النص المفهرس

صفحات 21-40

=
٢١
٤٥- ( ذِكْرُ اخْتِلافِ ألفاظ الناقلِینَ لِخبر ... - حديث رقم ٢١٨١
وقولها: ((أكثر صيامًا)) قال في ((الفتح)): كذا لأكثر الرواة بالنصب، وحكى السهيليّ
أنه روي بالخفض، وهو وهم، ولعلّ بعضهم كتب ((صيامًا)) بغير ألف على رأي من
يقف على المنصوب بغير ألف، فتوهم مخفوضًا، أو أن بعض الرواة ظنّ أنه مضاف؛
لأنّ أفعل تضاف كثيرًا، فتوهّمها مضافةً، وذلك لا يصحّ هنا قطعًا. انتهى.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٨١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ النَِّيُّ وَِّ، يَصُومُ شَعْبَانَ)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد
تفرّد به، وهو ثقة [١١] ٤٢/٣٨. و((أبو داود)»: هو عُمَر بن سَعْد بن عُبيد الْحَفَريّ،
ثقة عابد [٩] ٥٢٣/١٥. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((منصور)): هو ابن المعتمر،
وكلهم كوفيّون، غير شيخه، فرُهَاويٍّ، وعائشة، فمدنيّة، وكلهم تقدّموا، سوى:
١- ( خالد بن سعد) الكوفيّ، مولى أبي مسعود الأنصاري، ثقة [٢].
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث:
هذا٢١٨١ و٢٣٦٢ حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((يتحرى يوم الاثنين
والخميس))، وفي ((كتاب الأشربة)) ٥٧٠٥ .
[تنبيه]: ذَكَر في ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص٥٢٠-٥٢١ في ترجمة خالد بن سعد
المذكور: ما نصّه: له عندهم حديث واحد في ذكر الدّجّال، قال: وله عند النسائيّ آخر
انتھی .
قال الجامع: هكذا قال، والذي في (تهذيب الكمال)) ج٨ ص ٨٠-٨١ بعد أن أخرج
بسنده عنه، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((عليكم بهذه
الحبة السوداء، فإن فيها شفاء من كلّ داء، إلا الموت)) -يعني الشونيز -: رواه
البخاريّ، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، فوافقناهما فيه بعلوّ، وعندهما فيه قصّة
لغالب بن أبجر، وليس لخالد بن سعد عندهما غير هذا الحديث الواحد، وهو حديث
عزیز انتهى.
قال الجامع: وهذا يخالف ما في ((تهذيب التهذيب))، فليُنظر. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: ذكر الحافظ المزيّ في ((تحفته)) بعد أن أرود حديث عائشة المذكور، نقلاً
عن المصنّف: ما نصّه: هذا خطأ. يعني أن الصواب: عن سفيان، عن ثور، عن خالد بن

=
٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
مَعْدَان، عن عائشة، كما سيأتي (١) انتهى كلام الحافظ المزيّ رحمه اللَّه تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لم أر هذا الكلام للمصنّف، لا في ((المجتبى))، ولا
في ((الكبرى))، ولعله لاختلاف النسخ، وحديث خالد بن معدان سيأتي للمصنّف برقم
٢١٨٧/٣٦ - وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء الله تعالى.
وحديث عائشة تتّها هذا رجاله ثقات، إلا أن المصنّف تكلّم فيه، كما ذكرناه آنفا،
وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢١٨١/٣٥ - وفي ((الكبرى)) -
٢٤٩١/٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٢١٨٢ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ
أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((لَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ، قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ
فِي لَيْلَةٍ، وَلَا قَامَ لَّيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلاً(٢) قَطْ، غَيْرَ رَمَضَانَ)))(٣).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غيرَ شیخه،
(هارون بن إسحاق)) بن محمد بن عبدالملك الْهَمْدَانيّ، أبي القاسم الكوفيّ، صدوق،
من صغار [١٠]٣٤٦/١٣ - فمن رجال البخاري في ((جزء القراءة))، وأصحاب ((السنن)).
و ((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ الكوفي الثقة الثبت. و((سعيد)): هو ابن أبي عَرُوبة
الثقة الثبت. وشيخه، وعبدة كوفيان، وسعد، وعائشة مدنيّان، والباقون بصريّون. والله
تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم سندًا ومتنًا في باب [الاختلاف على حديث
عائشة في إحياء الليل] رقم ١٧/ ١٦٤١ - وتقدم تمام البحث فيه هناك. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٨٣ - (أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ، حَرَّانِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ:
سَأَلْتُهَا عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ وَ؟، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ يَصُومُ، حَتَّى تَقُولَ قَدْ
ضَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ يَصُمْ شَهْرًا تَامًّا، مُنْذُ ◌َتَى الْمَدِينَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ
رَمَضَانٌ))).
رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد بن أحمد بن محمد بن
(١) - هو الحديث الآتي للمصنف برقم ٢١٨٧/٣٦.
(٢) - سقطت بعض النسخ: لفظة ((كاملا)).
(٣) -ووقع في بعض النسخ: ((كاملا غير رمضان)).

٢٣=
٤٥ - (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلَفَاظِ النَّقِلِينَ لِخبر ... - حديث رقم ٢١٨٤
الحجّاج بن ميسرة الكُرَيزيّ، أبو يوسف الصيدلا نيّ الرّقّيّ، فقد انفرد به هو، وابن
ماجه، وهو ثقة حافظ [١٠] ١٧١ /٢٦٦.
[تنبيه]: قوله: ((ابن أبي يوسف)) هكذا نسخ ((المجتبى))، والظاهر أنه غلطٌ،
والصواب أبو يوسف، كما هو في (تهذيب الكمال)) جـ٢٤ ص ٣٥٠، و(تهذيب التهذيب))
ج١ ص٤٩٦-، و((التقريب)) ص٢٨٩-، وكما تقدم للمصنّف في ٢٦٦/١٧١ - ونصّه
هناك: ((أخبرنا محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلانيّ الرقيّ ...
وقوله: ((الصيدلاني)) نسبة إلى بيع الأدوية والعقاقير. قاله في ((لب اللباب» ج٢
ص٧٦ .
وقوله: ((حرانيّ)): أي هو منسوب إلى خزّان -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء،
اسم مدينة بالجزيرة. كما في ((لب اللباب)) جـ١ ص٢٤٠.
و ((محمد بن سلمة)): هو الحرّانيّ. و((هشام)): هو ابن حسان القُرْدُوسيّ البصريّ.
وشيخه، ومحمد بن سلمة حرّانيّان، والباقون بصريون، غير عائشة رَّتها.
والحديث أخرجه المصنّف هنا-٢٢١٨٣/٣٥ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٩٣/٣٥.
[تنبيه] : أخرج هذا الحديث مسلم في ((صحيحه) من طريق حماد بن زيد، عن
أيوب، وهشام، كلاهما عن محمد -يعني ابن سيرين- عن عبدالله بن شقيق، قال
حمّاد: وأظنّ أيوب سمعه من عبدالله بن شقيق ... ثم أخرجه عن قتيبة، عن حماد،
عن أيوب، عن عبدالله بن شقيق، قال: سألت عائشة رَاشتها بمثله، ولم يذكر في
الإسناد هشاما، ولا محمدا انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: صنيع الإمام مسلم رحمه اللّه تعالى يدلّ على أنه
صحيح من الطريقين جميعًا، لأنه يحمل على أن أيوب سمعه من محمد بن سيرين، ثم
سمعه من عبدالله بن شقيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٨٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ
كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، يُصَلِّ صَلَاةَ
الضُّحَى؟، قَالَتْ: ((لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ))، قُلْتُ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَه يَصُومُ
شَهْرًا كُلَّهُ؟، قَالَتْ: ((لَا، مَا عَلِمْتُ صَامَ شَهْرَا كُلَّهُ، إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَ حَتَّى يَصُومَ
مِنْهُ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدَريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢.

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (كهمس) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقة [٥] ٦٨١/٣٩.
٤- (عبد الله بن شقيق) الْعُقيليّ البصريّ، ثقة فيه نصب [٣] ١٥٤٤/١٧.
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير
عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه
عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) رََّا (أَكَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ، يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟، قَالَتْ: ((لَا)) أي لا يصليها (إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ) -
بفتح الميم، وكسر المعجمة- يكون مصدرًا لغاب يَغِيب غَيْبَةً، وغِيَابًا -بالكسر،
وغُيُوبًا، ويكون مَحَلَّ الغَيْبَة، وهو المراد هنا، أي إلا أن يقدَم من سفره.
ووقع في النسخة الهندية: "من مغيبة)) بهاء التأنيث: ولعله بمعنى ((سفرته)).
وهذا الذي قالته عائشة تحديثها، يفيد أنه وَ لولم يصل صلاة الضحى إلا عند القدوم من
السفر، وقد جاء عنها في ذلك أشياء مختلفة، فقد أخرج الشيخان من طريق عروة، عنها،
أنها قالت: ((ما رأيت رسول اللَّهُ وَّر سبّح الضحى، وإني لأسبّحها)). وفي لفظ: ((ما رأيت
رسول اللّه وَ﴿ يُصلي سُبحة الضحى قطّ، وإني لأسبّحها، وإن كان رسول اللّه وَله ليَدَع
العمل، وهو يُحبّ أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس، فيُفرض عليهم)) (١).
وأخرج مسلم من طريق معاذة العدوية، أنها سألت عائشة رعايتها : كم كان رسول الله
وَله يصلي الضحى؟، قالت: ((أربعًا، ويزيد ما شاء))، وفي رواية: ((ويزيد ما شاء الله)).
ففي الأول نفي صلاته وَل﴿ صلاةَ الضحى مُقيّدًا بغير المجيء من مغيبه، وفي الثاني
نفي رؤيتها لذلك مطلقًا، وفي الثالث إثباتها مطلقًا.
قال النووي رحمه اللّه تعالى في ((شرح مسلم)): ما حاصله: الجمع بين حديثي
عائشة في نفي صلاته وّهه الضحى، وإثباتها، أن النبيّ وَلو كان يصليها في بعض الأوقات
(١) - متفق عليه، واللفظ الأول للبخاريّ، والثاني لمسلم.

٢٥
٤٥- ( ذکرُ اخْتِلافِ الفاظ الناقلِینَ لِخبر ... - حديث رقم ٢١٨٤
لفضلها، ويتركها في بعضها خشية أن تُفرض، كما ذكرته عائشة، ويتأول قولها: ((ما
كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه))، على أن معناه: ما رأيته؛ كما قالت في روايتها
الأخرى: ((ما رأيت رسول اللَّه ◌َل يصلي سبحة الضحى)).
وسببه أن النبيّ وَّ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في وقت نادر من
الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافرًا، وقد يكون حاضرًا، ولكنه في المسجد، أو
في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه، فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصحّ قولها: ((ما
رأيته يصليها))، وتكون قد علمت بخبره، أو خبر غيره أنه صلاها، أو يقال: قولها: ((ما
كان يصليها))، أي يداوم عليها، فيكون نفيًا للمداومة، لا لأصلها. والله أعلم. انتهى
كلام النووي (١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)): وقد اختلف العلماء في ذلك:
فذهب ابن عبدالبر وجماعة إلى ترجيح ما اتفق الشیخان علیه، دون ما انفرد به مسلم،
وقالوا: إن عدم رؤيتها لذلك لا يستلزم عدم الوقوع، فيقدّم من رُوِي عنه من الصحابة
الإثبات.
وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، قال البيهقيّ: عندي أن المراد بقولها: ((ما رأيته
يسبّحها))، أي يُداوم عليها، وقولها: ((وإني لأسبحها))، أي أداوم عليها، وكذا قولها:
((وما أحدث الناس شيئًا)) تعني المداومة عليها، قال: وفي بقية الحديث إشارة إلى ذلك،
حيث قالت: ((وإن كان لَيَدَعُ العملَ، وهو يحبّ أن يعمله خشية أن يعمل به الناس،
فیفرض عليهم». انتهى.
وحكى المحبّ الطبريّ أنه جمع بين قولها: ((ما كان يصلي إلا أن يجيء من مغيبه))،
وقولها: ((كان يصليّ أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه)): بأن الأول محمول على صلاته إياها في
المسجد، والثاني على البيت، قال: ويعكُرُ عليه قولها: ((ما رأيته يسبحها قطّ))، ويجاب
عنه بأن المنفيّ صفة مخصوصة، وأَخَذَ الجمعَ المذكورَ من كلام ابن حبّان. وقال
عياض وغيره: قولها: ((ما صلاها)) معناه ما رأيته يصلّيها، والجمع بينه وبين قولها:
((كان يصليها)) أنها أَخبرت في الإنكار عن عدم مشاهدتها، وفي الإثبات عن غيرها.
وقيل في الجمع أيضًا: يحتمل أن تكون نفت صلاة الضحى المعهودة حينئذ، من هيئة
مخصوصة، بعدد مخصوص، في وقت مخصوص، وأنه وَلّ إنما كان يصليها إذا قدم
من سفر، لا بعدد مخصوص، ولا بغيره، كما قالت: ((يصلي أربعًا، ويزيد ما شاء
(١) - راجع ((شرح مسلم)) ج ٦ ص ٢٣٧.

٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
اللَّه)). انتهى كلام الحافظ(١).
[تنبيهان] :
(الأول): حديث عائشة رَثها هذا يدلّ على ضعف ما روي عن النبيّ وَّر أن صلاة
الضحى كانت واجبة عليه، وعدّها لذلك جماعة من العلماء من خصائصه، ولم يثبت
ذلك في خبر صحيحٍ، وقول الماورديّ في ((الحاوي)): إنه رَّرُ واظب عليها بعد يوم
الفتح إلى أن مات يَعكر (٢) عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانىء تَّها أنه لم يصلّها
قبلُ، ولا بعدُ.
ولا يقال: إن نفي أم هانىء لذلك لا يلزم منه العدم؛ لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى
دليل، ولو وجد لم يكن حجة؛ لأن عائشة تعلّه ذكرت أنه كان إذا عمل عملا أثبته،
فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوبَ عليه. قاله في ((الفتح)) (٣).
(الثاني): ذَكَرَ النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: صحّ عن ابن عمر رَها أنه قال
في الضحى: هي بدعة، فيحمل على أنه أراد أن صلاتها في المسجد، والتظاهر بها،
كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت، ونحوها مذموم، أو يقال: قوله:
بدعة، أي المواظبة عليها؛ لأن النبي وَ لولم يواظب عليها خشية أن تُفرض، وهذا في
حقّه وَله، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقّنا بحديث أبي الدرداء، وأبي ذرّ ◌َّا ؛
أو يقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبيّ ◌َّ﴾ الضحى، وأمره بها، و کیف کان، فجمهور
العلماء على استحباب الضحى، وإنما نُقل التوقّف فيها عن ابن مسعود، وابن عمر
، والله أعلم انتهى كلام النوويّ (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن الأجوبة عندي الجواب الأخير، وأضعفها، بل هو
غير صحيح، ثانيها، لأن قوله: إن المواظبة عليها بدعة، يبطله ما ثبت في حديث أبي هريرة،
وأبي ذرّ، وأبي الدرداء ، مما يدلّ على أمر النبيّ وَّر بالمحافظة على صلاة الضحى(٥).
فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّز بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) - راجع ((الفتح)) ج٣ ص ٣٧٣ -٣٧٤.
(٢) - عكر الشيءُ يعكر، من بابي ضرب، وقتل: عطف، ورجع.
(٣) - راجع ((الفتح) ج٣ ص٣٧٣ .
(٤) - راجع ((شرح مسلم)) ج٦ ص ٢٣٧ .
(٥) - لفظ حديث أبي هريرة ◌َّه: ((أوصاني خليلي وَ له بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر،
وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقُد)». متفق عليه.
ولفظ حديث أبي الدرداء تنميثي: ((أوصاني حبيبي وّ بثلاث -لن أدعهنّ ما عشت -: بصيام ثلاثة
أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنّام حتى أوتر)). أخرجه مسلم.

٢٧
٤٥- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ الَفَاَظِ النَّقِلِينَ لِخبر ... - حديث رقم ٢١٨٥
(قُلْتُ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِ، يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟، قَالَتْ: ((لَا، مَا عَلِمْتُ صَامَ
شَهْرًا كُلَّهُ، إِلَّا رَمَضَانَ) تقدم وجه الجمع بين هذا، وقولها: ((كان يصوم شعبان کله))،
فلا تغفل (وَلَا أَقْطَرَ ) أي لم يكن يفطر شهرا من الشهور (حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ) أي بعضه،
فـ(من)) بمعنى بعض (حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) أي إلى أن مات وَّر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٨٣/٣٥ و٢١٨٤ و٢١٨٥ و٢٣٤٩/٧٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٩٣/٣٥
و٢٤٩٤ و٢٤٩٥ و٢٦٥٨/٦٩ . وأخرجه (م) باختصار جزء الصوم فقط في ((الصوم))
٢٧١٠ و٢٧١١ و٢٧١٢ و٢٧١٣، وأخرج جزء الصلاة فقط في ((الصلاة)) ١٦٥٧
و١٦٥٨ . و(ت) في ((الصوم)) ٧٦٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعية صلاة الضحى (ومنها): أنه وَليّ لم يكن يصوم شهرًا كاملا إلا
رمضان (ومنها): استحباب الإكثار من صيام كلّ شهر، لأنه وَلّ كان يكثر من ذلك،
حتى إنه لا ينسلخ شهر من الشهور إلا ويصوم بعضه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٨٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع- قَالَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ، يُصَلِّي صَلَاةَ
الضُّحَى؟، قَالَتَْ: ((لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ (١)، قُلْتُ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، لَهُ
صَوْمٌ مَعْلُومٌ، سِوَى رَمَضَانَ؟، قَالَّتْ: ((وَاللَّهِ إِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومَا، سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى
مَضَى لِوَجْهِهِ، وَلَا أَفْطَرَ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا، و((أبو الأشعث)): هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠]١٣٨/
= ولفظ حديث أبي ذَرّ، مرفوعًا: ((يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة
صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة،
ونهي عن المنكر صدقة، ويُجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)). أخرجه مسلم.
(١) - وفي الهندية: ((من مغيبة)).

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
٣١٩ . و((الجُرَيريّ)) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ ثقة [٥] ٦٧٢/٣٢. وكلهم
بصريّون، غير عائشة رضي اللّه تعالى عنها.
وقولها: ((إن صام)) ((إن)) -بكسر الهمزة- نافية، أي ما صام. وقوله: ((حتى مضى
لوجهه»: أي حتى مات ێے.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)» .
٣٦- ( ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى خَالِدِ بْنِ
مَعْدَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن بَقِيَّة بن الوليد رواه عن
بَحِير بن سَعْدٍ، عن خالد بن مَعْدان، عن جُبير بن نُفَير، عن عائشة رَّها، وخالفه
عبدالله بن داود، فرواه عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن رَبِيعَة الجُرَشيّ،
عنها .
وسيأتي فيه اختلاف آخر برقم ٧٠/ ٢٣٦٢ حيث رواه سفيان الثوريّ، عن ثور، عن
خالد بن معدان، عن عائشة، فأسقط الواسطة بين خالد، وبين عائشة، وهو منقطع؛
لأن خالدًا لم يسمع من عائشة ◌َثها، كما قاله الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى، انظر
((تحفة الأشراف)) جـ١١ ص٣٩٣ .
والظاهر أن رواية عبدالله بن داود أرجح؛ لأنه أوثق من بقيّة، فالحديث صحيح.
والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٨٦ - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بَقِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ
جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنِ الصِّيَامِ؟، فَقَالَتْ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ كَانَ
يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَيَتَحَرَّى صِيَّامَ (٢) الأِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ)) ).
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - وفي نسخة: ((صوم)).
:

٢٩ =
٣٦- ( ذِكْرُ الاختلافِ عَلى خَالِدِ بْن ... - حديث رقم ٢١٨٧
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمرو بن عثمان)): هو القرشيّ مولاهم، أبو حفص
الحمصي، صدوق [١٠] ٥٣٥/٢١ .
و((بقيّةُ)): هو ابن الوليد بن صائد بن كعب الكَلَاعيّ الحمصيّ، أبو يُحمِد، صدوق
كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥٧.
و(بَحِير)) : -بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة -: هو ابن سَعْد - بفتح، فسكون-
السَّحُوليّ، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ٦٨٨/١.
و((خالدٌ)): هو ابن مَغْدان الكَلَاعيّ، أبو عبدالله الحمصيّ، ثقة عابد يرسل كثيرًا [٣]
٦٨٨/١.
و((جُبَيرُ بنُ نُفَير)): الحضرميّ الحمصيّ، ثقة جليل مخضرم، ولأبيه صحبة ٥٠/ ٢٥٠ .
والسند مسلسل بالحمصيين، إلى عائشة تعطلثها .
وقوله: ((أن رجلاً سأل الخ)) الظاهر أنه ربيعة الجُرَشي، كما بينته رواية ابن ماجه،
رقم - ١٧٣٩/٤٢ - من طريق يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان،
عن ربيعة بن الغاز، أنه سأل عائشة، عن صيام رسول اللّه وَّله، فقالت: ((كان يتحرّى
صيام الاثنين والخميس)).
وقولها: ((ويتحرّى صوم الاثنين والخميس)): يقال: تحزّيت الشيء: قصدته،
وتحرّيت في الأمر: طلبت أحرى الأمرين، وهو أولاهما. قاله في ((المصباح)). والمعنى
أنه وال * كان يقصد صوم هذين اليومين، ويراه أولى من غيره، فيكثر منه. والله تعالى
أعلم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث في إسناده بقيّة، وهو معروف بالتدليس
عن الضعفاء، وقد صرّح بالتحديث في شيخه هنا، ولكنه معروف بتدليس التسوية
أيضًا، فلا بدّ من التصريح بالتحديث في جميع من فوقه، وهنا لم يصرّح.
وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٢١٨٦/٣٦ و٢١٨٧ و٢٣٦٠/٧٠ و ٢٣٦١
و٢٣٦٢- وفي ((الكبرى)» ٢٤٩٦/٣٦ و٢٤٩٧ و٢٦٦٩/٦٩ و٢٦٧٠ و٢٦٧١. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٨٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرٌ،
عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
يَصُومُ شَعْبَانَ، وَرَمَضَانَ، وَيَتَحَرَّى الِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:
١- (ربيعة) بن عمرو، ويقال: ابن الحارث الدمشقيّ، ويقال: ابن الغاز -

٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
بمعجمة، وزاي-، أبو الغاز الجُرَشيّ -بضم الجيم، وفتح الراء، بعدها معجمة-
مختلف في صحبته، وکان فقيهًا .
ذكره ابن سعد في ((الصبقات الكبرى)) في الصحابة، وفي ((الصغرى)) في الطبقة
الأولى بعد الصحابة. وقال أبو حاتم: ليست له صحبة. وذكره أبو زرعة الدمشقيّ في
التابعين. وقال الدارقطنيّ: ربيعة الْجُرَشيّ في صحبته نظر، وربيعة بن عمرو الْجُرَشيّ
قُتل براهط. قال ابن عساكر: هما واحد. وقال أبو المتوكّل الناجيّ: سألت ربيعة
الجُرَشيّ، وكان فقيه الناس في زمن معاوية. وقال الدارقطنيّ في ((الجرح والتعديل)):
ربيعة الجرشيّ يروي عنه ابن معدان ثقة. وذكر ابن عبدالبرّ في ((الاستيعاب)) عن
الواقديّ، قال: ربيعة الجرشيّ قُتل يوم مرج راهط، وقد سمع من النبيّ وَّر أحاديث.
وقال البخاريّ في ((تاریخه)): حدثني بشر بن حاتم، عن عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن
أبي أُنيسة، عن عبدالملك أبي زيد، عن مولى لعثمان، عن ربيعة الجرشيّ -وله
صحبة - . وقال ابن حبان في ((الصحابة)): ربيعة بن عمرو الجرشيّ سكن الشام حديثه
عند أهلها. وذكره في الصحابة ابن منده، وأبو نعيم، والباورديّ، والبغويّ، وغيرهم.
وقال ابن سعد: قتل يوم مرج راهط سنة (٦٤). أخرج له الأربعة، وله عند المصنف
هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٣٦١ .
و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((عبدالله بن داود)): هو أبو عبدالرحمن الْخُرَيبيّ،
كوفيّ الأصل، ثقة عابد [٩] ١٣٢٢/٧١.
و((ثور)): هو ابن يزيد، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت، كان يرى القدر [v] ٧/
٥٠٤ .
والحديث صحيح، وقد تقدم بيان مواضع ذكر المصنّف له، في الحديث الماضي.
وأخرجه (ت) في ((الصوم))-٧٤٥ - وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. (ق) في
(«الصيام)) ١٧٣٩ - (أحمد)ج٨٩/٦ (ابن حبان في صحيحه) ٣٦٤٣ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٣١ =
٣٧- ( صِیامُ یَوْم الشّك ) - حديث رقم ٢١٨٨
٣٧- ( صِيَامُ يَوْم الشّكُ )
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: اختُلِفَ في المراد بيوم الشكّ والأرجح أنه يوم
الثلاثين من شعبان، إذا كانت السماء مُغِيمَةً (١) في ليلته ولم يُرَ الهلالُ، أو تحدّث الناس
برؤيته، بلا ثَبَتٍ، أو شهد بها من لم تُقبَل شهادته، فيمكن أن يكون من رمضان؛ لنقص
شعبان، ويمكن أن يكون من شعبان؛ لكماله، وستعرف بقية الأقوال في المراد بيوم
الشكّ عند ذكر اختلاف المذاهب في حكم صومه في المسألة الرابعة، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٨٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ الْأَشَجُّ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ، فَأَتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِئَةٍ، فَقَالَ: كُلُوا، فَتَتَخَّى
بَعْضُ الْقَوْمِ، قَالَ: إِنِّي صَائِمْ، فَقَالَ عَمَّارٌ: (مَنْ ضَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَی
أَبَا الْقَاسِم،َ ◌ِ))(٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عبد الله بن سعيد الأشجّ) الكنديّ، أبو سعيد الكوفيّ ثقة، من صغار [١٠]
٢٢ /٩٠٧ .
٢- (أبو خالد) الأحمر سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفي، صدوق يخطىء [٨] ٣٠/
٩٢١ .
٣- (عمرو بن قيس) الْمُلائيّ الكوفيّ، ثقة متقن عابد [٦] ١٣٤٩/٩٢.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣]
٤٢/٣٨ .
٥- (صِلَة) بن زُفَر العبسيّ، أبو العلاء الكوفي، تابعيّ كبير، ثقة جليل [٢] ٧٧/
١٠٠٨ .
٦- (عمار) بن ياسر بن عامر بن مالك العنسيّ، أبو اليقظان، مولى بني مخزوم
الصحابي ابن الصحابي، من السابقين الأولين، بدريّ، قُتل بصفّين مع عليّ تَّت سنة
(٣٧)، وتقدّم في ١٩٥/ ٣١٢. والله تعالى أعلم.
(١) - اسم فاعل من أغامت السماءُ، ويقال: غامت، ثلاثيا: إذا أطبق بها السحاب. أفاده في
((المصباح).
(٢) - سقط لفظ الصلاة من بعض النسخ.

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة الذين يرون عنهم دون
واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، وعمار رَظثه كان أميرًا على الكوفة لعمر
رَّا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صِلَّةَ) -بكسر المهملة، وفتح اللام المخففة- ابن زُفَر -بزاي، وفاء- وزان
عمر، كوفيّ عَبْسيّ -بموحدة، ومهملة- من كبار التابعين، وفضلائهم، ووَهِمَ ابن
حزم، فزعم أنه صِلَة ابن أشيم، والمعروف أنه ابن زُفَر (١). وقد وقع مصرّحًا به عند
الترمذيّ، وابنٍ ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ) بن
ياسر رَهَا (فَأْتِيَ) بالبناء للمفعول (بِشَاةٍ مَصْلِئَةٍ) -بفتح، فسكون- اسم مفعول، من
صَلَيْتُ اللحمَ بالنار: إذا شويتَهُ. قاله في ((المصباح)). أي بشاة مشويّة (فَقَالَ) عمار
رَّهُ للقوم الحاضرين عنده (كُلُوا، فَتَتَخَّى بَعْضُ الْقَوْم) أي قام، وابتعد من مجلس
الأكل (قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه قائلاً للاعتذار:
إني صائم (فَقَالَ عَمَّارٌ) رَِّ (مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ) ببناء الفعل للمفعول،
مسندا إلى قوله (فيه) قال في ((الفتح)): استدلّ به على تحريم صوم يوم الشكّ؛ لأن
الصحابيّ لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبيل المرفوع.
قال ابن عبدالبرّ: رحمه اللّه تعالى: هو مسند عندهم، لا يختلفون في ذلك،
وخالفهم الجوهريّ المالكيّ، فقال: هو موقوف.
والجواب أنه موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: إنما أَتَي بالموصول، ولم يقل: يوم الشكّ مبالغةً في
أن صوم يوم فيه أدنى شكّ سبب لعصيان صاحب الشرع، فكيف بمن صام يومًا الشكّ
فيه قائمٍ ثابت، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [سورة هود: ١١٣] أي
الذين أونس منهم ظلم، فكيف بالظالم المستمرّ عليه انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يَعْكُرُ على ما قاله الطيبيّ كونه وقع في بعض طرق
الحديث بلفظ: ((من صام يوم الشكّ)). فليُتَأَمَّل. والله تعالى أعلم.
(١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ٦١٥ .

٣٣
٣٧- ( صِیامُ یَوْمِ الشَّكُ ) - حديث رقم ٢١٨٨
(فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ، وَلَ))) هو كنية رسول اللّه وَّهِ. قيل: فائدة تخصيص هذه
الكنية الإشارةُ إلى أنه هو الذي يَقسِم بين عباد الله أحكامه زمانًا ومكانًا، وغير ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة ٣/ ٧٢ عن عبدالعزيز بن عبدالصمد العمّيّ، عن منصور، عن
رِبْعِيّ: ((أن عمارًا، وناسًا معه أتوهم بمسلوخة مشوية في اليوم الذي يُشكّ فيه أنه من
رمضان، أو ليس من رمضان، فاجتمعوا، واعتزلهم رجل، فقال له عمار: تعالَ، فكل،
فقال: إني صائم، فقال له عمار: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فتعالَ، وكل)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الإسناد صحيح، وحسّنه الحافظ في ((الفتح)).
ورواه عبدالرزاق (٧٣١٨) عن الثوريّ، عن منصور، عن ربعيّ بن حراش، عن
رجل، قال: كنا عند عمار بن ياسر ... فذكره، فزاد بين ربعيّ، وبين عمّار رجلً.
وله شاهد من وجه آخر أخرجه إسحاق بن راهويه من رواية سماك، عن عكرمة،
ومنهم من وصله بذكر ابن عباس رَّها فيه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حدیث عمار تنته هذا صحيح، صححه الترمذيّ، ونقل المنذريّ تصحيحه، وأقرّه
عليه، وصححه ابن خُزيمة، وابن حبّان، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين،
ووافقه الذهبيّ، وقال الدارقطنيّ: حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات.
[تنبيه]: قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): جمع الصاغانيّ في تصنيف له
الأحاديث الموضوعة، فذكر فيه حديث عمار المذكور، وما أدري ما وجه الحكم عليه
بالوضع؟، وليس في إسناده من يُتّهم بالكذب، وكلهم ثقات، قال: وقد كتبت على
الكتاب المذكور كرّاسة في الردّ عليه في أحاديث، منها هذا الحديث، قال: نعم في
اتصاله نظر، ذكر المزيّ في ((الأطراف)) أنه روي عن أبي إسحاق السبيعيّ أنه قال:
حُدِّثتُ عن صِلَة بن زُفر، لكن جزم البخاريّ بصحته إلى صلة، فقال في ((صحيحه)):
وقال صلة الخ، وهذا يقتضي صحته عنده. وقال البيهقيّ في ((المعرفة)): إن إسناده
صحیح انتھی.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن الحديث صحيح، كما مرّ بيانه آنفًا .
والله تعالى أعلم.
(١) - ((الفتح)) ج٤ ص ٦١٥.

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٨٨/٣٧ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٩٨/٣٧. وأخرجه (د) في ((الصوم))
٢٣٣٤ (ت) في ((الصوم))٦٨٦ (ق) في ((الصيام)) ١٦٤٥ (الدارميّ) ١٦٢٠ (ابن خزيمة)
١٩١٤ (ابن حبان) ٣٥٨٥ (الحاكم) ١/ ٤٢٣-٤٢٤ (البيهقيّ) ٢٠٨/٤. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان حكم صوم يوم الشكّ، وهو التحريم
(ومنها): أن من ارتكب ما نهى عنه الشارع يعدّ عاصيّا له (ومنها): أن قول الصحابيّ:
من فعل كذا فقد عصى النبيّ وَّل له حكم الرفع عند جمهور أهل العلم، وقد ذكره
الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في جملة الألفاظ التي لها حكم الرفع، حيث قال في
((ألفية الحديث)):
نَحْوُ مِنَ السُّئَّةِ مِنْ صَحَابِي
وَلْيُغْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا أُمِزْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي
يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلَا
وَمَا أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لَا
فِي سَبَبِ الثُّزُولِ أَوْ رَأْيًا أَبَّى
وَهَكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا
وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَذْرَكِ
وَقَدْ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وَخَصَّ فِي خِلَافِهِ كَمَا حُكِي
وَقَالَ لَا مِنْ قَائِلِ مَذْكُورٍ
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الشكّ:
قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى - بعد أن أخرج الحديث -: والعمل على هذا
عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ والتر، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان
الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبدالله بن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، كرهوا
أن يصوم الرجل اليوم الذي يُشكّ فيه، ورأى أكثرهم إن صامه، وكان من شهر رمضان
أن يقضي يومًا مكانه انتهى كلام الترمذيّ (١).
وقال الخطابي رحمه الله تعالى في ((المعالم)) جـ٢ص٩٩ : اختلف الناس في معنى
(١) - راجع ((الجامع)) ج٣ ص٣٦٦-٣٦٧. بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)).

٣٥ =
٣٧- ( صِيَامٌ يَوْمِ الشَّكُ ) - حديث رقم ٢١٨٨
النهي عن صوم يوم الشكّ:
فقال قوم: إنما نهي عن صيامه إذا نوى به أن يكون عن رمضان، فأما من نوى به
صوم يوم من شعبان، فهو جائز، هذا قول مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وأصحاب
الرأي، ورخّص فيه على هذا الوجه أحمد، وإسحاق.
وقالت طائفة: لا يُصام ذلك اليوم عن فرض، ولا تطوّع؛ للنهي فيه، وليقع الفصل
بذلك بين شعبان ورمضان، هكذا قال عكرمة. وروينا معناه عن أبي هريرة، وابن عباس
ك، وكانت عائشة، وأسماء رَؤُّهتا تصومان ذلك اليوم، وكانت عائشة تقول: لأن
أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان. وكان مذهب عبدالله بن عمر
ابن الخطاب رَّا صوم يوم الشكّ، إذا كان من ليله في السماء سحاب، أو قَتَر، فإن
كان صحوًا، ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وقال
الشافعيّ: إن وافق يوم الشكّ يومًا كان يصومه صامه، وإلا لم يصمه انتهى.
وقال ابن الجوزيّ في ((التحقيق)): لأحمد في هذه المسألة -وهي ما إذا حال دون
مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين، من شعبان ثلاثة أقوال:
(أحدها): يجب صومه على أنه من رمضان (ثانيها): لا يجوز فرضًا، ولا نفلاً،
مطلقًا، بل قضاء، وكفّارةً، ونذرًا، ونفلا يوافق عادة، وبه قال الشافعيّ. وقال مالك،
وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان، ويجوز عما سوى ذلك (ثالثها): المرجع إلى
رأي الإمام في الصوم والفطر، كذا ذكر الحافظ في ((الفتح)).
وقال صاحب ((المرعاة)) ج٦ ص٤٤٤-٤٤٧ :
اختلف الأئمة في تعریف یوم الشكّ، وحكم صومه، وفيما إذا صامه بنية رمضان،
أو واجب آخر، أو نيّة التطوّع، وتوضيح المقام:
أن السماء إذا كانت مُصحيةً ليلة الثلاثين من شعبان، ولم يُر الهلال، فصبيحة هذه
الليلة هي مصداق يوم الشكّ في المشهور عن الإمام أحمد، ولا يجوز صومه.
قال ابن قُدَامة في (المغني)) ج ٣ص٨٦ -: إن لم يروا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان،
وكانت السماء مصحية لم يكن لهم صيام ذلك اليوم، إلا أن يوافق صومًا كانوا
يصومونه؛ لما رُويّ عن أبي هريرة من النهي عن تقدّم صوم رمضان بيوم، أو يومين.
وقال عمار: ((من صام اليوم الذي يُشكّ فيه، فقد عصى أبا القاسم بَّ)). قال ابن
قدامة: والنهي عن صوم يوم الشكّ محمول على حال الصحو انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): المشهور عن أحمد أنه خصّ يوم الشكّ بما إذا تقاعد
الناس عن رؤية الهلال، أو شهد برؤيته من لا يَقبَل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
منظره شيء، فلا يسمى شكًا انتهى.
وإن كانت السماء في ليلة الثلاثين مُغِيمَة، فعن أحمد ثلاث روايات، قال الْخِرَقيّ:
إن حال دون منظره غيم، أو قَتَرٌ، وجب صيامه، وقد أجزأ إذا كان من شهر رمضان.
قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة، فرُوي عنه مثل ما نقل
الخرقيّ، اختارها أكثر شيوخ أصحابنا، وروي عنه أن الناس تبع للإمام، فإن صام
صاموا، وإن أفطر أفطروا، وعن أحمد رواية ثالثة: لا يجب صومه، ولا يجزئه عن
رمضان إن صامه. وهو قول أكثر أهل العلم انتهى. مختصرًا.
وفي ((شرح الإقناع)) للشافعية: ويكره صوم يوم الشكّ كراهة تنزيه. قال الإسنويّ:
وهو المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون، والمعتمد في المذهب تحريمه، كما في
(الروضة))، و((المنهاج))، و((المجموع))، إلا أن يوافق عادة له في تطوّعه، وله صومه عن
قضاء، أو نذر، فلو صامه بلا سبب لم يصحّ، كيوم العيد، بجامع التحريم.
فإن قيل: هلا استُحِبّ صوم يوم الشكّ إذا أطبق الغيم؛ خروجًا من خلاف الإمام
أحمد، حیث قال بوجوب صومه حينئذ.
أجيب بأنا لا نُراعي الخلاف إذا خالف سنة صريحة، وهي هنا خبر: ((إذا غُمّ
عليكم، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين))، ويوم الشكّ هو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدّث
الناس برؤيته -أي بلا ثبت- أو شهد بها عدد تُرَدّ شهادتهم، كصبيان، أو نساء، أو عبيد،
أو فَسَقَة، وظُنَّ صدقهم، وإنما لم يصحّ صومه عن رمضان لأنه لم يثبت كونه منه
انتھی .
وقال الدردير من المالكيّة: وإن غِيمَتِ السماءُ ليلة الثلاثين، ولم يُر الهلال،
فصبيحته يوم الشكّ الذي نهي عن صومه على أنه من رمضان، وأما لو كانت السماء
مُصحِية لم يكن يوم شكّ؛ لأنه إن لم يُرَ كان من شعبان جزمًا، وصِيمَ يومُ الشكّ عادةً،
وتطوّعًا، أي ابتداء بلا عادة، وقضاءً، ولنذر صادف، لا احتياطًا على أنه إن كان من
رمضان احتسب به، وإلا كان تطوّعًا فلا يجوز. قال الدسوقيّ: وإذا صامه، وصادف أنه
من رمضان فلا يجزئه؛ لتزلزل النيّة انتهى.
وعند الحنفية على المشهور في مذهبهم: يومُ الشكّ هو يوم الثلاين من شعبان، وإن
لم يكن في السماء علة من الغيم ونحوه؛ لعدم اعتبار اختلاف المطالع على ظاهر
المذهب، وجوازٍ تحقّق الرؤية في بلدة أخرى، هكذا في ((الدر المختار)) و((شرحه)).
وقال السندي في ((شرحه)): حَمَلَ حديثَ عمار هذا علماؤنا الحنفيّةُ على أن يصوم
بنية رمضان شكّا، أو جزمًا، وأما إذا جزم بأنه نفل، فلا كراهة، وبعضهم قال بالكراهة

٣٧=
٣٧- ( صِيَامُ يَوْم الشّكِّ ) - حديث رقم ٢١٨٩
مطلقًا، والحكم بأنه عصى تغليظ على تقدير القول بالكراهة انتهى.
وقال الشوكانيّ في ((السيل الجرّار)»: الواردُ في هذه الشريعة المطهرة الصوم للرؤية،
أو لكمال العدّة، ثم زاد الشارع هذا إيضاحًا وبيانًا، فقال: ((فإن غمّ عليكم، فأكملوا
عدة شعبان ثلاثين يومًا، فهذا بمجرّده يدلّ على المنع من صوم يوم الشكّ، فكيف،
وقد انضمّ إلى ذلك ما هو ثابت في ((الصحيحين)) وغيرهما من نهيه وَلّ لأمته عن أن
يتقدّموا رمضان بيوم أو يومين، فإذا لم يكن هذا نهيًا عن صوم يوم الشكّ، فلسنا ممن
يَفْهَم كلامَ العرب، ولا ممن يَدري بواضحه، فضلاً عن غامضه، ثم انضمّ إلى ذلك
حدیث عمار -يعني حديث الباب- فذكره، وذكر تصحيحه عن الترمذيّ، وابن خزيمة،
وابن حبّان. انتهى.
وقد ألّف ابن الجوزيّ مصنّفا مستقلا سماه (درء اللَّوْم والضَّيم في صوم يوم الغيم))،
حكى فيه القولَ بصومه عن عليّ، وعائشة، وعمر، وابن عمر، وأنس، وأسماء بنت
أبي بكر، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن عمرو الغفاريّ
.
ورد عليه الحافظ العراقيّ، فقال: لم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم، إلا ابن
عمر، وأسماء، وعائشة، واختلف عن أبي هريرة
قال البيهقيّ: ومتابعة السنة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل العلم أولى
بنا انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الراجح أنه لا يجوز
صوم يوم الشك مطلقًا، لا نفلاً، ولا غيره، إلا من كان له عادة بصومه، كما استثناه
النصّ الصريح، وما عدا هذا مما سمعت من الأقوال المنتشرة المتخالفة غير صحيح؛
لمخالفته لما صحّ عن رسول اللَّه وَالّل، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بتقليد ذوي
الاعتساف. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٨٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ سِمَاكٍ،
قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ، فِي يَوْمٍ قَدْ أَشْكَلَ(١)، مِنْ رَمَضَانَ هُوَ، أَمْ مِنْ شَعْبَانَ؟، وَهُوَ
يَأْكُلُ خُبْزًا، وَبَقْلَا، وَلَبْنَا، فَقَالَ لَّي: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمْ، قَالَ - وَحَلَفَ بِاللَّهِ -:
لَتُفْطِرَنَّ، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَخْلِفُ، لَا يَسْتَثْنِي، تَقَدَّمْتُ، قُلْتُ:
هَاتِ الْآنَ مَا عِنْدَكَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ تَّهِ: ((صُومُوا
(١) - وفي بعض النسخ: ((يعني قد أشكل)).

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ، أَوْ ظُلْمَةٌ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ
شَعْبَانَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ، اسْتِقْبَالاً، وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (ابن أبي عديّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩]
١٧٥/١٢٢.
٣- (أبو يونس) حاتم بن أبي صغيرة مسلم البصريّ، ثقة [٦] ١٨٠٠/٦٦.
٤- (سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق،
وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وقد تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] ٣٢٥/٢ .
٥- (عكرمة) مولى ابن عباس المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣٢٥/٢.
٦- (ابن عباس) عبد الله البحر رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات، إلا سماگا، کما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس
رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سِمَاكِ) بن حرب، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ) مولى ابن عباس رضي اللَّه
تعالى عنهما (فِي يَوْم) متعلق بـ((دخلت)) (قَدْ أَشْكَلَ) بالبناء للفاعل، فما وقع في بعض
نسخ ((المجتبى)) مبنيًّا للمفعول بضبط القلم غلط، فتنبه (مِنْ رَمَضَانَ هُوَ، أَمْ مِنْ
شَعْبَانَ؟) أي أشكل على الناس كونه من رمضان، أو من شعبان، وهو اليوم الذي يُسمّى
يوم الشكّ.
(وَهُوَ يَأْكُلُ) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أن عكرمة يأكل (خُبْزًا،
وَبَقْلًا) بفتح، فسكون، أصله كل نبات اخْضَرَّتْ به الأرض، قاله ابن فارس (١).
والمراد هنا البقول التي اعتاد الناس أكلها (وَلَبَتَا، فَقَالَ لِي: هَلُمَّ) أي أقبل إلى الطعام
(فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ) عكرمة (وَحَلَفَ بِاللَّهِ) جملة معترضة بين القول ومقوله
(لَتُفْطِرَنَّ) بضم حرف المضارعة، من الإفطار، والجملة في نصب مقول القول (قُلْتُ:
(١) - ((المصباح)) في مادة ((بقل)).

٣٩ ==
٣٧- (صِيَامُ يَوْمِ الشّكِ ) - حديث رقم ٢١٨٩
سُبْحَانَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنٍ) ظرف ل((قلت)) (فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَخْلِفُ، لَا يَسْتَثْنِي) أي لا يستثني شيئًا
من أنواع الصوم في ذلك، يعني أنه أمره بالإفطار من صومه على الإطلاق (تَقَدَّمْتُ) أي
إلى الأكل (قُلْتُ) حال من الفاعل، أي قائلاً (هَاتِ الْآنَ مَا عِنْدَكَ) أي أَحضِر، واذكر لي
ما ثبت لديك من الحجة على أمرك بالإفطار، مؤكّدًا ذلك بالحلف (قَالَ) عكرمة مبيّنًا
حجته التي تمسك بها في ذلك (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ) وَهَا (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي لرؤية هلال رمضان (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي لرؤية هلال شوّال (فَإِنْ
حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ، أَوْ ظُلْمَةٌ) أي بسبب غبار أو نحوه (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ شَعْبَانَ)
بنصب ((عدّةَ)) على أنه بدل من ((العدّة)) (وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ، اسْتِقْبَالاً) أي لا تتقدّموا
شهر رمضان بالصوم (وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ) أي لا تصلوا صوم رمضان
بصوم يوم من شعبان.
والظاهر أن قوله: ((ولا تصلوا الخ)) بمعنى قوله: ((لا تستقبلوا الخ))، ويحتمل أن
يكون المراد بالاستقبال صوم يوم الشكّ على أن يُحسب من رمضان احتياطا، وقوله:
(ولا تصلوا رمضان الخ)) صومه تطوّعًا.
وعلى كلّ فالحديث يدلّ على تحريم صوم الشكّ، إلا ما ثبت استثناء الشارع له، وهو
الصوم لمن اعتاد صومه، فإنه يجوز أن يصومه، كما تقدّم، ويأتي أيضًا في الباب
التالي، إن شاء الله تعالى.
واستدلال عكرمة رحمه الله تعالى على أمره سماكًا بالإفطار، وحلفه على ذلك من
غير استثناء نوع من الصيام يُحمَل على أنه لم يسمع استثناء الشارع لما ذكر. والله تعالى
أعلم.
والحديث تقدم تخريجه في ٢١٢٩/١٣، وهو صحيح، ولا يضرّه الكلام في سماك
عن عكرمة؛ لما سبق له من الشواهد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
٣٨- (التَّسْهِيلُ فِي صِيَامٍ يَوْمِ
الشَّكِّ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة بيان أن
ما دلّ علیہ حدیثا الباب المتقدّم من تحریم صوم یوم الشّ لیس علی إطلاقه، بل يُستثنى
من ذلك من اعتاد صوم يوم معيّن، فوافق ذلك اليومُ يومَ الشكّ، فله أن يصومه؛
لحديث هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٩٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّي، قَالَ: أَخِبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنٍ أَبِيِ عَرُوبَةَ، عَنْ يَحْتِى بْنِ
أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((أَلَا لَّا
تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمِ، أَوِ اثْنَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ، كَانَ يَصُومُ صِيَامًا، فَلْيَصُمْهُ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
وقوله: ((وابن أبي عروبة)) بالجرّ عطفًا على ((الأوزاعيّ))، فشعيب بن إسحاق يروي
عن الأوزاعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، فما وقع في
بعض نسخ ((المجتبى)) من رفع ((ابن أبي عروبة)) بضبط القلم غلط، فتنبّه.
وقوله: ((ألا)) أداة استفتاح وتنبيه. وقوله: ((لا تقدّموا)) بحذف إحدى التاءين، والمراد
بالشهر شهر رمضان.
والحديث صحيح، وقد تقدم تخريجه في ٢١٧٢/٣١ . ودلالته على ما ترجم له
المصنّف واضحة، حيث إنه يدلّ على جواز صوم يوم الشكّ لمن له عادة بصوم ذلك
اليوم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».