النص المفهرس

صفحات 301-320

=
٩- (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، إِذاَ كَانَ ... - حديث رقم ٢١١٨
٣٠١
معذور، فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدى إليه
اجتهاده، فإن تبيّن خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب
الشرعيّ للوجوب إنما هو الرؤية، لا علم ذلك بالحساب؛ لقوله ◌ّلل في الحديث
الصحيح: ((إنا أمة أمية، لا نحسب، ولا نكتب ... )) الحديث انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ العراقي في الاعتراض على ما قاله
ابن دقيق العيد من الاعتماد على أن الهلال قد طلع، وقد ردّ الصنعاني عليه أيضًا في
حاشيته ((العدّة)) ردا جميلا، فراجع حاشيته ج٣ ص٣٢٨-٣٢٩ .
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: وقد ظهر بما بسطناه صحّة مذهب الجمهور
في تعليق الحكم بالرؤية، دون غيرها، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجمهور
العلماء من السلف والخلف انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى، من
ترجيح مذهب الجمهور في المسألة هو الحقّ الذي لا مَحِيد عنه؛ الأحاديث الصحيحة
التي تدلّ على وجوب الاعتماد على الرؤية، دون غيره من الحساب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ،
عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((صُومُوا
لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عبدالله بن يزيد)»: أبو يحيى المكيّ، ثقة
[١٠] ١١/١١. و((عبدالله بن يزيد)): أبو عبدالرحمن المقرىء المكيّ، ثقة فاضل [٩]
٧٤٦/٤. و((ورقاء)): بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ نزيل المدائن، صدوق [٧]
٦٠ /٨٦٦ .
وقوله: ((فاقدروا ثلاثين)). بوصل الهمزة، وضمّ الدال، وكسرها: يعني حقّقوا
مقادير أيام شعبان، حتى تكملوه ثلاثين يومًا، كما جاء في الرواية الأخرى. أفاده
الحافظ السيوطيّ رحمه اللّه تعالى في شرحه (١) .
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: قال أهل اللغة: يقال: قدَرتُ الشيء -
بالتخفيف- أقدُره -بضم الدال، وكسرها، وقدّرته -بالتشديد- وأقدرته بهمزة أوله (٢)
(١) - ((زهر الربى)) ج٤ ص ١٣٤ - ١٣٥.
(٢) - هكذا ضبطه ولي الدين في ((طرح التثريب)) بهمزة أوله أيضًا، ولم أجد هذا فيما لديّ من كتب
اللغة، فليحزّر. والله تعالى أعلم.

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابيّ: ومنه قوله تعالى: ﴿فقدرنا، فنعم
القادرون﴾. فالمعنى: قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر،
واحسبوا تمام ثلاثين يوما انتهى. وبهذا فسّره الجمهور انتهى كلام ولي الدين بتصرف(١).
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ
فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف على الزهريّ رحمه الله تعالى أن
إبراهيم بن سعد رواه عنه، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة ◌َظّيه ، وخالفه في ذلك
يونس بن يزيد الأيليّ، فرواه عنه، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، لأنه يُحمّل على أنه مرويٍّ من حديث أبي هريرة
رَّه، ومن حديث عبدالله بن عمر تنطلخا، ولذا أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر
رَوليها، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة تَظمثله . فدلّ على أنه محفوظ من كلا
الطريقين. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١١٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، قَالَ: ((إِذَا رَأَنْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ
غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن يحيى بن عبدالله النيسابوريّ)): هو
الذهلي الحافظ المشهور [١١] ٣١٤/١٩٦. و(سليمان بن داود)): هو ابن علي بن
عبدالله بن العباس، أبو أيوب البغداديّ الهاشميّ الثقة الجليل [١٠] ١٣١٦/٦٨.
و((إبراهيم)): هو: ابن سعد بن إبراهيم الزهريّ المدنيّ الثقة الحجة [٨] ٣١٤/١٩٦.
و((محمد بن مسلم)): هو ابن شهاب الإمام المشهور.
(١) - ((طرح التثريب)) ج٣ ص ١٠٧.

٠٣ ٣ -
١٠- (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي ... - حديث رقم ٢١٢١
والحديث أخرجه مسلم، وشرحه، وبيان مسائله تقدّمت. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٢٠- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَقْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ
عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ)) ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ)): هو ابن داود الأعرج الجيزيّ،
أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] ١٧٣/١٢٢. و((ابْنُ وَهْبٍ)): هو عبد اللَّه المصريّ الثقة
الثبت [٩]. و((يونس)): هو ابن يزيد الأيليّ الثقة الثبت [٧]. و((سالم بن عبد الله)): هو
ابن عمر بن الخطاب المدنيّ الثقة الفقيه [٣] .
وشرح الحديث يعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجنه :
حديث عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه :
أخرجه هنا-١٢٠/١٠ و٢١٢١ و٢١٢٢/١١ وفي ((الكبرى))٢٤٣٠/١١ و٢٤٣١
و٢٤٣٢/١٢. وأخرجه (خ) في ((الصوم)) ١٩٠٠ و١٩٠٦ و١٩٠٧ و١٩٠٨ و١٩١٣
(م) في ((الصوم)) ١٠٨٠ (د) في ((الصوم)»٢٣١٩ و٢٣٢٠ (ق) في ((الصيام)) ١٦٥٤
(أحمد) في ((مسند المكثرين))٤٤٧٤ و٤٥٩٧ (الموطإ) في ((الصيام))٦٣٣ و٤٣٤
(الدارمي) في ((الصوم)) ١٦٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ،
ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ
عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن سلمة)): هو الجمليّ المراديّ، أبو
الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ٢٠/١٩. و((الحارث بن مسكين)): هو القاضي
الفقيه المصريّ ثقة [١٠] ٩/٩.
و((ابن القاسم)): هو عبدالرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، صاحب مالك من كبار
[١٠] ١٩/ ٢٠. و((مالك)): هو ابن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة [٧].

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
و((نافع)): هو أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر الفقيه الحجة [٣]. والحديث متفق
عليه، وشرحه يعلم مما سبق.
وقوله وَالر: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال)) فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير
رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب.
واختلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل
الرؤية، وهو مذهب الشافعيّ وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه
من رمضان، واقتصر الحنفيّة على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه،
وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا. أفاده وليّ الدين رحمه اللّه تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لظاهر قوله وَل اته: ((لا
تصوموا حتى تروه))، إذ النهي يقتضي الفساد، والفاسد لا يكون مسقطًا لفرض رمضان،
وكذلك لا ينعقد تطوعًا؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لما سيأتي -٣٨/
٢١٩٠ - من حديث أبي هريرة، مرفوعًا: ((ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين؛ إلا رجل كان
يصوم صياما، فليصمه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): مقتضى الحديث أيضًا منع صومه عن غير رمضان، واختلف في
ذلك أيضًا، فجوزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو
تطوّعًا إذا وافق وِزده، واختلفوا في جواز التطوع بصومه بلا سبب، فمنعه الشافعية،
وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه،
وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا
التطوّع بصومه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقًا، قضاءً،
أو غير ذلك، إلا من وافق وِزده، فإنه يصح أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة تظليه
المتقدم. والله تعالى أعلم.
قال وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في
مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا -يعني الشافعية -: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من
شعبان إذا تُحدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد
فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة. وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا
كانت السماء مغيمة انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - ((طرح)) ج٤ ص١١٤.

٣٠٥
١١- (ذِكْرُ الاخْتِلَافُ عَلَى عُبَيْدِاللهِ ... - حديث رقم ٢١٢٢
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١١- ( ذِكْرُ الاخْتِلَافُ عَلَى عُبَيدِاللَّهِ
ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن يحيى القطّان رواه عنه،
عن نافع، عن ابن عمر تعطينا، وخالفه محمد بن بِشْر، فرواه عنه عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة ◌َّم ، ومثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما تقدّم البحث عنه
قريبًا، ولذا أخرجه مسلم من حديثهما، فأخرجه من حديث ابن عمر من طريق أبي
أسامة، عن عبيدالله برقم ٢٤٩٦ - ومن طريق عبدالله بن نمير، عن عبيدالله برقم٢٤٩٧
ومن طريق يحيى القطان عن عبيد الله برقم ٢٤٩٨ .
وأخرجه من حديث أبي هريرة، من طريق محمد بن بشر العبديّ، عن عبيدالله
برقم ٢٥١٣ . والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٢٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَِّيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا
حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ) ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس، أبو حفص البصريّ
الثقة الثبت [١٠]. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطان الصريّ الإمام الحجة الثبت [٩].
و((عبيدالله)): هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَريّ المدنيّ
الفقيه الثقة الثبت [٥] . والباقيان سبقا قريبًا، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: ((لا تصوموا)): أي بنيّة الفرض. وقوله: ((ولا تفطروا)) أي بلا عذر.
وقوله: ((حتى تروه)). لا يمكن أن يكون معناه رؤية جميع الناس، بحيث يحتاج كلّ
فرد فرد في وجوب الصوم عليه إلى رؤية الهلال، بل المعتبر رؤية بعضهم، وهو العدد
الذي تثبت به الحقوق، وهو عدلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ وَلر للمدّعي: ((شاهداك .. )) الحديث. إلا أن هلال
رمضان يُكتَفَى في ثبوته بعدل واحد عند أكثر أهل العلم، وهو الصواب، لحديث ابن

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
عمر رَضُهَا، وحديث الأعرابيّ، وقد تقدم تحقيقه في ٢١١٢/٨ - ((باب قبول شهادة
الرجل الواحد على هلال شهر رمضان)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٢٣- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، صَاحِبُ حِمْصَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِيِ الزُّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْهِلَالَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُوَمُوا، وَإِذَا
رَأَيْتُمُوهُ فَأَقْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَعُدُوا ثَلَاثِينَ)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو بكر بن عليّ، صاحب حمص)): هو أحمد بن
عليّ بن سعيد المروزيّ القاضي، الحافظ الثقة [١٢] ٢٠٩٤/١ وهو من أفراد
المصنّف .
وقوله: ((صاحب حمص)). أي الذي كان قاضيا فيها. قال الحافظ المزّيّ رحمه الله
تعالى في ((تهذيب الكمال)): تولّى القضاء بدمشق نيابة عن أبي زُرعة محمد بن عثمان بن
إبراهيم بن زرعة الثقفيّ، وكان يلي القضاء قبل ذلك بحمص انتهى (١).
و((أبو بكر بن أبي شيبة)): هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الثقة، صاحب
المصنّفت [١٠]. و((محمد بن بشر)): هو العبديّ الكوفيّ، ثقة حافظ [٩]. و((أبو
الزناد)): هو عبد الله بن ذكوان المدنيّ، ثقة فقيه [٥]. و((الأعرج)): هو عبد الرحمن بن
هُرمز المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣].
والحديث أخرجه مسلم، وشرحه يعلم مما سبق.
وقوله: ((إذا رأيتوه فصوموا الخ)): فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى
وجوب الإفطار عليه أيضًا برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت ذلك بقوله، وهو قول الأئمة
الأربعة في هلال رمضان، واختلفوا في الإفطار برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر،
بل يستمرّ صائمًا؛ احتياطًا للصوم. وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتّهم،
وهو مقتضى قوله: ((ولا تفطروا حتى تروه)). وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن
راهويه إلى أنه لا يصوم برؤيته وحده. وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس. وروي
نحوه عن الحسن، وابن سيرين. قاله وليّ الدين رحمه اللَّه تعالى (٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله: ((صوموا لرؤيته الخ)): ما: نصّه: يقتضي
(١) - ((تهذيب الكمال)) ج١ ص ٤٠٧ .
(٢) - انظر ((طرح التثريب)) ج ٤ ص ١١٧ .

١٢- ( ذِكْرُ الاختلافِ عَلَى عَمْرو ... - حديث رقم ٢١٢٤
٣٠٧
لزوم حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد بها،
وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا
انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما انتهى (١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من وجوب
الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله وَله: ((إذا رأيتموه
فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): يتناول الحديث رؤيته ليلاً ونهارًا، لكنه إذا رئي نهارًا فهو لليلة
المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا، وإن كان يوم الثلاثين من
رمضان لم يفطروا، وسواء كان ذلك قبل الزوال، أو بعده، هذا هو المشهور في
المذاهب الأربعة. وحكي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأوزاعيّ،
والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه. وذهب سفيان الثوريّ، وأبو يوسف، وبعض
المالكيّة إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال
ابن حزم الظاهريّ. قاله وليّ الدين رحمه اللّه تعالى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الأول الذي عليه الجمهور هو الظاهر عندي؛
لوضوح حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٢- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَمْرِو
ابْنِ دِینَارِ فِي حَدِیثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رضُّ فِیهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((فيه)) الضمير يعود إلى إكمال شعبان.
ووجه الاختلاف المذكور أن حماد بن سلمة رواه عن عمرو، عن ابن عبّاس رَها،
وخالفه سفيان بن عُيينة، فرواه عن عمرو، عن محمد بن حُنين، عن ابن عباس رَّهَا،
فأدخل واسطة بين عمرو بن دينار، وبين ابن عباس رَوايهنا. والراجح رواية ابن عيينة،
(١) - ((المفهم) ج٣ ص١٣٨-١٣٩.
(٢) - المصدر السابق.

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
لكونه أحفظ من حماد بن سلمة، ولأن له متابعًا، فقد تابعه زكريا بن إسحاق، وابن
جریج .
فأما متابعة زكريا بن إسحاق، فقد أخرجها ابن عبدالبرّ من طريق رَوح بن عبادة ،
قال: حَدَّثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار أن محمد بن حنين أخبره أنه
سمع ابن عباس تظهرفيها يقول: ((إني لأعجب من هولاء الذين يصومون قبل رمضان، إنما
قال رسول اللّه وَله: ((إذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن غمّ
علیکم، فعدّوا ثلاثین)). انتهى.
وأما متابعة ابن جريج، فقد أخرجها أحمد في ((مسنده)) ج١ ص٣٦٧- عن
عبدالرزاق، وابن بكر، قالا: أنا ابن جريج، ، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع محمد
ابن جُبير، يقول: كان ابن عباس ينكر أن يُتَقَدّم في صيام رمضان، إذا لم يُرَ هلال شهر
رمضان، ويقول: قال النبيّ ◌َلـ: ((إذا لم تروا الهلال، فاستكملوا ثلاثين ليلة)) انتهى.
والحاصل أن الراجح إثبات الواسطة بين عمرو بن دينار، وبين ابن عباس، لاتفاق
ابن عيينة، وزكريا بن إسحاق، وابن جريج على إثباته. وأما اختلافهم في اسم والد
محمد، هل هو (حنين))، أو ((جُبير))، فسيأتي أن الراجح أنه ((حنين))، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٢٤- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُو الْجَوْزَاءِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، بَصْرِيٍّ، أَخُو أَبِي الْعَالِيَةِ،
قَالَ: أَنْبَأَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ،
فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن عثمان، أبو الْجَوْزَاء)): هو أحمد بن
عثمان بن أبي عثمان عبدالنور بن عبدالله بن سِنَان النوفليّ، أبو عثمان البصريّ،
الملقّب أبا الجوزاء -بالجيم والزاي- ثقة [١١].
قال أبو حاتم: ثقة رِضًا. وقال النسائيّ: ثقة (١). وقال البزار: بصريّ ثقة مأمون.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٦) قال: وكان من
نُسّاك أهل البصرة. روى عنه مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنف في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث: هذ٢١٢٤ وفي ((كتاب القسامة)) ٤٧٦٠ حديث إن شئت فادفع إليه
يدك حتى يقضمها .. )) الحديث. وفي ((كتاب الزينة)) ٥٢٠٤ حديث أنس أخر رسول
(١) - نقل في ((تهذيب التهذيب)) أن النسائيّ قال: لا بأس به. وهو مخالف لعبارة ((المجتبى))، ولعل له
قولين. والله تعالى أعلم.

٣٠٩
١٢- (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى عَمْرو ... - حديث رقم ٢١٢٥
اللَّهِ وَله صلاة العشاء الآخرة .. )) الحديث.
وقوله: ((أخو أبي العالية)): هكذا ذكر هذه العبارة في (تهذيب الكمال)) جـ ١ ص
٤٠٦- وكتب في هامشه ما نصّه: في حاشية الأصل تعليق للمؤلّف: أبو العالية هذا اسمه
إسماعيل بن الهيثم بن عثمان العبديّ، وهو أخوه لأمه. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لم أجد ترجمة إسماعيل هذا، فالله تعالى أعلم.
و(حَبّان بن هلال)) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة -: هو أبو حبيب
البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٥٩٠/٤٤. و((حماد بن سلمة)): هو أبو سلمة البصريّ، ثقة
تغير في الآخر [٨] . و((عمرو بن دينار)): هو الجمحيّ الأثرم، أبو محمد المكيّ، ثقة
[٤] .
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٢١٢٤/١٢ و٢١٢٥ و٢١٢٩/١٣
و٢١٣٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٣٤/١٣ و٢٤٣٥ و٢٤٣٩/١٤ و٢٤٤٠. وأخرجه
(د)١٩٨٢ و (ت)٦٢٤ (أحمد) ١٨٣٠ و١٨٨١ و٢٢١٩ و٢٦٥٣ و٣٢٩٥ (الموطأ)
٥٥٩ (الدارميّ) ١٦٢١ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عَجِبْتُ مِمِّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ، وَقَدْ قَالَّ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ،
فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ)): هو المكيّ الثقة
[١١]. و((سفيان)): هو ابن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨].
و ((محمد بن حُنين)) -بالحاء المهملة، ونونين، مصغرًا- مكيّ مقبول [٤].
وفي (تهذيب التهذيب)): محمد بن حنين، عن ابن عباس. وعنه عمرو بن دينار. كذا
وقع في بعض النسخ من النسائيّ، وفي الأصول القديمة: محمد بن جبير، وهو ابن
مطعم، وهو الصواب، وكذلك هو في ((المسند)) وغيره.
قال الحافظ: وقد ذكر الدارقطنيّ أن محمد بن حُنين أيضًا روى عن ابن عباس،
قال: وهو أخو عُبيد بن حُنين، وكذا هو مُجوّد في ((السنن الكبرى)) رواية ابن الأحمر
عن النسائيّ. والله أعلم. وقال الحاكم: لا أعرف روی عنه غیر عمرو بن دینار انتهى.
وقال الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى: وكان في كتاب أبي القاسم ((محمد بن حُنين))
عن ابن عباس، وهو وَهَمِّ انتهى.

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
وكتب الحافظ في ((النكت الظراف)) جـ٥ص٢٣٠-٢٣١: ما نصّه: وقال في
((التهذيب)): اعتمد أبو القاسم على ما وقع في بعض النسخ المتأخرة -وهو خطأ،
والصواب ((محمد بن جُبير)» - وهو ابن مطعم- كذا هو في الأصول المعتمدة من
النسائيّ، وكذا هو في ((مسند أحمد)) ج١ ص٢٢١- واعترضه مغلطاي بأنه رآه في
((مسند أحمد)) ج١ ص٣٦٧ - ((محمد بن جبير)) غير منسوب، وفي نسخة قرئت على أبي
الفرج ((محمد بن حُنين)) بنون مجودة، وفي بعض نسخ النسائيّ القديمة كذلك. وفي
نسخة قرئت على المنذريّ من النسائيّ الصغرى ((حنين)) وكذا هو في موضعين من
((التمهيد)) في هذا الحديث. وكذا ذكره أبو العبّاس الطرقيّ، وكذا في البيهقيّ في النسخة
التي قرئت على ابن الصلاح، وفي أخرى قديمة، قيل: إنها بخطّ البيهقيّ. وكذا في
(مسند البزار)) في نسخة قرئت على السّلَفيّ. وفي ((التلخيص)) للخطيب: ((محمد بن
حنين)) و((محمد بن جبير)) - أما الأول بالحاء المهملة، ونونين، فهو مولى العباس،
سمع ابن عباس، روى عنه عمرو بن دينار، ثم ساق هذا الحديث، وقال بعده: هو أخو
عبدالله، وعبيد أولاد حُنين. وكذا قال الدارقطنيّ، وابن ماكولا في ((الإكمال
ج٢ ص٢٧)- ((محمد بن حنين)) بحاء مهملة ونونين، يروي عن ابن عباس، وعنه عمرو
ابن دينار. انتهى (١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي مما ذُكر أن ((محمد بن حُنين)) هو
الصواب، لا ((محمد بن جُبير))، فلا وجه لتخطئة ما وقع في معظم نسخ ((المجتبى))،
و((الكبرى)) التي بين أيدينا، من أنه ((ابن حنين)). والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في النسخة ((الهندية)) من ((المجتبى)) ((محمد بن حُسين)) -بالسين
المهملة بعد الحاء المهملة- وهو تصحيف، بلا ريب. فتنبه. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((ممن يتقدّم الشهر)): أي يستقبله بالصوم، وهذا محمول على أن المراد استقباله
بنية صوم الفرض، فلا إشكال فيما سيأتي -٢١٩٠/٣٨ - من حديث أبي هريرة تطلّيه،
مرفوعًا: ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين، إلا رجل كان يصوم صياما، فليصمه)).
والحديث صحيح، كما تقدم الكلام عليه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
-
(١) - انظر ((تحفة الأشراف)) ج٥ ص ٢٣٠-٢٣١.
٠

٣١١
١٣- ( ذکرُ الاختلاف على منصُورِ فِي ... - حديث رقم ٢١٢٦
١٣- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَنْصُورٍ
فِي حَدِيثٍ رِبِيٍّ فِیهِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((فيه)) الضمير يعود إلى إكمال شعبان أيضًا.
ووجه الاختلاف على منصور في هذا الحديث أن جرير بن عبدالحميد رواه عن
منصور، عن رِبعيّ بن حِراش، عن حذيفة ◌َّه، وخالفه سفيان الثوريّ، فرواه عنه،
عن ربعيّ، عن بعض أصحاب النبيّ وَّر، وخالفهما الحجاج بن أرطاة، فرواه عن
منصور، عن ربعي، مرسلاً.
فأما اختلاف جرير، والثوريّ، فلا يؤثّر في صحّة الحديث، إذ المبهم في رواية
الثوريّ يفسّر بأنه حذيفة، فتتفق الروايتان، وعلى تقدير ترجيح رواية الثوريّ على رواية
جرير - كما سيأتي في كلام المصنّف- فكذلك لا يضرّ؛ لأن إبهام الصحابيّ لا يضرّ، إذ
الصحابة كلّهم عدول - كما أشار إليه الحافظ في ((الفتح))- (١).
وأما مخالفة الحجّاج، فلا اعتبار بها؛ لكونه كثير الخطإ، والتدليس، فمخالفته لا
تضرّ. والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجاج المزيّ في ((تحفة الأشراف)) جـ٣ ص٢٨ عن
المصنّف أنه قال: لا أعلم أحدًا من أصحاب منصور قال في هذا الحديث: ((عن
حُذيفة)) غير جرير، و((حجاجٌ)) ضعيفٌ لا تقوم به حجّة انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لم أر هذا الكلام للمصنف، لا في ((المجتبى))، ولا
في ((الكبرى)) في هذا الموضع، ولعله لاختلاف النسخ، أو ذكره في كتاب آخر. والله
تعالى أعلم.
ثم ظاهر كلام المصنّف المذكور يدلّ على أنه يرى ترجيح رواية الثوريّ بإبهام
الصحابيّ، على رواية جرير، وقد ذكرت فيما سبق أن هذا لا يضرّ في صحّة الحديث.
وأما رواية الحجاج بن أرطاة بالإرسال، فلا اعتداد بها؛ لعدم صحتها؛ لضعف
الحجّاج. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٢٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ
حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِ: ((قَالَ: لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ، حَتَّى تَرَوُا
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ٦١٧ .

٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
الْهِلَالَ قَبْلَهُ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا، حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ)) ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((إسحاق)): هو ابن راهويه الحنظليّ الثقة الحجة
[١٠]. و((جرير)): هو ابن عبدالحميد بن قرط الضبّيّ الكوفيّ، ثقة، صحيح الكتاب
[٨]. و((منصور)): هو ابن المعتمر الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]. و((رِبعيّ بن حراش)) -بكسر
الراء، وسكون الموحّدة، وبحاء مهلمة مكسورة، وراء مهملة، بعدها شين معجمة -:
هو أبو مريم العبسيّ الكوفيّ، ثقة عابد مخضرم [٢] ٥٠٨/٨ .
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٢١٢٦/١٣ و٢١٢٧ و٢١٢٨ - وفي
((الكبرى)) ٢٤٣٦/١٤ و٢٤٣٧ و٢٤٣٨. وأخرجه (د)١٩٨١ (أحمد) ١٨٠٧١. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٢٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (لَا
تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أَوْ تَرَوُا الْهِلَالَ، ثُمَّ صُومُوا، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوُا
الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ)).
أَرْسَلَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسنا كلهم رجال الصحيح، و((محمد بن
بشّار)): هو أبو بكر بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠]. و((عبدالرحمن)): هو ابن مهديّ
البصريّ الإمام الحجة [٩]. و((سفيان)): هو ابن سعيد الثوريّ الكوفيّ، الإمام الحجة
الثبت [٧] .
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: ((أرسله الحجاج بن أرطاة)): أي روى هذا الحديث عن منصور، عن ربعيّ،
عن رسول اللَّه ◌َ ليل بدون ذكر الصحابيّ، كما بيّن روايته بقوله:
٢١٢٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ
الْحَجَّاجِ ابْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا رَأَيْتُمَّ
الْهِلَالَ فَصُوَمُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَتِمُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، إِلَّا أَنْ
تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صُومُوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ، إِلَّا أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن حاتم)): هو ابن نُعيم المروزيّ، ثقة [١٠]
٦٦/ ١٨٠٠ انفرد به المصنّف. و((حِبّان)) -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة -: هو ابن
موسى المروزي، ثقة [١٠] ٣٩٧/١. و((عبدالله)): هو ابن المبارك الإمام الحجة

٣١٣ =
١٣- ( ذِكْرُ الاختلاف على منصُورِ فِي ... - حديث رقم ٢١٢٨
المشهور [٨] .
و((حجّاج بن أرطاة)) : -بفتح الهمزة- هو: حجاجُ بنُ أَرْطَاةَ بن ثور بن هُبيرة بن
شَراحيل النخعيّ، أبو أرطاة الكوفيّ القاضي، أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ
والتدليس [٧] .
قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نَجيح يقول: ما جاءنا منكم مثله -يعني الحجاج بن
أرطاة -. وقال الثوريّ: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه.
وقال العجليّ)) كان فقيها، وكان أحد مفتي مكة، وكان فيه تِيةٌ، وكان يقول: أهلكني
حبّ الشرف. وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان
يرسل عن يحيى بن أبي كثير، ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يَعِيب الناس منه
التدليس. قال: وكان الحجّاج راويًا عن عطاء، سمع منه. وقال أبو طالب عن أحمد:
كان من الحفّاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على
حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين:
صدوق ليس بالقويّ، يدلّس عن محمد بن عبيدالله العَرْزَميّ، عن عمرو بن شعيب.
وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: الحجاجُ بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي
سواء، وتركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثًا قط. وقال أبو زرعة: صدوق
يدلّس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلّس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال:
حدثنا فهو صالح لا يُرتاب في صدقه وحفظه، إذا بيّن السماع، ولا يُحتجّ بحديثه. لم
يسمع من الزهريّ، ولا من هشام بن عروة، ولا من عكرمة. وقال هُشيم: قال لي
الحجّاج بن أرطاة: صف لي الزهريّ، فإني لم أره. وقال ابن المبارك: كان الحجاج
يدلّس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شُعيب مما يحدثه العَرْزَميّ، والعرزميّ
متروك. وقال حمّاد بن زيد: قدِمَ علينا جرير بن حازم من المدينة، فکان يقول: حدثنا
قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء اللّه، ثم قدم علينا الحجاج ابن
ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان،
رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عُبيد، ومطرا الورّاق جُثَاةً على أرجلهم
يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟. وقال هشيم: سمعته يقول: استُفْتِيتُ، وأنا ابن
ستّ عشرة سنة. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: إنما عاب الناس عليه
تدليسه عن الزهريّ وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمّد الكذب فلا،
وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب
كثير، وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبّان: سمعت محمد بن نصر،
سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، عن عيسى بن يونس، قال: كان الحجاج بن

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
أرطاة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك؟ فقال: أَخْضُرُ مسجدكم حتى يزاحمني فيه
الحمّالون والبقّالون !. وقال الساجيّ: كان مدلسًا صدوقا سيء الحفظ، ليس بحجة في
الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به إلا فيما قال: أخبرنا، وسمعت. وقال
ابن سعد: كان شريفًا، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ
عندهم. وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يثني عليه،
ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه -يعني ممن لقيه- إلا عبدالله بن إدريس. وقال مسعود
السجزيّ، عن الحاكم: لا يُحتجّ به. وكذا قال الدارقطنيّ. وقال ابن عيينة: كنا عند
منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: مَن حدّثكم؟ قالوا: الحجاجُ بن أرطاة،
قال: والحجاج يكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرًا لكم. وقال ابن
حبان: تركه ابن المبارك، وابن مهديّ، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن
حنبل .
قال الحافظ: قرأت بخطّ الذهبيّ: هذا القولُ فيه مُجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه
التدليس، وكان فيه تِيه، لا يليق بأهل العلم انتهى. وقال إسماعيل القاضي: مضطرب
الحديث لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال والتدليس،
وتغيير الألفاظ .
قال الهيثم: مات بخراسان مع المهديّ. وقال خليفة: مات بالريّ. وأرّخه ابن حبان
في ((الثقات)) سنة (١٤٥). روى له البخاريّ متابعة تعليقًا في ((كتاب العتق))، والباقون،
وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث: برقم ٢١٢٨ و٣٧٠٢ و٣٧١٠ و٤٨٠٤
و ٤٩٨٤ و٤٩٨٥ .
والحديث مرسل ضعيف، كما سبق الكلام عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٢٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسِ، عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ إِ لَ، قَالَ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ،
فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالاً)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسحاق)): هو ابن راهويه المذكور قريبًا.
و((إسماعيل بن إبراهيم)): هو المعروف بابن عليّة البصريّ الثقة الثبت [٨]. و((حاتم بن
أبي صغيرة)): هو أبو يونس البصريّ، ثقة [٦] ١٨٠٠/٦٦. و((أبو صَغِيرة)) اسمه
مسلم، وهو جده لأمه، وقيل: زوج أمه. و((سماك بن حرب)): هو أبو المغيرة الكوفيّ،

١٣- ( ذِكْرُ الاختلافِ على منصُورِ فِي ... - حديث رقم ٢١٣٠
=
٣١٥
صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يُلقّن [٤] ٢/
٣٢٥. و((عكرمة)): هو مولى ابن عباس المدنيّ، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٣٢٥/٢.
وقوله: ((لا تستقبلوا الشهر استقبالا)): أي لا يتقدّمنّ أحد الشهر بيوم، أو يومين))،
وفي لفظ: ((لا تتقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين))، كما سيأتي في ٢١٧٢/٣١ و٣٢/
٢١٧٤، وتمام شرح الحديث قد سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا، وإن كان في سنده سماك، عن
عكرمة، وهو مضرب فيه، إلا أنه صحيح بما سبق من الأحاديث. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٢٩/١٣ و٢١٣٠ و٢١٨٩/٣٧- وفي «الکبری)) ٢٤٣٩/١٤ و ٢٤٤٠
و٢٤٩٩/٣٧. وأخرجه (د) في ((الصوم)) ٢٣٢٧ بنحوه (ت) في ((الصوم)) ٦٨٨. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَصُومُوا قَبَّلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِلرُّؤْيَةِ، وَأَفْطِرُوا
لِلُّؤْيَّةِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((قتيبة)): هو ابن سعيد. و((أبو الأحوص)): هو سلّام
ابن سُليم الحنفيّ الكوفيّ الثقة الثبت [٧] . والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: ((غياية)) -بغين معجمة، وتحتيتين، بينهما ألف ساكنة: قال ابن الأثير: أي
سحابة، أو قَتَرَة انتهى (١) .
وفي ((القاموس)): الغَيَايَة: ضَوْء شُعاع الشمس، وقَعْرُ البئر، وكلّ ما أظلّ الإنسان
من فوق رأسه؛ كالسحابة، ونحوها انتهى (٢).
والمعنى هنا: أنه إن حَجَبت دون رؤية الهلال سحابة، أو نحوها، فأكملوا عدّة
شعبان ثلاثين يومًا، ثم صوموا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) - ((النهاية)) ج٣ ص ٤٠٤ .
(٢) - ((القاموس)) في مادة غيي.

٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
١٤ - ( كَمِ الشَّهْرُ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ
عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ)(١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذکور أن معمرًا رواه عن الزهريّ،
عن عروة، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وخالفه صالح بن كيسان، وشعيب بن أبي
حمزة، فروياه عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عبّاس رضي
الله تعالى عنهما، لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما سبق؛ لكونه مرويا ثابتا
بالطريقين، فقد صرّح الزهريّ بأنه أخبره كل من عروة، كما في مسلم برقم ١٠٨٣
وعبيد الله، كما سيأتي في الرواية التالية، ولذا أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس
رضي اللّه تعالى عنهما، وأخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها،
فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٣١ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ، أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ
شَهْرًا، فَلَبِثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: أَيْسَ قَدْ كُنْتَ آلَيْتَ شَهْرًا؟ فَعَدَدْتُ الْأَيَّامَ، تِسْعًا
وَعِشْرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (نصر بن عليّ الجَهْضَميّ) البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٣٨٦/٢٠.
٢- (عبدالأعلى) بن عبدالأعلى الساميّ البصريّ، ثقة [٨] ٣٨٦/٢٠.
٣- (معمر) بن راشد الصنعانيّ، ثقة ثبت [٧] .
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] .
٥- (عروة) بن الزبير المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣].
٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف تَخْذَهُ. ومنها: أن نصفه الأول مسلسل
بالبصريين، ومعمر وإن كان صنعانيًا إلا أنه بصري الأصل، ونصفه الثاني مسلسل
بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه
عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((في خبر عائشة)) وَثّها بالإضافة.

١٤ - ( كَم الشَّهْرُ، وَذِكْرُ الاخْتِلافِ ... - حديث رقم ٢١٣١
٣١٧
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ﴾ أي حلف (أَنْ
لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا) لغضب عليهنّ بسبب إفشاء حفصة سرّا إلى عائشة رَّهنا، كما
سيأتي بيانه في الحديث التالي (فَلَبِثَ) في محلّ اعتزاله عنهنّ (تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي ثم
دخل عليهنّ. وفي رواية مسلم: ((فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ رسول الله
وَير، قالت: بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهرًا .... )).
[تنبيه] : استُشكل قولها المذكور في رواية مسلم: ((فلما مضت تسع وعشرون ليلة
دخل عليّ ... )) لأن مقتضاه أنه دخل في اليوم التاسع والعشرين، فلم يكن ثَمَّ شهرٌ، لا
على الكمال، ولا على النقصان.
[وأجيب] : بأن المراد فلما مضت تسع وعشرون ليلة بأيامها، فإن العرب تؤرّخ
بالليالي، وتكون الأيام تابعة لها، ويدلّ لذلك قوله في حديث أم سلمة تعطّها عند
البخاريّ وغيره: ((فلما مضى تسعة وعشرون يومًا)).
[فإن قلت]: في ((صحيح مسلم)) من حديث جابر رَمَّه في هذه القصّة: ((فخرج
إلينا صباح تسع وعشرين))، وهو صريح في أنه كان دخوله في التاسع والعشرين.
[قلت] : أجيب عنه بأن معناه صباح الليلة التي بعد تسعة وعشرين يوما، وهي
صبيحة ثلاثين، وهذا هو المعنى جمعًا بين الروايات، فإن قوله: ((فلما مضى تسعة
وعشرون يومًا)) يقطع النزاع في ذلك. هكذا تأوله النوويّ في ((شرح مسلم)) تبعًا للقاضي
عياض، فإنه قال بعد ذكره اختلاف الروايات في ذلك: معناه كله: بعد تمام تسعة
وعشرين يومًا، يدلّ عليه رواية: ((فلما مضى تسع وعشرون يومًا)). انتهى. أفاده في
((الطرح)) (١).
قالت عائشة (فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ كُنْتَ آلَيْتَ) أي حلفت (شَهْرًا؟) ظرف لعدم الدخول،
أي حلفت أن لا تدخل علينا شهرًا، وليس ظرفا لـ((آليت))، ويدلّ على ذلك سائر
الروايات (فَعَدَدْتُ الْأَيَّامَ، تِسْعًا وَعِشْرِينَ) لفظ مسلم: ((وإنك قد دخلت عن تسع
وعشرين أعدّهنّ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ له: ((الشّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ))) ((ال)) للعهد، أي هذا
الشهر، وهذا يقتضي أن الشهر کان بالهلال، لا بالأيام، وكأنه خفي الهلال على الناس،
وعلم النبيّ وَّل به بقول جبريل، كما يدلّ عليه حديث الباب التالي، فلذا اعترضت
(١) - انظر ((الطرح)) ج٤ ص ١١٩.

٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
عائشة بما اعترضت، فبيّن لها النبيّ وَله حقيقة الأمر، لكن مقتضى العدّ أن الشهر كان
على الأيام، إلا أن يقال: زعمت عائشة أن الشھر ثلاثون، وإن رؤي الهلال قبل ذلك،
وهذا بعيد. قاله السنديّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢١٣١/١٤ - وفي ((الكبرى))٢٤٤١/١٥. وأخرجه (م) في ((الصيام))
١٨١٣ (ت) في ((التفسير))٣٢٤٠ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤١٣٦. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كمّيّة الشهر، أي عدده،
وذلك أن الشهر كما يكون ثلاثين يكون تسعًا وعشرين؛ لأن حقيقة الشهور العربيّة مبنيّة
على رؤية الهلال، وهو تارة يرى بعد ليلة الثلاثين، فيكون الشهر ثلاثين، وتارة يُرى في
ليلة الثلاثين، فيكون تسعًا وعشرين.
(ومنها): جواز معاقبة الأزواج بعدم الدخول عليهنّ شهرًا (ومنها): جواز هجران
المسلم فوق ثلاثة أيام، إذا تعلقت بذلك مصلحة دينية؛ من صلاح حال المهجور،
وغير ذلك، ومن ذلك ما إذا كان المهجور مبتدعًا، أو مجاهرًا بالظلم والفسوق، فلا
يحرم مهاجرته، وأما قوله وَله: ((ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)) -متفق
عليه- فمحلّه ما إذا كان الهجران لحظوظ النفس، وتعنتات أهل الدنيا.
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: في ((الروضة)): قال أصحابنا وغيرهم: هذا في
الهجران لغير عذر شرعيّ، فإن كان عذرٌ بأن كان المهجور مذموم الحال؛ لبدعة، أو
فسق، أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر، أو المهجور، فلا يحرم، وعلى هذا
يُحمل ما ثبت من هجر النبيّ وَلّر كعب بن مالك وصاحبيه، ونهيه ◌َّل عن كلامهم،
وكذا ما جاء من هجران السلف بعضهم بعضًا انتهى (١).
(ومنها): أن هذا الحديث صريح أن حلفه وَ ليو كان على الامتناع من الدخول على
-
(١) - انظر ((طرح التثريب)) ج٤ ص١١٩ - ١٢٠.

٣١٩ =
١٤ - ( كَمِ الشَّهْرُ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ ... - حديث رقم ٢١٣٢
أزواجه شهرًا، فتبيّن أن قوله في حديث أم سلمة، وأنس، وغيرهما ثه: ((آلى النبيّ
وَلّ من نسائه)) أريد به ذلك، ولم يُرَد به الحلف على الامتناع من الوطء، والروايات
يفسّر بعضها بعضًا، فإن الإيلاء في اللغة مطلق الحلف، لكنه مستعمل في عرف الفقهاء
في حلف مخصوص، وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا، أو مدّة تزيد
على أربعة أشهر، فلا يستعمل الإيلاء عندهم فيما عدا ذلك، والإيلاء على الوجه
المذكور حرام؛ لما فيه من إيذاء الزوجة، وليس هو المذكور في الحديث، ولو حلف
على الامتناع من وطء الزوجة أربعة أشهر، فما دونها لم يكن حرامًا، وتعديته في حديث
أم سلمة وغيرها بـ((من)) يدلّ على ذلك؛ لأنه راعى المعنى، وهو الامتناع من الدخول،
وهو يتعدّى بـ((من)). قاله الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٣٢- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي،
عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، حَدَّثَهُ ح و أَخْبَرَنَا
عَمْرُو بْنٌ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعِ، قَالَ أَنْبَأَتَاَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ :
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَزَّلْ حَرِيصًا، أَنْ
أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ، مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ اللَّتَيْنِ قَالَ اَللَّهُ لَهُمَا:
﴿ إِن نَنُوَبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَاعْتَزَلَ
رَسُولُ اللّهِ بِهِ نِسَاءَهُ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، تِسْعًا
وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَالَ: ((مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا))، مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ
عَلَيْهِنَّ، حِينَ حَدَّثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَدِيثَهُنَّ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعْ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَى
عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ، آلَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا
شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا مِنْ تِسْع وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، نَعُدُّهَا عَدَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((الشَّهْرُ
تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً)) ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١- (عُبيدالله بن سعد بن إبراهيم) الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان،
ثقة [١١] ١٧ / ٤٨٠ .
٢- (عمه) يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل،
من صغار [٩] ٣١٤/١٩٦.
(١) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص١١٩.

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
٣- (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
٤- (صالح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقة
ثبت فقيه [٤] ٣١٤/١٩٦.
٥- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٤٧/١٠٨. من أفراد
المصنّف .
٦- (الحكم بن نافع) الْبَهْرَانيّ -بفتح الموحّدة، وسكون الهاء- مولاهم، أبو اليمان
الحمصيّ، ثقة ثبت [١٠] .
قال الأثرم: سئل أبو عبدالله عن أبي اليمان؟ فقال: أما حديثه عن صفوان، وحَرِیز
فصحيح. قال: وهو يقول: أخبرنا شُعيب، واستحلّ ذلك بشيء عجيب، قال أبو
عبدالله: كان أَمْرُ شعيب في الحديث عَسِرًا جدًا، وكان عليّ بن عيّاش سمع منه، وذكر
قصّة لأهل حمص أراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا، ثم
كلموه، وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا عنّي تلك الأحاديث، فقلت لأبي
عبدالله مناولة؟ قال: لو كان مناولة، كان لم يعطهم كُتُبًا، ولا شيئًا، إنما سمع هذا
فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كُتُب شعيب منّي بعدُ، وهو
يقول: أخبرنا. وقال القاسم بن أبي صالح الهمَذَانيّ، عن إبراهيم بن الحسين بن
ديزيل: سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع يقول: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت
الكتب من شُعيب؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأ عليّ، وبعضه أجازلي، وبعضه
مناولة، فقال: قل في كلّه: أخبرنا شُعيب. وقال المفضّل بن غسّان، عن يحيى بن
معين: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة؟ فقال: ليس هو مناولة،
المناولة لم أخرجها لأحد. وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أبي اليمان: كان شعيب عَسِرًا
في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة، فقال: هذه كتبي، وقد صححتها، فمن
أراد أن يأخذها مني فليأخذها، ومن أراد أن يَعرِض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من
ابني، فإنه قد سمعها مني. وقال سعيد بن عمرو البَرْدَعيّ، عن أبي زرعة الرازيّ: لم
يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثا واحدًا، والباقي إجازة. وقال البردعيّ: قلت
لمحمد بن يحيى في حديث أنس، عن أم حبيبة -يعني حديث : ((أرأيتَ ما تَلقى أمتي
من بعد ... )) الحديث -: حدثكم به أبو اليمان؟ فقال: نعم حدثنا به من أصله، عن
شعيب، عن ابن أبي حسين، فقلت: حدثنا به غير واحد عن أبي اليمان، فقالوا: ((عن
الزهريّ))، قال: لقّنوه ((عن الزهري))، قلت: قد رواه يحيى بن معين، فقال: يحيى بن