النص المفهرس

صفحات 381-400

٢٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا ... - حديث رقم ٢١٦٨
٣٨١
ثَوَى فِي قُرَيشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةٌ يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِبًا
. الأبيات. قال ابن إسحاق: وصِرْمة هذا هو الذي نزل فيه: ﴿وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُوا﴾ الآية. قال: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: كان أبو قيس ممن فارق
الأوثان في الجاهليّة، فلما قَدِم النبيّ وَّهل المدينة أسلم، وهو شيخ كبير، وهو القائل
[من الطويل] :
يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيَا أَلَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ وَصَائِيَ فَافْعَلُوا
.... الأبيات (١).
(أَتَى أَهْلَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (بَعْدَ الْمَغْرِبِ)
ظرف ((أتى)) (فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟) أي من المأكولات. وفي رواية البخاريّ: ((فلما
حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ ... (فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ)
أي مما يؤكل (وَلَكِنْ أَخْرُجُ، أَلْتَمِسُ لَكَ عَشَاءً،) أي أطلب لك ما تتعشّى به. قال في
((الفتح)): وظاهره أنه لم يجىء معه بشيء، لكن في مرسل السدّيّ أنه أتاها بتمر، فقال:
استبدلي به طحينًا، واجعليه سَخينًا، فإن التمر أحرق جوفي. وفيه: لعلي آكله ساخنًا،
وأنها استبدلته له، وصنعته. وفي مرسل ابن أبي ليلى: فقال لأهله: أطعموني، فقالت:
حتى أجعل لك شيئًا سخينًا. ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى، فقال: حدّثنا
أصحاب محمد رٍَّ))، فذكره مختصرًا (فَخَرَجَتْ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ) أي لشدة تعبه
بكثرة العمل في النهار، ففي رواية البخاريّ: ((وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه)). وفي
لفظ لأبي داود: «يعمل في أرضه)»، وفي مرسل السدّيّ: ((كان يعمل في حيطان المدينة
بالأجرة))، فعلى هذا فقوله: ((في أرضه)) إضافة اختصاص. قاله في ((الفتح)) (فَرَجَعَتْ
إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا) وفي رواية البخاريّ: ((فلما رأته، قالت: خيبةً لك)) (وَأَنْقَظَتْهُ، فَلَمْ
يَطْعَمْ شَيْئًا) أي لكون الأكل بعد النوم محرَّمًا، وفي مرسل السدّيّ: ((فأيقظته، فكره أن
يعصي اللَّه، وأبى أن يأكل)). وفي مرسل محمد بن يحيى: ((فقالت له: كل، فقال: إني قد
نِمْتُ، فقالت: لم تنم، فأبى، فأصبح جائعًا مجهودًا)) (وَبَاتَ، وَأَصْبَحَ صَائِمًا، حَتَّى
انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي داود: «فلم ينتصف النهار حتى غُشي عليه))،
ولا اختلاف بين الروايتين، إذ يمكن حمل الأول على أن الغشي وقع في آخر النصف
الأول من النهار. والله تعالى أعلم.
(وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الْآَيَّةُ، فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ) أي أنزل الله تعالى الآية المذكورة
(١) - ((الفتح)) ج٤ ص٦٢٧ - ٦٢٨ .

٣٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
بسببه، ف(في)) سببية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. والله أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٦٨/٢٩- وفي ((الكبرى))-٢٤٧٨/٢٩ وفي ((التفسير)) منه٢٧/
١١٠٢٣. وأخرجه(خ) في ((الصوم)) رقم ١٩١٥ وفي ((التفسير))٤١٤٨ (د) في ((الصوم))
١٩٧٠ (ت) في ((التفسير)) ٢٨٩٤ (أحمد) ١٧٨٧٠ (الدارميّ) في ((الصوم)) ١٦٣١.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل قوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُوا﴾ الآية، وذلك أن الآية نزلت تخفيفًا عن المسلمين المشقّة التي
كانوا يلاقونها بسبب تحريم الأكل والشرب، ومجامعة المرأة بعد النوم (ومنها): لطف
الله عز وجل بهذه الأمة، وعظيم فضله عليهم بسبب نبيّها المبعوث رحمةً للعالمين،
كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾، فخفّف عنهم هذه المشقّة (ومنها):
ما كان عليه هذا الصحابيّ الجليل تَطّه من شدة الورع، والخوف من الله تعالى، مع
كونه جائعا مجهودًا، فصبر على ذلك، ولم يتناول الطعام الذي أتت به امرأته، وطلبت
منه أن يأكل، لما رأت عليه من آثار الضعف بسبب الجوع، فرجَتْ أن يكون ذلك
ضرورة مبيحة للأكل، إلا أنه صبر على الجوع، وبات طاويًا حتى غُشي عليه في
منتصف النهار، فأنزل الله تعالى بسببه الآية، فكان سببًا في إزالة هذه المشقّة ◌َّه
(ومنها): ما كان عليه الصحابة من ضيق العيش، وكدّ التعب في طلب القوت، ولا يؤثّر
ذلك في سلوكهم، بل يزدادون إقبالاً على الآخرة، ويَسْعَون لها، فكان سعيهم
مشكورًا، كما قال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ
سَعْيُهُم ◌َشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. اللَّهم اجعلنا ممن يريد الآخرة، ويسعى لها
سعيها، مؤمنا مخلصًا، حتى يكون سعينا مشكورًا، إنك وليّ ذلك، والقادر عليه، آمين
آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل .
٢١٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّغْيِيِّ، عَنْ

٣٨٣
٢٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُواْ ... - حديث رقم ٢١٦٩
عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَِّ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ اَلْأَنْيَضُ
مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: ((هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (عليّ بن حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٢- (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح
الكتاب [٨] ٢/٢.
٣- (مطرّف) بن طَرِيف الكوفيّ، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٣٢٧/٢.
٤- (الشعبيّ) عامر بن شَرَراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]
٨٢/٦٦ .
٥- (عديّ بن حاتم) بن عبد الله بن سعد بن الْحَشْرَج بن امرىء القيس بن عدي بن
أخرم بن أبي أخرم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، أبو
طَرِيف، ويقال: أبو وهب، قَدِم على النبي وَّر في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبي
وَّرُ، وعن عمر رَّه، ورَوَى عنه عَمْرو بن حُرَيث وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرّن،
وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، ومُحِلّ بن خَلِيفة الطائي، ومُري بن قَطَري،
وعامر الشعبي، وعبد الله بن عمرو مولى الحسن، وبلال بن المنذر، وسعيد بن جبير،
والقاسم بن عبد الرحمن، وعباد بن حُبيش، وآخرون. قال مُحِلّ بن خليفة عن عدي
ابن حاتم: ما أُقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وقال الشعبي عن عدي
ابن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يَفرِض للرجل من طيء
في ألفين، ويُعرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني، قال: فضحك
حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعرفت إذ أنكروا،
ووفّيت إذ غدروا، وأقبلت إذا أدبروا، وإن أول صدقة بَيَّضَت وجه رسول اللّه وَلقتله
ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول اللّه وَلّ، ثم أخذ يعتذر. وقال
الخطيب: لَمّا قُبِض رسول اللَّه ◌َ لإر ثبت عدي بن حاتم، وقومه على الإسلام، وجاء
بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحضر فتح المدائن، وشهد مع عليّ الْجَمَل، وصِفْين،
والنهروان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وقتل بقرقيساء. وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء
علي يوم الجمل ويوم صفين. قال أبو حاتم السجستاني في ((كتاب المعمرين)): قالوا:
وعاش مائة وثمانين سنة. وقال خليفة: مات بالكوفة سنة (٦٨). وقال جرير، عن
مغيرة الضبي: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله، وحنظلة الكاتب من الكوفة،
فنزلوا قرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشتم فيها عثمان. وقال أبو حاتم: وكان متواضعا،

٣٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
ولَمّا أسن استأذن قومه في وِطاء يجلس عليه في ناديهم، كراهية أن يظن أحد منهم أنه
يفعل ذلك تعاظمًا، فأذِنوا له. أخرج له الجماعة، وله من الحديث (٦٦) حديثًا، اتفق
الشيخان على ستة أحاديث، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديثين، وله في هذا
الكتاب (٢٩) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) الطائيّ رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ) وفي رواية
البخاريّ من طريق حُصُين بن عبدالرحمن، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم رَّه قال:
((لما نزلت ﴿حَّ يَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ عَمَدتُ إلى عقال أسود، وإلى
عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي ... )) الحديث.
قال في ((الفتح)): ظاهره أن عديّا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدّم
إسلامه، وليس كذلك؛ لأن نزول فرض الصوم كان متقدّمًا في أوائل الهجرة، وإسلام
عديّ كان في السنة التاسعة، أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل
المغازي، فإما أن يُقال: إن الآية التي في حديث الباب تأخّر نزولها عن نزول فرض
الصوم، وهو بعيدٌ جدًّا، وإما أن يؤوّل قول عديّ هذا على أن المراد بقوله: ((لما
نزلت))، أي لما تُليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق
حذفٌ، تقديره لما نزلت الآية، ثم قدمت، فأسلمت، وتعلّمتُ الشرائع عمدتُ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، ثم إن الاحتمال الذي
ذكره أخيرًا بمعنى الاحتمال الثاني. والله تعالى أعلم.
وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ: ((علّمني رسول اللَّه الله الصلاة،
والصيام، فقال: صلّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس، فكل حتى يتبين لك الخيط
الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين ... )) الحديث.
(عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَّ يَّبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَرِ﴾) أي سألته عن
المعنى المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود في هذه الآية.
(قَالَ) بَّرَ (هُوَ) راجع إلى المذكور من الخيط الأبيض، والخيط الأسود، أي المعنى

٢٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا ... - حديث رقم ٢١٦٩
٣٨٥
المراد منه ( سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ))) وفي رواية البخاريّ من طريق حُصين المذكورة:
(«عمدتُ إلى عقال أبيض، وإلى عقال أسود، فجلتهما تحت وسادتي، فجلت أنظر في
الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللّه وَ له، فذكرت له ذلك، فقال: ((إنما ذلك
سواد الليل، وبياض النهار)). وللبخاريّ في ((التفسير)) من طريق أبي عَوَانة، عن حُصين:
((إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك)). ولأبي عوانة من
طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطرّف: ((فضحك، وقال: ((لا، يا عريض القفا)).
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى في ((المعالم)): في قوله: ((إن وسادك لعريض)) قولان:
((أحدهما)): يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوساد عن النوم؛ لأن النائم يتوسّد، أو
أراد ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبيّن لك العقال.
((والقول الآخر)): أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على
الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة. وقد روي
في هذا الحديث من طريق أخرى: ((إنك عريض القفا)). وجزم الزمخشريّ بالتأويل
الثاني، فقال: إنما عرّض النبيّ وَّله قفا عديّ؛ لأنه غفل عن البيان، وعَرْضُ القفا مما
يُستدلّ به على قلّة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا.
وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبيّ، فقال: حَمَلَه بعضُ الناس على الذمّ له على ذلك
الفهم، وكأنه فهم منه أن النبيّ ◌َّ نسبه إلى الجهل، والجفاء، وعدم الفقه، وربما عضدوا
هذا بما روي أنه وَله قال له: ((إنك لعريض القفا))، وليس الأمر كذلك، فإنه حمل اللفظ
على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل، إن لم يتبيّن له دليل التجوّز، ومن تمسّك بهذا الطريق
لم يستحقّ ذمّا، ولا يُنسب إلى جهل، وإنما عنى بذلك النبيّ وَّ - والله أعلم- أن وسادك
إن غطّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذًا وسادٌ عريض واسعٌ؛
إذ قد شملهما، وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: «إنما هو سواد الليل، وبیاض
النهار))، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادٍ؟ : :، وإلى هذا يرجع قوله: ((إنك لعريض
القفا»؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطّى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسّده إلا قفا
عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه، وأليق، ويدلّ أيضًا عليه
ما زاده البخاريّ، قال: ((إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت
وسادك))، وقد أكثر الناس فيه انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقد ترجم عليه ابن حبان في ((صحيحه)): [ذكر البيان بأن العرب تتباين لغاتها في
(١) - ((المفهم)) ج٣ ص١٤٨-١٤٩.

٣٨٦
-
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
أحيائها] ، وأشار بذلك إلى أن عديًا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل، وبياض
النهار يُعبّر عنهما بالخيط الأبيض، والخيط الأسود، وساق هذا الحديث (١). واللَّه
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٦٩/٢٩ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٧٩/٢٩ وفي ((التفسير)) منه ٢٧/
١١٠٢١. وأخرجه (خ) في ((الصوم)) ١٩١٦ و((التفسير)) ٤٥٠٩ و٤٥١٠ (م) في
((الصيام)) ٢٥٢٨ (د) في ((الصوم)) ٢٠٠٢ (ت) في ((التفسير)٢٨٩٦٧ و٢٨٩٧ (أحمد) في
١٨٥٦١ (الدارميّ) في ((الصوم)) ١٦٣٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل الآية المذكورة، وهو
واضح، لأنه ◌َ لو بين المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود بأنه سواد الليل، وبياض النهار
(ومنها): حرص الصحابة في العمل بما أمروا به فيما أنزل اللَّه عز وجل، والسؤال عما خفي
عليهم وجه العمل به (ومنها): بيان أن قبائل العرب تتفاوت في لغاتها، فإن هذا الصحابي
رَّه لم يعرف استعمال الخيط الأبيض والأسود للمعنى المقصود في الآية حتى بيّن له النبيّ
وَخر (ومنها): جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً بشرط صحة القصد،
ووجود الشرط عند أمن الغلوّ في ذلك، فإنه مزلة القدم؛ إلا لمن عصمه الله تعالى. كذا قال
ابن المنيّر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الشيخان، والمصنّف في ((التفسير)) من ((الكبرى)) عن سهل
بن سعد الساعديّ ◌َّه قال: ((أنزلت: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ
اْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في
رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله
بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يَعنِي الليل والنهار)). (٢)
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: حديث عديّ يقتضي أن قوله: ﴿مِنَ اُلْفَجْرِّ﴾ نزل
(١) - انظر ((صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان)) بتحقيق الأرنؤوط ج٨ ص ٢٤٢-٢٤٣ رقم ٣٤٦٣ .
(٢) - انظر ((صحيح البخاريّ)) رقم ١٩١٧ نسخة ((الفتح)) و((صحيح مسلم)) رقم ٢٥٢٩ و٢٥٣٠ نسخة
شرح النووي. و((السنن الكبرى)) للمصنف ١١٠٢٢ .

٢٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا ... - حديث رقم ٢١٦٩
=
٣٨٧
متّصلاً بقوله تعالى: ﴿حَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَرِ﴾
[البقرة: ١٨٧] وأن عديّ بن حاتم رَظّه حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله:
﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من أجل الفجر، ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف
حديث سهل بن سعد رَّه، فإن فيه أن اللَّه تعالى لم يُنزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ إلا منفصلاً عن
قوله: ﴿حَّ يَتَبِّيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾، ولما وقع لهم الإشكال حينئذ
أنزل اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ رافعًا لذلك الإشكال، وقد قيل: إنه كان بين نزولهما عام
کامل.
وكأن الحديثين واقعتان في وقتين، ويصحّ الجمع بأن يكون حديث عديّ متأخّرًا
عن حديث سهل، وأنّ عديا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية
مجرّدة، ففهمها على ما قرّرناه، فبيّن له النبيّ وَلّ أن الخيط الأبيض كنايةٌ عن بياض
الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن ينفصل أحدهما عن
الآخر، وعلى هذا يكون: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلّقًا بقوله: ﴿يَتَبَّنَ﴾، وعلى مقتضى
حديث سهل يكون في موضع الحال، متعلّقًا بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في
حديث سهل.
ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة، وذكر بعض الرواة -يعني في قصّة عديّ-
متصلاً بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرّقًا كما بيّنه حديث سهل. والله
تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ بتصرّف (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني ضعيف؛ -كما قال الحافظ- لأن
قصة عديّ متأخرة لتأخر إسلامه، كما تقدّم.
وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي أسامة، عن مجالد في حديث عديّ: أن النبيّ وَل
قال -لما أخبره بما صنع -: يا ابن حاتم ألم أقل لك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وللطبرانيّ من وجه
آخر عن مجالد وغيره: فقال عديّ: يا رسول اللّه كل شيء أوصيتني قد حفظته غير
الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إني بتّ البارحة معي خيطان أنظر إلى هذا، وإلى
هذا، قال: ((إنما هو الذي في السماء)).
فتبيّن بهذا كله أن قصّة عديّ مغايرة لقصّة سهل، فأما من ذُكِرَ في حديث سهل،
فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ علموا المراد، فلذلك قال سهل في
حديثه: ((فعلموا أنما يَعني الليل والنهار))، وأما عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة
(١) - ((المفهم)) ج٣ ص ١٤٧ - ١٥٠.

٣٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
الخيط للصبح، وحمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على السببيّة، فظنّ أن الغاية تنتهي إلى أن
يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر، أو نسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ حتى
ذكّره بها النبيّ وَّله، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر [من
المتقارب] :
وَلَّمَّا تَبَدَّتْ (١) لَنَا سُذْفَةٌ وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في ((الفتح)): ما حاصله: معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم
اَلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَرِ﴾: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان
يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار. وقال أبو
عبيد: المراد بالخيط الأسود الليل، وبالخيط الأبيض الفجر الصادق، والخيط اللون.
وقيل: المراد بالأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود،
وبالأسود ما يمتدّ معه من غبش الليل شبيهًا بالخيط. قاله الزمخشريّ، قال: وقوله:
﴿مِنَ الْفَجْرِّ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما
بيان للآخر، قال: ويجوز أن تكون ((من)) للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقد أخرجه قوله:
﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من الاستعارة إلى التشبيه، كما أن قولهم: رأيت أسدًا مجاز، فإذا زدت فيه
((من فلان)) رجع تشبيهًا. ثم قال: كيف جاز تأخير البيان، وهو يُشبه العبث(٢) لأنه قبل
نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لا يفهم منه إلا الحقيقة، وهي غير مرادة، ثم أجاب بأنّ مَنْ لا يجوّزه
-وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمین- لم یصحّ عندهم حديث سهل، وأما من يجوّزه فيقول:
ليس بعبث، لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح
المراد به انتهى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ونقله نفي التجويز عن الأكثر فيه نظر، كما سيأتي،
وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود، ولم يقل به أحد من الفريقين، لأنه مما اتفق
الشيخان على صحّته، وتلقّته الأمة بالقبول.
ومسألة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء من
المتكلّمين وغيرهم، وقد حكى ابن السمعانيّ في أصل المسألة عن الشافعيّة أربعة
أوجه: الجواز مطلقًا، عن ابن سُريج، والإصطخريّ، وابن أبي هريرة، وابن خيران.
(١) - وفي ((اللسان)): ((فلما أضاءت)) بدل ((تبدّت)).
(٢) - هذه العبارة فيها سوء أدب، فالأولى حذفها، وإنما أبقيتها أداء الأمانة العلميّة. فليتنبه.

٢٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُواْ ... - حديث رقم ٢١٦٩
٣٨٩
والمنع مطلقًا، عن أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد، والصيرفيّ. ثالثها:
جواز تأخير بيان المجمل دون العامّ. رابعها: عكسه، وكلاهما عن بعض الشافعيّة.
وقال ابن الحاجب: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوّز تكليف ما لا
يطاق، يعني وهم الأشاعرة، فيجوّزونه، وأكثرهم يقولون: لم يقع.
قال شارحه: والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان:
((أحدهما)): ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه. و((الثاني)): ما لا ظاهر له، فقالت
طائفة من الحنفيّة، والمالكيّة، وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب،
واختاره الفخر الرازيّ، وابن الحاجب، وغيرهم، ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم
إلى امتناعه. وقال الكرخيّ: يمتنع في غير المجمل.
وإذا تقرّر ذلك، فقد قال النوويّ تبعًا لعياض: وإنما حَمَلَ الخيط الأبيض والأسود
على ظاهرهما بعضُ من لا فقه عنده من الأعراب، كالرجال الذين حكى عنهم سهل،
وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعديّ.
وادعى الطحاويّ، والداوديّ أنه من باب النسخ، وأن الحكم كان أولاً على ظاهره
المفهوم من الخيطين، واستدلّ على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى
الإسفار، قال: ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِّ﴾.
قال الحافظ: ويؤيد ما قاله ما رواه عبدالرزاق بإسناد رجاله ثقات: ((إن بلالاً أتى
النبيّ وَلهر، وهو يتسخر، فقال: الصلاة يا رسول الله، قد والله أصبحت، فقال: ((يرحم
اللَّه بلالاً، لولا بلال لرجونا أن يرخّص لنا حتى تطلع الشمس)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تأييد هذا الحديث للنسخ المذكور خفاء،
فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
ويستفاد من هذا الحديث - كما قال عياض- وجوب التوقّف عن الألفاظ المشتركة،
وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند
عدم البيان.
وقال ابن بزيزة في ((شرح الأحكام)): ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات؛ لأن
الصحابة عملوا أوّلاً على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللسان، فعلى هذا فهو من باب
تأخير ما له ظاهر أريد به خلاف ظاهره.
قال الحافظ: وكلامه يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ما نقله سهل بن سعد، وفيه
نظر .
واستدل بالآية، والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر، فلو طلع

٣٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
الفجر، وهو يأكل، أو يشرب، فنزع تمّ صومه، وفيه اختلاف بين العلماء، ولو أكل
ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور؛ لأن الآية دلّت على الإباحة إلى
أن يحصل التبین. وقد روى عبدالرزاق بإسناد صحيح، عن ابن عباس رضيها، قال:
((أحلّ اللَّه لك الأكل والشرب ما شككت)). ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه.
وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى، قال: سأل رجل ابن عباس عن السحور؟
فقال له رجل من جلسائه: كل حتى لا تشكّ، فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئًا،
کل ما شککت حتى لا شككت.
قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك: يقضي. وقال ابن
بزيزة في ((شرح الأحكام)): اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبيّنه عند الناظر
تمسكًا بظاهر الآية، واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر، أم لا؟ بناءً على
الاختلاف المشهور في مقدّمة الواجب انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحقّ أن تحريم الأكل ونحوه متعلّق بتبيّن الفجر،
وتحققه، لا بمجرّد الطلوع، لظاهر الآية الكريمة، وأما القول بوجوب إمساك جزء من
الليل، فبطلانه واضح؛ لمصادمته ظاهر الآية. فتبصّر، ولا تتحيّر.
وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في باب [تأخير السحور] ٢١٥٢/٢٠ و٢١٥٣
و٢١٥٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٠- (كَيْفَ الْفَجْرُ )
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((كيف))، ويقال فيها: ((كي)) بحذف الفاء: كلمة
يُستفهم بها عن حال الشيء، وصفته، يقال: كيف زيد، ويُراد السؤال عن صحّته،
وسُقْمه، وعسره، ويسره، وغير ذلك، وتأتي للتعجّب، والتوبيخ، والإنكار، كقوله
تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَخْيَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨]، وللحال
ليس معه سؤال، وقد تتضمّن معنى النفي، وكيفيّةُ الشيء حالُهُ وصفتُهُ (١).
والمراد هنا المعنى الأول، أي ما هو صفة الفجر الذي جعله الله علامة لانتهاء جواز
(١) - راجع ((المصباح المنير)) في مادة كيف، و((مغني اللبيب)) ج١ ص٢٠٤- ٢٠٥.

٣٩١=
٣٠- (كَيفَ الفَجْرُ ) - حديث رقم ٢١٧٠
الأكل والشرب، ونحوهما، وابتداء الصوم.
و((الفَجْرُ)) -أي بفتح الفاء، وسكون الجيم -: ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في
سواد الليل، وهما فجران: أحدهما المستطيل، وهو الكاذب الذي يُسمّى ذَنَبَ
السُّرْحَان، والآخر المستطير، وهو الصادق المنتشر في الأفق الذي يُحرّم الأكل
والشرب على الصائم، ولا يكون الصبح إلا الصادق. قال الجوهريّ: الفجر في آخر
الليل كالشفق في أوله. قاله في ((اللسان))(١).
وموضع الاستدلال من الحديث قوله: ((ولكن الفجر أن يقول الخ))، وقوله: ((حتى
ينفجر هكذا وهكذا))؛ لأن فيه بيان المراد من الفجر الذي جعل الله تعالى تبيّنه غاية
للأكل والشرب، ونحوهما، وهو الفجر الثاني الصادق المعترض يمينًا وشمالاً. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٢١٧٠ أ- (أُخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((إِنَّ بِلَالاَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ(٢)؛ لِيْنَبِّهَ نَائِمَكُمْ،
وَيَرْجِعَ قَائِمَّكُمْ، وَلَيْسَ الْفَجَرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِكَفْهِ، وَلَّكِنِ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ
هَكَذَا))، وَأَشَارَ بِالسََّّابَتَيْنِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((يحيى)): هو ابن سعيد القطان. و((التيميّ): هو سليمان بن طّرْخان، أبو المعتمر
البصريّ. و((أبو عثمان)): هو عبدالرحمن بن ملّ النهديّ المخضرم العابد المشهور
الكوفيّ، ثم البصريّ.
والإسناد مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فكوفيّ .
والحديث متفق عليه وقد استوفيت شرحه، وكذا الكلام على مسائله في ((كتاب
الأذان))- في باب ((الأذان في غير وقت الصلاة)) ١١/ ٦٤١ - رواه هناك عن إسحاق بن
راهويه، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه به.
وأذكر هنا شرح ما يحتاج إلى الإيضاح فقط:
فقوله: ((ليرجع قائمكم)) بفتح الياء، وكسر الجيم المخففة، من الرَّجْع المتعدّي
المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَائِرٌ﴾ [الطارق: ٨]، لا من الرجوع اللازم،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، وقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أرجع
(١) - ((لسان العرب)) في مادة فجر. ج٥ ص٣٣٥١.
(٢) - وفي نسخة: ((بالليل)).

٣٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
اٌلْصَرَ كَرََِّ﴾ الآية [الملك: ٤]، ويحتمل أن يكون من الإرجاع، وعلى الوجهين
فـ(قائمكم)) بالنصب، ويحتمل أن يكون من الرجوع اللازم، و((قائمُكُم)) بالرفع، وقد
تقدم تمام البحث في هذا في الباب المذكور.
وقوله: ((وليس الفجر أن يقول الخ)) أي يظهر هكذا، وأشار به إلى هيئة ظهور الفجر
الكاذب، والقول أريد به فعل الظهور، وإطلاق القول على الفعل شائع.
وقوله: ((وأشار بكفّه)) أي أشار إلى الفجر الكاذب بكفه.
وقوله: (وأشار بالسبّابتين)) أي أشار إلى الفجر الصادق بوضع إحدى السبابتين على
الأخرى، ومدّها عن يمينه، وشماله. وفي رواية البخاريّ: ((وليس الفجر -أو الصبح-
وقال بإصبعه، ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل - حتى يقول هكذا، وأشار زهير
بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله.
وفي رواية مسلم: ((وليس أن يقول هكذا وهكذا)) وصوّب يده، ورفعها ((حتى يقول
هكذا)) وفرّج بين إصبعيه)). وفي لفظ: ((إن الفجر ليس الذي يطول هكذا))، وجمع
أصابعه، ثم نكّسها إلى الأرض، ((ولكن الذي يقول هكذا))، ووضع المسبحة على
المسبحة، ومدّ یده)).
قال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقوله: ((لیس أن يقول هكذا -وصوّب يده،
ورفعها-)) أي مدّ يده صَوْبَ مخاطبه، ثم رفعها نحو السماء. وفي الرواية الأخرى: ((إن
الفجر ليس الذي يقول هكذا))، وجمع أصابعه، ثم نكّسها إلى الأرض. وتحصّل من
الروايتين أنه وَّلير أشار إلى أن الفجر الأول يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى،
وينخفض طرفه الأسفل، وقد بيّن هذا بقوله: ((ولا بياض الأفق المستطيل)) يعني الذي
يطلع طويلاً، فهذا البياض هو المسمّى بالفجر الكاذب، وشُبّه بذنب السِّرْحَان، وهو
الذئب، وسمي به. وهذا الفجر لا يتعلّق عليه حكم، لا من الصيام، ولا من الصلاة،
ولا من غيرهما، وأما الفجر الصادق، فهو الذي أشار إليه النبيّ وَّل حيث وضع
المسبحة على المسبحة، ومد يديه، وهو إشارة إلى أنه يطلع مُعترِضًا، ثم يعُمّ الأفق
ذاهبًا فيه عَرْضًا، ويستطير، أي ينتشر. انتهى كلام القرطبيّ (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٧١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا
سَوَادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ
(١) - ((المفهم)) ج٣ ص١٥٣ - ١٥٤.

٣٩٣
٣٠- ( كَيْفَ الفَجْرُ ) - حديث رقم ٢١٧١
بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ، هَكَذَا وَهَكَذَا))، يَعْنِي مُعْتَرِضًا، قَالَ أَبُو
دَاوُدَ: وَبَسَطَ بِيَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، مَاذَا يَدَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة
[١٠] ٣٧/٣٣ .
٢- (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/
٣٤٣ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
٤ - (سوادة بن حنظلة) القشيريّ البصريّ، صدوق [٣].
رأى عليّا رَظّه. وروى عن سمرة بن جُندب رَظّ حديث الباب فقط. وعنه ابنه
عبدالله، وشعبة، وأبو هلال الراسبيّ، وهمّام. قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات))، وقال: سمع من عليّ بن أبي طالب رَّ. روى له مسلم، والمصنّف،
وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا ٢١٧١ و٢٣١٥ حديث
أنس رَّ مرفوعًا: ((إن الله وضع للمسافر الصوم .. )) الحديث.
٥- (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار الصحابيّ الشهير، مات
بالبصرة سنة (٥٨) وتقدّم في ٣٩٣/٢٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سوادة بن حنظلة رحمه الله تعالى أنه (قال: سَمِعْتُ سَمُرَةَ) بن جُندب رَّهِ،
وفي رواية لمسلم: ((سمعت سمرة بن جندب رَظّه، وهو يخطب، يحدّث عن النبيّ
وَه ... )) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له) وفي رواية مسلم: ((سمعت محمدًاً وَّ يقول))
((لَا يَغُرَّتْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ) ومتعلّقه محذوف، من أكل السَّحُور، كما بينته رواية مسلم،
ولفظه: ((لا يغرّنّ أحدكم نداءُ بلال من السَّحُور)»، وفي لفظ: ((لا يغرّنكم من سحوركم
أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا)) (وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ)
يعني البياض الذي يظهر متسطيلاً، كما تقدّم بيانه (حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ) أي حتى يظهر،
وينتشر (هَكَذَا وَهَكَذَا))، يَعْنِي مُعْتَرِضًا، قَالَ أَبُو دَاوُدَ) الطيالسيّ الراوي عن شعبة

٣٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
(وَبَسَطَ) أي شعبة مبيّنا معنى قوله: ((هكذا وهكذا)) (بِيَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، مَاذَا يَدَنِهِ) حال
مؤكد لمعنى البسط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة بن جندب وَطليه
هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢١٧٠/٣٠ - وفي ((الكبرى))٢٤٨١/٣٠. وأخرجه (م) في ((الصيام))
٢٥٣٩ و٢٥٤٠ و٢٥٤١ و٢٥٤٢ و٢٥٤٣ (د) في ((الصوم)) ٢٣٤٦ (ت) في
(«الصوم))٧٠٦ (أحمد) ١٩٢٢١ و١٩٢٣٨ و١٩٢٩٠ و١٩٢٣٨. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣١- (التَّقَدُّمُ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ)
٢١٧٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَخْتِى،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ، قَالَ: ((لَا تَقَدَّمُوا قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَامٍ،
إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا (١)، أَتَى ذَلِكَ الْيَوْمُ عَلَى صِيَامِهِ)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢.
٢- (الوليد) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير
التدليس والتسوية [٨] ٤٥٤/٥.
٣- (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل [٧] ٥٦/٤٥.
٤- (يحيى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة
يُدلّس ويرسل [٥] ٢٤/٢٣.
(١) - وفي نسخة: ((صومًا)).

٣١- ( التّدُمُ قبل شهر رمضان) - حديث رقم ٢١٧٢
٣٩٥
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]١/١.
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، ويحيى وإن
كان يماميًا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين في طلب الحديث، والباقيان دمشقيان.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة تَظّه أحفظ من روى الحديث
في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّثيه، وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق هشام
الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة. ونحوه لأبي
عوانة، من طريق معاوية بن سلّام، عن يحيى. أفاده في ((الفتح)) (١) (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّ)
أنه (قَالَ: ((لَا) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَقَدَّمُوا) من التقدّم، وأصله ((لا تتقدّموا))،
فحذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَفَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله:
﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة في ((الخلاصة)) حيث
قال :
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيْنُ الْعِبَزْ
(قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَام) الباء للتعدية متعلقة بـ((تقدّموا)). وفي الرواية الآتية في الباب
التالي: ((لا يتقدّمنّ أحَد الشهر بيوم، ولا يومين ... )) (إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا، أَتَى
ذَلِكَ الْيَوْمُ) أي اليوم الذي قبل رمضان، وهو اليوم الذي يُسَمَّى يوم الشك (عَلَى
صِيَامِهِ))) أي صيامه المعتاد، والمعنى: أنه لا يتقدّم رمضان بصوم يوم إلا من كان معتادًا
صوم يوم معين، كالاثنين مثلًا، فاتفق أن كان ذلك اليومُ يومَ الشك، فإنه يجوز له أن
يصوم ذلك اليوم.
قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نيّة الاحتياط لرمضان.
قال الترمذيّ رحمه اللّه تعالى -لما أخرجه -: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا
أن يتعجّل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان انتهى.
(١) - ج٤ ص ٦٢٤ .

٣٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
والحكمة فيه التقوّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوّة ونشاط، وهذا فيه نظر؛ لأن
مقتضى الحديث أنه لو تقدّمه بصيام ثلاث أيام، أو أربعة جاز.
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا؛ لأنه يجوز لمن له
عادة كما صُرِّحَ به في الحديث. وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدّمه بيوم أو
يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد.
ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد، فقد أُذِنَ له فيه لأنه اعتاده، وألفه، وترك
المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر
لوجوبهما. قال العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعيّة على وجوب الوفاء بهما،
فلا يبطل القطعيّ بالظنيّ.
وفي الحديث ردّ على من يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، وردّ على من قال
بجواز صوم النفل المطلق.
وأبعد من قال: المراد بالنهي التقدّم بنية رمضان، واستدلّ بلفظ التقدّم؛ لأن التقدّم
على الشيء بالشيء إنما يتحقّق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصيام بنيّة النفل
المطلق، لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه. وفيه بيان لمعنى قوله في الحديث
الماضي: ((صوموا لرؤيته))، فإن اللام للتأقيت؛ لا للتعليل، قال ابن دقيق العيد: ومع
كونها محمولة على التأقيت فلا بدّ من ارتكاب مجاز؛ لأن وقت الرؤية - وهو الليل- لا
يكون محلّ الصوم. وتعقّبه الفاكهيّ بأن المراد بقوله: ((صوموا)) انووا الصيام، والليل
كله ظرف للنيّة.
قال الحافظ: فوقع في المجاز الذي فرّ منه؛ لأن الناوي ليس صائمًا حقيقة بدليل أنه
يجوز له الأكل والشرب بعد النيّة إلى أن يطلع الفجر. وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان
إذا كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز. وقيل: يمتدّ المنع لما قبل
ذلك، وبه قطع كثير من الشافعيّة، وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدُّم بالصوم،
فحيث وُجِد مُنِعٍ، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا:
أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لحديث العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه،
عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا)). أخرجه أصحاب ((السنن))،
وصححه ابن حبّان، وغيره. وقال الرويانيّ من الشافعيّة: يحرم التقدّم بيوم، أو بيومين؛
لحديث الباب، ويكره التقدّم من نصف شعبان للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوّعًا بعد النصف من شعبان، وضعّفوا الحديث
الوارد فيه، وقال أحمد، وابن معين: إنه منكر، واستدلّ البيهقيّ بحديث الباب على

=
٣٩٧
٣١- ( التَّقَّدُمُ قَبَلَ شَهْرِ رَمَضَانَ) - حديث رقم ٢١٧٢
ضعفه، فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصحّ من حديث العلاء، وكذا صنع قبله
الطحاويّ، واستظهر بحديث ثابت، عن أنسٍ رَظي مرفوعًا: ((أفضل الصيام بعد
رمضان شعبان))، لكن إسناده ضعيف، واستظهره أيضًا بحديث عمران بن حُصين
رَّهَا: أن رسول اللّه وَله قال الرجل: ((أصمت من سَرَر شعبان شيئًا؟))، قال: لا، قال:
((فإذا أفطرت من رمضان، فصم يومين)). ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء
محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان .
وهو جمع حسن. قاله في ((الفتح)) (١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي الأحسن أن الصوم بعد نصف شعبان منهيّ
عنه، ويشتدّ النهي في التقدّم بيوم، أو يومين، وأما حديث عمران تَظّه، فلا يدخل في
النهي، لأنه قاله لرجل اعتاد الصوم، فلما سمع النهي عن التقدّم ترك عادته فأمره النبيّ
وَ التر بأن يصوم مكان صومه الذي تركه، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك، إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة تَّه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٧٢/٣١ - وفي («الكبرى»٢٤٨٢/٣١. وأخرجه (خ) («الصوم))
١٧٨١ (م) في ((الصيام)) ١٨١٢ (د) في ((الصوم)) ١٩٨٨ (ت) في ((الصوم))٦٢٠
و٦٢١ (ق) («الصيام)) ١٦٤٠ (أحمد) ٩٢٧٧ و٩٣٣٠ و١٠٠٤٧ (الدارميّ) في ((الصوم))
١٦٢٧ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى
الإِثْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة العشرين عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي
عبد الرحمن النسائيّ رحمه اللّه تعالى، المسمّى ((ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى))، أو
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ٦٢٥ - ٦٢٦ .

٣٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
((غاية المنى في شرح المجتبى)).
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا
وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَيِينَ﴾.
﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ اَلَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَْتَدِىَ لَوْلَّ أَنْ هَدَنَا اَللّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد
مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك
حميد مجيد)) .
((السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته)).
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الحادي والعشرون مفتتحًا بالباب ٣٢ ((ذكرُ
الاختلاف على يحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو على أبي سلمة فيه)) الحديث رقم
٢١٧٣ .
((سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك)).

فهرس الموضوعات
٣٩٩ =
فهرس الموضوعات
٩٥- الرُّكُوبُ بَعْدَ الْفَرَاغ مِنَ الْجَنَازَةِ
٥
٩٦- الزِّيَادَةُ عَلَى الْقَبْرِ
٨
٩٧ - الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ
١٤
١٣
٩٨ - تَخْصِيصُ الْقُبُورِ
١٥
٩٩- تَسْوِيَةُ الْقُبُورِ إِذَا رُفِعَتْ
١٠٠ - زِيَارَةُ الْقُبُورِ
٢٢
١٠١- زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ
٣٢
١٠٢ - النَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ
٣٧
١٠٣ - الأَمْرُ بِالاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ
٤٦
١٠٤ - التَّغْلِيظُ فِي الْخَاذِ السُّرُجِ عَلَى الْقَبُورِ
٦٠
١٠٥ - التَّشْدِيدُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ
٦٣
٦٨
١٠٦ - التََّاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ
١٠٧- كَرَاهِيَةُ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ فِي النِّعَالِ السِّبْنِيَّةِ
٧٠
١٠٨ - التَّسْهِيلُ فِي غَيْرِ السِّبْتِيَّةِ
٧٦
١٠٩- الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ
٨٢
١١٠- مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ
٧٨
١١١- مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ
٨٧
١١٢ - الشَّهِیدُ
٩٠
١١٣- ضَمَّةُ الْقَبْرِ، وَضَغْطَتُهُ
٩٦
١١٥ - عَذَابُ الْقَبْرِ
٩٨
١١٥- التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
١٠٦

٤٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
١١٦ - وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ
١١٥
١١٧ - أَزْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ
١٢٣
١١٨- الْبَعْثُ
١٦٨
١١٩- ذِكْرُ أَوَّلِ مَنْ يُكْسَی
١٨٦
١٢٠- فِي التَّعْزِيَةِ
١٩٤
١٢١- نَوْعٌ آخَرُ
٢٠٠
٢٢- (كِتَابُ الصَّيَامِ)
١- (بَابُ وُجُوبِ الصِّيَامِ )
٢١٨
٢- ( بَابُ الْفَضْلِ وَالْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)
٢٣٩
٣- ( بَابُ فَضْلٍ شَهْرِ رَمَضَان )
٢٥١
٤- ( بَابُ ذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيّ فِيهِ)
٢٥٧
٥- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَعْمَرٍ فِيهِ)
٢٦١
٦- ( الرُّخْصَةُ فِي أَنْ يُقَالَ لِشَهْرِ رَمَضَانَ رَمَضَانَ)
٢٦٩
٧- ( اخْتِلَافُ أَهْلِ الآفَاقِ فِي الرُّؤْيَةِ)
٢٧٩
٨- ( بَابُ قَبُولِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، وَذِكْرِ الاخْتَلَافِ
٢٨٣
فِيهِ عَلَى سُفْيَانَ فِي حَدِيثٍ سِمَاكٍ)
٩- (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، إِذَا كَانَ غَيْمٌ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) رڅ﴾
٢٩٣
١٠- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
٣٠٢
١١- (ذِكْرُ الاخْتِلَافُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
٣٠٥
١٢- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَمْرِو ابْنِ دِينَارٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ رَا فِيهِ) ٣٠٧
٣١١
١٣- ( ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَنْصُورٍ فِي حَدِيثِ رِبْعِيِّ فِیهِ)
.. ٣١٦
١٤- ( كَمِ الشَّهْرُ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةً)