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ، إِلَى مَكَّةَ، عَامَ الْقُتْح) هو العام الثامن من الهجرة . وفي حديث ابن عباس تائبًا عند البخاريّ في ((المغازي)): أنه خرج لعشر مضين من رمضان. ووقع في مسلم من حديث أبي سعيد اختلاف من الرواة في ضبط ذلك. والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه (١). (فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ) فيه دليل على جواز الصوم في السفر، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في- ٢٢٥٥/٤٦ - (حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيم) -بضمٌ الكاف، وتخفيف الراء-، و((الغميم - بالغين المعجمة -: اسم واد أَمَامَ عُسفان. وقال الفيّوميّ: وكُرَاعِ الغَمِيم، وزان كريم: واد بينه وبين المدينة نحو مائة وسبعين ميلاً، وبينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلاً، ومن عُسفان إليه ثلاثة أميال، وكُرَاعُ كلّ شيءٍ طَرَفُه (٢) انتھی وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: و((الغميم)) -بفتح الغين -: واد أمام عُسفان بثمانية أميال. و(كُرَاعٍ)) جبل أسود هناد يُضاف إلى ((الغميم))، والكُراع لغة: هو كلّ أنفٍ مال، من جبل أو غيره. انتھی. وفي حديث ابن عباس رَوَّ الآتي -٢٢٨٧/٥٤- ((حتى أتى قُدَيدًا»، وفي ٤٥/ ٣٣٩٠ - ((حتى أتى عُسفان))، وفي ٢٣١٣/٦٠: ((حتى إذا كان بالْكَدِيدَ أفطر)). قال القرطبيّ بعد أن ساق روايات مسلم: ما نصّه: وهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة (٣) كلها ترجع إلى معنى واحد، وهي حكاية حاله وَّ عند سفره في قدومه إلى مكة، وكان في رمضان في ستة عشرة منه، كما جاء في حديث أبي سعيد، وهذه المواضع متقاربة، ولذا عبّر كلّ واحد من الرواة بما حضر له من تلك المواضع لتقاربها انتهى (٤). (١) - «فتح» ج٤ ص١٩١. (٢) - ((المصباح المنير)) في مادة غمّ. (٣) - هذا بالنسبة لما ذكره، وأما هنا فهي أربعة، فتنبه. (٤) - ((المفهم)) ج٣ ص ١٧٥ . ١٥٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((فلما بلغ الكَدِيد»: بفتح الكاف، وكسر الدال المهملة: مكان معروف، وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عُسفان وقُديد -يعني بضم القاف، على التصغير - وفي رواية ابن عبّاس من وجه آخر: ((حتى بلغ عُسفان)) بدل ((الكَدِيد))، وفيه مجاز القرب؛ لأن الكَديد أقرب إلى المدينة من عُسفان، وبين الكديد ومكة مرحلتان. قال البكريّ: هو بين أَمَج - بفتحتين، وجيم - وعُسفان، وهو ماء عليه نخل كثير. قال عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر وَّلير فيه، والكلّ في قصّة واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عمل عُسفان انتهى. وأخرج البخاريّ في ((المغازي)) من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس تَّت: ((خرج النبيّ وَّ﴿ في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار، ومن معه، من المسلمين يصوم، ويصومون حتى بلغ الكديد، فأفطر، وأفطروا). قال الزهريّ: وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره وَله .. وهذه الزيادة التي في آخره من قول الزهريّ وقعت مدرجة عند مسلم، من طريق الليث، عن الزهريّ، ولفظه: ((حتى بلغ الكديد أفطر، قال: وكان أصحاب رسول اللَّه وَ له يتبعون الأحدث، فالأحدث من أمره)). وأخرجه من طريق سفيان، عن الزهريّ، قال: مثله. قال سفيان: لا أدري من قول من هو؟. ثم أخرجه من طريق معمر، ومن طريق يونس كلاهما، عن الزهريّ، وبيّنا أنه من قول الزهريّ، وبذلك جزم البخاريّ في ((الجهاد)). وظاهره أن الزهريّ ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يُوافَق على ذلك. وأخرج البخاريّ في ((المغازي)) أيضًا من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((خرج النبيّ وَّل، والناس صائم، ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن، أو ماء، فوضعه على راحلته، ثم نظر الناس))، زاد في رواية أخرى من طريق طاوس، عن ابن عباس: ((ثم دعا بماء، فشرب نهارًا ليراه الناس)). وأخرج الطحاويّ من طريق أبي الأسود، عن عكرمة أوضح من سياق خالد، ولفظه: ((فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس شقّ عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن، فأمسكه بيده حتى رآه الناس، وهو على راحلته، ثم شرب، فأفطر، فناوله رجلاً إلى جنبه، فشرب)) (١). (١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ٦٩٠ - ٦٩١. - ١٥٩ == ٤٩- ( ذِكْرُ اسْم الرَّجُل) - حديث رقم ٢٢٦٣ (فَصَامَ النَّاسُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ، قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ) زاد مسلم من طريق الدراورديّ، عن جعفر: ((وإنما ينظرون فيما فعلتَ)) (فَدَعَا بِقَدَح) بفتحتين، جمعه أقداحٌ، كسَبَبٍ وأسباب: إناء يُشرَب فيه (مِنَ الْمَاءِ، بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِّبَ) بفتح الشين، وكسر الراء. فيه دليل على جواز الفطر للمسافر في أثناء رمضان، ولو استهلّ رمضان في الحضر، إذ لا خلاف أنه وَلّ استهلّ رمضان في عام غزوة الفتح، وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه . واستدلّ به على أن للمرء أن يفطر، ولو نوى الصيام من الليل، وأصبح صائمًا، فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور، وقطع به أكثر الشافعية، وفي وجه ليس له أن يفطر . وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم، وهو مقيم، ثم سافر في أثناء النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟، منعه الجمهور، وقال أحمد، وإسحاق بالجواز، واختاره المزنيّ، محتجًا بهذا الحديث، فقيل له (١) قال كذلك ظنًا منه أنه والقر أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عدة أيام. وقد وقع في البويطيّ مثل ما وقع عند المزنيّ، فسلم المزنيّ. وأبلغ من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، والبيهقيّ، عن أنس أنه كان إذا أراد السفر يفطر في الحضر قبل أن يركب. ثم لا فرق عند المجيزين في الفطر بكلّ مُفَطّر، وفرق أحمد في المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره، فمنعه في الجماع، قال: فلو جامع، فعليه الكفّارة، إلا أن يفطر بغير الجماع قبل الجماع. واعْتَرَض بعضُ المانعين في أصل المسألة، فقال: ليس في الحديث دلالة على أنه وَ لو نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرًا، ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس. لكن سياق الأحاديث ظاهر في أنه كان أصبح صائمًا، ثم أفطر. أفاده في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض عجيب منه، فلو سلمنا أنه وَلّ لم ينو ليلاً، فبما ذا يُجيب عن حال الصحابة، فإنهم أفطروا بعد ما نووا الصيام بلا شك. (١) - هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب: فقيل: إنه قال ذلك الخ. (٢) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص٦٩١ - ٦٩٢. ١٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ ومما يرد به عليه أيضًا حديث أبي هريرة ◌َّه الآتي بعد هذا، فإن النبيّ وَّ قال لأبي بكر وعمر بمرّ الظهران: ((ادنوا فكلا))، فقالا: إنا صائمان ... الحديث، فإنه دلیل واضح في جواز الفطر للصائم في السفر بعد مضيّ بعض النهار. والحاصل أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من جواز الفطر للمسافر أثناء النهار، وإن نوى الصوم من الليل. والله تعالى أعلم. (وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((شرب)) (فَأَقْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ) أي اقتداء بهِ بَّهِ (وَصَامَ بَعْضٌ) أي ظنًا منهم أن الفطر رخصة، ورأوا أن لهم قوّة على الصوم (فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ: ((أُولَئِكَ الْعُصَاةُ))) وقع في ((صحيح مسلم)) : ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)) مكررًا. وهذا محمول على من تضرَر بالصوم، أو أنهم أُمروا بالفطر أمرًا جازمًا لمصلحة بيان الجواز، فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم عاصيًا، إذا لم يتضرّر به، ويؤيّد التأويل الأول قوله: في الحديث: ((إن الناس قد شقّ عليهم الصيام)». أفاده النوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر رَّ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٢٦٣/٤٩ - وفي ((الكبرى) ٢٥٧١/٤٩. وأخرجه (م) في ((الصيام)) ١١١٤ (ت) في ((الصوم)) ٧١٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): جواز الفطر في رمضان للمسافر (ومنها): جواز الفطر أثناء النهار لمن بات ناويًا للصوم (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلو من الشفقة بأمته (ومنها): ما كان عليه الصحابة من متابعته وَّهر، ولو شقّ عليهم ذلك (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث أباحت الفطر للمسافر، وخففت شطر الصلاة، لما يلحقه من التعب بسبب عناء السفر (ومنها): أن من لم يقبل رخصة الشرع في مواضع الترخيص، وأبى إلا العزيمة، يكون عاصيًا بسبب إعراضه عن قبول رخصة اللّه تعالى، فإن الرخصة في مواضعها لا تقلّ عن العزيمة في مواضعها، فإتيانها كإتيانها، والإعراض عنها كالإعراض عنها. فقد أخرج أحمد في ((مسنده))، والبيهقيّ في ((سننه))، من حديث ابن عمر تًَّا،