النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
=
٤٠- (ذکرُ اخْتِلافٍ یختی بن أمِی کَثِیر، ... - حديث رقم٢٢٠٩
وقوله: ((كيوم ولدته أمه)) يجوز إعراب (يوم)) بالجرّ، وبناؤه على الفتح؛ لإضافته إلى
الجملة الماضويّة، وهو المختار، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَابْنِ أَوَ اغْرِبْ مَا كَ((إِذْ) قَدْ أُجْرِيَا وَاخْتَزْ بِنَا مَثْلُوْ فِعْلٍ بُنِيَا
قال السنديّ رحمه الله تعالى في ((شرح ابن ماجه)): المراد باليوم الوقت، إذ ولادته
قد تكون ليلاً. والظاهر أن المعنى كخروجه من الذنوب يوم ولدته أمه، وهو غير
صحیح، لأنه ما سبقه ذنب حتى يخرج منه ذلك اليوم، فالمعنی خرج من ذنوبه، ویصیر
طاهرًا منها؛ كطهارته منها يوم ولدته أمه. وظاهر هذا الحديث العموم للصغائر
والكبائر، والتخصيص يُبعده التشيبه، والله أعلم انتهى كلام السنديّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الحديث في إسناده ضعف. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((قال أبو عبدالرحمن: هذا خطأ الخ. ولفظ ((الكبرى)): ((هذا غلط،
والصواب ما تقدّم ذِكْرُنَا له)). انتهى. يعني كونه من حديث أبي هريرة تَظْثه .
والحديث أخرجه هنا-٢٢٠٨/٤٠ و٢٢٠٩ و٢٢١٠ وفي ((الكبرى)) - ٢٥١٨/٤٠
و٢٥١٩ و٢٥٢٠. وأخرجه (ق) ((الصلاة)) ١٣٢٨. وهو ضعيف، كما بينه المصنّف
رحمه الله تعالى في كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ
ابْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ... فَذَكُرَ مِثْلَهُ، وَقَالَ: ((مَنْ
صَامَهُ، وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير النضر
ابن شيبان، وقد تقدّموا في السند السابق، غير:
١- (القاسم بن الفضل) بن مَعْدَان بن قُرَيظ الْحُدَّانيّ - بضم المهملة، وتشديد الدال-
الأزديّ، أبي المغيرة البصريّ، كان نازلاً في بني حُدَّان، وليس منهم، ثقة رمي
بالإرجاء [٧] .
قال صالح بن أحمد، عن عليّ بن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبدالرحمن
ابن مهديّ يُثَبِّتُ القاسم بن الفضل، قال: ذاك مُنكَرٌ (٢)، وجعل يُثني عليه. وقال عمرو
ابن عليّ: سمعت يحيى بن سعيد يُحسن الثناء على القاسم، قال: وكان ثقة. وقال
(١) - شرح ابن ماجه للسنديّ ج٢ ص١٢٣ .
(٢) - وفي ((الجرح والتعديل)): ((ذاك منكم))، وما هنا له وجه، لأن المراد بالمنكر الداهية الفطن، قال
في ((القاموس)): النّكْرُ، والنَّكَارة، والنَّكْرَاءُ، والنُّكْرُ - بالضمّ -: الدَّهَاء، والْفِطْنَةُ انتهى.

٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
أحمد بن سنان القطّان: سمعت ابن مهديّ، قال: كان من قُدماء أشياخنا، ومع ذلك من
أثبتهم. وقال أحمد، عن ابن مهديّ نحو ذلك. وقال ابن معين: ثقة. وقال مرّة:
صالح. وقال مرّة: ليس به بأس. وقال أحمد، وابن سعد، والنسائيّ، والترمذيّ: ثقة.
وقال أبو زرعة: أحفظ من أبي هلال الراسبيّ. وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان
صاحب حديث، قال يحيى القطّان: كان مُنكَرًا يعني من فطنته. وقال أبو داود مرّة: هو
من مرجئة البصرة. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال ابن عمار: القاسمُ بن الفضل من
ثقات الناس. وقال العقيليّ: سأله شعبة عن حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد في قصّة
كلام الذئب، وفيه: ((لا تقوم الساعة حتى يُكلّم الرجل عَذَبَةُ سوطه(١)، وشِرَاك نعله،
ويُخبره فخذه بما أحدث أهله)) (٢)، فحدثه به، فقال شعبة: لعلك سمعته من شهر بن
حوشب؟، قال: ، حدثناه أبو نضرة، عن أبي سعيد، فما سكت، حتى سكت شعبة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال ابن معين: مات سنة (١٦٧). أخرج ه البخاريّ في
((الأدب المفرد)»، والباقون، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا
(٢٢٠٩) و(٢٢١) و (٥٦٤٠).
والحديث ضعيفٌ كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْقَاسِمُ ابْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ: حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ، سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيكَ، سَمِعَهُ أَبُوكَ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، لَيْسَ بَيْنَ
أَبِيكَ، وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ لهِ أَحَدٌ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ
(١) - الْعَذَبَةُ -بفتحتين -: الطرَف، وجمعه عَذَبَات، مثلُ قَصَبة وقَصَبَات.
(٢) - أخرجه أحمد في مسنده، والترمذيّ في ((جامعه))، ولفظ أحمد:
١١٣٦٥ - حدثنا يزيد، أخبرنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
قال: عدا الذئب على شاة، فأخذها فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، قال: ألا
تتقي الله، تنزع مني رزقا، ساقه اللَّه إليّ، فقال: يا عجبي ذئب مُقع على ذنبه، يكلمني كلام
الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك، محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب، يخبر
الناس، بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي، يسوق غنمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى
زاوية، من زواياها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فأمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فنودي: ((الصلاة جامعة))، ثم خرج، فقال للراعي: ((أخبرهم))، فأخبرهم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة، حتى يكلم السباع
الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده)).
وهذا الإسناد إسناد صحيح.

٤٠- (ذکرُ اخْتِلافٍ یخیی بن أبی کثیر، ... - حدیث رقم ٢٢١٠
=
٦٣
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ
قِيَامَهُ، فَمَنْ صَامَهُ، وَقَامَهُ، إِيمَانًا وَاخْتِسَابًا، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد هم المذُكرَون في الماضي، إلا
اثنین :
١- (محمد بن عبدالله بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١]
٥٠/٤٣ .
٢- (أبو هشام) المغيرة بن سلمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبت، من صغار [٩]٢٨/
٨١٥ .
وقوله: ((في شهر رمضان)) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كون ذلك الحديث متعلقًا
بفضائل شهر رمضان.
وقوله: ((وسننت لكم قيامه)) التاء ضمير المتكلّم، أي ندبت لكم، وإنما قال:
((لكم))، لأنه نفع محضّ، لا ضرر فيه أصلاً، فمن فعل فقد نال أجرًا عظيمًا، ومن ترك
فلا إثم عليه. أفاده السنديّ في ((شرحه)) (١). وقال في ((شرح على ابن ماجه)): قوله:
((كتب اللَّه عليكم صيامه، وسننت لكم قيامه)): الضمير في الموضعين لرمضان، وكلمة
((على)) في الأول، واللام في الثاني للفرق بينهما، بتخفيف التكليف الإيجابيّ في
أحدهما، دون الآخر، وفيه أن الفرض ينسب إلى الله، والسنّة إليه وَالية. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «وفیه أن الفرض ینسب إلى الله الخ)) فيه نظرٌ،
فقد جاء في ((الصحيحين))، وغيرهما حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: ((فرض
رسول اللّه وَالخير زكاة الفطر ... )) الحديث، فقد نُسب الفرض إليه وَلّر. فتنبه.
والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب» .
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٤ ص ١٥٨ .
(٢) - ((شرح السندي)) على ابن ماجه ج٢ ص١٢٣ .

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
٤١- ( فَضْلُ الصِّيَّامِ، وَالاخْتِلَافُ
عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي حَدِيثٍ عَلِيٍّ بْنِ
أَبِي طَالِبٍ) رضي اللّه تعالى عنه
(فِي ذَلِكَ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن زيد بن أبي أُنيسة رواه
عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن الحارث، عن عليّ رَبيّه، وخالفه شعبة، فرواه عن
أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبدالله بن مسعود رَّه، موقوفًا، وقد نقل أبو
الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) جـ٧ ص٣٩٨- عن المصنّف أنه
قال -بعد أن أورد الحديث الثاني، موقوفًا -: هذا هو الصواب عندنا، وحديث العلاء
خطأ، وقد رأيت للعلاء أحاديث مناکیر انتهى.
وحاصله أنه رجّح كون الحديث عن عبدالله بن مسعود نظاثه ، موقوفًا عليه، لا عن
عليّ رَّ، مرفوعًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٢١١ - (أَخْبَرَنِ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ
زَيْدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقٌّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٌّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ
الَّهِ وَِّ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلِلِصَّائِم
فَرْحَتَانِ: حِينَ يُفْطِرُ، وَحِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمَ الصَّائِمِ، أَظْيَبُ
عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)) ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (هلال بن العلاء) بن هلال بن عمرو الباهليّ، مولاهم، أبو عمرو الرّقّيّ،
صدوق [١١] ١١٩٩/١٠ . من أفراد المصنّف.
٢- (أبوه) العلاء بن هلال بن عمرو بن هلال الباهليّ، أبو محمد الرّقّيّ، فيه لين
[٩] ١١٦٧/١٩٠ من أفراد المصنّف أيضًا.
٣- (عبيدالله) بن عمرو بن أبي الوليد الأسديّ، أبو وهب الرقيّ، ثقة فقيه ربما وَهِمَ
[٨] ١١٦٧/١٩٠ .
٤- (زيد) بن أبي أَنَيسة الْجَزَريّ، أبو أسامة كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّهَا، ثقة له
أفراد [٦] ٣٠٦/١٩١.

٦٥
٤١- ( فَضْلُ الصِّيَّامِ، وَالاخْتِلَافُ عَلَى ... - حديث رقم ٢٢١١
٥- (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣]
٤٢/٣٨ .
٦- (عبدالله بن الحارث) بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم الهاشميّ،
أبي محمد المدنيّ، أمير البصرة، لقبه بَيِّه، وأمه هند بنت أبي سفيان، وُلد في عهد النبيّ
وَلَّر، فحتّكه النبيّ بَّه، وتحول إلى البصرة، واصطلح عليه أهل البصرة حين مات يزيد
ابن معاوية .
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن المدينيّ: ثقة، ولم يسمع من ابن
مسعود. وقال الآجرّيّ: قلت لأبي داود: الزهريّ سمع من عبدالله بن الحارث؟ قال: لا ،
سمع من بنيه. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة، ظاهر
الصلاح، وله رضى في العامّة. وقال ابن حبّان: هو من فقهاء أهل المدينة. وحكى ابن
سعد في ((الطبقات)) أنه لما وُلد أتت به أمه هند إلى أختها أم حبيبة، فدخل عليها رسول الله
وَل3، فقال: من هذا يا أم حبيبة؟ قالت: هذا ابن عمك، وابن أختي، فتفل في فيه، ودعا
له. قال: وكان بَّه على مكة زمن عثمان. قال محمد بن عمر: كان ثقة کثیر الحدیث. وقال
ابن عبدالبرّ في ((الاستيعاب)): أجمعوا على أنه ثقة. قال ابن حبّان في ((الثقات)): توفّي سنة
(٧٩)، قلته السَّمُوم، ودُفن بالأبواء. وقال ابن سعد: توفي بعمان سنة (٨٤) عند انقضاء
فتنة ابن الأشعث، وكان خرج إليها هاربًا من الحجاج.
قال الحافظ: الثاني هو المعتمد، والذي مات بالسَّمُوم هو ولده عبدالله بن عبدالله
ابن الحارث انتهى. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب خمسة أحاديث
برقم ٢٢١١ و ٢٦٠٩ و ٢٣٠٨ و ٤٤٥٩ و٤٤٦٦ .
٧- (عليّ بن أبي طالب) الهاشميّ الخليفة الراشد، أبو الحسن رضي اللّه تعالى
عنهما ٧٤ / ٩١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء
الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة، وابن عم النبيّ ◌َّر، وزج ابنته، والمشهور بلقلب
أبي تُراب رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رَّهِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ) أنه (قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى،

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) سيأتي بيان اختلاف العلماء في سبب اختصاص
الصوم بكونه للَّه تعالى، مع أن كل العبادات له في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى.
(وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانٍ) جملة اسميّة من المبتدإ المؤخّر والخبر المقدّم، أي للذي قام
بحقوق الصوم، فأداه بواجباته، ومستحباته مرّتان من الفَرَح عظيمتان: إحداهما في
الدنيا، والأخرى في الأخرى (حِينَ يُفْطِرُ) الظرف متعلّق بمحذوف خبر لمبتدإ مقدّر،
أي الفرحة الأولى: كائنة وقتّ إفطاره، يعني أنه يفرح وقتَ إفطاره بالخروج عن عُهدة
المأمور، أو بوجدان التوفيق لإتمام الصوم، أو بخلوص الصوم، وسلامته من
المفسدات، من الرفث واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب، أو بالأكل، والشرب
بعد الجوع والعطش.
قال القرطبيّ: معناه يفرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح
طبيعيّ، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فَرَحَه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه،
وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربّه، ومعونة على مستقبل صومه.
قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على ما هو أعمّ مما ذُكر، ففرح كلّ أحد بحسبه؛
لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا، وهو الطبيعيّ، ومنهم
من يكون مستحبًا، وهو من يكون سببه شيئًا مما ذُكر. انتهى.
(وَحِينَ يَلْقَى رَبَّهُ) إعرابه كسابقه، أي الفرحة الثانية كائنة وقت لقاء ربه، بنيل الجزاء،
أو الفوز باللقاء. وقيل: هو السرور بقبول صومه، وترتّب الجزاء الوافر عليه، ولا تنافي
بين المعاني.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَم الصَّائِم) بفتح لام جواب القسم، والخُلُوف - بضم
الخاء، واللام، بعدها واو، وآخرَه فاء -: تغيّر رائحة الفم، يقال: خَلَفَ فم الصائم
خُلُوفًا، من باب قَعَدَ: تغيّرت ريحه، وأخلف بالألف لغة، وزاد في ((الجمهرة)): من
صوم، أو مرض. قاله في ((المصباح)).
وقال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: كونه بضم الخاء واللام هو الرواية
الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطابيّ: وهو خطأ. وحكى
القابسيّ الوجهين، وصوّب الضمّ، وبالغ النوويّ في ((شرح المهذّب))، فقال: لا يجوز
فتح الخاء، واحتجّ غيره لذلك بأنّ المصادر التي جاءت على فَعُول بفتح أوله قليلة،
ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به تغيّر رائحة فم الصائم
بسبب الصيام. كذا في ((الفتح)). وقال الباجيّ: الخلوف تغيّر رائحة فم الصائم، وإنما
يَحدُث من خُلُوّ المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفس الخارج من

=
٦٧
٤١- ( فَضْلُ الصِّيَّامِ، وَالاخْتِلَافُ عَلَى ... - حديث رقم ٢٢١١
المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغيّر. وقال البرقيّ: هو تغيّر
طعم الفم، وريحه لتأخّر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من
رائحة كريهة؛ لخلوّ المعدة من الطعام (١).
[تنبيه]: ((الخلوف)) بالضبط المذكور هو المشهور في الرواية، ووقع عند البخاريّ
في رواية الكشميهنيّ: ((لَخُلُف)) بحذف الواو، قال العينيّ: والظاهر أنه جمع خِلْفَة -
بالكسر. وقال ابن الأثير: الخِلْفة - بالكسر - تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبت
الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة بعد الرائحة الأولى، وروي في غير البخاريّ بهذه
اللفظة، أعني ((خِلْفَة)) انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الرواية ستأتي للمصنف في الباب التالي رقم -
٢٢١٩ - ولفظه: ((والذي نفس محمد بيده لَخِلْفَة فم الصائم أطيب عند الله من ريح
المسك)». والله تعالى أعلم.
[فائدة] : قوله: ((فم الصائم)) فيه ردّ على أبي عليّ الفارسيّ في قوله: إن ثبوت الميم
في ((الفم)) خاصّ بضرورة الشعر (٣)، فقد ثبت في هذا الحديث في الاختيار، وأما في
الشعر فقد ثبت في قوله [من الرجز] :
كَالْحُوتٍ لاَ يُلْهِيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهُ يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ
(أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))) وفي لفظ لمسلم، والنسائيّ (٤): ((أطيب عند
الله يوم القيامة)).
وقد وقع اختلاف بين الإمامين: أبي عمرو بن الصلاح، ومحمد بن عبدالسلام
رحمهما الله تعالى، فذهب الأول إلى أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة، وذهب الثاني
إلى أنه في الآخرة خاصّة، مستدلا بهذه الرواية.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه ابن الصلاح هو الأرجح، وقد ذكرت
تحقيق ذلك في أوائل هذا الشرح، في شرح حديث : ((لو لا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كلّ صلاة)) برقم -٧/٧ - فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص٤٠٨-٤٠٩ .
(٢) - راجع ((عمدة القاري)) ج٩ ص٢٩ .
(٣) - راجع ((طرح التثريب)) ج ٤ ص ٩٥ .
(٤) - ستأتي للمصنف في الباب التالي برقم ٢٢١٦ .

٦٨
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عليّ بن أبي طالب ◌َّ هذا صحيح.
[فإن قلت] : كيف يصحّ، وفيه عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلْس، وقد عنعنه؟.
[قلت] : إنما صحّ بما يأتي بعده، من حديث ابن مسعود رَّه الآتي بعده، وهو
وإن كان موقوفًا إلا أن له حكم الرفع، ومن حديث أبي سعيد الخدريّ، وحديث أبي
هريرة رَّا مرفوعًا، الآتيان في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى.
وهو بهذا السند من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢٢١١/٤١- وفي
(«الكبرى»٤١/ ٢٥٢١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الصوم (ومنها):
إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه يتكلم حيث يشاء، ويكلّم من يشاء بما يشاء، وأن
كلامه ليس خاصًا بالقرآن الكريم، وهذا هو الذي يُسمّي بالحديث القدسيّ، وهو كلام
الله تعالى على الحقيقة، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بتلاوته، بخلاف هذا
(ومنها): أن العبادات تتفاوت من حيث الثواب (ومنها): أن ثواب الصوم لا يعلم
مقداره إلا اللَّه تعالى (ومنها): أن الصائم له الفرح في الدنيا والآخرة (ومنها): أن الله
سبحانه وتعالى تفضّل على عباده بأن جعل الروائح الكريهة بسبب الصوم أطيب من ريح
المسك (ومنها): أن خلوف فم الصائم أعظم من دم الشهيد؛ لأن دم الشهيد شُبِّهَ ريحه
بريح المسك، وخلوف فم الصائم وُصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون
الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى(١). والله ذو الفضل العظيم. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): اختلف العلماء في المراد بقول الله تعالى: ((الصوم لي، وأنا أجزي
به))، مع أن الأعمال كلها لله تعالى، وهو الذي يَجزي بها، على أقوال، أوصلها الحافظ
رحمه الله تعالى في ((الفتح)) إلى عشرة:
[أحدها] : أن الصوم لا يقع فيه الرياء؛ كما يقع في غيره. حكاه المازريّ، ونقله
عياض عن أبي عُبيد. ولفظ أبي عُبيد في ((غريبه)): قد علمنا أن أعمال البرّ كلها للَّه، وهو
الذي يجزي بها، فنرى - والله أعلم- أنه إنما خصّ الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم
بفعله، وإنما هو شيء في القلب، ويؤيّد هذا التأويل قوله وَ لجر: ((ليس في الصيام رياء»،
(١) - أفاده في ((الفتح)) ج٤ ص٥٩٨ .

٦٩
٤١- ( فَضْلُ الصِّيَامِ، وَالاخْتِلاَفُ عَلَى ... - حديث رقم ٢٢١١
حدّثنيه(١) شبابة، عن عُقيل، عن الزهريّ، فذكره -يعني مرسلاً -. قال: وذلك لأن
الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم، فإنما هو بالنيّة التي تخفى عن الناس، هذا
هو وجه الحديث عندي انتهى.
وقد روى الحديثَ المذكورَ البيهقيُّ في ((الشعب)) من طريق عُقيل، وأورده من وجه
آخر عن الزهريّ موصولاً، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، ولفظه:
((الصيام لا رياء فيه، قال الله عز وجل: هو لي، وأنا أجزي به)). وهذا لو صحّ لكان
قاطعًا للنزاع .
وقال القرطبيّ: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يَطَّلِعُ عليه بمجرّد فعله
إلا الله، فأضافه اللَّه إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: ((يَدَعُ شهوته من أجلي)). وقال
ابن الجوزيّ: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يَسلَم ما يظهر من شَوْب، بخلاف
الصوم. وارتضى هذا الجواب المازريّ، وقرّره القرطبيّ بأن أعمال بني آدم لما كانت
يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعًا مثلُ
حال الممسك تقرّبًا. يعني في الصورة الظاهرة.
قال الحافظ: معني قوله: ((لا رياء في الصوم)) أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد
يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم، ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية،
فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقيّة الأعمال، فإن الرياء قد
يدخلها بمجرّد فعلها، وقد حاول بعض الأئمّة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم،
فقال: إن الذكر بـ((لا إله الله)) يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصّة، دون
غيره من أعضاء الفم، فيمكن الذاكر أن يقولها بحضر الناس، ولا يشعرون منه بذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد قائل هذا القول إلحاق الذكر المذكور بالصوم
من حيث عدم دخول الرياء، فمسلم، وإن أراد إلحاقه به من حيث الثواب والجزاء،
فليس بصحيح، فإن هذا مما لا مدخل للقياس فيه، فلا يلحق بالصوم في الثواب شيء
من العبادات، بل يقتصر الوارد عليه، كما هو ظاهر النصّ. والله تعالى أعلم.
[ثانيها]: أن المراد بقوله: ((وأنا أجزي به)) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه، وتضعيف
حسناته، وأما غيره من العبادات، فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبيّ: معناه أن
الأعمال قد كُشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء
اللّه، إلا الصيام، فإن اللَّه يُثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا السياق رواية الأعمش،
عن أبي صالح، حيث قال: ((كلّ عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى
(١) القائل: ((حدثنيه)) هو أبو عبيد.

٧٠
ـسبي
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به)). أي
أجازي عليه جزاء كثيرًا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ انتهى. و((الصابرون)) الصائمون في أكثر الأقوال.
وسبق إلى هذا أبو عُبيد في غريبه، فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، استدلّ
له بأن الصوم هو الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسَهُ عن الشهوات، وقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُؤَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ انتهى.
ويشهد له رواية المسيّب بن رافع، عن أبي صالح، عند سمويه: ((إلى سبعمائة
ضعف، إلا الصوم، فإنه لا يدري أحد ما فيه)). ويشهد له أيضًا ما رواه ابن وهب في
((جامعه)) عن عمر بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر، عن جدّه زيد مرسلاً. ووصله
الطبرانيّ، والبيهقيّ، في ((الشعب)) من طريق أخرى، عن عمر بن محمد، عن عبدالله
بن دينار، عن ابن عمر، مرفوعًا: ((الأعمال عند اللَّه سبع)) الحديث. وفيه: وعمل لا
يعلم ثواب عامله إلا اللّه))، ثم قال: ((وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله،
فالصيام))، ثم قال القرطبيّ: هذا القول ظاهر الْحُسْن، قال: غير أنه تقدّم، ويأتي في
غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نصّ في إظهار التضعيف، فبَعُدَ هذا
الجوابُ، بل بطل.
قال الحافظ: لا يلزم من الذي ذُكِرَ بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم
الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك، فلا يعلمه إلا الله تعالى.
ويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله: ((أنا أجزي به))؛ لأن الكريم إذا قال: أنا
أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه.
(ثالثها): معنى قوله: ((الصوم لي))، أي إنه أحبّ العبادات إليّ، والمقدم عندي،
وقد تقدّم قول ابن عبد البرّ: كفى بقوله: ((الصوم لي))، فضلاً للصيام على سائر
العبادات. وروى النسائيّ وغيره من حديث أبي أمامة، مرفوعًا: ((عليك بالصوم، فإنه
لا مثل له))(١)، لكن يعكر على هذا الحديثُ الصحيحُ: ((واعلموا أن خير أعمالكم
الصلاة)) .
(رابعها): الإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت
كلها لله، قال الزين ابن المنير: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا
يفهم منه إلا التعظيم والتشريف.
(١) - هو الحديث الآتي للمصنّف بعد باب برقم -٢٢٢٠/٤٣.

= ٧١
٤١- ( فَضْلُ الصِّيَامِ، وَالاخْتِلَافُ عَلَى ... - حديث رقم ٢٢١١
(خامسها): أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الربّ جلّ
جلاله، فلما تقرّب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقال القرطبيّ: معناه أن
أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام، فإنه مناسب لصفة من صفات الحقّ، كأنه
يقول: إن الصائم يتقرّب إليّ بأمر هو متعلّق بصفة من صفاتي.
(سادسها): أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة؛ لأن ذلك من صفاتهم.
(سابعها): أنه خالص لله، وليس للعبد فيه حظّ. قاله الخطابي. هكذا نقله عياض
وغيره، فإن أراد بالحظّ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول، وقد
أفصح بذلك ابن الجوزيّ، فقال: المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظّ، بخلاف غيره، فإن
له فيه حظًا لثناء الناس عليه لعبادته.
(ثامنها): سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يُعبَد به غيرُ اللَّه، بخلاف الصلاة،
والصدقة، والطواف، ونحو ذلك. واعترض على هذا بما يقع من عبّاد النجوم،
وأصحاب الهياكل، والاستخدامات، فإنهم يتعبّدون لها بالصيام. وأجيب بأنهم لا
يعتقدون إلهيّة الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعّالة بأنفسها. قال الحافظ: وهذا الجواب
عندي ليس بطائل؛ لأنهم طائفتان: إحداهما كانت تعتقد إلهيّة الكواكب، وهم من كان
قبل ظهور الإسلام، واستمرّ منهم من استمرّ على كفره. والأخرى من دخل منهم في
الإسلام، واستمرّ على تعظيم الكواكب، وهم الذين أشير إليهم.
(تاسعها): أن جميع العبادات تُوَفَّ منها مظالم العباد إلا الصيام، روى البيهقيّ من
طريق إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطيّ، عن أبيه، عن ابن عيينة، قال: إذا كان يوم
القيامة ◌ُحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم،
فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنّة. قال القرطبيّ: قد كنت
استحسنت هذا الجواب إلى أن فكّرت في حديث المقاصّة، فوجدت فيه ذكر الصوم
في جملة الأعمال حيث قال: ((المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصدقة، وصيام،
ويأتي وقد شَتَم هذا، وضَرَب هذا، وأَكَل مال هذا ... )) الحديث، وفيه: ((فيؤخذ لهذا
من حسناته، ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من
سيّآتهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار)). فظاهره أن الصيام مشترك مع بقيّة الأعمال
في ذلك.
قال الحافظ: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، فقد يستدلّ له
بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة تَطميه
رفعه: ((كلّ العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي، وأنا أجزي به)). وكذا رواه أبو داود

٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
الطيالسيّ في ((مسنده))، عن شعبة، عن محمد بن زياد، ولفظه: ((قال ربّكم تبارك
وتعالى: كلّ العمل كفّارة إلا الصوم)). ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى، عن
شعبة بلفظ: كلّ ما يعمله ابن آدم كفّارة له إلا الصوم)). وقد أخرجه البخاريّ في
((التوحيد)) عن آدم، عن شعبة بلفظ: ((يرويه عن ربكم، قال: لكلّ عمل كفّارة، والصوم
لي، وأنا أجزي به))، فحذف الاستثناء. وكذا رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، لكن
قال: ((كلّ العمل كفّارة))، وهذا يخالف رواية آدم؛ لأن معناه أن لكلّ عمل من المعاصي
كفّارة من الطاعات، ومعنى رواية غندر: كلّ عمل من الطاعات كفّارة للمعاصي. وقد
بيّن الإسماعيليّ الاختلاف فيه في ذلك على شعبة. وأخرجه من طريق غندر بذكر
الاستثناء، فاختلف فيه أيضًا على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن
عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند، فإنه يعارضه حديث حذيفة: ((فتنة الرجل في أهله،
وماله، وولده يكفّرها الصلاة، والصيام، والصدقة)).
(عاشرها): أن الصوم لا يظهر، فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، واستند
قائله إلى حديث واهٍ جدًّا أورده ابن العربيّ في ((المسلسلات))، ولفظه: ((قال اللَّه:
الإخلاص سرّ من سرّي، استودعته قلب من أُحبّ، لا يطّلع عليه ملك، فيكتبَهُ، ولا
شيطان، فيفسدَهُ)). ويكفي في رد هذا القول الحديثُ الصحيح في كتابة الحسنة لمن همّ
بها، وإن لم يعملها.
قال الحافظ: فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض العلماء بلّغها إلى
أكثر من هذا، وهو الطالقانيّ في ((حظائر القدس)) له، ولم أقف عليه (١).
قال الحافظ: وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول، والثاني، ويقرب منها
الثامن والتاسع.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأقرب هو الجواب الثاني، وهو أنه تعالى
منفرد بعلم مقدار ثوابه، وأنه يثيب الصائم بغير حساب، فهذا هو الذي يؤيّده السياق،
بل هو كالصريح فيه، حيث قال: ((كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى
(١) - قال الحافظ السيوطيّ في ((زهر الربى)) ج٤ ص١٦١: بعد أن ذكر كلام الحافظ هذا: ما نصّه:
قلت: قد وقفت عليه، فرأيته بلّغها إلى خمسة وخمسين قولاً، وسأسوقها إن شاء الله تعالى في
التعليق الذي علی ابن ماجه انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: راجعت تعليقه على ابن ماجه، من النسخة الهندية التي كتبت
التعليق المذكور، فلم أجد الأقوال، ولعله لاختلاف النسخ، أو لم يوفّق لذكر الأقوال، كما
وعد. والله تعالى أعلم.

٧٣
٤١- (فَضْلُ الصِّيَامِ، وَالاخْتِلاَفُ عَلَى ... - حديث رقم ٢٢١١
سبعمائة ضعف، إلى ما شاء اللّه، قال اللّه: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سَلِمَ صيامه من
المعاصي قولاً وفعلاً.
ونقل ابن العربيّ عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص، فقال: إن
الصوم على أربعة أنواع: صيام العوامّ، وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع.
وصيام خواص العوامّ، وهو هذا، مع اجتناب المحرّمات، من قول أو فعل. وصيام
الخواصّ، وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته. وصيام خواصّ الخواصّ، وهو
الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلى يوم القيامة. وهذا مقام عال، لكن في حصر
المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يَخفى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: بل في كون هذا النوع داخلاً في الحديث المذكور
نظر لا يخفى، إذ الصوم الشرعيّ هو الذي نزل القرآن ببيان وقته المحدّد بما بين تبيّن
طلوع الفجر الصادق ، إلى غروب الشمس، حيث نصّ عليه في قوله عز وجل: ﴿وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبِيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَنِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى أَلَيْلِّ﴾
الآية .
فحيثما ورد فضل الصوم في النصّ فإنما يُراد به هذا النوع، وأما إعراض المرء عن
غير الله تعالى، فليس له وقت محدّد، وأيضًا إن أراد بغير الله ما يصدّ عن ذكر الله
تعالى، ويَشغل عن طاعته، فإن هذا الإعراض مطلوب محمود شرعًا، ولكن إطلاق
الصوم عليه في عرف الشرع محلّ نظر، وإن أراد عدم الالتفات إلى غير الله تعالى
أصلاً، سواء كان ذلك أمرًا دينيًّا أو دنيويا، بحيث إنه لا يلتفت إلى التكاليف الشرعيّة،
فلا يصلّي، ولا يصوم، ولا، ولا، لكونه وصل إلى مراده، فهذا ضلال، وزندقة،
وإلحاد، فضلاً عن أن یکون مطلوبا للشارع الحکیم جلّ وعلا، فتنبه، فقد زلّ فیہ کثیر
من جهال العبّاد، فاعتبروا هذا مقامًا شريفًا، وحالا منيفًا، بينما هو الضلال والهلاك.
﴿رَبَّنَ لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنَكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى:
اختلف في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه
سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح الطيّبة، واستقذار الروائح الخبيثة؛ فإن ذلك من

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء، فتستطيبه، وتنفر من شيء، فتتقذّره (١)،
على أقوال:
(أحدها): قال المازريّ: هو مجاز، واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح
الطيّبة منّا، فاستعير ذلك في الصوم؛ لتقريبه من اللّه تعالى انتهى. فيكون المعنى: إن
خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي إنه يقرب إليه أكثر من
تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبدالبرّ نحوه.
(الثاني): أن معناه أن اللَّه تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح
المسك؛ كما يقال في المكلوم في سبيل اللّه: ((الريح ريح المسك)). حكاه القاضي
عیاض.
(الثالث): أن المعنى أن صاحب الخُلُوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح
المسك عندنا، لا سيّما بالإضافة إلى الخلوف، وهما ضدّان. حكاه القاضي عياض
أيضًا.
(الرابع): أن المعنى أنه يُعتدّ برائحة الخلوف، وتدّخر على ما هي عليه أكثر مما يعتدّ
بريح المسك، وإن كانت عندنا بخلافه. حكاه القاضي عياض أيضًا.
(الخامس): أن المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك، حيث ندب إليه في الجُمَع
والأعياد، ومجالس الحديث والذكر، وسائر مجامع الخير. قاله الداوديّ، وابن
العربيّ، وصاحب ((المفهم))، وبعض الشافعيّة، قال النوويّ: إنه الأصحّ.
(السادس): قال صاحب ((المفهم)): يحتمل أن يكون ذلك في حقّ الملائكة،
يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. انتهى كلام وليّ الدين (٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الأقوال كلها ساقطة، لا أثارة عليها من علم، بل
هي مبنيّة على هواء الهوى الفاسد، والتشبيه المتخيّل الكاسد، وليس فيها عن السلف
(١) - قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما أوقعهم في هذه الأقوال المنتشرة التي لا تنبني على حجة،
إلا مجرّد التخيّل، وقياس الغائب بالشاهد، تقليدا للمتكلّمين الذين هم أذناب الفلاسفة
الملحدين، وإلا فلو فكروا في أن اللَّه تعالى له الصفات العلى، لا تشبه صفات المخلوقين، كما
أن ذاته المقدسة لا تشبه ذواتهم، لما تطرّق إلى أذهانهم الإشكال المزعوم أصلا، كما هو هدي
السلف الصالحين الذين كانوا إذا سمعوا مثل هذا الحديث لم يتلجلج في قلوبهم شيء من
الخيالات الفاسدة، والأوهام الكاسدة، بل سلّموا، وأثبتوا ما أثبته النصّ، على مراد الله تعالى،
والخير كل الخير هو الذي کانوا عليه:
وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اَتْبَاعِ مَنْ سَلَفْ وَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
(٢) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص ٩٥ - ٩٦ .

٧٥
٤١- (فَضْلُ الصِّيَّامِ، وَالاخْتِلَاَفُ عَلَى ... - حديث رقم ٢٢١١
شيء، بل كلها جاءت عن متأخري الأشاعرة، ومن سار على دَرْبهم.
فإن الله سبحانه حينما أنزل على رسول اللَّه ◌ِّر: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله
من ريح المسك)) لم يأمره ببيان كونه من المتشابه، وأن ظاهره غير مراد، بل تأويله كذا
وكذا، مع أنه تعالى هو الذي قال له: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾
الآية [النحل: ٤٤]، ولم يتعرّض النبيّ وَ ل﴿ حينما أخبر بهذا الخبر لبيان الإشكال
المزعوم، ولا للجواب عنه، ولا الصحابة الكرام ه الذين كانوا أعلم الناس بلغة
العرب، وبمقاصد الشريعة بعد نبيهم وت لال حينما سمعوا الحديث ما استشكلوه، ولا
سألوا عن تأويله، وهكذا التابعون لهم بإحسان رحمهم الله تعالى، سلكوا مسلكم، أفلا
يسعنا ما وسعهم؟.
فيا أيها العقلاء، ويا أيها المنصفون الذين لم تنصبغ عقولهم بخيالات الفلاسفة،
وأوهام المتكلمين: إن واجب كل مسلم إذا سمع شيئًا من النصوص، أن يتلقاه بالقبول،
ولا يذهب به كلَّ مذهب تتخيّله نفسه، فإن هذه النصوص لم تأت إلا من العليم الحكيم
الذي هو أعلم بما يجوز أن يُنسب إليه، وأن النبيّ وَلَّ لا يقول إلا الحقّ، كما قال
تعالى: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ إِنْ هُوَ إِلَّا وَتَّىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
وخلاصة القول أن ما ثبت نسبته إلى الله تعالى في كتابه العزيز، أو في حديث رسوله
وَلاه الصحيح وجب قبوله، وإجراؤه على ظاهره على المعنى الذي أراده الله تعالى،
دون تشبيه ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل.
اللَّهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما
كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى
صراط مستقيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): [إن قيل] : ما الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته
مساوية لرائحة المسك، وعدم تحريم إزالة الخُلُوف مع كونه أطيب من ريح المسك؟ .
قلت: ذكر الإمام جمال الدين الإسنويّ رحمه الله تعالى في ((المهمّات)) خمسة أوجه
من الأجوبة:
(أحدها): أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وليس للصائم خصم، يَحتجّ عليه
بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند اللَّه، وملائكته.
(ثانيها): أن دم الشهيد حقّ له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك بموته، وقد كان
له غسله في حياته، والخلوف حقّ للصائم، فلا حرج عليه في ترك حقّه، وإزالة ما
یشهد له بالفضل.

٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
(ثالثها): أن كون رائحة دم الشهيد كرائحة المسك أمر حقيقيّ، وكون رائحة
الخلوف أطيب من رائحة المسك أمر حكميّ، له تأويل يصرفه عن ظاهره في أكثر
الأقوال المتقدّم بيانها .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: التأويلات التي تقدّم بيانها غير صحيحة، كما تقدم
تحقيق ذلك، فلا تغفل.
(رابعها): أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد مع وجوب إزالة الدم (١)، ومع وجوب
غسل الميت، فما اغتفر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته، فلذلك قلنا بتحريمه،
ولم يَرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط.
(خامسها): أنه عارض ذلك في خلوف الصائم بقاء الحياة، وهي محلّ التكليف،
والعبادات، وملاقات البشر، فأمكن أن يُزال الخلوف لما عارضه، بخلاف دم الشهيد،
فإنه بخلاف ذلك انتهى منقولاً من ((طرح التثريب)) بتصرّف(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الأول عندي هو الأقرب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٢ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ
أَبِي الْأَخْوَصِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ
فَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ (٣) وَلَخُلُوفُ فَمَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِبِحٍ
الْمِسْكِ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة، و((أبو الأحوص)): هو عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ الكوفيّ، ثقة مشهور
بكنيته [٣] ٥٠ /٨٤٩.
و((عبدالله)): هو ابن مسعود بَلهد.
والحديث موقوف صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، وتقدم تمام
الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - في وجوب إزالة الدم غير دم الحيض نظر لا يخفى، إذ لا دليل على وجوبه، وقد تقدّم تحقيق
ذلك في ((أبواب الطهار))، فتفطن.
(٢) - راجع ((طرح التثريب))، ج٤ ص١٠١ . فإنه منقول عنه بتصرّف.
(٣) - وفي الهنديّة: ((عند فطره)).

٧٧
٤٢- ( ذِكْرُ الاختلافِ عَلی ابی صَالِح ... - حديث رقم ٢٢١٣
٤٢- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي
صَالِحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن أبا سِنَان رواه عن أبي
صالح، عن أبي سعيد الخدريّ تَّيه ، وخالفه جماعة، فرووه عن أبي صالح، عن أبي
هريرة رَبّ ، وهم: المنذر بن عُبيد، والأعمش، وعطاء بن أبي رباح رحمهم الله
تعالى.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحّة الحديث، لإمكان الجمع بأن أبا صالح سمعه
من أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، رؤيتها، ولذا أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى
في ((صحيحه)) من طريق أبي سنان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد تَّا
جميعًا، قالا: قال رسول اللَّه وَل) إن اللَّه عز وجل يقول: إن الصوم لي ... )) الحديث.
وقد روى الحديث أيضًا سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة تني ، كما سيأتي
للمصنّف رحمه الله تعالى برقم -٢٢١٨ و٢٢١٩ - والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٢١٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
سِنَانٍ، ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ
تَّبَارَكَ وَتَعَالَى، يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي، وَأَنَّا أَجْزِي بِهِ، وَلِلصَّائِم فَرْحَتَانِ، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا
لَقِيَ اللَّهَ، فَجَزَاهُ فَرِحَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ،
مِنْ رِبِحِ الْمِسْكِ)) ).
قالَ الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا،
إلا شيخه، فإنه من أفراده، وهو:
١- (عليّ بن حرب) بن محمد بن عليّ بن حَيّان بن مازن الطائيّ، أبو الحسن
الموصليّ صدوق فاضل، من صغار [١٠].
قال النسائيّ: صالح. وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وسُئل أبي عنه؟
فقال: صدوق. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال مسلمة بن
قاسم: كان ثقة، حدّثنا عنه غير واحد. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن
السمعانيّ: كان صدوقًا. وقال أبو زكريا الأزديّ في ((تاريخ الموصل)): رحل مع أبيه،
فسمع، وصنّف حديثه، وكان عالمًا بأخبار العرب أديبًا شاعرًا، وفد على المعتزّ سنة
(٢٥٤) بسُرَّ مَنْ رأى، فكتب عنه الحديث بخطّه، وأحضره الطعام، وكتب له بضياع،

٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
ولم يزل ذلك جاريًا إلى أيام المعتضد، وكان مولده على ما أخبر به بعض ولده سنة
(١٧٠)، وتوفّي في شوّال سنة (٢٦٥) وفيها أرّخه غير واحد. وقال بعضهم: وله (٩٢)
سنة. وقال ابن قانع: مات سنة (٦٦) وقال الخطيب: والأول أصحّ. تفرّد به المصنّف
بهذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا غير مرّة.
و ((أبو سِنَان، ضِرَار بن مُرّة)): هو أبو سنان الشيباني الأكبر (١)، ثقة ثبت [٦] ١٠٠٪
٢٠٣٢.
و ((أبو صالح)): ذكوان السمّان الزيات المدنيّ.
و((أبو سعيد)): هو سعد بن مالك بن سنان الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ تعطلفيها.
والحديث أخرجه (م) في ((الصيام)) ١٢٧٠٢. وأخرجه المصنّف هنا - ٢٢١٣/٤٢ -
وفي ((الكبرى)) ٢٥٢٣/٤٢- و(أحمد) ١٠٥٨٦ و١٠٩٣٢ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٤ (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ
عُبَيْدٍ حَدَّقَهُ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ، قَالَ: ((الصِّيَّامُ
لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصَّأَئِمُ يَفْرَحُ مَرَّتَيْنِ: عِنْدَ فِطْرِهِ، وَيَوْمَ يَلْقَى اللَّهَ (٢)، وَخُلُوفُ فَم
الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)) ).
قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غيرَ شيخه
سليمان بن داود الْمَهْرِيِّ، ابن أخي رِشْدِين بن سعد، فإنه من أفراده، وأفراد أبي داود،
وهو ثقة، وغيرَ :
١- (المنذر بن عُبيد) المدنيّ، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن القطّان:
مجهول الحال(٣). وقال في ((ت)): مقبول، من السادسة. فإنه من أفراد المصنّف، له
عنده حديثان فقط: هذا، وحديث ٤٦٠٦ في البيوع.
و((عمرو)): هو ابن الحارث المصريّ الثقة الثبت.
(١) - وأما أبو سنان الأصغر فهو سعيد بن سنان الْبُرْجُيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام [٦]،
تقدّم في ١٦٢٣/١١.
(٢) - وفي نسخة: ((ويوم يلقى ربّه)).
(٣) - قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في هذه العبارة نظر لا يخفى، فإن مجهول الحال هو الذي لم
يرو عنه غير راو واحد، والمنذر ليس كذلك، فقد روى عنه عمرو بن الحارث، وأسامة بن زيد
الليثيّ، وعبدالملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهم، انظر ترجمته في ((تت)) ج٤
ص١٥٤ .
والمشهور أن مثل هذا يقال له: مجهول العدالة، إذا لم يثبت توثيقه من المعتبرين، فليتأمل.

٤٢- ( ذکرُ الاختلافِ علی ابی صَالِح ... - حديث رقم ٢٢١٥
٧٩
والحديث متفق عليه، وأخرجه المصنف هنا-٢٢١٤/٤٢ و٢٢١٥ و٢٢١٦ و٢٢١٧
و٢٢١٨ و٢٢١٩- وفي ((الکبری)) ٢٥٢٤/٤٢ و٢٥٢٥ و٢٥٢٦ و٢٥٢٧ و٢٥٢٨
و٢٥٢٩. وأخرجه (خ) في ((الصوم)) ١٧٦١ و١٧٧١ و١٩٤١ (م) في ((الصيام) ٢٧٠٠
و٢٧٠١ و٢٧٠٢ (د) في ((الصوم)) ٢٠١٦ (ق) في ((الصيام)) ١٦٢٨ (الموطأ) في
((الصيام)) ٦٠٢ و٦٠٣ (أحمد) ٧١٧٩ و٧٢٨٩ و٧٣٦٨. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((مَا مِنْ حَسَنَةٍ، عَمِلَهَا (١) ابْنَ آدَمَ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ،
عَشْرُ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَةً لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ،
يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ، مِنْ أَجْلِي، الصِّيَّامُ جُنّةٌ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ
لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسنادَ كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة، وشيخه هو ابن راهويه. و((جرير)): هو ابن عبدالحميد.
وقوله: ((يدع شهوته الخ)) تعليل لاختصاصه بعظيم الجزاء. وعطف: ((طعامه)) من
عطف الخاصّ على العام، فإن الشهوة تشمل الطعام وغيره. وفي رواية ابن خزيمة رقم
-١٨٩٧ - من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه: ((يدع الطعام، ويدع الشراب من
أجلي، ويدع لذّته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي)). وعند الحافظ سمويه في
((فوائده)) من طريق المسيّب بن رافع، عن أبي صالح: ((يترك شهوته، من الطعام،
والشراب، والجماع من أجلي)).
ووقع بأداة الحصر في رواية أحمد، ولفظه: ((يقول الله عز وجل: إنما يذر شهوته الخ)»،
وكذا عند سعيد بن منصور، ولفظه: ((يقول الله عز وجل: كلّ عمل ابن آدم هو له، إلا
الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم شهوته، وطعامه من أجلي)) الحديث.
قال في ((الفتح)): وقد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله: ((إنما يذر الخ)) التنبيه
على الجهة التي يستحقّ الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصّ به، حتى لو كان ترك
المذكورات لغرض آخر كالتُّخَمَة لا يحصل للصائم الفضل المذكور، لكن المدار في
هذه الأشياء على الداعي القويّ الذي يدور معه الفعل وجودًا وعدمًا، ولا شكّ أن من
لم يَغْرِض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل
(١) - وفي نسخة: ((يعملها)).

---
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
= ٨٠
=
کمن عرض له ذلك، فجاهد نفسه في تركه.
وتمام شرح الحديث يأتي في الذي بعده، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي
عَطَاءُ، عَنْ أَبِي صَالِحِ الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((كُلّ
عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَّامَ، هُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَّامُ جُنَّةٌ، إِذَا كَانَ يَوْمُ صِيَامٍ
أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُتْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، وَالَّذِيّ
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ،
لِلصَّائِم فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَاَ أَفْطَرَ فَرِّحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَرِحَ بِصَوْمِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إبراهيم بن الحسن) بن الْهَيْثَم الْخَثْعَميّ، أبو إسحاق المصْيصيّ الْمِقْسَميّ، ثقة
[١١] ٦٤/٥١ .
٢- (حجّاج) بن محمد الأعور، أبو محمد الْمِصْيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزيل
بغداد، ثم المصّيصّة، ثقة ثبت، لكنه اختلط بآخره بعد دخوله بغداد [٩] ٣٢/٢٨.
٣- (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ،
ثقة فقيه فاضل، يُدلّس [٦] ٣٢/٢٨.
٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل
كثير الإرسال [٣] ١٥٤/١١٢.
٥- (أبو صالح الزيات) هو ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو هريرة رضي أحفظ من روى الحديث في
دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي صَالِحِ الزَّيَّاتِ) رحمه اللَّه تعالى (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَّهِ (يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) تقدّم شرحه